الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
(103)
(واعتصموا بحبل الله جميعاً) الحبل لفظ مشترك وأصله في اللغة السبب الذي يتوصل به إلى البغية، وهو إما تمثيل أو استعارة مصرحة أصلية تحقيقية، أمرهم سبحانه بأن يجتمعوا على التمسك بدين الإسلام أو بالقرآن.
وقد وردت أحاديث بأن كتاب الله هو حبل الله، وأن القرآن هو حبل الله المتين (1)، قال أبو العالية: بالإخلاص لله وحده. وعن الحسن بطاعته، وعن قتادة بعهده وأمره، وعن ابن زيد بالإسلام.
(ولا تفرقوا) بعد الإسلام كما تفرقت اليهود والنصارى أو كما كنتم في الجاهلية متدابرين. وقيل لا تحدثوا ما يكون عنه التفرق ويزول معه الإجتماع، والمعنى نهاهم عن التفرق الناشىء عن الاختلاف في الدين، وعن الفرقة، لأن كل ذلك عادة أهل الجاهلية.
(واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته اخواناً) أمرهم بأن يذكروا نعمة الله عليهم؛ لأن الشكر على الفعل أبلغ من الشكر على أثره، وبين لهم من هذه النعمة ما يناسب المقام وهو أنهم كانوا أعداء مختلفين يقتل بعضهم بعضاً وينهب بعضهم بعضاً، فأصبحوا بسبب هذه النعمة إخواناً في الدين، والولاية، ومعنى أصبحتم صرتم وليس المراد به معناه الأصلي وهو الدخول في وقت الصباح.
(1) رواه الطبري وإسناده صحيح ولفظه: " إن الصراط تحضره الشياطين ينادون يا عبد الله هلم هذا الطريق ليصدوا في سبيل الله، فاعتصموا بحبل الله فإن حبل الله هو كتاب الله.
وعن ابن جريج في الآية قال: ما كان بين الأوس والخزرج في شأن عائشة، قال ابن عباس كانت الحرب بين الأوس والخزرج عشرين ومائة سنة حتى قام الإسلام وأطفأ الله ذلك وألف بينهم.
(وكنتم) يا معشر الأوس والخزرج (على شفا) طرف (حفرة من النار) يعني ليس بينكم وبين الوقوع في النار إلا أن تموتوا على كفركم، ففي الكلام تشبيه، وشفا كل شيء حرفه وهو مقصور من ذوات الواو وجمعه أشفاء ويثنى بالواو نحو شفوان، ويستعمل مضافاً إلى أعلا الشيء وأسفله، فمن الأول شفا جرف، ومن الثاني هذه الآية، وأشفى على كذا أي قاربه، ومنه أشفى المريض على الموت.
قال يعقوب: يقال للرجل عند موته، وللقمر عند انمحاقه، وللشمس عند غروبها ما بقي منه أو منها إلا شفا أي إلا قليل.
(فأنقذكم منها) أي من هذه الحفرة بالإسلام، وهو تمثيل للحالة التي كانوا عليها في الجاهلية، قال السدي: يقول كنتم على طرف النار من مات منكم وقع في النار، فبعث الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم واستنقذكم به من تلك الحفرة، وقيل منها أي من الشفا لأنه المحدث عنه، وتأنيث الضمير لاكتساب المضاف التأنيث من المضاف إليه.
(كذلك) إشارة إلى مصدر الفعل الذي بعده أي مثل ذلك البيان البليغ (يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) إرشاد لهم إلى الثبات على الهدى والإزدياد منه.
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)
(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير) كلمة " من " للتبعيض وقيل لبيان الجنس، وقيل للتبيين، وقيل زائدة ورجح القرطبي الأول بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات يختص بأهل العلم الذين يعرفون كون ما يأمرون به معروفاً، وما ينهون عنه منكراً، وقد عينهم الله سبحانه بقوله:(الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة) الآية.
وروى ابن مردويه عن أبي جعفر الباقر عنه صلى الله عليه وآله وسلم الخير اتباع القرآن وسنتي.
وعن أبي العالية قال: كل آية ذكرها الله في القرآن في الأمر بالمعروف فهو الإسلام، والنهي عن المنكر، فهو عبادة الأوثان والشيطان انتهى، وهو تخصيص بغير مخصص، فليس في لغة العرب ولا في عرف الشرع ما يدل على ذلك.
وقال مقاتل بن حيان يدعون إلى الإسلام، ويأمرون بطاعة ربهم، وينهون عن معصية ربهم، وعن الضحاك في الآية قال هم أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة وهم الرواة انتهى.
