المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أثر الاتصال بالأدب الأجنبي - في الأدب الحديث - جـ ١

[عمر الدسوقي]

الفصل: ‌أثر الاتصال بالأدب الأجنبي

‌أثر الاتصال بالأدب الأجنبي

جـ- ثر الاتصال بالأدب الأجنبي:

كان من الطبيعيّ أن يتأثر الشرق العربيّ، ولا سيما مصر، ولبنان، بهذا الاتصال المباشر بالأدب الأجنبي، ففي مصر يجثم الاحتلال الإنجليزي على صدر الوادي الخصيب، ويشتد نفوذ الأجانب من كل دولة، يفدون أفواجًا ينشدون الغنى والسعادة في هذه البلد المضيافة والأرض البكر، وتفرض اللغة الإنجليزية على تلاميذ المدراس المصرية، ويعمد الأدباء اللبنانيون والسوريون الذين يمموا صوب مصر هربًا بحرياتهم إلى الأدب الغربيّ ينقلون منه ألوانًا شتّى إلى اللغة العربية.

ولا أريد في هذه العجالة أن أتقصَّى أثر الفكر الغربي في العقل العربيّ والنتاج الأدبيّ، فإن هذا الامتزاج بين الثقافتين لم تظهر آثاره الحقيقية إلا بعد فترة طويلة من الحقبة التي نؤرخ لها، حين شبَّ جيلٌ من الأدباء في هذه البيئة التي تلتقي فيها تعاليم محمد عبده وجمال الدين الأفغاني ووطنية عبد الله نديم، وأدب حسين المرصفي والسيد بن علي المرصفي بقصص هوجو وفولتير وراسين وكورني وشكسبير وعشرات من قصاص فرنسا وإنجلترا وغيرهما، ولكن كانت السمة الغالبة على أخريات القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين هي ازدياد نفوذ الأدب الأجنبيّ وإعجاب أبناء البلاد العربية به، فتمنَّى الشعراء أن يجددوا في الشعر، وأن ينسجوا على منوال شعراء الغرب، بل كان منهم من يود التحرر من قيود الشعر العربيّ، ويأخذ بحرية الشعر الفرنجي، فهتف حافظ بقوله:

آن يا شعر أن نفك قيودًا

قيدتنا بها دعاة المحال

فارفعوا هذه الكمائم عنا

ودعونا نشم ريح الشمال

ويقصد بالشمال بلاد الغرب، وإن عجز حافظ عن فك القيود ولم يستطيع أن يخرج خروجًا تامًّا على الصور القديمة مهما كانت روحه التجديدية

ص: 390

راغبة في ذلك1، ولكن مما لا ريب فيه أن كثيرًا من المعاني الجديدة والصور الغربية والخيال الاوربي قد ابتدأ يتسرب إلى أفكار الشعراء وأخيلتهم، وإن لم يظهر أثره إلّا بعد مدة، وفي جيلٍ غير هذا الجيل الذي شهد زحف الآداب الغربية أول الأمر، وكم كان بودي أن أقف هنا وقفةً طويلةً لأبين هذا الأثر، ولكن موعدنا به في الجزء التالي إن شاء الله.

أما النثر فقد كان التأثير فيه شديدًا، لانطلاقه وعدم تقيده بقوالب وأوزان وقوافٍ، ولأن النثر الغربي المترجم كان الكثرة الغالبة، ولا سيما القصة كما رأيت2، وهنا يجدر بنا أن نتأنى قليلًا، فإن القصة قد صار لها في عالم الأدب العربي شأن كبير، وكانت الحقبة التي نؤرخ لها هي حقبة الحضانة التي نمت فيها القصة، وأخذت بعد ذلك تتفتح وتزدهر وتجري على الألسانة والأقلام، والقصة هي أكثر أنواع الأدب شيوعًا في الغرب، بل إن الأدب الغربي يتسم بأنه أدب القصة، وليس كذلك الأدب العربي، فلم كان هذا؟ وهل ما يدعيه بعض النقاد الغربيين، ويتبعهم في ذلك كثير من الكتاب العرب -من أن العقلية العربية مجدبة، عقيمة الخيال، ادعاء صحيح؟؟ -إن هذا الموضوع يتطلب منا كلمة موجزة قبل أن نفرغ من هذه الكتاب؛ لأن النثر -وهو كما قلنا قد تأثر بالأدب الغربي أكثر من الشعر- قد صار له ثوبان يظهر فيهما: القصة والمقالة.

1-

القصة:

وموضوع القصة موضوع طويل وشائق، فهناك تاريخ القصة ونشأتها في العالم، وأنواع القصة من: خرافة ومثل، وحكاية، وأقصوصة، ورواية، ثم ألوان الرواية من: واقعية أو خيالية أو تاريخية أو نفسية، إلى آخر هذه الأبحاث، ثم هناك شروط القصة وكيفية بنائها، وما يشترط في المقدمة والحوادث والعقدة والجو والحل، وهل تخالف القصة القصيرة في تركيبها وإنشائها الرواية؟ وبعد ذلك كله

1 الإسلام والتجديد لدكتور شارلس أدمس ص209.

2 راجع في تأثر النثر العربي الحديث بالقصة العربية، كتاب الدكتور إسماعيل أدهم عن "توفيق الحكيم الفنان الحائر" حلب سنة 1939.

ص: 391

هناك القصص الأوربي، والقصص العربي، وهل الأدب العربي كما يزعم بعض الباحثين مجدب من القصة؛ كل هذه موضوعات كنا نود البحث فيها، وإيفاؤها حقها1، ولكنها كما ترى طويلة وتحتاج إلى كتاب خاصٍّ نتناول فيه القصص منذ نشأته إلى اليوم، يتعرض للقصص العربي بالتفصيل مبتدئًا بالعصر الجاهلي، والموازنة بين خرافات الجاهلية وأساطير اليونان والرومان؛ ثم يتكلم على قصص القرآن، ثم القصص الإبداعي في العصر الأموي، أي: قصص الحب العذريّ، ثم تأثر الأدب العربي بالآداب الأجنبية، ولا سيما الأدب الفارسي، وظهور كليلة ودمنة، وقصص ابن عبدوس الجهشياري، والصادح والباغم، ثم ظهور المقامات، وبعد ذلك كله ظهور ألف ليلة وليلة، ومقدار ما به من فن، ومنزلته في عالم الأدب، ويتعرض الباحث في الأدب العربي حين يكتب في كل هذا للأثر العربي الخالص في هذه القصص، وللتأثير الأجنبي فيها؛ ليستخلص من كل ذلك حكمًا على العقلية العربية، وعلَّك قد رأيت من إثارة هذه الموضوعات أمامك أنها تحتاج إلى كتاب خاص، يتكلم عنها بإسهاب ويوفيها حقها من البحث والتمحيص، ولعل ذلك يكون قريبًا.

أما الآن فإني أتعرض للقصة من ناحية واحدة، دعاني إليها كثرة ما ترجم من أدب الغرب وقصصه في أخريات القرن التاسع عشر والقرن العشرين، ودعوى الغربيين بأنها نتاج يصعب على العرب إخراج مثله؛ إذ ينقصهم الخيال المبتكر والعقل الخالق.

يدعي هؤلاء أن السبب في فقدان القصة من الأدب العربي هي البيئة التي عاش فيها العرب دهورًا طويلة في صحرائهم المجدبة، التي قلما يطرأ على بساطها تغير، فشمسها ضاحية، وهواؤها راكد، لا غابات فيها تشق أشجارها أجواز الفضاء، وتتلون أوراقها ألوان مختلفة تبعًا لتغير فصول السنة، ويشعر من يغشاها برهبة تملأ جوانحه، وقشعريرة تسري في بدنه، ولا كهوف فيها تتحدث عن شعوب اتخذتها مسكنًا أمدًا غير يسير، ثم هجرتها، بعد أن تحضرت، وخلفت

1 راجع دراسات أدبية ج1 المؤلف، ففيه فصل ضافٍ عن أدب القصة.

ص: 392

فيها آثارًا لا تزال ناطقة، ولا سماء صاخبة متقلبة مزمجرة هادرة، ولا جبال يكسوها الثلج فيخطف البصر ويظهر جبروت الطبيعة؛ فلا بدع إذا جاء الخيال الساميّ صورة من هذه الصحراء، وعلى العكس من ذلك البيئة التي عاش فيها الآريون قبل أن يدخلوا إلى أوربان وهي شمال بلاد الهند، فإن الطبيعة فيها قاسية قسوة عارمة، والمناظر متنوعة، والغابات كثيفة دكناء، والجو متلقب لا يستقر على حال، فالرعود القاصفة، والريح العاصفة، والمطر الهطال، والبروق الخطافة، والسحب تتراكم في السماء كأنها جيوش يدفع بعضها بعضًا، وقد بثت هذه الطبيعة في نفس الإنسان الذي عاش في أحضانها شيئًا من الخشية والرعب وألهمته الأساطير والخرافات، فكان ذلك بدء القصة، وقد اختزن العقل الأوربي من صور هذه الحياة الأولى شيئًا غير قليل، وكان له بهذا الخيال المجنح والعقلية الخصبة، والنظرة الفاحصة، وهذه المواهب هي القصة.

