المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا - فتح البيان في مقاصد القرآن - جـ ٢

[صديق حسن خان]

الفصل: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا

فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ‌

(239)

(فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً) الخوف هو الفزع، والرجال جمع رجل أو راجل من قولهم رجل الإنسان يرجل رجلاً إذا عدم المركوب ومشى على قدميه فهو رَجِل وراجل، يقول أهل الحجاز مشى فلان إلى بيت الله حافياً رَجِلاً حكاه ابن جرير الطبري وغيره، ويجمع على رَجْل ورجَّالة (1)، فالراجل بمعنى الماشي له ثلاثة جموع، والركبان جمع راكب قيل لا يطلق إلا على راكب الإبل، ويقال لمن ركب الحمار والبغل حمار وبغال والأجود صاحب حمار وبغل، وهذا بحسب اللغة، والمراد بها هنا ما يعمّ الكل.

لما ذكر الله سبحانه الأمر بالمحافظة على الصلوات، ذكر حالة الخوف أنهم يصنعون فيها ما يمكنهم ويدخل تحت طوقهم من المحافظة على الصلاة بفعلها حال الترجل وحال الركوب، وأبان لهم أن هذه العبادة لازمة في كل الأحوال بحسب الإمكان.

وقد اختلف أهل العلم في حد الخوف المبيح لذلك، والبحث مستوفى في كتب الفروع، قال ابن عباس: يصلي الراكب على دابته والراجل على رجليه، وعن جابر بن عبد الله قال: إذا كانت المسايفة فليومىء برأسه حيث كان وجهه فذلك قوله (فرجالاً أو ركباناً).

والمعنى إن لم يمكنكم أن تُصلوا قانتين موفين حقوق الصلاة من إتمام الركوع والسجود والخضوع والخشوع لخوف عدو أو غيره فصلوا مشاة على أرجلكم أو ركباناً على دوابكم، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، وهذا في حال

(1) الراجِلُ: خلاف الفارس، والجمع رَجْلٌ مثل صاحب وصحب، ورجَّالة (راجع معجم الصحاح للجوهري، باب اللام فصل الرَّاء 4/ 1705، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار).

ص: 58

المقاتلة والمسايفة في وقت الحرب.

وصلاة الخوف قسمان (أحدهما) أن يكون في حال القتال وهو المراد بهذه الآية، وقسم في غير حال القتال وهو المذكور في سورة النساء في قوله (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) وسيأتي الكلام عليه في موضعه (1).

وفي إيراد هذه الشرطية بكلمة " إن " المنبئة عن عدم تحقق وقوع الخوف وقلته، وفي إيراد الشرطية الثانية بكلمة " إذا " المنبئة عن تحقق وقوع الأمن وكثرته مع الإيجاز في جواب الأولى، والإطناب في " جواب " الثانية من الجزالة ولطف الاعتبار ما فيه عبرة لأولى الأبصار.

(فإذا أمنتم) أي إذا زال خوفكم بعد وجوده أو لم يكن أصلاً فارجعوا إلى ما أمرتم به إتمام الصلاة مستقبلين القبلة، قائمين بجميع شروطها وأركانها وهو قوله (فاذكروا الله) وقيل معنى الآية خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة وهو خلاف معنى الآية (كما علمكم) أي ذكراً مثل ما علمكم من الشرائع أن يصلي الراكب على دابته، والراجل على رجليه، والكاف صفة لمصدر محذوف

(1) روى الكلبى عن أبي صالح عن ابن عباس وجابر رضي الله عنهم أن المشركين لمّا رأوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قامُوا إلى الظهر يُصلون جميعاً ندموا إلا كانوا أكبُوا عليهم، فقال بعضهم لبعض: دعوهم فإن لهم بعدها صلاة هي أحب اليهم من آبائهم وأبنائهم يعني صلاة العصر، فإذا قاموا فيها فشدوا عليهم فاقتلوهم، فنزل جبريل عليه السلام فقال: يا محمد إنها صلاة الخوف وإن الله عز وجل يقول: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) فعلّمه صلاة الخوف.

وعن جابر قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فصفنا صفين خلفه. والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم فكبرنا جميعاً ثم ركعنا وركعنا جميعاً ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه وقام الصف الآخر في نحر العدو.

فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصنف المقدم ثم ركع النبي صلى الله عليه وسلم وركعنا جميعاً ثم رفع رأسه ورفعنا جميعاً ثم انحدر بالسجود والصف الذي كان مؤخراً في الركعة الأولى وقام الصف المؤخر في نحر العدو فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود بالصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعاً ".

رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة والبيهقي.

ص: 59

وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241)

أي ذكراً كائناً كتعليمه إياكم أو مثل تعليمه إياكم (ما لم تكونوا تعلمون) فيه إشارة إلى إنعام الله تعالى علينا بالعلم، ولولا تعليمه إيانا لم نعلم شيئاً ولم نصل إلى معرفة شيء فله الحمد على ذلك.

ص: 60

(والذين يتوفّون منكم ويذرون أزواجاً) أي يقربون من الوفاة إذ المتوفى بالفعل لا يتصوّر منه وصية، وهذا عود إلى بقية الأحكام المفصلة فيما سلف.

وقد اختلف السلف ومن تبعهم من المفسرين في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة، فذهب الجمهور إلى أنها منسوخة بالأربعة الأشهر والعشر كما تقدم، وأن الوصية المذكورة فيها منسوخة بما فرض الله لهنّ من الميراث.

وحكى ابن جرير عن مجاهد أن هذه الآية محكمة لا نسخ فيها، وأن العدة أربعة أشهر وعشر، ثم جعل الله لهن وصية منها سكنى سبعة أشهر وعشرين ليلة فإن شاءت المرأة سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت، وقد حكى ابن عطية والقاضي عياض أن الإجماع منعقد على أن الحول منسوخ وأن عدتها أربعة أشهر وعشر.

(وصيّة لأزواجهم) قرىء بالنصب على تقدير فعل محذوف أي فليوصوا وصية أو أوصى الله وصية أو كتب الله عليهم وصية، وقرىء بالرفع ومعناه وصية الذين يتوفون وصية أو حكم الذين يتوفون وصية، والمعنى فيجب عليهم أن يوصوا لأزواجهم بثلاثة أشياء النفقة والكسوة والسكنى، وهذه الثلاثة تستمر سنة وحينئذ يجب على الزوجة ملازمة المسكن وترك التزين والإحداد هذه السنة.

ص: 60

(متاعاً إلى) تمام (الحول) أي متعوهن متاعاً أو جعل الله لهن ذلك متاعاً والمتاع هنا نفقة السنة، والمعنى أنه يجب على الذين يتوفّون أن يوصوا قبل نزول الموت بهم لأزواجهم أن يمتعن بعدهم حولاً كاملاً بالنفقة والسكنى من تركتهم (غير إخراج) أي لا يخرجن من مساكنهن (1).

(فإن خرجن) باختيارهن قبل الحول (فلا جناح) ولا حرج (عليكم) أي على الولي والحاكم (فيما فعلن في أنفسهن) من التعرض للخطاب والتزين لهم وترك الإحداد (من معروف) أي بما هو معروف في الشرع غير منكر، وفيه دليل على أن النساء كن مخيرات في سكنى الحول وليس ذلك بحتم عليهن، وقيل المعنى لا جناح عليكم في قطع النفقة عنهن وهو ضعيف لأن متعلق الجناح هو مذكور في الآية بقوله فيما فعلن.

(والله عزيز) أي غالب قوي في انتقامه ممن خالف أمره ونهيه وتعدى حدوده (حكيم) فيما شرعه من الشرائع وبين من الأحكام.

(1) ذكر علماء التفسير أن أهل الجاهلية كانوا إذا مات احدهم، مكثت زوجته في بيته حوْلاً، ينفق عليها من ميراثه فإذا تم الحول خرجت إلى باب بيتها ومعها بعره فرمت به كلياً وخرجت بذلك من عدتها (زاد المسير 1/ 286).

ص: 61

(وللمطلقات متاع بالمعروف) قد اختلف المفسرون في هذه الآية فقيل هي المتعة وأنها واجبة لكل مطلقة، وقيل إن هذه الآية خاصة بالثيّبات اللواتي قد جومعن، لأنه قد تقدم قبل هذه الآية المتعة واللواتي لم يدخل بهن الأزواج، وقد قدمنا الكلام على هذه المتعة والخلاف في كونها خاصة بمن طلقت قبل البناء والفرض، أو عامة المطلقات، وقيل إن هذه الآية شاملة للمتعة الواجبة وهي متعة المطلقة قبل البناء والفرض، وغير الواجبة وهي متعة سائر المطلقات فإنها مستحبة فقط، وقيل المراد بالمتعة هنا النفقة (حقاً على المتقين) يعني الذين يتقون الشرك.

