الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويأخذ العبد الفاضي على القرآن ما يسميه "خَلْط الأسماء" حيث تقول الآيات 84 - 86 من سورة "الأنعام" عن إبراهيم عليه السلام: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ
وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} . ووجه اعتراض العبقري الذي لم تلده ولادة في السُّخْف وضلال العقل أن ترتيب الأنبياء هنا لا يجرى على ترتيبهم التاريخي (ص 36 - 37) .
وهذا اعتراض لا معنى له أبداً، فالقرآن لم يقل إن هذا هو ترتيبهم التاريخي، ولم يستعمل في العطف بين أسمائهم إلا "الواو"، وهي حرف لمطلق الجمع، أي لا تفيد ترتيباً، بخلاف "ثُمّ" و"الفاء". فهذان سببان كافيان لإخراس المتنطع، ومع هذا فإننا نسوق أيضاً المعلومة التالية التي لو كان عنده ذرة من حساسية لانشقّت الأرض بعدها وابتعلته كما ابتعلت قارون. يا أيها المتنطع، قبل أن تقذف بيوت الناس بالحجارة أنظر إلأى زجاج بيتك وخَفْ عليه أن يفكر الآخرون في الردّ على حجارتك الطائشة التي لا تفيدك شيئاً بحجر واحد يحطمه لك تحطيماً! وبيتك الزجاجي الذي أقصده هو أسفار الأنبياء في العهد العتيق التي لا تخضع لأي ترتيب تاريخي رغم أن ذلك
الكتاب قائم على ترتيب الأحداث التي وقعت لبني إسرائيل ترتيباً تاريخياً، إذ وردت تلك الأسفار فيه على النحو التالي: أشَعْيا ثم إرميا ثم باروك ثم حزقيال ثم دانيال ثم هوشع ثم يوئيل ثم عاموس ثم عوبديا ثم يونان ثم ميخا ثم نحوم ثو حبقوق ثم صفنيا ثم هجاى ثم زكريا ثم ملاخى، على حين أن الترتيب التاريخي هو عاموس، هوشع، أشعيا، ميخا، صفنيا، ناحوم، حبقوق، إرميا، حزقيال، حجاى، عوبديا، زكريا، يوئيل، دانيال، وهذا ليس كلامنا نحن بل كلام علمائكم.
ويستمر عقل العصفور في هجومه الصبياني الأخرق على القرآن الكريم فيتهمه بأنه مأخوذ من أقوال الحنفناء وأشعار امرئ القيس وقصص سلمان الفارسي وكُتب جهلة اليهود والنصارى (ص 185) . ولو كان عنده هو والذين أًزُّوه على هلاكه مُسْكة من عقل ما فتح هذا الباب الذي إنما يفتح به على نفسه أبواب الجحيم، ترى لو أن الرسول عليه الصلام والسلام قد أخذ كلام الحنفاء وجعله قرآناً، فِلمَ سكت منهم من ظلوا أحياء إلى ما بعد بعثته كورقة بن نوفل، الذي سارع إلى الإيمان به وأعلن أنه لو امتدّ به الأجل إلى اليوم الذي يُقْدِم القرشَّيون فيه على إيذائه وإخراجه من مكة فلسوف يقف إلى جانبه
وينصره نصراً مؤزراً، وكأمية بن أبي الصلت، الذي كان عازماً على الدخول في دعوته والانضواء تحت رايته لولا أن وقعت غزوة بدر، وسقط بعض أقاربه قتلى بسيوف المسلمين؟ ترى لم سكتوا فلم يقولوا: إن محمداً إنما تعلّم منا واستوحى قرآنه من كلامنا؟ ولِمَ سكت كذلك أولاد من مات منهم قبل البعثة وأقاربهم كما هو الأمر في حالة زيد بن عمرو بن نُفَيْل، الذي كان ابنه سعيد من أوائل من لَبَّوْا دعوة الرسول ثم تبعه ابن عمه وصهره عمر بن الخطاب؟
ولقد توفرت لأمية كل الدواعي لفضح محمد لو كان الرسول عليه السلام قد استمد قرآنه منه ومن أمثاله. فقد رثى هَلْكَى قريش في غزوة بدر بقصيدة حاثية بلغت الغاية في التفجع عليهم والتحريض على الإسلام والمسلمي. وهذه القصيدة موجودة في ديوانه وفي كتب السيرة والتاريخ والأدب، ومع ذلك تقرؤها من أولها إلى آخرها فلا تجد فيها كلمة واحدة تتّهم محمداً بشيء. كذلك كان هناك أبو عامر الراهب، الذي كان الغِلّ يلتهم قلبه والذي كان يتصل بالبيزنطيين في الشام يستعين بهم على حربه صلى الله عليه وسلم وكان له بين سكان المدينة عيون وأنصار، ومع ذلك كله لم يحدث أن قتح فمه بكلمة تتهمه عليه السلام بالأخذ من الحنفاء حتى ولا لابنه حنظلة، الذي تمرد عليه وانحاز إلى الرسول عليه الصلاة والسلام
واستُشْهِد في معركة أحد حيث بلغ تحريض أبيه وتآمره على النبي والمسلمين المدى الأبعد.
ويزعم الأحمق الكذاب أن القرآن في قوله تعالى في الآية 103 من "النحل": {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} قد شهد أن المقصود بالذي أملى القصص الفارسية على محمد هو سلمان الفارسي (ص 191) . لكن الآية، كما جلىّ لكل من لم تَعْمَ عيناه وبصيرته كصاحبنا الغبي الذي طمس اللع على فؤاده ومدّ على بصره غشاوة، ليس فيها أية إشارة إلى سلمان أو أي قَصَصٍ فارسي. هذه واحدة، أما الثانية فإن الآية مكية، وسلمان لم يظهر في الأفق الإسلامي إلا في المدينة بعد الهجرة بفترة، فكيف يمكن أن تتكلم الآية الكريمة عن شخص لم يكن له حتى ذلك الحين ولا إلى ما بعد ذلك بأعوامٍ وجودٌ في حياة النبي عليه السلام؟ أرأى القارئ كيف فقد أعداء الإسلام العقل والحياء على هذا النحو الشائن المخزي؟ ونأتي إلى الثالثة، والثالثة ثابتة كما يقولون: فالمعروف أن سلمان هو الذي سعى إلى النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة طويلة مرهقة طوّف فيها بعدد من بلدان الشرق الأوسط حتى وصل إلى يثرب حيث بِيعَ، وهو الشريف الفارسي، بَيْع العبيد، وانتهى أمره بالدخول في الإسلام وملازمة النبي
عليه السلام والمثابرة على خدمته وخدمة دعوته بكل سبيل. وكانت قصص الأنبياء والأمم السابقة وآدم وإبليس وغير ذلك قد أصبحت تملأ القرآ،، فلم تعد هناك حاجة إلى ما في جعبة سلمان، أو كما قال أحدهم ذات مرة في سخافة حقيرة:"إلى الكنز المعرفي الثمين" الذي كان في حوزة سلمان والذي يدَّعى ذلك الأفاك ما ادّعى أفَاكنا الحالي أن الرسول عليه السلام كان يستمد منه.