فالقصة في نظرهم الصورة المثلى التي يتجلى فيها الخيال وتظهر العبقرية، وخلوّ الأدب العربي منها فيما يزعمون دليل على ضعف العقلية العربية، وقد جاراهم في هذا بعض أدبائنا غير مدركين ما في هذه الدعوى من خداعٍ وأخطاء، استمع إلى الأستاذ أحمد أمين وكيف يجعل قلمه صدًى لهذه الفكرة الخاطئة فيقول عن العربي:"إن خياله محدود وغير متنوع، وقلما يرسم له خياله عيشة خيرًا من عيشته، وحياة خيرًا من حياته يسعى وراءها، لذلك لم يعرف المثل الأعلى، لأنه وليد الخيال، ولم يضع له في لغته لفظة واحدة دالة عليه، ولم يشر إليه فيما نعرف من قوله، قلما يسبح خياله الشعري في عالم جديد يستقي منه معنًى جديدًا، ولكنه في دائرته الضيقة استطاع أن يذهب كل مذهب": ويقول في موضوع آخر: "والمزاج العصبي يستتبع عادة الذكاء، وفي الحق إن العربي ذكي يظهر ذكاؤه في لغته، فكثيرًا ما يعتمد على اللمحة الدالة، والإشارة البعيدة، كما يظهر في حضور بديهته، فما هو إلّا أن يفجأ بالأمر فيفجؤك بالجواب الحسن، ولكن ليس ذكاؤه من النوع الخالق المبتكر، فهو يقلب المعنى

ص: 393

الواحد على أشكالٍ متعددة فيبهرك تفننه في القول أكثر مما يبهرك ابتكاره للمعنى، وإن شئت فقل: إن لسانه أمهر من عقله"1.

هذا هو ما يقول الأستاذ أحمد أمين، ويقول مثله توفيق الحجيم2 وعباس العقاد في الفصول3 ونسي الأستاذ أحمد أمين حين أنكر أن العرب عرفوا المثل الأعلى، أو أشاروا إليه، قوله تعالى:{لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} 4 وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} 5 وأما أن المثل الأعلى كلمة واحدة أو كلمتان، فهذا لا يقدم في القضية ولا يؤخر، فلا الكلمة الواحدة تدل على عمق الخيال ولا الكلمتان تدلان على تقصيره، وهذا الكلام -وللأسف- صدًى لما يفتريه الشعوبيون على العرب، وما يقدمونه للانتقاص منهم والغض من شأنهم قديمًا وحديثًا.

ولنعد إلى القصة وإلى هذه الخرافة -خرافة العقلية السامية والعقلية الآرية- فالقصة الفنية لم تعرف في الأدب العربي إلى سنة 1740م؛ حيث ألف "رتشردسن" قصته "باملا"6، وعدها النقاد قصة فنية، بل عدوها القصة الأولى، واشترطوا في القصة الجديرة بهذا الاسم شروطًا أهمها أن تكون واقعية، وفرقوا بين القصة وبين الشعر في هذا الباب بقوله: "الشعر صوت ينطق بما هو خارق للمألوف، وبما هو أسمى من مجرى الحياة المعهودة، وبالإحساس النادر الذي لا يلم بالإنسان إلّا قبسات متباعدة، فهو على الجملة يتحرك في مجال أعلى من مجال الحياة الواقعية، أما النثر فهو -على نقيض ذلك- أداة تعبر عن كل هذه الأشياء تعبيرًا أدق وأوفى مما يستطيع الشعر.. من هنا كان النثر أداة ملائمة للتعبير عن حوادث الحياة اليومية التي تجري على المألوف، ولا تكون عظيمة

1 راجع فجر الإسلام، ص46-47.

2 في كتابه تحت شمس الفكر، ص63-84.

3 راجع كتاب: الفصول للعقاد، وما نقله عنه Widmer في راسته عن محمود تيمور القصاص المصري ص15، وانظر كذلك خليل مطران في المقتطف م82ج، إبرايل 1933 ص500.

4 سورة 16 الآية 62.

5سورة 30 الآية 26.

6 راجع: Encyclopedia Britanica:

ص: 394

المغزى، ولما كانت القصة حكاية تروي بالنثر وجهًا من أوجه النشاط والحركة في حياة الإنسان، فخير لها إذا أن تقص قصة عادية عن الإنسان العادي الحقيقي، كما تجري حياته في عالم الواقع المتكرر كل يوم".

"الحكاية النثرية المثلى" -أي القصيدة- هي التي تشتمل كل ما للنثر من قدرة على التعبير، وقد علمت أن النثر من شأنه أن يعالج الواقعي المألوف، وإذًا فروعة القصة وبراعتها أن تروي حكاية الحوادث المألوفة الواقعية الجارية.. ولا يمكن لقصة بمعناها الصحيح أن تنشأ إلّا إذا اهتم الناس أولًا بأجزاء الحياة وتفصيلاتها اهتمامًا يحول التافه إلى شيء ذي وزن وشأن، وإلّا إذا أخذوا يستمتعون بمطالعة أوجه الحياة المألوفة كما تقع كل يوم".

"على أن القصة الفنية الصحيحة تختار بطلها رجلًا عاديًّا ممن أهملتهم صحائف التاريخ ووقائعه، إذًا ليست القصة بحاجة إلى الرجوع إلى الماضي لانتقاء أبطالها من أعلام التاريخ، وأولى لها أن تقصد إلى تصوير هؤلاء الناس الذين نعيش بينهم. أضف إلى ذلك أن معرفة الدقائق التي أحاطت بحياة البطل التاريخي متعذرة أو مستحيلة"1 هذه هي القصة في عرف النقاد الغربيين تعنى بالوقائع وبالجزئيات وبالتفاصيل، وتبعد عن الخيال كل البعد، وإذا كان الأمر يحتاج إلى خيال وإلى مثلٍ أعلى، فالشعر هو وسيلة التعبير، وهذا الرأي الذي قررنا هو رأي المدرسة الواقعية في الأدب، والتي ابتدأت تتجه نحو واقع الحياة منذ القرن الثامن عشر، ولها اليوم السيطرة على الأدب الغربي كله، وقد فصلنا الكلام عن المذهب الواقعي في كتابنا "المسرحية" وأظنك أدركت الغرض الذي من أجله سقنا لك رأي نقاد الغرب في القصة؛ لأن العرب إذا لم يبرزوا في هذه القصة بمعناها الفني عند الغربيين فذلك لسببين:

"إلى قوة الخيال عند العرب، وسطوة ذلك الخيال، فهو دائمًا مجنح يسبح في عالم المثل العليا -لا كما يقول الأستاذ أحمد أمين- ويأبى أن يعنى بالتوافه وبالحياة الواقعية وبالتفصيلات والجزئيات، وبالرجل العادي الذي أهمله التاريخ،

1 راجع فنون الأدب تأليف تشارلتن، وتعريب الدكتور زكي نجيب محمود، من ص115 إلى 140.

ص: 395

والذي لا يأبه له الناس، وإنما يعمد دائمًا إلى ما هو أسمى من ذلك وأجل شأنًا، ولذلك كان الشعر أعلى صور البيان عند العرب، ومفخرة أدبائهم.

ومن العجب أن يرجع الأستاذ توفيق الحكيم عن تعظيم شأن القصة، ويفرق بينها وبين الأدب بقوله: الفرق بين الأدب وبين القصة؛ كالفرق بين المناطق العليا في الإنسان والمناطق الأخرى، وإذا كانت القصة تصور الإنسان في حياته، فإن الأدب يصور الفكر في حياة الإنسان، ذلك أن الإنسان ليس مجرد شخصية تتحرك في محيط البيئة المادية من ريف أو حضر أو منزل أو مقهى أو مكان عمل، مما درج القصاصون على تسميته بالحياة الواقعية، ولكن الإنسان أيضًا فوق ذلك وأكثر من ذلك عقل يتحرك في عوالم فكرية مرتفعة، وهي روح يسبح في معانٍ شعرية سامقة، فالعناية بحياة هذا الجزء الأعلى من الإنسان هو من اختصاص الأدب، ولكن انتشار القصة باعتبارها مطالعة سهلة، قد دفع الكثيرين إلى اختصار الطريق، والهرب من الجهد، واتخاذ القصة مركبًا هينًا، لا يكلف أكثر من سرد حوادث محلية، وحبك مواقف، ووصف أشخاص، ورسم مناظر من الحياة الجارية بأي أسلوب اتفق، ليطلق على هذا العمل الزهيد، بعدئذ اسم الأدب المبتكر والخلق الأصيل1".

إذًا فالقضية على عكس ما يدعي الشعوبيون، ومن انخداعٍ بأقوالهم، ويؤيد قولنا هذا أن العربيّ لما اتصل قديمًا بآداب الفرس والهند لم يعجبه منها إلّا النوع الخياليّ المجنح الذي ينطق الحيوان، ويشخص الجماد، ويحلق بعيدًا عن مستوى الحياة الواقعية وأفعال الناس وأقوالهم، وقد أخذ العرب يحاكون هذا النوع من القصص حتى برعوا فيه، وعد ابن النديم في الفهرست من كتب الأسماء والقصص التي ألفها العرب على نمط كليلة ودمنة والصادح والباغم لابن الهبارية مائة وأربعين كتابًا.

ولما ترجمت المجموعة الأولى من كتاب ألف ليلة وليلة، كانت تحتوي ألف خرافة فارسية وتسمى "هازار إفسانه" غير فيها العرب وبدلوا، وأضافوا إليها

1 من مقال للأستاذ توفيق الحكيم بجريدة الأخبار بتاريخ 28/ 3/ 1948.