ص: 61

كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (243)

ص: 62

(كذلك يبين الله لكم آياته) أي ما يلزمكم ويلزم أزواجكم والذي يجب لبعضكم على بعض (لعلكم تعقلون) أي لكي تعقلوا ما بينت لكم من الفرائض والأحكام وما فيه صلاح دينكم ودنياكم.

ص: 62

(ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم) الاستفهام هنا للتقرير، والرؤية المذكورة هي رؤية القلب لا رؤية البصر، والمعنى عند سيبويه تنبَّه إلى أمر الذين خرجوا، ولا تحتاج هذه الرؤية إلى مفعولين كذا قيل.

وحاصله أن الرؤية هنا التي بمعنى الإدراك مضمّنة معنى التنبيه. ويجوز أن تكون مضمنة معنى الانتهاء أي ألم ينته علمك إليهم، أو معنى الوصول أي الم يصل علمك إليهم، ويجوز أن تكون بمعنى الرؤية البصرية أي ألم تنظر إلى الذين خرجوا، وهم قوم من بني إسرائيل.

جعل الله سبحانه قصة هؤلاء لما كانت بمكان من الشيوع والشهرة يحمل كل أحد على الإقرار بها بمنزلة المعلومة لكل فرد أو المبصَرة لكل مبصر، لأن أهل الكتاب قد أخبروا بها ودوّنوها وأشهروا أمرها، والخطاب هنا لكل من يصلح له، والكلام جار مجرى المثل في مقام التعجب ادعاء لظهوره وجلائه بحيث يستوي في إدراكه الشاهد والغائب، قاله السعد التفتازاني وقيل الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة والعموم أولى.

(وهم ألوف) قيل ثلاثة آلاف أو أربعة وقيل عشرة آلاف، وقيل بضع وثلاثون ألفاً، وقيل أربعون ألفاً، وقيل سبعون ألفاً، وأصح الأقوال قول من

ص: 62

قال إنهم كانوا زيادة على عشرة آلاف، لأن الألوف من جموع الكثرة وحقيقته ما فوق العشرة، قاله القرطبي فدل على أنها ألوف كثيرة وجمع القليل آلاف، وقيل جمع ألف أو آلف كقاعد وقعود، والمعنى مؤتلفون والأول أولى والواو للحال.

(حذر الموت) أي مخافة الطاعون، وكان قد نزل بهم، وقيل إنهم أمروا بالجهاد ففروا منه حذر الموت (فقال لهم الله موتوا) أمر تكوين وتحويل وهو عبارة عن تعلق إرادته بموتهم دفعة، أو تمثيل لإماتته سبحانه إياهم ميتة نفس واحدة كأنهم أمروا فأطاعوا فماتوا (ثم أحياهم) يعني بعد موتهم بدعاء نبيهم حزقيل بعد ثمانية أيام أو أكثر فعاشوا دهراً عليهم أثر الموت لا يلبسون ثوباً إلا عاد كالكفن واستمرّ في أسباطهم.

(إن الله لذو فضل) التنكير للتعظيم أي لذو فضل عظيم (على الناس) جميعاً فيجب عليهم شكره، أما هؤلاء الذين خرجوا فلكونه أحياهم ليعتبروا وأما المخاطبون فلكونه قد أرشدهم إلى الاعتبار والاستبصار بقصة هؤلاء.

قال ابن عباس: كانوا أربعة آلاف خرجوا فراراًْ من الطاعون وقالوا نأتي أرضاً ليس بها موت، حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا قال لهم الله موتوا فماتوا فمر عليهم نبي من الأنبياء فدعا ربه أن يحييهم حتى يعبدوه فأحياهم، وإن القرية التي خرجوا منها داوردان، قيل هو حزقيل، ويقال له ابن العجوز، ويقال له ذو الكفل وهو ثالث خليفة في بني إسرائيل، لأن موسى بعده يوشع ثم كالب ثم حزقيل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم هذه القصة مطوّلة عن أبي مالك وفيها أنهم بضعة وثلاثون ألفاً، وقال سعيد بن عبد العزيز: إن ديارهم

ص: 63

هي أذرعات، وعن أبي صالح قال كانوا تسعة آلاف، وأخرج جماعة من محدثي المفسرين هذه القصة على أنحاء ولا يأتي الاستكثار من طرقها بفائدة.