أما الشعر الذي أَفَكَ هذا الكذاب بأن القرآن قد أخذ منه بعض العبارات فهو الأبيات التالية التي تُنْسَب لامرئ القيس:
دنت الساعة، وانشقً القَمَرْ
…
عن غزالٍ صادَ قلبي ونَفَرْ
مرَّ يومَ العيد بي في زينةٍ
…
فرماني فتعاطى فعَقَرْ
بسهامٍ من لحاظٍ فاتكٍ
…
فرً عنّى كهشِيم المحتظِر
وإذا ما غاب عني ساعةً
…
كانت الساعة أدهى وأمرّ
كُتِبَ الحسن على وجنته
…
بسحيق المسك سطراً مختصر
عادة الأقمار تسرى في الدجى
…
فرأيت الليل يسرى بالقمر
بالضحى والليل من طُرّته
…
فرقة ذا النور: كم شيء زهر
قلتُ إذ شقّ العذاُر خَدَّه:
…
دنت الساعة، وانشقّ القمر
(185 - 186) . العبارات التي زعم الكذاب أن القرآن قد أخذها من هذا الشعر هي العبارات التي تحتها خط. والله إنى لاستعجب من كل هذا الغباء الذي سوّل للأحمق أن يقول هذا الذي قاله. تَعْساً لك يا عبد الفاضي وليومٍ ولدتك فيه أمك! إنما ولدتْك للشقاء، فيا ويلك ثم يا ويلك! أهذا شعر يقوله امرؤ القيس؟ إن الأبعد لا يشمّ، لأنه لو كان يشم لأغلق فمه المنتن فلم ينبس ببنت شفة في هذا الموضوع. إن الركاكة تسربل الأبيات من بدايتها إلى خاتمتها، ولم يكن الشعر الجاهلي يوماً (فضلاً عن أن يكون هذا الشعر لامرئ القيس) ركيكاً بهذا الشكل المزري، ثم إن القصيدة تتغزل في غلام، ومتى كان الجاهليون يتعزلون في الغلمان؟ إن هذه الظاهرة لم تنشأ إلا في العصر العباسي يا أيها الغبي الأبلة!
ثم هل أن يقول أي شاعر جاهلي: "دنت الساعة، وانشق القمر"؟ والجواب: "كلا" بالثُّلُث، فالجاهليون لم يكونوا يستخدمون كلمة "الساعة" للدلالة على يوم القيامة. بل إن يوم القيامة لم يكن جزءاً من عقائدهم، اللهم إلا نفراً ضئيلاً منهم هم الحنفاء، الذين كانوا مع ذلك لا يؤمنون أكثر من مجرد إيمان عام بأن هناك عالماً آخر، أما دنوّ هذا اليوم فلم يكن يجري لهم في بال. ثم أين امرؤ القيس رغم ذلك كله من الحنفاء؟ كذلك ففكرة "انشقاق القمر" هي من
الأفكار التي يستحيل خطورها في عقل أي شاعر جاهلي سواء كان المراد أن القمر قد انشق فعلاً كما تقول بعض الروايات الخاصة بأسباب نزول الآية الأولى من سورة "القمر" أو كان المراد مجرد الإشارة إلى أن القمر سينشق مستقبلاً مع قيام الساعة على عادة القرآن في استعمال الفعل الماضي في كثير من الأحيان للدلالة على أحداث القيامة والعالم الآخر. ذلك أنه على المعنى الأول يكون "انشقاق القمر" معجزة من المعجزات، والجاهليون لم يكونوا يؤمنون بالمعجزات، أما على المعنى الثاني فحتى الطائفة الضئيلة التي كانت تعتقد، كما قلنا، اعتقادا عاماً في العالم الآخر لم يكن في ذهنها أن انشقاق القمر هو من مقدمات القيامة، فما بالنا بامرئ القيس؟