ص: 396

أشياء كثيرة، حتى خرج من كل ذلك كتاب ألف ليلة وليلة، وهو ما هو عند الغربيين في الخيال الغريب والتأليف العجيب، والأجواء الساحرة، والافتنان في تصوير الشخصيات، وأنواع الملذات، فصار مضرب المثل، ومنبعًا ينهل منه كل من يريد أن يوصف بسعة الخيال، وشروده وجموحه، وقد أثر هذا الكتاب كثيرًا في الأدب الغربيّ منذ ترجم إلى اليوم -كما مر بك، مع أن جمهرة أدباء العرب لا يعترفون بسمو أدبه، ولا يقرون بعبقرية فنه، بل يعدونه أدبًا شعبيًّا يصلح للعامة في أسمارهم، والنساء في أويقات سرورهن، والأطفال في لهوهم وأحاديثهم، وفي العصر الحديث حين اتصل العرب بالأدب الغربيّ لم يرقهم منه إلّا الأدب الإبداعي "الرومانطيقي1" الذي يصور الأبطال، ويغرب في الخيال، ويترجم عن العواطف الجياشة، وظلوا حتى اليوم يعربونه ويحاكونه معرضين عن الأدب الواقعي إلّا القليل، مع أن الغربيين قد نفضوا أيديهم من هذا اللون الأدبي منذ مائة سنة، وعمدوا إلى الأدب الواقعي التحليلي كي يعالجوا به مشكلاتهم الاجتماعية المعقدة، وقد حاولت مدرسة لطفي السيد الأدبية أن تدخل الأدب التحليلي الواقعي، وظهرت لذلك آثار لم ترق بعد إلى المرتبة التي وصل إليها المنفلوطي أو الزيات في الأدب الرومانطيقي2".

كل هذا يدلنا على أنه ليس الخيال العربي، وعدم عمقه هو الذي حال بين العرب وبين القصة الواقعية التي لا يعترف النقد الحديث في أوربا بسواها، بل الخيال العربي المجنح وما به من عمقٍ هو الذي ربأ بالعرب عن أن ينزلوا إلى هذا القصص الواقعي.

وثمة أمر آخر حال بين العرب وبين هذ اللون من الأدب، وهو أن الأدب الواقعي يعالج مشكلات اجتماعية وأخلاقية، ويتخذه المفكرون والمصلحون الاجتماعيون مطيَّةً لبثِّ أفكارهم، وعرض مقترحاتهم في المشكلات القائمة بمجتماتهم، ويعرضون حلولًا يعتقدون أنها تذلل هذه المشكلات، وتنير لأولي الأمر السبيل حين يشرعون أو يطبقون القوانين، ويعمدون أحيانًا إلى المسرحية

1 راجع الدكتور إسماعيل أدهم في كتابه عن توفيق الحكيم الفنان الحائر ص14-25.

2 المصدر نفسه.

ص: 397

ويظهرون الشخصيات التي تمثل الناس في حياتهم المألوفة، وأحيانًا يلجأون إلى القصة الواقعية أو الأقصوصة، ويدعون الشخصيات التي يصورونها تتحدث كما هي في الحياة من غير أن يظهر المؤلف عواطفه أو يبرز شخصيته، حتى تكون قصته أقرب إلى الحقيقة وأدنى من الواقع، ولم يكن المجتمع الإسلامي في العصر الذهبي للأدب العربي أيام العباسيين، وأيام أن عرفوا شيئًا من القصص الفارسي وغيره بحاجة إلى من يحل له مشكلاته الاجتماعية والخلقية، ويشرع له القوانين ويبين له كيف يطبقها، فقد كان الشرع الإسلاميّ قائمًا، وهو تشريع من عند الله، يعتقد الناس أنه الحق والعدل، وأنهم في غنًى عن سواه من القوانين، وأن كل قضاياهم تحل على ضوئه، ولا يجوز لأحد أن يقترح تشريعًا مخالفًا أو حلًّا لا يوافق الشرع، ولذلك بطلت حاجتهم إلى مثل هذا القصص الواقعي الذي يصور الرجل العادي في حياته المألوفة ويحل مشكلاته ومشكلات مجتمعه.

إن أسطورة العقل الآري وفضله على العقل السامي، التي طالما رددها أدباؤنا من غير أن يفطنوا إلى ما فيها من شعوبية كامنة، ومن غير أن يتبينوا وجه الصواب بعد أن غشى عليهم الحق ما عليه الشعوب العربية من هوان وضعف، فاعتقدوا باطلًا أن الحق مع القوة، وأن العقلية الآرية لابد أن تكون متفوقة ما دام أصحاب هذه العقلية هم المسيطرون على شعوب الأرض، إن هذه الأسطورة تنم عن تعصبٍ مكينٍ في نفوس قائليها، وعلى مغالطة ظاهرة، فهذا "أرنست رينان" وهو من غلاة الشعوبيين وأشدهم قسوةً على العرب ودينهم، والساميين وعلقليتهم، يقرر ما أورده أحمد أمين، ويحقر من العقلية السامية1 ويقول: "يبدو أن التفكير الفلسفيّ للبحث عن الحقيقة كان وقفًا على الجنس المسمى بالهندي الأوربي، أو الآري الذي يمتد من الهند إلى أقصى الغرب، وإلى أقصى الشمال، والذي كان يبحث منذ أقدم العصور إلى الآن في تفسير الله والإنسان والعالم تفسيرًا عقليًّا، وقد ترك وراءه في كل مراحل تاريخه آثارًا فلسفية خاضعة لنواميس تطور منطقي، أما الساميون فإنهم بدون تفكير أو تدليل -أي بدون

1 راجع Historire Generale et Systeme Compare، des Langues Semitiques par Ernest Renan. p. 1/ 18.

ص: 398

فسلفة- وصلوا إلى أصفى وأنقى صورة دينية عرفها التاريخ.. والساميون تنقصهم الدهشة التي تدعو إلى التساؤل والتفكير؛ لأن اعتقادهم في قدرة الله يجعلهم لا يدهشون لشيء".

ثم ينتقل إلى الخصائص الأدبية التي ميزت العرب بالشعر، ووصمت غيرهم بالقصة، فيقول:"والتوحيد أثر أيضًا في الشعر العربي؛ لأن الشعر العربي يعوزه الاختلاف، فموضوعات الشعر -أي: أغراضه- محدودة، قليلة العدد جدًّا عند الساميين، والشعر العربي الذي تمثله القصيدة يعبر عن إحساس شخصي، وعن حالة نفسية خاصة، والأبطال في هذه الشعر نفس منشئيه، وهذه الصفة الشخصية التي تجدها في الشعر العربي والشعر الإسرائيليّ ترجع إلى خاصية أخرى من خصائص النفس السامية، وهي انعدام المخيلة الخالقة، ومن هنا لا نجد عندهم أثر للشعر القصصي أو التمثيلي"1.

ولقد أردت بهذا النص الذي سقته لك من "رينان"، أن أبين التعصب الذميم الذي يوحي إلى هؤلاء الشعوبيين مثل هذا الكلام، فيسلبون أممًا قويةً لها مجدها التاريخيّ والأدبيّ كل الفضائل العقلية -وهم في ذلك على باطل- ويتبعهم وللأسف فئة من أدبائنا، فيكونون حربًا على قومهم، ليس ثمة فرق -كما رأيت- بين كلام "رينان" وكلام "أحمد أمين"، إن رينان ينعى على العقلية السامية أنها لم يكن لها "ميثولوجيا" أي: خرافات دينية كما عند اليونان، وليس أبعث على الضحك من التنويه بعظم العقلية اليونانية وما رزقته من عبقرية؛ لأنها آمنت بالخرافات، وألَّهَت الأشخاص والأبطال، والتمست الطريق إلى الحقيقة فضلت سواء السبيل، وأمعنت في الأساطير دون أن تصل إلى الله2 لقد جعل

1 ويقول رينان في موضع آخر: "الجنس السامي أدنى من الجنس الآري إذا قورن به، ذلك أن الجنس السامي ليست له هذه الروحانية التي عرفها الهنود والألمان، وليس للجنس السامي هذا الإحساس بالجمال الذي بلغ حد الجمال عند اليونان، وليس له هذه الحاسية الرقيقة التي هي الصفة الغالبة عند الكلتيين "سكان فرنسا وبعض البلجيك" وإنما يختص الساميون بالبديهة الحاضرة، ولكنها بديهة محدودة، وهم يفهمون الوحدة بشكل غريب، فالتوحيد هو أهم خصائصهم، وهو الذي لخص ويفسر جميع صفاتهم، ففخر الساميين في كونهم أول من عرف التوحيد، وعنهم أخذ العالم الديانات، والصحراء هي ملهمة الواحدانية لمنظرها الواحد المتشابه".

2 راجع في أسباب تعدد الآلهلة عند اليونان القدماء:

The Martyrdom Of man. y. Winwood Read، 144

ص: 399

هؤلاء الباطل حقًّا، وأشادوا باليونان لأنهم أخفقوا في الاهتداء إلى وحدانية الله التي آمن العالم بها فيما بعد على يد موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام، والتي أمنت بها أوربا الآرية، وكفرت بآلهة "الأولب" وميثولجيا اليونان.

ولعلك تعجب إذا قررنا لك أن المدنية الأوربية الحديثة بنظمها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وحياتها العلمية هي من أثر العقلية السامية قديمًا؛ حين تتلمذوا على العرب وشروحهم للفلسفة اليونانية والطب والكيمياء والجبر والهندسة وغيرها، وحديثًا ممثلةً في بني إسرائيل الذين نزحوا إليها من مئات السنين بعد أن عاشوا طويلًا في الصحراء، ولو كانت البيئة الصحراوية لا تنتج إلّا عقولًا مجدبة وخيالات ضحلة، وفكرًا غير قادر على الخلق والابتكار، ونفسًا لا تعرف الفلسفة ولا تقدرها، لظل اليهود كذلك في رحلتهم الدائمة بأوربا مهما تغيرت بهم البلاد والبيئات، ولكنا نرى الأوربيين في كثير من الأحيان يعترفون للتوارة بالفضل، وللشعب الإسرائيلي وليد الصحراء بالعبقرية والنبوغ، والعقلية السامية متكافئة في اقتدارها وعالميتها، واللغة العربية والعبرية توأمان نشأتا من أصل واحد، وهذا "رينان" يقول:"ليس في ماضي النوع الإنساني ما يثير اهتمام الفكر الفلسفيّ سوى تاريخ ثلاث شعوب، تاريخ إسرائيل، والتاريخ الإغريقي، والتاريخ الروماني".

وما بالنا نقص عليك أقوال الأوربيين، ولا نسوق لك الأمثلة الحية الصادقة على أن اليهود هم الذين أسسوا الحضارة الأوربية الحديثة، وهم قادة الفكر فيها حتى اليوم، على الرغم من أنهم قلة مضطهدة.

إن الفلسفة في ألمانيا ابتدأت من القرن التاسع عشر حين ظهر فيها الفيلسوف اليهودي باروخ "سبونزا"1 في أمستردام، بعد أن درس ما جاء به فلاسفة قومه من أمثال ابن ميمون، وابن عزرا، وفلسفة ابن جبريل الصوفية،

1 سبونزا Spinoza 1632م -1677، ولدة من أسرة برتغالية يهوية هاجرت إلى هولندا بسبب الاضطهاد الديني الذي لقيه اليهود بعد أن رحل العرب عنها، ومات سبونزا في سن الأربعين بعد أن لاقى في سبيل فلسفته عناء كبيرًا، راجع قصة الفلسفة الحديثة ج1 ص28.

ص: 400

وموسى القرطبي وغيرهم من فلاسفة اليهود بالأندلس، وهو الذي يقول فيه هيجل الفيلسوف الألماني "لن تكون فيلسوفًا إلّا إذا درست سبونزا أولًا"1.

وكما بدأ سبونزا الفلسفة الحديثة في ألمانيا، وبنى على نظرياته أو حاول الرد عليها من أتى بعده من فلاسفة الألمان؛ أمثال:"كانت، وهجل، وشوبنهور، ونتيشه" فإن كارل ماركس 1818، وماكس نوردو 1849 اليهوديين قد توجا هذه الفلسفة النظرية التي ابتدأت تؤتي ثمارها في القرن العشرين، فهيجل الألماني وكارل ماركس اليهودي- واضع كتاب رأس المال، ومنشء أول جمعية شيوعية ثورية، ومؤسس جماعة العمل الدولية، ومؤلف المتن الاشتراكي في السياسة الاقتصادية -قد بعثا الشيوعية، وفي كارل ماركس اليهودي يقول برناردشو الفيلسوف الإنجليزي المعاصر:"لا يدعي نبي الشيوعية عيسى أو محمدًا أو لوثر أو أغسطين، ولكنه يسمى كارل ماركس، وتبتدي فلسفتهم بالفيلسوف الألماني هيجل، وفيورباخ، ويتوجها كتاب كارل ماركس: رأس المال، وهو توراة الطبقة العاملة وإنجيلها، ويصفونه بأنه ملهم ومعصوم، ومحيط بكل شيء خبرًا"3 ولم يتجرد كارل ماركس -الذي اعتنقت روسيا بأسرها وعشرات الملايين في العالم تعاليمه، من يهوديته، فقد كان عضوًا بالجمعية اليهودية بباريس، وما نورد صاحب كتاب "لانحلال" فكان في بودابست من أكبر أعوان "تيودر هرتزل" مؤسس الحركة الصهيونية في آواخر القرن التاسع عشر، ووضع خطة إنشاء الدولة اليهودية بفلسطين.

وإذا أردنا أن نعد فلاسفة اليهود ومفكريهم الذين أثروا في الحركة الفكرية بأوربا أعجزنا الحصر، ولكن لا ننسى "فرويد" واضع فكرة التحليل النفسية، وصاحب نظرية العقل الباطن، وناهيك بما لها اليوم من مكانة في عالم الفكر، ولا ننسى "برجسون" اليهودي الفرنسي شيخ الفلسفة الحديثة وصاحب نظرية

1 قصة الفلسفة الحديثة ج1 ص 128.

2 راجع The Interligent Woman's Guide to Socialism، Sovictiem And Fascism. by G.B.

ص: 401

مقاومة المادية في أوربا1، وبرنادشو أشهر الفلاسفة المعاصرين مدين بفلسفته وآرائه لأستاذه اليهودي "صمويل بتلر" صاحب المبادئ العائلية الثورية، التي نادى فيها بإعطاء أفراد الأسرة من: الأم والفتيات والغلمان حق التصرف حسب أهوائهم على الرغم من إرادة الأبوين.

و"أينشتين" صاحب نظرية النسبية، وأكبر علماء العصر الحديث يهودي قح، و"توماس مان" و"إميل لودفج" الكاتبان الألمانيان المشهوران من نبغاء اليهود في العصر الحاضر.

إن جامعات أوربا تغص بالأساتذة الإسرائيليين، ويسيطر اليهود على شئون المال والاقتصاد والطب وصناعة الأفلام وإخراجها، والصحافة بأنواعه، حتى لا تخلو صحيفة في أوربا وأمريكا من نفوذٍ يهوديٍّ إما في رأس المال أو التحرير، وهكذا يستولي اليهود اليوم وقبل الحرب الأخيرة، وفي القرن الماضي على عقلية الشعوب الأوربية؛ فيقرءون ما يريد اليهود، ويشاهدون في الخيالة ما يخرج اليهود، وهذا هو السر في أن هذه الفئة القليلة من الناس هي التي تتحكم في سياسة أوربا وأمريكا، وتخضعها لمشيئتها، وهذا هو السر في انتصار أوربا لهم في القضية الفلسيطينية، وذلك لشدة سيطرتهم على الرأي العام الأوربيّ والأمريكي على السواء.

فهل بعد ذلك يفخر الجنس الآري بالخلق والابتكار، وهو خاضع لسيطرة أدنى العنصرين الساميين؟ ولو كانت المسألة ترجع إلى البيئة الأولى التي خرج منها الجنس السامي، ما كان لهؤلاء اليهود شأن يذكر في قيادة الفكر الأوربي، وقيادة الشعوب الغربية وإخضاعها لسلطانها، على الرغم من قلة عددهم وهوان أمرهم2.

1 قصة الفلسفة الحديثة، ص560.

2 لامني بعض الأصدقاء عند ظهور الطبعة الأولى من هذا الكتاب على كتابة هذا الفصل عن اليهود وإظهار سلطانهم الفكري على أوروبا، ولقد سقت هذه الأمثلة، كما يرى القارئ لدحض تلك الفرية -فرية السامية - التي يتغنى بها الأوربيون المتعصبون.

وإذا كان اليهود علماء ومفكرين، فهذا لا يمنع أنهم من أردأ شعوب الأرض أخلاقًا، ولطالما حملت عليهم حملات شعواء على صفحات مجلة الرسالة في سنوات عديدة.

ص: 402

وأما المثل الأعلى الذي يدعي الشعوبيون أنه مفقود عند العرب، فحسبنا أن نقول في الرد على دعواهم: إن الحياة العربية في الجاهلية كانت مليئة بأمثلة الوفاء والكرم والشجاعة، كانت الفضائل والذكر الحسن هي الغاية التي يصبو إليها كثير من أبناء الصحراء، وكلها مُثُلٌ عليا، لو سارت عليها الإنسانية لسعدت1، ولقد برهنت لك على أن الكلمة موجودة في اللغة العربية وفي القرآن الكريم الذي نزل على عرب الجاهلية، ولو لم يعرف العرب هذه الكلمة ويفهموا مدلولها ما نزل بها القرآن الكريم، على أن الغرب لا يعرف في لغة من لغاته كلمات كثيرة تملأ الحياة العربية، وتفخر بها الإنسانية فكلمات "العرض" و"المروءة" و"النجدة" ليس لها ما يقابلها في الأعجمية.

وإذا عدنا إلى الناحية الأدبية وجدنا الشعر العربي -وهو مفخرة العرب ومجتلى بيانهم- تكثر فيه ألوان الحكمة مصوغة صياغة متقنة، وما الحكمة إلّا حقيقةً مجردة تدل على تفهم لأسرار الوجود، وعلى الخيال الشامل الذي ينتظم طبائع البشر وأحوالهم، ويصدر عليهم حكمًا يصلح لكل زمان ومكان، وينطبق على كثير منهم مهما اختلفت عصورهم وبيئاتهم.

وبعد فلنسأل سؤالًا آخر وهو: أحقًّا توجد فوارق عقلية أصيلة بين الشعوب، يمتاز أحدها بالذكاء الغالب، والعقلية الخالقة، والخيال المبتكر، وتسلب الطبيعة أحدها، فهو فدم في جملته بطئ التفكير، ليس له قدرة على الخلق والابتكار وإن أجاد التقليد؟؟ وإذا وجدت الفروق العقلية بين الشعوب كما يدعي المتعصبون لأجناسهم، والمنساقون وراء عواطفهم، فهل هذه الصفات لازمة للشعب لا تتغير بتغير البيئة والزمان؟ وعلى أي أساس وجدت هذه الفروق العقلية؟ أهي نتيجة للبيئة الطبيعية أم البيئة الاجتماعية؟

يقول سرل برت C.Burt في كتابه كيف يعمل العقل2: إن هذه التعميمات التي تشغف بها بعض الجهات لتفضيل ما يسمونه الأجناس الآرية

1 راجع كتابنا "الفتوة عند العرب" فقد وفينا هذا الموضوع بحثًا ثمة.

2 الجزء الثاني، ترجمة الأستاذ محمد خلف الله، ص165.

ص: 403

على السامية، والشعوب البيضاء على الصفراء والسوداء، لا يمكن الأخذ بها على علاتها، حقيقةً إن ذكاء الزنجيّ المتوسط في الاختبارات التي طبقت إلى الآن لا يبلغ إلّا تسعة أعشار المتوسط من الشعوب البيضاء، ولكن الصينيين واليابانيين لا يقلون عن مستوى الغرب، وقد قام اثنان من طلبتي باختباراتٍ أثبتا بها أن ذكاء اليهود أعلى من ذكاء غيرهم.. ونتائج الباحثين في الولايات المتحدة تؤيد هذا، على أن هذه الفروق بين الأجناس مهما تميزت وتحددت فإنها ليست قط على درجة من العظم، فما لاحظناه قبل بين الذكور والإناث ينطبق هنا أيضًا على الأجناس المختلفة، فالفروق الواسعة في الذكاء بين الأفراد المنتمين إلى شعب واحد أوسع وأبعد مدى من الفروق بين شعب وآخر، فإذا أردنا فروقًا بينةً بين قوم وآخرين، فلنبحث عنها في الطبع أو المزاج؛ وهنا لا نجد مقاييس علمية نستعين بها، ولكنا نعتمد على الملاحظة، وما تكونه من فكرة عامة وهما دليلان غير مأمونين".

ويقول بعد استعراض أجناس أوربا المختلفة، وما بينها من خلافات في شكل الجمجمة وتركيب الأجسام ولون الشعر والعيون، وما يوصف به رجل الشمال من أنه مخلوق عمليّ، ورجل وسط أوربا بميله إلى الحقيقة، ورجل الجنوب بميله إلى الجمال:"ولكن العالم المدقق لا يكاد يسمع مثل هذه الدعاوى العريضة حتى يبدو عليه القلق والحذر، فإن حقائق الطبيعة الإنسانية قلما تخضع لمثل هذا التقسيم الحاد"1.

وبعد دحض هذه الآراء المبنية على التعصب الجنسي والفخر الكاذب؛ كدعوى الألمان أنهم "من الشعوب الآرية أنبل الناس جميعًا" قال: "والآن أظن أن النقطة التي نستطيع التسليم بها هي أنه لا الجنس وحده، ولا البيئة الجغرافية وحدها بمستطيعة تعليل التفاوت البيِّن بين المدنيات المتعاقبة2".

1 كيف يعمل العقل ج2 ص167، وراجع بحثًا لنا في مجلة "نهضة أفريقية" 14 فبراير 1909 عن الفروق العقلية بين الأجناس.

2 نفس المرجع ص180.

ص: 404

لقد أقرَّ من طعنوا في الأجناس السامية وانتقصوا عقليتهم بذكاء هذه الأجناس، فـ "رينان" يقر للعربي بالذكاء وحضور البديهة كما مر بك، وأحمد أمين يعلل لهذا الذكاء بأن العربيّ عصبي المزاج، "والمزاج العصبي يستتبع عادة ذكاء، وفي الحق أن العربي ذكي يظهر ذكاؤه في لغته، فكثيرًا ما يعتمد على اللمحة الدالة والإشارة البعيدة، كما يظهر في حضور بديهته1" وقد رأيت منذ لحظة ما أثبتته اختبارات "برت" وتلاميذه من ذكاء اليهود وتفوقهم في ذكائهم.

"والذكاء العظيم هو الركن الأساسي في النبوغ في أيِّ ميدان من ميادينه، وليس من الضروري أن نفترض أن موهبة الخلق الأدبي، أو الاستمتاع بالأدب تتوقف على ملكة أخرى خارقة أو خارجة عن حياته العادية" هذه هي النتجية التي وصل إليها وارتضاها "برت" في بحثه لطرائق سلوك العقل في الفن، فقال:"كل هذه النواحي من البحث أدت إلى نتيجة واحدة، فالفنان -من حيث موهبته على خلق العمل الفني- كالمقدرة على تذوقه، لا تتوقف على ملكة إضافية خارجة عن مجرى حياتنا اليومية، وهي في درجاتها العليا ليست إلّا إحدى ثمرات الحياة العقلية الطبيعية2".

فإذا تقرر أن الأجناس السامية على نصيب كبير من الذكاء، وأن الذكاء العظيم أساس النبوغ في أيِّ ميدان من ميادينه، وأن موهبة الخلق الأدبيِّ لا تتوقف على ملكة أخرى خارقة، فالعربي بفطرته ومواهبه مهيأ للخلق الأدبي والنبوغ، وليس من الضروري أن يكون النبوغ هو ذلك القصص شعرًا ونثرًا، وقد عرفت منزلة القصص وأيّ لون من ألوان الأدب هو، وأدركت أن القصة لا تتطلب خيالًَا جامحًا محلقًا عميقًا، وأن العرب صدفوا عنها لما وهبوه من خيال واسع، ولأن دينهم أغناهم عن النظر في حلول المشكلات الاجتماعية التي تعنى بها القصة، وقد مهر العربي في ألوان أخرى من الأدب، بل في أعلى أنواع التعبير وأسماها وهو الشعر. وليست القصة إلّا أحد مظاهر الخيال كله، "فالفخر

1 فجر الإسلام ص44 طبعة ثانية.

2 راجع "من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده" للأستاذ محمد خلف الله ص33.

ص: 405

الحماسة والغزل والوصف والتشبيه والمجاز، كل هذا ونحوه مظهر من مظاهر الخيال1، والخيال كما نعلم هو وضع الأشياء في علاقات جديدة، وهو نوعان: تفسيري وابتكاري، ويتمثل التفسيري في تلك الصيغ البيانية العددية، أما الابتكاري فيتثمل في خلق أشياء ومناظر وشخصيات ليس لها وجود، وكلا النوعين يغص به الأدب العربي على طريقته الخاصة، وقد أفضت في بيان ذلك في غير هذا الكتاب2، ومع ذلك فالشعر العربي في كل عصوره مليء بالقصص المحبوكة العقدة الرائعة الخيال3، ولا يمنع أنه من الشعر الوجداني، فقد مرت بأوربا فترة ساد فيها الشعر الوجداني، ولا تزال له السيطرة، وبطل عهد الملاحم والمسرحيات الشعرية.

ثم هناك سؤال آخر علينا أن نسأله قبل أن ندع الكلام في هذا الموضوع، وهو: أحقًّا تبتدئ الحضارة الإنسانية بعلوم اليونان وثفاتهم، لم يسبقهم في ذلك سابق، وأن هذه الديانات والميثولوجيا والقوانين والفلسفة هي كلها من ابتكار اليونان، وحدهم وبذلك احتلوا هذه المكانة السامية في التاريخ، وبهم تميزت الشعوب الأورةبي وفاقت غيرها؟

كثير من الناس الذين لم يبحثوا الموضوع أو بحثوه بحثًا سطحيًّا، يقولون في غير تردد: أجل! هذه المدنية والثقافة والفلسفة التي رويت عن اليونان هي من ابتكارهم، والإنسانية مدينة لهم بالشيء الكثير في هذا المضمار.

ولكن هناك من شك في ذلك، بل هناك من أثبت بأدلة يقينة أن اليونان في دياناتهم، آلهتهم، وأسماء بعض هذه الآلهة، وما تتطبه الديانة من طقوس، ثم في قوانينهم، وفي آدابهم تتلمذوا على المصريين القدماء وأخذوا عنهم وأثبت أن

1 فجر الإسلام، ص43.

2 راجع كتابنا الفتوة عن العرب.

3 خذ مثلًا قصيدة الحطيئة التي مطلعها:

وطاوي ثلاث عاصب البطن مرمل

ببيداء لم يعرف بها ساكن رسمًا

وقصيدة زهير في الصيد: "وغيث من الوسمى حو تلاعه" وقصيدة امرئ القيس ويومه بدارة جلجل ومعلقة عمرو بن كلثوم، ومعظم شعر ابن أبي ربيعة ولا سيما قصيدته الرائية "أمن أل نعم أنت غاد فمبكر" وقصيدة البحتري في الذئب كلها من الشعر القصص.

ص: 406

هوميروس في الإلياذة اقتبس كثيرًا من القصص المصرية بأشخاصها وخيالاتها وأجوائها، بل أخذ قصصًا مصرية معينة وأدخلها في ملحمته، وليس هؤلاء العلماء الذين قاموا بهذه الأبحاث من المتجنين على اليونان أو المبغضين لهم، بل على العكس هم من المعجبين بهم والمعنيين ببحث آثارهم وترجمتها إلى لغاتهم وشرحها والتعليق عليها، ولكن اطلعوا على أشعار مصرية، وآثار قديمة، وقرءوا المصرية التي عثروا عليها فوجدوا التشابه بل التطابق.

ومن هؤلاء العلماء فيكتور بيرار Victor Berard الفرنسي مترجم الإلياذة وشارحها، ثم جولنيشيف M.W.Golenicheff الروسي أحد علماء المصرولوجيا، وقد أثبت عبد القادر حمزة باشا1 النصوص المصرية القديمة التي عثر عليها هذان العالمان، والتي لها مشابه في الإلياذة، كما أورد الأدلة القاطعة التي لا يأتيها الشك على تلمذة اليونان للمصريين، ومن علمائهم ومشريعهم وأدبائهم ومؤرخيهم أتى مصر وتأثر بما فيها من علوم ومعارف، ودرس على أساتذتها وكهنتها، وهو فصل ممتع حقًّا ولولا خشية الإطالة للخصناه تتمة للبحث، ولكن هذا الجزء أوشك على الانتهاء وهناك بعض نقط تحتاج إلى نظرة قبل أن نفرغ منه، وحسبنا أن نقول كما قال الأستاذ العقاد2 في بدعة السامية والآرية واختلاف العقليتين، وكيف ظهرت هذه البدعة: "ونشأت في إبَّان ذلك بدعة الآرية والسامية، وهي تلك البدعة التي تقضي للآريين بالسبق والرجحان في كل فضيلة من فضائل الأمم أو فضائل الأفراد، وقد ظهر بطلانها الآن، أو ظهر على الأقل أن الحاجز الذي أقامه مبتدعوها بين أجناس الشعوب مصطنع ملفق لا يسلم من ثغرة شك هنا أو ثلمة ضعف هناك، بل هو ينعكس في أحوال شتّى، فتصبح المزية للساميين من حيث أرادها القوم للآريين، ولكن البدعة قد خدعت أناسًا كثيرين في إبان نشأتها، فتحدثوا عنها كتحدث الناس بالغرائب والملح المستطرفة، ومازالت تجني على الأفكار، حتى أوغل فهيا بعض الغلاة من دعاتها

1 في كتابه على هامش التاريخ المصري القديم، ج1 ص 125-171.

2 في كتاب سعد زغلول سيرة وتحية، لعباس العقاد، ص13-14 في فصل عن العقلية المصرية وطبيعتها.

ص: 407

فاستخرجوا منها دليلًا على رجحان بعض الأمم الأوربية على بعض، واستئثار جماعة من تلك الأمم بشرف السيادة والابتكار، وشعائر الحضارة والثقافة دون الجماعة الأخرى، فتصدى لها يومئذ من الأوربيين من ينكرها ويزيفها ويبالغ في السخر بها، بعد أن كانوا يتفقون على تروجيها، والإغضاء عنها حين كانت معرفتها لاصقة بالشرق وحده موقوفة عليه دون غيره".

وبحسبي الآن ماسقته من أدلة1 على أن أسطورة العقلية السامية والآرية لا تثبت أمام الأدلة العلمية، وأن القصة، على الرغم من وجودها في الأدب العربيّ كما هي موجودة عند كل الأمم، وإن لم تأخذ القالب الفني الذي لم يظهر بالقصص الأوربي إلّا في أواسط القرن الثامن عشر، لا تحتل هذه المكانة الممتازة في عالم الأدب، ولا يوصف من لم ينبغ في تأليفها بعقم الخيال وجمود العاطفة وضحالة الفكر.

وكم كان بودي أن أفيض في أدب القصة، وأبين أصولها وكيفية إنشائها، ولكن هذا يحتاج إلى كتاب قائم بنفسه، وإنما دعاني إلى الخوض في القصة على هذه الطريقة إقبال المترجمين في العهد الذي نتحدث عنه عليها إقبالًا زائدًا، وتأثر الأدب العربي الحديث بها بعد ذلك تاثرًا بالغًا، حتى دعا ذلك إلى القول بأنها لم يكن موجودة عند العرب، وأن العقلية السامية لا تستطيع إنتاج القصة لما بها من فقر في الخيال، وقد مر بك قبل عند كلامنا على الترجمة الجهود التي بذلت في سبيل ترويج القصة الغربية، وأن هذا الطور هو طور النقل والتمثيل، ولم يكن قد بدأ بعد طور التقليد والمحاكاة، ولا سيما في الرواية، وإن ابتدأ في المسرحية مبكرًا نوعًا ما، وسنعود إلى الكلام في توسع عن القصة في الأدب المصري الحديث في الأجزاء التالية -إن شاء الله، أما المسرحية فقد أفردنا لها كتابًا خاصًّا هو الآن بين أيدي القراء.

1 إذا أردت المزيد فاقرأ مقالة مجلة الأنصار بالعدد 46 السنة الرابعة، شوال 1363، وكتابنا "النابغة الذبياني" فقد تكلمت فيه عن موضوع القصة من زوايا جديدة، وأضفت إلى ما نفقده هنا براهين أخرى، ثم كتابنا "الفتوة عند العرب" وفيه فصل ضافٍ عن ميزة العقل العربيّ وتفوقه، مدعوم بالحجج العلمية القوية.

ص: 408

2-

المقالة والصحافة:

وإذا كان القرن التاسع عشر قد انقضى، ولم تحتل فيه القصة العربية الموضوعة مكانها في عالم الأدب، وكان أغلب القصص التي تطبع مترجمة من شتّى اللغات، فإن المقالة منذ بدأت الصحافة العربية بإنشاء الوقائع المصرية، ثم روضة المدارس، ثم الجرائد اليومية والمجلات الأسبوعية، وقد صارت عماد الكُتَّاب والأدباء والقالب المعتاد الذي يصبون فيه أفكارهم، وينشرونها بين الناس.

وليست المقالة غريبةً عن الأدب العربي القديم، وإن تغيرت صيغها وشروطها، فعبد الحميد الكاتب حين تكلم عن الشطرنج أو الصيد أو الكتابة، كان يكتب شيئًا قريبًا من المقال، والفصول الأدبية التي أنشأها الجاحظ في كتبه: البخلاء، والمحاسن، والأضداد، والحيوان، والبيان والتبيين، مقالات مطولة تنقصها شروط المقالة الحديثة، وإن كان هذا القول لا يرضي بعض النقاد، بل إنهم لا يوافقون على المقالة الأدبية التي يدبجها الكتاب اليوم إذا قاسوها بمقاييس النقد الأجنبية، ويتطلبون من المقالة أن تكون "على غير نسق من المنطق، وأن تكون أقرب إلى قطعة مشعثة من الأحراش الوحشية منها إلى الحديقة المنسقة المنظمة" ويحتجون بتعريف "جونسون" ومكانته من الأدب الإنجليزي في الذورة العليا للمقالة الأدبية بـ "أنها نزوة عقلية لا ينبغي أن يكون لها ضابط من نظام، هي قطعة لا تجري على نسق معلوم، ولم يتم هضمها في نفس كاتبها"1 ويطبقون هذا القول على المقالة الأدبية في مصر؛ فيرون ألا يكون لها نقط ولا تبويب ولا تنظيم.

وهذا لعمري شرط لا يوافق عليه الأدباء في كل أنحاء العالم، فقد تغيرت المقالة منذ عهد "جونسون" في القرن الثامن عشر حتى اليوم، ومنذ أن قال "بيكون" يصف مقالاته:"إنها ملاحظات مختصرة كتبت من غير اعتناء" واشترط النقاد في المقالة شروطًا أخرى غير تلك التي سار عليها "جونسون أو بيكون" ورأوا أن الكاتب ملزم بالتفكير فيما يريد أن يكتب قبل أن يتناول القلم.

1 الدكتور زكي نجيب محمود في مقدمة كتابه أدب المقالة.

ص: 409

ثم السير في موضوعه سيرًا منطقيًّا متجنبًا الفضول، ومركزًا فكره في النقط الرئيسية، على أن يكون لموضوعه وحدة تربط بين أجزائه، وأن يكون واضحًا في تعابيره، ومنتخبًا لكلماته، ولأسلوبه طلاوة، وعليه جمال، وقد يحتاج المقال إلى مقدمة، وقد لا يحتاجها، ولكن لا بد له من نتيجة أو خاتمة، ولابد من تنسيق الأفكار؛ فالأفكار غير المنسقة تدعو إلى اضطراب الكاتب في كتابته، وعدم فهم القارئ لما يكتب، وليست هذه الشروط -كمات يقال سخرية- هي شروط الإنشاء المدرسي، وشتان بين هذا وبين المقال الأدبي، فإن الفكرة التي يراد التعبير عنها سواء كانت في نفس طالب مبتدئ، أو كاتب نابغ، محتاجة إلى الوضوح وإلى التمهيد لها؛ ثم إلى عرضها عرضًا جيدًا منطقيًّا يفهمه القارئ بيسر، لا أن تكون مشعثة غامضة تسير في غير اتساق ونظام، فإن ذلك قد يؤدي إلى عدم فهمها فضلًا عن أنه لا يتفق مع البلاغة في شيء1.

هذا وقد تكون المقالة:

1-

إخبارية تقص حادثة ما، أو مجموعة من الحوادث، وهي حينئذ قريبة من الأقصوصة تتخذ شكلًا قريبًا من شكلها، وفيها ما يثير الشوق، وياسر الانتباه، ويدعو إلى التقصي والتتبع، ومن المقالات الإخبارية التراجم.

1 راجع: Essay Writing and Rhetoric by Egerton Smith طبعة جامعة أكسفورد سنة 1913 المقدمة والفصل الأول.

وراجع مقدمة English Eassays by. J.H. Lobban.

وراجع لنخبة من كبار الأدباء Modern literary Essays.

ص: 410

2-

وقد تكون وصفًا لحادثة أو شخص أو شيء، تعطي تقريرًا كاملًا تفصيليًّا عنه وعن محيطه.

3-

وقد تكون معرضًا لفكرة وتوضيحًا لها حينما تكون الفكرة غامضة، والموضوع معنويًّا ومهمة العرض أن يفسر لماذا حدث هذا الشيء، أو كيف يمكن أن يحدث ذلك الشيء، والفرق بين العرض وبين الوصف أن العرض لا يأبه بالتفصيلات، ولكن يعنى بالصفات العامة وبالمبادئ، والميزات التي تخص نوعًا ما؛ وقد تذكر بعض التفاصيل أثناء العرض، ولكنها لا تحتل المكانة الأولى، بل تذكر لإيضاح فكرة، أو تضرب مثلًا على قانون عام، فقد تصف صورة ما، ولكن الكلام عن التصوير عرض، وقد تصف مسجدًا ما، ولكن الكلام عن هندسة المساجد يحتاج إلى عرض.

4-

وهناك المقالة الجدلية التي تناقش فكرة ما، وتبين ما بها من خطأ وصواب، وصدق وكذب، وقد يكون الموضوع عادة سؤالًا يناقشه الكاتب ويجيب عنه بما يراه؛ كسؤالنا مثلًا عن الحرب وهل هي معقولة؟ أو عن الكذب وهل ثمة ما يسوغه في الحياة؟ أنتصدق على الشحاذين؟

وهذه الصور هي التي تظهر فيها المقالة في الأدب الغربي1، ونرى مثلها في الأدب العربي الحديث2؛ لأنها صورة طبيعية يلجأ إليها كل كاتب، وقد بينت لك فيما سبق الفرق بين أسلوب المقالة الصحفية والمقالة الاجتماعية.

والكلام عن المقالة يدعونا حتمًا إلى الكلام عن الصحافة في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر؛ لأن المقالة لم تظهر إلّا في الصحف، ونحن قد تتبعنا الصحافة في عصر إسماعيل وأوئل عهد توفيق، أما الصحافة في عهد الاحتلال فقد تكلمنا عنها آنفًا عن مجلة الأستاذ عبد الله نديم التي أنشئت في سنة 1893، وكيف كانت حربًا عوانًا، ونارًا مضطرمة على الاحتلال والأجانب، ولكن هؤلاء ضاقوا به ذرعًا فأغلقوا جريدته ونفوه من البلاد.

1 راجع 19، 25، Eassy Writing Rhetoric and Prosody by Egerton Smithp.

2 راجع كتابنا نشأة النثر الحديث وتطوره، ففيه بحث مستفيض عن تطور المقال الأدبي.

ص: 411

وإذا كان عبد الله نديم قد ترك مصر، وعطلت جريدته الوطنية الحرة، فإن الأسباب التي تدعو إلى ظهور مثلها في حرارتها وصدق لهجتها ومحاربتها الاستعمار الإنجليزي كانت قائمة، على الرغم من أن سياسة الإنجليز في أوائل عهد الاحتلال كانت ترمي إلى كم الأفواه، وقتل الروح الوطنية في نفوس دعاة الحرية، وإن تظاهروا بأنهم أطلقوا للصحافة العنان وتركوها حرةً تقول ما تشاء1؛ لأن كرومر ممثل الاحتلال بمصر لم يكن يأبه للصحافة وما قد تثيره من سخط، وتحت إمرته جيش إنجليزي جاثم على صدر الوادي يبطش بكل من تحدثه نفسه بالشغب، وعلى أن الصحافة في رأي كرومر كانت من الهوان والضعف بدرجة لا تدعو إلى القلق والاضطراب؛ وإذا بدر من إحدى الصحف ما يسيء إلى الإنجليز، أو يشوه سمعتهم بمصر، عاجلوها بالتعطيل، ولقد مرَّ بك كيف حاربوا مجلة العروة الوثقى ومنعوها من دخول مصر، وعطلوا جريدة الأهرام شهرًا2 لتنديدها بالسياسة الإنجليزية في سنة 1884، وتبطش يد الاستعمار بكثير من الجرائد لأتفه الأسباب فتعطل جريدة الوطن مع أنها موالية لهم، وتلغي الزمان، ومرآة الشرق لأنهما من محاربي الاحتلال.

وتاريخ الصحافة في هذه الحقبة متاثرة بعدة عوامل:

1-

فتركيا كانت -على الرغم من ضعفها، وإذعانها للأمر الواقع في مصر- تحاول إثارة النفوس ضد الاحتلال الإنجليزي، ضنًّا بمصر الغنية أن تفلت من يدها إلى الأبد، وكان كثير من المصريين يدين لتركيا بالولاء، وهو ولاء ديني مبعثه وجود الخلافة العثمانية، والمسلمون مكلفون شرعًا بطاعة الخليفة، وكانت هذه النزعة تتملك قلوب الجمهرة الغالبة من المصريين وبعض السوريين المقيمين بها، وقد ظهر من الجرائد التي تحمل لواء هذه السياسة وتنفث الحمم

1 وفي ذلك يقول جورد يونج G. Young في كتابه مصر Egypt مشيرًا إلى تقرير اللورد "دفرين" ونصحه لسلطة لاحتلال بمصر أن ترخي العنان للصحافة، وإن نصيحته قد وجدت أذنًا صاغية حتى "أهمل قانون سنة 1881 إهمالًا تامًّا، ونالت مصر حرية صحفية لا عهد لشمال أفريقية أو غرب أسيا بها" انظر ص 108-178.

2 كانت جريدة الأهرام في ذلك الوقت تحارب الإنجليز؛ لأنها كانت تعمل لحساب الفرنسيين، وفي ذلك تقول جريدة الشعب "8مايو 1912" تصف الأهرام وسياستها:"إن سياستها عثمانية مصرية تدافع عن صالح فرنسا في مصر؛ سواء كانت اقتصادية أو سياسية، وأحيانًا تشتد في نقدها كأكثر الصحف الوطنية تطرفًا".

ص: 412

ملتهبًا، والسم ناقعًا ضد الإنجليز وسياستهم الاستعمارية جريدة "المؤيد، ثم جريدة "اللواء".

2-

وهناك الاحتلال البريطاني، وهو احتلال تديره سياسة محنكة يصفها اللورد كرومر بقوله:"يجب أن تكون السياسة الاستعمارية قائمة على قواعد التبصر والحكمة، ويجب أن تكون أصول أحكامنا -التي هي الصلة بيننا وبين جميع الشعوب الداخلة في حكمنا، من حيث الاعتبار السياسي والاقصادي والأدبي- قواعد صحيحة سليمة منزهة عن الشائبة والنقص، هذا هو حجر الزاوية في بناء الإمبراطورية، إن المبرر الأكبر للاستعمار يجب أن يظهر جليًّا في حسن التصرف بما في أيدي هذه الإمبراطورية من القوى1" وأراد الاحتلال أن يجتثَّ نفوذ تركيا من الأساس، ويقتلع من النفوس هذا الولاء، وقد استطاع أن يجد لسياسته هذه أنصارًا ومؤيدين، وأن يجتذب قلوبًا عزيزة المنال تدافع عنه أو تسكت عن مخازيه، وجد الاستعمار أنصاره بين بعض السوريين المسيحيين الناقمين على تركيا استبدادها وغلظتها وسوء تصرفها معهم في ديارهم، وتفريقها بين عناصر الأمة، فرأوا في الإنجليز من يحميهم ويعطف عليهم؛ فأنشئوا جريدة المقطم2 تشيد بسياستهم، وتلهج بأعمالهم، وقد صرَّح أصحابها بأن غرضهم السياسي من تأسيسها معلوم ظاهر في كل صفحة من صفحاته، "وهو تأييد السياسة الإنجليزية التي لولاها ما كان في الشرق بلد يستطيع أن يعيش فيه ويجاهر بآرائه وأقواله3 ومن هؤلاء الذين شرعوا أقلامهم في محاربة الترك وتأييد الإنجليز: سليم سركيس صاحب جريدة "المشير" ويقول من مقالة، بعنوان "هل مصر عثمانية؟ "4:"لم أجد قي حياتي، ولا قرأت في مطالعاتي عن أمة تريد الانتقال من الاستقلال إلى ظلمات العبودية إلّا هذا القسم من الأمة المصرية الذين يريدون التمسك بأذيال العرش العثماني"، ومن شعره في التنديد بظلم الأتراك قوله5:

1 حاضر العالم الإسلامي ج4 ص10.

2 14 فبراير سنة 1889.

3 مجلة الجامعة لفرج أنطوان ج1 ص82.

4 المشير عدد 103.

5 العوامل الفعالة في الأدب العربي الحديث لأنيس المقدسي ص8.

ص: 413

نرجو صلاح الترك قد

خابت أمانينا الكواذب

هي دولة ظملت وليس الـ

عدل عن ظلم بذاهب

فانشد معي قولًا ترد

ده المشارق والمغارب

ليس العجيبة فقدها

بل عيشها إحدى العجائب

وقد وجد الإنجليز بجانب هؤلاء أقلامًا أخرى تناصرهم لنفورهم من الظلم التركي؛ مثل: ولي الدين يكن، مع أنه كان تركيًّا صميمًا لا يبغي بتركيا بديلًا، ولكنه كان يحب الإنجليز لحمايتهم -فيما يزعم- الأحرار، وقد مر بك كيف اجتذبوا إليهم الشيخ محمد عبده، وإن لم يكن من صنائعهم، ولكنه كان من المحتمين بهم، المستظلين بظلهم، وقد استطاعو أن يطلفئوا تلك النار الملتهبة التي يصبها عليهم الشيخ علي يوسف وشيعته في المؤيد، وأن يسكتوا تلك الأقلام القوية التي تصور في جرأة وقوة فظائعهم، وتملأ القلوب إحنًا وبغضاء عليهم1، ولكن لم يستطيعوا مع كل هذا أن يجعلوا من المؤيد بوقًا يدعو لهم، وسنعود إليه بعد قليل.

وبذلك انقسمت الصحافة قسمين؛ قسم يشايع تركيا، وفي الغالب يدعو للخديو ويناوئ الإنجليز، ويندد بالاستعمار، إما مدفوع بالولاء الديني، أو الكراهة للإنجليز، أو بتحريض دولة أجنبية؛ مثل: الأهرام وفرنسا، وقسم يدافع عن الإنجليز ويذيع مساوئ العهد التركي، ويترنم بنعمة الاحتلال، وينتقص المصريين وعلى رأسهم الخديو، ويتمثل في جريدة المقطم، وفي بعض الأقلام التي فتنها بريق الحرية الكاذبة التي لوح بها الإنجليز.

1 وقد قال في هذا التغير حسين شفيق المصري صاحب "المباحث السياسية": "المؤيد الذي يقرأ الآن غير المؤيد الذي كان المصريون يحبونه، والشيخ علي يوسف صاحب المؤيد الحاضر غير الشيخ علي يوسف الذي حمل على الأعناق بعد حكم قضية التلغراف المشهورة، فقد تغيرت الحال مع الصحيفة وصاحبها، والبون بعيد بين اجتماع الوطنيين لتوقير أم الصحف وأبي الصحفيين، وبين إجماعهم للنداء بإسقاطهما في الحضيض الأسفل، وليس الإقرار بهذه الحقيقة من الأمور التي تسر الوطنيين" راجع تاريخ الصحافة العربية "للفيكونت فيليب دي طرازي" ج3 ص38.

ص: 414

وأكبر ظاهرة تستحق منا العناية قبل أن نفرغ من هذا الجزء ظهور جريدتين إسلامتين كان لهما شأن عظيم في تاريخ مصر، وفي توجيه الحركة والإصلاح الاجتماعي، وقد أشرنا إليهما فيما سبق إشارات عابرة، ولكن سنخص المؤيد هنا بكلمة؛ لأن الصحافة اليومية المشهورة بمصر كانت إلى ظهور المؤيد واللواء سورية تتحكم فيها نزعات وأهواء متباينة، وأما اللوء فله شأن آخر، وموعدنا به في الأجزاء التالية -إن شاء الله؛ لأنه أنشيء في السنة الأخيرة من القرن التاسع عشر، والكلام عنه يطول.

المؤيد:

والفضل في ظهور المؤيد يرجع إلى سياسة الإنجليز واصطناعهم أصحاب المقطم، فإن هذا أثار حفيظة الوطنيين، فتقدم الشيخ علي يوسف1 صاحب مجلة الآداب لإخراج المؤيد، جريدة وطنية مصرية، وشجعه رياض باشا وكثير من زعماء مصر2، وغدت المؤيد ميدانًا تتألف فيه الأقلام الوطنية الجريئة، تثيرها حربًا شعواء على الاستعمار الإنجليزي وعلى الأجانب الذين يناصرونهم، ونازلت المقطم نزالًا عنيفًا مرًّا، فما لبثت أن راجت حتى صارت أقوى جريدة عربية في الشرق العربي كله، وفسحت صدرها لمصطفى كامل ولفئة صالحة من كتاب الشباب، وتلاميذ جمال الدين ومحمد عبده3، وعنيت بالمسائل الوطنية في جميع نواحيها، وبالأمور الإسلامية، ولم يستطع الإنجليز أن يعطلوها كما عطلوا

1 الشيخ علي يوسف صاحب المؤيد، ولد بقرية بلصفورة بمدينة جرجا سنة 1863، من أسرة شريفة أخنى علهيا الدهر، ودرس في الأزهر مدةً إلّا أن ميله الأدبي صرفه عن إتمام دروسه به، وأنشأ في سنة 1887 "مجلة الآداب" أسبوعية في ثماني صفحات، ولكنها اهتمت بالدراسات القديمة، وحررت بأسلوب يعلو على جمهرة القراء، فتعثرت في خروجها، ثم أسس جريدة المؤيد في أول ديسمبر سنة1889، فكانت أول جريدة مصرية يومية كبيرة، وراجت رواجًا عظيمًا، وفي سنة 1913 أسند للشيخ علي ييوسف مشيخة السادة الوفائية، فاستقال من جريدته، ومات بعد ذلك في سنة 1913، وكان الشيخ "علي " قوي العزم، أديبًا متلافًا وقد أثار زواجه من بنت السيد عبد الخالق السادات ضجةً عظيمةً؛ لأن السيد عبد الخالق عده دونه في الحسب والنسب، وشغلت الصحف بذلك وقتًا طويلًا، وقد رمي بالتعصب الديني، ولكنها تهمة يشيعها من لم يفهموا سياسة ذلك الوقت، والعوامل التي حركت الصحافة، والدوافع التي جعلت من بعض المسلمين متعصبين، وسنخصه بترجمة مطولة في أحد الأجزاء التالية -إن شاء الله، على أننا ترجمنا له ترجمة وافية بمجلة الكتاب، عدد يولية 1948، وفي كتابنا "دراسات أدبية".

2 راجع تطور الصحافة لإبراهيم عبده ص152.

3 من كتاب المؤيد المشهورين بجانب صاحبه، جميل مدور، وعبد الحميد الزهراوي، والشيخ عبد القادر المغربي، ومحمد كرد علي، ومحب الدين الخطيب، والمنفوطي، وحافظ عوض، ومحمد أبو شادي، وإمام العبد وسليمان فوزي "صاحب الكشكول".

ص: 415

الأستاذ لعبد الله نديم لقوتها وكثرة قرائها، ولكن تمكنوا بعد مدة من استمالة الشيخ علي يوسف إليهم، ولعل صحبته لمحمد عبده قد أثرت فيه؛ فنهج منهجه في مسالمتهم.

لقد كانت المؤيد أمل المصريين، ومدرسة تخرَّج فيها عدد كبير ممن قادوا الأمة في الصحافة بعد ذلك، وكانت غنية منتشرة في العالم الإسلامي كله، وهي أول جريدة استعملت مطبعة كهربائية في الشرق، وقد احتلت منزلةً كبيرةً في نفوس الناس، حتى اعترف لها بهذه المكانة العدو والصديق، ولذلك عزَّ على المصرين وقوفها موقفًا سلبيًّا من الاستعمار الإنجليزي بعد أن كانت من أكبر خصومه، وإن لم تفقد قراءها، لسابق فضلها وقوة تحريرها، ولسياستها الإسلامية، ولحسن الدعاية لها، وفي المؤيد وصاحبه يقول حافظ إبراهيم حين أخرج المؤيد في ثماني صفحات سنة 1906.

أحييت ميت رجائنا بصحيفة

أثنى عليها الشرق والإسلام

أضحت مصلى للهداية عندما

سجدت برحب فنائها الأقلام

فعلى مؤيدك الجديد تحية

وعلى مؤيدك القديم سلام

ويقول ولي الدين يكن عنه:

"الشيخ على يوسف سهل التأليف، شديد المضاء، وهو في بيانه أقرب إلى العامة منه إلى الخاصة، وإذا غلب بصورته دون روحه، صحافي محنك، وليست الكتابة من عمله:

كأنما يراعه سوطه

يضرب إن جد ولا يكتب

لا تدع العجمة أسلوبه

فليس في أسلوبه معرب

ولعلك أدركت أن ولي الدين ليس ممن يحبون الشيخ، وقد كانا على طرفي نفيض في سياستهما كما مر بك.

ص: 416

وفيه قال يوسف البستاني: "أنظر إليه بعين الصحافي فأراه عظيم البراعة في تقليب اليراعة، وشديد الحصافة في ميدان الصحافة، ولو وجد قلمه من عواطفه دعامة لرفعه بيينا إلى مقام الزعامة، ولقد زاد فضله أنه من الطبقة العصامية وجهال اللغات الأجنبية"1.

ويقول تشارلز آدمز "أما الشيخ علي يوسف فقد كان صحفيًّا ماهرًا، وله دهاء يشوبه المكر أحيانًا، وقد رفع المؤيد إلى مقام الصدارة في العالم العربي"2.

وحسبنا هذه الكلمة الموجزة عن الصحافة في أخريات القرن التاسع عشر، ولنا إليها عودة في الأجزاء التالية -إن شاء الله؟ لأن كثيرًا من الصحف التي ظهرت في هذه الحقبة ازدهرت ونمت في القرن العشرين، وتأثرت بعوامل سياسية واجتماعية كانت وليدة أحداث في أوائل هذا القرن.

1 تاريخ الصحافة العربية - الفيكونت فيليب دي طرازي، ج3 ص40.

2 الإسلام والتجديد، تعريب عباس محمود ص218.

ص: 417