وقد ورد في الصحيحين وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم النهي عن الفرار من الطاعون وعن دخول الأرض التي هو بها من حديث عبد الرحمن بن عوف (1).

(ولكن أكثر الناس لا يشكرون) يعنى أن أكثر من أنعم الله عليه لا يشكر.

(1) قال ابن الجوزي في زاد المسير 288

روى حصين بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن عن هلال بن يساف قال: كانت أمّة من بني إسرائيل إذا وقع فيهم الوجع، خرج أغنياؤهم، وأقام فقراؤهم، فمات الذين أقاموا، ونجا الذين خرجوا، فقال الأشراف: لو أقمنا كما أقام هؤلاء لهلكنا، وقال الفقراء: لو ظعنا كما ظعن هؤلاء سلمنا، فأجمع رأيهم في بعض السنين على أن يظعنوا جميعاً، فظعنوا فماتوا، وصاروا عظاماً تبرق، فكنسهم أهل البيوت والطرق عن بيوتهم وطرقهم، فمر بهم نبي من الأنبياء، فقال: يا رب لو شئت أحييتهم، فعبدوك، وولدوا أولاداً يعبدونك، ويعمرون بلادك. [قال: أو أب إليك أن أفعل؟ قال: نعم]. فقيل له: تكلم بكذا وكذا، فتكلم به، فنظر إلى العظام تخرج من عند العظام التي ليست منها إلى التي هي منها، ثم قيل له: تكلم بكذا وكذا، فتكلم به، فنظر إلى العظام تكسى لحماً وعصباً، ثم قيل له: تكلم بكذا وكذا، فنظر فإذا هم قعود يسبحون الله ويقدسونه. وأنزل الله فيهم هذه الآية. وهذا الحديث يدل على بعد المدة التي مكثوا فيها أمواتاً. وفي بعض الأحاديث: أنهم بقوا أمواتاً سبعة أيام، وقيل: ثمانية أيام.

ص: 64

وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)

ص: 65

(وقاتِلوا في سبيل الله) هو معطوف على مقدر كأنه قيل اشكروا فضله بالاعتبار بما قص عليكم، وقاتلوا، هذا إذا كان الخطاب بقوله (وقاتلوا) راجعاً إلى المخاطبين بقوله (ألم تر إلى الذين خرجوا) كما قاله جمهور المفسرين، وعلى هذا يكون إيراد هذه القصة لتشجيع المسلمين على الجهاد، وقيل إن الخطاب للذين أحيوا من بني إسرائيل فيكون عطفاً على قوله:(موتوا) وفي الكلام محذوف تقديره وقال لهم قاتلوا، وقال ابن جرير: لا وجه لقول من قال إن الأمر بالقتال للذين أُحيوا، وقيل العطف على حافظوا على الصلوات وفيه بُعد والأول أولى.

(واعلموا أن الله سميع) لما يقوله المتعلل عن القتال (عليم) بما يضمره وفيه وعد لمن بادر بالجهاد ووعيد لمن تخلف عنه.

(من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة) لما أمر سبحانه بالقتال والجهاد أمر بالإنفاق في ذلك، وإقراض الله مَثَلَ لتقديم العمل الصالح الذي يستحق به فاعله الثواب، وأصل القرض أنه اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء، يقال أقرض فلان فلاناً أي أعطاه ما يتجازاه، وقال الزجاج: القرض في اللغة البلاء الحسن والبلاء السيء.

وقال الكسائي: القرض ما أسلفت من عمل صالح أو سيء، وأصل الكلمة القطع ومنه المقراض.

واستدعاء القرض في الآية إنما هو تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه،

ص: 65

والله هو الغني الحميد، شبّه عطاء المؤمن ما يرجو ثوابه في الآخرة بالقرض كما شبه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء.

وقيل كنّى عن الفقير بنفسه العلية المنزهة عن الحاجات ترغيباً في الصدقة كما كنّى عن المريض والجائع والعطشان بنفسه المقدسة عن النقائص والآلام، ففي الحديث الصحيح إخباراً عن الله عز وجل " يا ابن آدم مرضت فلم تعدني واستطعمتك فلم تطعمني واستسقيتك فلم تسقني، قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي " وكذا فيما قبله أخرجه مسلم والبخاري وهذا كله خرج مخرج التشريف لمن كنّى عنه ترغيباً لمن خوطب به.