ولا أدري ما وجه هذا التخصيص، فالخطاب في هذه الآية كالخطاب بسائر الأمور التي شرعها الله لعباده وكلفهم بها.
وفي الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوبه ثابت بالكتاب والسنة، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، وأصل عظيم
من أصولها، وركن مشيد من أركانها، وبه يكمل نظامها ويرتفع سنامها.
(ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) هذا من باب عطف الخاص على العام إظهاراً لشرفهما وإنهما الفردان الكاملان من الخير الذي أمر الله به عباده بالدعاء إليه، كما قيل في عطف جبريل وميكائيل على الملائكة، وحذف متعلق الأفعال الثلاثة أي يدعون ويأمرون وينهون لقصد التعميم أي كل من وقع منه سب يقتضي ذلك، والمعروف اسم لكل فعل يعرف بالعقل والشرع حسنه، والمنكر ضد ذلك، وهو ما عرف بالعقل والشرع قبحه.
(وأولئك) إشارة إلى الأمة باعتبار اتصافها بما ذكر بعدها (هم المفلحون) أي المختصون بالفلاح الكاملون فيه الفائزون، وتعريف المفلحين للعهد أو للحقيقة التي يعرفها كل أحد.
(ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا) هم اليهود والنصارى عند جمهور المفسرين فقد تفرق كل منهما فرقاً، واختلف كل منهما باستخراج التأويلات الزائغة وكتم الآيات النافعة وتحريفها لما أخلدوا إليه من حطام الدنيا، وقيل هم المبتدعة من هذه الأمة، وقيل الحرورية، والظاهر الأول.
وقيل وهذا النهي عن التفرق والاختلاف يختص بالمسائل الأصولية، وأما المسائل الفروعية الاجتهادية فالاختلاف فيها جائز، وما زال الصحابة فمن بعدهم من التابعين وتابعيهم مختلفين في أحكام الحوادث. وفيه نظر، فإنه ما زال في تلك العصور المنكر للاختلاف موجوداً، وتخصيص بعض المسائل بجواز الاختلاف فيها دون البعض الآخر ليس بصواب، فالمسائل الشرعيه متساوية الأقدام في انتسابها إلى الشرع.
أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وتفرقت
النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة " وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم عن معاوية مرفوعاً نحوه، وزاد: كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، وأخرج الحاكم عن ابن عمر مرفوعاً نحوه أيضاً وزاد: كلهم في النار إلا ملة واحدة فقيل له ما الواحدة قال ما أنا عليه اليوم وأصحابي (1).
وأخرج ابن ماجة عن عوف بن مالك مرفوعاً نحوه وفيه فواحدة في الجنة واثنتان وسبعون في النار قيل يا رسول الله فمن هم قال الجماعة، وأخرجه أحمد من حديث أنس، وفيه قيل يا رسول الله من تلك الفرقة قال الجماعة.
وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الأمر بالكون في الجماعة والنهي عن الفرقة.
(من بعد ما جاءهم البينات) يعني الحجج الواضحات المبينات للحق الموجبات لعدم الاختلاف والفرقة فعلموها ثم خالفوها، ولم يقل (جاءتهم) لجواز حذف علامة التأنيث من الفعل في التقديم تشبيهاً بعلامة التثنية والجمع (وأولئك لهم) أي لهؤلاء الذين تفرقوا واختلفوا (عذاب عظيم) في الآخرة، فيه زجر عظيم للمؤمنين عن التفرق والاختلاف.
عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من فارق الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من " عنقه " أخرجه أبو داود (2)، وعن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من سره أن يسكن بحبوحة الجنة فعليه بالجماعة، فإن الشيطان مع الفذ وهو من الإثنين أبعد "، رواه البغوي بسنده.
(1) المستدرك كتاب الإيمان 1/ 6.
(2)
صحيح الجامع الصغير 6286. المشكاة/185.
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107)
(يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) أي اذكر يوم القيامة حين يبعثون من قبورهم تكون وجوه المؤمنين مبيضة، ووجوه الكافرين مسودة، يقال إن ذلك عند قراءة الكتاب إذا قرأ المؤمن كتابه رأى حسناته فاستبشر وابيض وجهه.
وإذا قرأ الكافر كتابه رأى سيآته فحزن واسود وجهه، والتنكير في وجوه للتكثير أي وجوه كثيرة.
عن ابن عباس قال تبيض وجوه أهل السنة والجماعة. وتسود وجوه أهل البدعة والضلالة، وروي نحوه عن ابن عمر وأبي سعيد، قيل إن البياض كناية عن الفرح والسرور، والسواد كناية عن الغم والحزن، وقيل هما حقيقة تحصلان في الوجه.
