الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
طفولة العالم الإسلامي الراهن، بسنة 1858، بغية تتبع تطورها بمدى معين من الدقة. ولنأخذ تاريخاً آخر، وليكن سنة 1868، التي تسجل ميلاد مجتمع آخر: هو المجتمع الياباني الحديث. ها نحن إذن، وبفارق عشر سنوات تقريباً- وهو فارق غير معدود، أو لا يعتد به كثيراً، في حياة المجتمعات البشرية- أمام ظاهرتين معاصرتين لطفلين توأمين. ولكن العجيب أن نلاحظ، بأيِّ مدى من السرعة، استطاع الطفل الياباني، اجتياز الطور الذي أطلقنا عليه اسم (الطور ما قبل الاجتماعي) في نفسية الطفل. فهو قد قلد (الكبار) كسائر الأطفال، لكي يتعلم أول الأمر إنشاء الألفاظ، ولقد قلد أوروبا في هذا المجال بطبيعة الحال، فاشترى له (الأشياء) من غير ما فهم (للأفكار) التي تمثلها. ومع ذلك، فالعجيب حقاً، هو تلك السرعة التي تعوَّد بها هذا الطفل، على لغة الكبار من الأشخاص، حتى لقد اعْتُرِفَ له سنة 1905، بأنه قد أصبح يجيد الكلام بإطلاق المدافع في موقعة (ميناء أرثير Port Arthur)، وهي لغة سيئة بالتأكيد، ولكننا ندرس هنا حالة اجتماعية، وليس حالة أخلاقية! .. وهذه الحالة تبلور لنا حالتنا نحن، بصورة مميزة؛ إذ أننا، وحتى بعد مرور قرن من الزمان، لما نتعود بعد، على لغة كبار الأشخاص؛ فاليابان قد تمثلت (الأفكار)، بينما المجتمع الإسلامي لا يزال يشتري (الأشياء)!.
4 -
فوضى (الأشياء) و (الأفكار):
على أن هذا المجتمع ليس منغلقاً على ذاته: فهو يكون جزءاً من مجتمع عالمي (فوق صياغي Supertechnique)، يبيعه (الأشياء)، ويفرض عليه في الوقت نفسه مقاييسه، ويرغمه على إعداد اعتبار لمعاييره، وعلى تمثل ((أفكاره)) حسنها ورديئها. ولقد كان تطوره منذ نصف القرن، مشروطاً بهذه الرابطة المادية الصرف، والحتمية كذلك. ولقد ردّ المجتمع الإسلامي على مفعول هذه الرابطة، باعتبارها إلزاماً في الحقل الاقتصادي، و (فوق الإلزام) في المجال الفكري،
فكان رده هذا، لكي يتمكن من تحمل الثقل الساحق، لكومات (الأشياء) التي أدلخها في حياته، ولكي يستوعب الضغط الضخم (للأفكار) التي تهدد شخصيته وبقاءه: بالإلزام من طرف الأشياء، وما فوق الإلزام من طرف الأفكار؛ فما أن يقذف أحد مصمِّمي الأزياء في باريس بموضة خارجة عن العرف، حتى تثار مشكلة (الشوال) الأخلاقية بخطورة في العواصم الإسلامية، حيث يستدعي الحدث استفتاء المشايخ الموقرين في هذا الموضوع! وهكذا يمدنا المجتمع الإسلامي بمفاجآت تضيء لنا بوضوح طوراً غريباً من تطوره؛ وإننا لنلتقي في هذا المجتمع أحياناً بلمحات أكثر بهاء، وأشد جاذبية في الوقت ذاته، لدى بعض البلاد التي لا تزال في حداثة ذلك التطور، حيث لم يتخلص الجيل الراهن بعد، من الطور الاجتماعي السابق للطور الذي نحن بصدده. فنحن نرى؛ على سبيل المثال، الشرطة السعودية، تنظم حركة مرور هامة لقوافل السيارات التي تتضخم بشكل مفرط أثناء موسم الحج، حتى ليؤول الأمر بطبيعة الحال إلى تكاثر الزحام في بعض مراكز