وقوله (حسناً) أي طيبة به نفسه من دون مَنٍّ ولا أذى، وقيل محتسباً، وقيل هو الإنفاق من المال الحلال في وجوه البر، وقيل هو الخالص لله تعالى ولا يكون فيه رياء ولا سمعة.

وقد اختلف في تقدير هذا التضعيف على أقوال، وقيل لا يعلمه إلا الله وحده، قاله السدي وهذا هو الأولى، وإنما أبهم الله ذلك لأن ذكر المبهم في باب الترغيب أقوى من ذكر المحدود، وقيل إلى سبعمائة ضعف، وقيل غير ذلك.

وأخرج الطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله إن الله ليريد منا القرض؟ قال نعم، قال: أرني يدك يا رسول الله فناوله يده قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي وله فيه ستمائة نخلة (1).

(1) رواه ابن أبي حاتم بإسناد ضعيف، مجمع الزوائد 6/ 321.

ص: 66

وقد أخرج هذه القصة جماعة من المحدثين.

وأخرج أحمد وابن المنذر من حديث أبي هريرة وفيه قال: والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة "(1).

وأخرج ابن حبان في صحيحه والبيهقي وغيرهما عن ابن عمر قال لما نزلت (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل) إلى آخرها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رب زد أمتى " فنزلت

(1) رواه أحمد في المسند من طريق مبارك بن فضاله عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي عثمان النهدي، وعلي بن زيد ضعفه غير واحد. والحديث حسن.

قد قال الشيخ أحمد شاكر: رواه ابن أبي حاتم عن أبي خلاد سليمان بن خلاد المؤدب عن محمد الرفاعي عن زياد ين الحصاص عن أبي عثمان النهدي، وزياد بن الجصاص، ذكره البخاري في " التاريخ الكبير " فلم يذكر فيه جرحاً، وهذا أمارة توثيقه عنده، ثم لم يذكره في الضعفاء، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال: ربما وهم. وهذا الحديث لم ينفرد به كما ترى، فقد رواه كما رواه علي ابن زيد بن جدعان بنحوه، فارتفعت شبهة الخطأ والوهم، وصح الحديث من الوجهين، والحمد لله ..

ص: 67

(من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة) قال رب زد أمتي، فنزلت (إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب).

وأخرج ابن المنذر عن سفيان قال لما نزلت (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رب زد أمتي، فنزلت (من ذا الذي يقرض الله) قال رب زد أمتي، فنزلت (مثل الذين ينفقون أموالهم) قال رب زد أمتي فنزلت (إنما يوفي الصابرون) وفي الباب أحاديث هذه أحسنها.

(والله يقبض ويبسط) حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح فلا تبخلوا عليه بما وسّع عليكم كيلا تبدل أحوالكم، ولعل تأخير البسط عن القبض في الذكر للإيماء إلى أنه يعقبه في الوجود تسلية للفقراء، هذا عام في كل شيء فهو القابض الباسط، والقبض التقتير، والبسط التوسيع، وفيه وعيد بأن بخل من البسط يوشك أن يبدل بالقبض، ولهذا قال (وإليه ترجعون) أي هو يجازيكم بما قدمتم عند الرجوع إليه، فإن أنفقتم مما وسع به عليكم أحسن إليكم، وإن بخلتم عاقبكم.

ص: 67

وعن قتادة يقبض الصدقة ويبسط قال يخلف (وإليه ترجعون) قال: من التراب وإلى التراب تعودون.

وعن ابن زيد قال: علم الله فيمن يقاتل في سبيل الله من لا يجد قوة وفيمن لا يقاتل في سبيل لله فندب هؤلاء إلى القرض فقال (من ذا الذي يقرض الله) قال: يبسط عليك وأنت ثقيل عن الخروج لا تريده، ويقبض عن هذا وهو يطيب نفساً بالخروج ويخلف له فقوّه مما بيدك يكن لك الحظ.

وقيل المعنى أن الله يقبض بعض القلوب حتى لا تقدر على الإنفاق في الطاعة وعمل الخير ويبسط بعض القلوب حتى تقدر على فعل الطاعات والإنفاق في البر.

وعن ابن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث شاء ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم مصرّف القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك " أخرجه مسلم (1).

وهذا الحديث من أحاديث الصفات التي يجب الإيمان بها وإمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تحريف ولا تعطيل ولا تأويل، وبهذا قال سلف هذه الأمة وأئمتها.

(1) رواه مسلم/2654 عن عبد الله بن عمرو بن العاص.

ص: 68