الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
(261)
(مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله) قيل المراد به الإنفاق في الجهاد وقيل في جميع وجوه البر فيدخل فيه الواجب والتطوع (كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة) المراد بالسبع السنابل هي التي تخرج في ساق واحد يتشعب منه سبع شعب في كل شعبة سنبلة، والحبة اسم لكل ما يزدرعه ابن آدم، وقيل المراد بالسنابل هنا سنابل الذرة والدخن فهو الذي يكون منهما في السنبلة هذا العدد.
وقال القرطبي: إن سنبل الدخن يجيء في السنبلة منه أكثر من هذا العدد بضعفين وأكثر على ما شاهدنا، قال ابن عطية: وقد يوجد في سنبل القمح ما فيه مائة حبة، وأما في سائر الحبوب فأكثر ولكن المثال وقع بهذا القدر.
وقال الطبري: إن قوله في كل سنبلة مائة حبة معناه إن وجد ذلك وإلا فعلى أن يفرضه والذي ينبغي الاعتماد عليه في هذه الآية وأمثالها أن المقصود بها مجرد تمثيل زيادة الأجر وكثرة الثواب دون وجود ذلك.
(والله يضاعف لمن يشاء) يحتمل أن يكون المراد يضاعف هذه المضاعفة
لمن يشاء أو يضاعف هذا العدد فيزيد عليه أضعافه لمن يشاء لا لكل الناس، وهذا هو الراجح لما سيأتي.
وقد ورد القرآن بأن الحسنة بعشر أمثالها (1)، واقتضت هذه الآية أن نفقة الجهاد حسنتها بسبعمائة ضعف، فيبنى العام على الخاص، وهذا بناء على أن سبيل الله هو الجهاد فقط، وأما إذا كان المراد به وجوه الخير فيخص هذا التضعيف إلى سبعمائة بثواب النفقات ويكون العشرة الأمثال فيما عدا ذلك (والله واسع عليم).
أخرج مسلم وأحمد والنسائي والحاكم والبيهقي: عن ابن مسعود: " أن رجلاً تصدق بناقة مخطومة في سبيل الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة "(1).
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن خريم بن فاتك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أنفق نفقة في سبيل الله كتب له سبعمائة ضعف "(2) وأخرجه البخاري في تاريخه من حديث أنس.
وأخرجه أحمد من حديث أبي عبيدة وزاد " من أنفق على نفسه وأهله أو عاد مريضاً فالحسنة بعشر أمثالها ".
وأخرج ابن ماجه وابن أبي حاتم من حديث عمران بن حصين وعلي وأبي الدرداء وأبي هريرة وأبي أمامة وابن عمر وجابر كلهم يحدّث عن رسول
(1) أخرجه مسلم عن ابن مسعود.
(2)
مسلم عن أبي هريرة مثله.
الله صلى الله عليه وسلم " من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم يوم القيامة سبعمائة درهم، ومن غزا بنفسه في سبيل الله وأنفق في وجهه ذلك فله بكل درهم يوم القيامة سبعمائة ألف درهم "(1) ثم تلا هذه الآية (والله يضاعف لمن يشاء).
وأخرج أحمد من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، يقول الله: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به "(2) وأخرجه أيضاً مسلم.
وأخرج الطبراني من حديث معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: طوبى لمن أكثر في الجهاد في سبيل الله من ذكر الله فإن له بكل كلمة سبعين ألف حسنة منها عشرة أضعاف ".
وقد وردت الأحاديث الصحيحة في أجر من جهّز غازياً (3).
وأخرج أبو داود والحاكم وصححه عن سهل بن معاذ عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الصلاة والصوم والذكر يضاعف عن النفقة في سبيل الله سبعمائة ضعف "(4).
وأخرج أحمد والطبراني في الأوسط والبيهقي في سننه عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف "(5).
(1) أحمد 5/ 329.
(2)
أحمد في مسنده 2/ 443 - 2/ 477.
(3)
أحمد في مسنده 5/ 355.
(4)
روى مسلم في صحيحه 1895.
من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا وفي رواية: ومن خلَّف غازياً في أهله فقد غزا.
(5)
ضعيف الجامع الصغير/1493.
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263)
(الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله) هذه الجملة متضمنة لبيان كيفية الإنفاق الذي تقدم أي هو إنفاق الذين ينفقون، قيل نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، أما عثمان فجهز المسلمين في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وأحلاسها، وأما عبد الرحمن فجاء بأربعة آلاف درهم صدقة إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(ثمّ لا يتبعون ما أنفقوا مناً ولا أذى) المن هو ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها، وقيل المن التحدث بما أعطى حتى يبلغ ذلك المعطى فيؤذيه، والمن من الكبائر كما ثبت في صحيح مسلم (1) وغيره أنه أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب عظيم.