(فأما الذين اسودت وجوههم) تفصيل لأحوال الفريقين بعد الإشارة إليها إجمالاً وتقديم بيان حال الكفار لما أن المقام مقام التحذير عن التشبه بهم مع ما فيه من الجمع بين الإجمال والتفصيل، والإفضاء إلى ختم الكلام بحسن حال المؤمنين كما بدأ بذلك عند الإجمال، ففي الآية حسن ابتداء وحسن اختتام، قيل هم أهل الكتاب، وقيل المرتدون، وقيل المبتدعون، وقيل الكافرون فيلقون في النار ويقال لهم:
(أكفرتم) الهمزة للتوبيخ والتعجيب من حالهم (بعد إيمانكم) قال أبو السعود والظاهر أن المخاطبين بهذا القول أهل الكتابين، وكفرهم بعد إيمانهم كفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إيمان أسلافهم، أو إيمان أنفسهم
به قبل مبعثه، أو جميع الكفرة حيث كفروا بعدما أقروا بالتوحيد يوم أخذ الميثاق في عالم الذر، أو بعدما تمكنوا من الإيمان بالنظر الصحيح والدلائل الواضحة والآيات البينة انتهى.
وقال الحسن هم المنافقون، وقال عكرمة هم أهل الكتاب آمنوا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل مبعثه ثم كفروا به. وقيل الذين ارتدوا زمن أبي بكر (فذوقوا العذاب) أمر إهانة وهو من باب الاستعارة ففي (فذوقوا) استعارة تبعية تخييلية وفي العذاب استعارة مكنية حيث شبه العذاب بشيٍء يدرك بحاسة الأكل والذوق تصوراً بصورة ما يذاق، وأثبت له الذوق تخييلاً، قاله الكرخي.
(بما كنتم تكفرون) صريح في أن نفس الذوق معلل بذلك، فهو مسبب عنه، بخلاف دخول الجة الآتي فلم يذكر له سبب إشارة أنه بمحض فضل الله.
(وأما الذين ابيضت وجوههم) يعني المؤمنين المطيعين لله عز وجل (ففي رحمة الله) أي فهم مستقرون في جنته ودار كرامته، عبر عن ذلك بالرحمة إشارة إلى أن العمل لا يستقل بدخول صاحبه الجنة، بل لا بد من الرحمة، ومنه حديث لن يدخل أحد الجنة بعمله وهو في الصحيح (هم فيها خالدون) جملة استئنافية بيانية كأنه قيل فما حالهم فيها.
عن أبي بن كعب قال صاروا فرقتين يوم القيامة يقال لمن اسود وجهه أكفرتم بعد إيمانكم فهو الإيمان الذي كان في صلب آدم حيث كانوا أمة واحدة. وأما الذين ابيضت وجوههم فهم الذين استقاموا على إيمانهم وأخلصوا له الدين فبيض الله وجوههم وأدخلهم في رضوانه وجنته. وقد روي غير ذلك.
تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109)
(تلك آيات الله) أي القرآن المشتمل على نعيم الأبرار وتعذيب الكفار أو التي تقدمت (نتلوها عليك) يا محمد متلبسة (بالحق) وهو العدل جملة حالية (وما الله يريد ظلماً للعالمين) جملة تذييلية مقررة لمضمون ما قبلها.
وفي توجه النفي إلى الإرادة الواقعة على النكرة دليل على أنه سبحانه لا يريد فرداً من أفراد الظلم الواقعة على فرد من أفراد العالم فضلاً أن يفعله، وفاعله محذوف أي ظلمه للعالمين، وأما ظلم بعضهم بعضاً فواقع كثيراً وكل واقع فهو بإرادته، واللام في " للعالمين " زائدة لا تعلق لها بشيء.
(ولله) وحده (ما في السموات وما في الأرض) أي مخلوقاته سبحانه يتصرف فيها كيف يشاء وعلى ما يريد، وعبر " بما " تغليباً لغير العقلاء على العقلاء لكثرتها أو لتنزيل العقلاء منزلة غيرهم إظهاراً لحقارتهم في بيان مقام عظمته تعالى.
قال المهدوي: وجه اتصال هذا بما قبله أنه لما ذكر أحوال المؤمنين والكافرين وأنه لا يريد ظلماً للعالمين، وصله بذكر اتساع قدرته وغناه عن الظلم لكون ما في السموات والأرض في قبضته، وقيل هو ابتداء كلام يتضمن البيان لعباده بأن جميع ما في السموات والأرض له ملكاً وخلقاً وعبيداً حتى يسألوه ويعبدوه ولا يعبدوا غيره.
(وإلى الله) أي إلى حكمه وقضائه لا إلى غيره لا شركة ولا استقلالاً (ترجع) أي تصير (الأمور) أي أموركم.