ولقد نَقَّبْتُ ذات يوم في أشعار الجاهلية للبحث عن كلمة "العيد" فلم أجد إلا شاهدين اثنين لا غير، أما عبارة "يوم العيد" بأكملها فلا وجود لها في ذلك الشعر. ثم هل يقول الجاهليون في أشعارهم ما جاء في البيت الأول مما لا يستطيع الإنسان أن يعقل له معنى من أن القمر قد انشق عن غزال صاد قلب الشاعر ونفر، أو ما جاء في البيت الرابع من أن ذلك الغلام قد فرّ عن الشاعر كهشيم المحتظر؟ أم هل كان من الممكن أن يتصوروا كتابة منقوشة على وجنة إنسان؟ إن هذا من مظاهر الترف الحضاري الذي لم يكن ليخطر لهم على بال! أم هل
كانت قصائدهم تعرف ألفاظاً وعبارات مثل "الطُرّة" و"عادة الأقمار" و"حِرْتَّ في أوصافه" أو الركاكات التي تجعل الشاعر يكرر كلمة "أحور" في البيت الثاني مرتين، أو جملة "دنت الساعة وانشق القمر" في أول القصيدة وآخرها دون أدنى مسوّغ إلا الهذر والإسهال اللفظي؟ أم هل جمع أي شاعر جاهلي كلمة "قمر" كما في البيت السابع من القصيدة التافهة التي بين أيدينا؟ أم هل يمكن أن يخضع أي شاعر جاهلي لضرورة القافية بحيث يقول:"سطراًَ مختصر" بدل "سطراً مختصراً"، أو أن يخطئ فيقول:"لحاظ فاتكٍ" بدلاً من "لحاظ فاتكة"؟
وأخيراً لقد كنت أستطيع أن أريح نفسي منذ البداية فأقول إن هذه القصيدة لا وجود لها في ديون امرئ القيس ولا في ديوان أي شاعر جاهلي، لكنى أردت أن أبين أن أي إنسان عنده مزّية الشمّ يستطيع على مسافة أميالٍ أن يعرف أنها ليست لامرئ القيس ولا لأي شاعر جاهلي أو إسلامي أو أموي أو حتى عباسي رغم أن التغزل بالغلمان قد بدأ في أيام العباسيين كما سلف القول، إذ إن طابع عصور الإنحطاط في تاريخ الأدب العربي واضح فيها أشد الوضوح. ونفس الشيء نقوله في البيتين الآخرين اللذين نسبهما صُوَيْحِبنا الجاهل أيضاً لامرئ القيس (ص 186)، وهما:
أقْبلَ والعشّاق من خلفه
…
كأنهم من حَدَبٍ يَنْسِلون
وجاء يومَ العيد في زينةٍِ
…
لمثل هذا فلْيعمل العاملون
وتَبْقَى كُتُب جَهَلة اليهود والنصارى: فأما النصارى فلو كان رسول الله قد تعلم شيئاً منهم لا نبرى له أَحَدُ من كان منهم في مكة أيام اضطهاد قومه له صلى الله عليه وسلم، مما من شأنه أن يغرى بتقوّل الأوقاويل عليه، قائلاً:"أنا الذي أخذتَ مني يا محمد كلامي وزعمتَ أنه قرآن ينزل عليك من السماء! ". ولقد ظهر النصارى مرة أخرى في حياته عليه الصلاة والسلام بالمدينة حين زاره وفد نصارى نجران، وفيهم سادتهم وعلماؤهم، فدعاهم عليه السلام إلى المباهلة، وهي قمة التحدي، فلماذا لم يقولوها؟ ولماذا لم يقلها بحيرا. الذي يطنطن المستشرقون أنه هو الذي علّمه عليه السلام؟ أما اليهود فإنهم لم يتركوا أي شيء يَرَوْنَ أنه يُفْسِد عليه أمره إلا وفعلوه، حتى لقد ذهبوا إلى قريش وزعموا أن أصنامهم ووثنيتهم وانحرافاتهم الأخلاقية خير من توحيد محمد وما يدعو إليه من مكارم الأخلاق، كما تآمروا على قتله وطَعْن دينه في ظهره ووضعوا أيديهم في أيدي الأحزاب في غزوة الخندق
…
إلخ، ورغم ذلك نراهم لم ينبسوا بكلمة واحدة عن أخذه المزعوم من كتبهم. ومعروف أن اليهود يتمتعون بوقاحة فائقة ولا يبالون أن يفتروا الكذب على أشرف الشرفاء، بيد أنهم خرسوا