هذا المرور الوقتي، وبالخصوص في مكة وعرفات و (مِنَى)، وإذا بنا نرى الشرطي المنهمك بضخامة طابور العربات، يتصرف تماماً كما لو كان أمام قافلة من العير. لقد صادف أن كنت أؤدي فريضة الحج منذ حوالي ثلاث سنوات، فرأيت الشرطي، وهو منهمك لبعض الوقت، وإن كانت البسمة لا تفارق محياه، يطرق بضربات عصاه التي يمسكها في يده إذ ذاك، على ظهر العربة التي أوجد داخلها، تماماً كما لو كان يعطي نفس الضربات لأحد العير، كي يجعله يمر مسرعاً، ويدع القافلة تتقدم في سيرها! ولا ريب في أن هذه الصورة مفرطة في البساطة، باعتبارها علامة من علامات التطور الاجتماعي للعالم الإسلامي، ولكنها تترجم بدقة كافية عن طور من أطوار تطوره النفسي .. وإننا لنستطيع جمع صور أخرى، لها الدلالة العَرَضِيَّة نفسها، بالنسبة إلى الحالة الاجتماعية والنفسية الراهنة. ففي أثناء موسم الحج ذاته، يمكننا أن نشاهد على سبيل المثال، أحد الشبان (يطوف) في شوارع (المدينة) المزدحمة، على دراجة
مزخرفة، كما لو أعدت ليوم مهرجان، وقد جهزت دراجته الصغيرة، بقصاصات من الأوراق الزاهية الألوان، وغطيت العجلتان بالقطن (الكرتوني) المزهر؛ وعندما يمر في المساء، نرى في مؤخرة دراجته ثلاثة أو أربعة أضواء حمراء، وطاقماً كاملاً من الفنارات الأمامية .. فهذا الشاب كما هو مشاهد، مدفوع بشعور الغيرة لمنافسة مُلَاّك سيارات (الكدلاك Cadillacs)! .. وإن هذا النوع من الغيرة، ليجعلنا نبتسم بعض الشيء لسذاجته. ولكن لننتقل بنظرنا إلى أعلى من ذلك بقليل، وليكن في هذه المرة حول المناقشات الجارية في حياتنا الفكرية، حيث نرى الكثير من الجهود الكبيرة، والجديرة بالتقدير، تحاول أن تشق طريقاً أمام المجتمع الإسلامي؛ إننا نشاهد أحياناً بعض المحاولات المتميزة الرامية إلى أقْلَمَةِ أفكار يمكن أن تكون شديدة الأصالة بالنسبة إلى وسطها الأصلي، ولكنها تبدو في وسطنا نحن، قريبة الشبه بتلك الطُّرَفِ العصرية التي (تبعثرها) الصدفة أحياناً، في قرانا الجزائرية، والتي نجهل تاريخها واستعمالها. وبهذه الطريقة عينها، تبث الصدفة أحياناً، في أدبنا مواضيع غير منتظرة. فهؤلاء المولعون بالشعر والبدع الخرقاء، ربما وجدوا لذة مستعذبة في بابها، تضمنها مقطع شعري من شعر (الزهاوي)، أراد به الشاعر أن يعطينا نوعاً من التفسير لنشأة الكون، فذكر أن أصل الخليقة هو (الأثير)! .. وهذا أمر حسن ولا شك من ناحية (القافية)! .. ولكن الشاعر الكبير، لم يتصور. أن الإله الذي وضعه أصلاً لنظريته في نشأة الكون حوالي سنة 1925م، قد هلك منذ أكثر من عشر سنوات قتيلاً على يد (فيزياء) القرن العشرين؛ إلا أن هذا الإله الهالك، لا يزال يجر خطاه في عدد لا يستهان به من مباحثنا الأدبية والفلسفية: فقد دخل في عالم (أفكارنا)، في الوقت نفسه الذي لفظه فيه العلم من عالمه! ..
وفي أيامنا هذه تُدَاعَبُ النزعة الوجودية في العالم الإسلامي، حيث يبذل - أو على الأصح- بذل مجهود معين، لأقلَمة بعض الأفكار (السارترية