والأذى السب والتطاول والتشكي، قال في الكشاف: ومعنى (ثم) إظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المن والأذى وإنّ تركهما خير من نفس الإنفاق كما جعل الإستقامة على الإيمان خيراً من الدخول فيه بقوله (ثم استقاموا) انتهى.
فثم على هذا للتراخي في الرتبة، وقيل هو على بابه للتراخي في الزمان نظراً للغالب من أن وقوع المن والأذى يكون بعد الإنفاق بمدة، وقدَّم المنَّ على الأذى لكثرة وقوعه، ووسط كلمة " لا " للدلالة على شمول النفي لاتباع كل واحد منهما.
(لهم أجرهم) يعني ثوابهم في الآخرة (عند ربهم) فيه تأكيد وتشريف
(1) مسلم 106.
(ولا خوف عليهم) يعني يوم القيامة (ولا هم يحزنون) يعني على ما خلّفوا من الدنيا، وظاهر الآية نفي الخوف عنهم في الدارين كما تفيده النكرة الواقعة في سياق النفي من الشمول، وكذلك نفي الحزن يفيد دوام انتفائه عنهم.
وقد وردت الأحاديث الصحيحة في النهي عن المن والأذى وفي فضل الإنفاق في سبيل الله وعلى الأقارب وفي وجوه الخير، ولا حاجة إلى التطويل بذكرها فهي معروفة في مواطنها.
قال عبد الرحمن بن يزيد: كان أبي يقول: إذا أعطيت رجلاً شيئاً ورأيت أن سلامك يثقل عليه فلا تسلم عليه، والعرب تمدح بترك المن وكتم النعمة وتذم على إظهارها والمن بها، والأذى ما يصل إلى الإنسان من ضرر بقول أو فعل، والمراد هنا أن يشكو منهم بسبب ما أعطاهم.
(قول معروف) قيل الخبر محذوف أي أولى وأمثل، ذكره النحاس، قال: ويجوز أن يكون خبراً عن مبتدأ محذوف أي الذي أمرتم به قول معروف أي كلام حسن ورد جميل على الفقير السائل، وقيل عِدَة حسنة توعده بها وقيل دعاء صالح تدعو له بظاهر الغيب.
(ومغفرة) له في الحاجة مبتدأ أيضاً وخبره (خير من صدقة) وجاز الإبتداء بالنكرتين لأن الأولى تخصصت بالوصف والثانية بالعطف والمعنى أن القول المعروف من المسؤول للسائل، وهو التأنيس والترجية بما عند الله والرد الجميل خير من الصدقة التي (يتبعها أذى) وقد ثبت في صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم " الكلمة الطيبة صدقة "(1) وأن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق.
(1) مسلم 2224.
والمراد بالمغفرة الستر للخلة وسوء حالة المحتاج والعفو عن السائل إذا صدر منه من الإلحاح ما يكدّر صدر المسؤول، وقيل إن المراد أن العفو من جهة السائل لأنه إذا رده رداً جميلاً عذره، وقيل المراد فعل يؤدي إلى المغفرة خير من صدقة أي غفران الله خير من صدقتكم.
وهذه الجملة مستأنفة مقررة لترك اتباع المن والأذى للصدقة (1)، قال الضحاك: قول معروف رد جميل تقول يرحمك الله ويرزقك الله ولا تنهره ولا تغلظ له القول، وعن عمرو بن دينار قال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من صدقة أحب إلى الله من قول الحق " ألم تسمع قول الله (قول معروف) الآية أخرجه ابن أبي حاتم.
(والله غني) عن صدقة العباد لا يحوج الفقراء إلى تحمل مؤنة المن والأذى ويرزقهم من جهة أخرى (حليم) بتأخير العقوبة عن المانّ والموذي لا يعاجلهم بها لا أنهم لا يستحقونها بسببهما، والجملة تذييل لما قبله مشتملة على الوعد والوعيد مقررة لاعتبار الخيرية بالنسبة إلى السائل قطعاً.
(1) زاد المسير 151.
وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب ". المسبل هو الذي يسبل إزاره أو ثيابه أو قميصه أو سراويله حتى تكون إلى القدمين، لأنه صلى الله عليه وسلم قال. " ما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النار " وفي الحديث أيضاً:" ثلاثة لا يدخلون الجنة، العاق لوالديه، والمدمن الخمر، والمنان " رواه النسائي وفيه أيضاً: " لا يدخل الجنة خب ولا بخيل ولا منان " والخب هو المكر والخديعة، والمنان هو الذي يعطي شيئاً أو يتصدق به ثم يمن به. وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إياكم والمن بالمعروف فإنه يبطل الشكر ويمحق الأجر، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قول الله عز وجل:(يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى).