الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد فإن من المصائب الكبرى في العصر الحاضر أن يضطر المسلم الطالب للعلم إلى إضاعة كثير من وقته في الدفاع عن نفسه، ورد التهم والأباطيل عن شخصه التي ألصقها به بعض الناس ممن لا يخشون الله ولا يستحيون من عباد الله، مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ
فاصنع ما شئت». ومنه قول الشاعر:
إذا لم تصن عرضًا ولم تخشَ خالقًا
…
وتستحي مخلوقًا* فما شئت فاصنع
إذا كنت تأتي المرء تعظم حقه
…
ويجهل منك الحق فالصّرم أوسع
وإذا كان من المعلوم أن من لا حياء له لا دواء له، فلا تنفع فيه المعاتبة، كان من المتبادر أن الأولى الانصراف عنه، وتركه وشأنه كما قال الشاعر:
إذا رزق الفتى وجهًا وقاحًا
…
تقلب في الأمور كما يشاء
ولم يَكُ للدواء ولا لشيء
…
يعالجه به فيه غَناء
فما لك في معاتبة الذي لا
…
حياء لوجهه إلا العناء
بيد أنه لما كان السكوت عن مثله، يعرِّض كثيرًا من الأبرياء للانزلاق من ورائه، والتأثر بتهمه وأباطيله، كان لا بد من الرد عليه، والكشف عن افتراءاته، {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} . وفي ذلك فائدة أخرى تعود إلى الباهت نفسه ألا وهي: احتمال أن يعود إلى رشده، والتقليل من أوزاره، من جراء تقليل عدد المتورطين المضللين به الذين سوف يحمل هو أوزارهم فوق أوزاره الخاصة به كما قال تعالى:
{وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ، وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} . وفي الآية الأخرى: {لِيَحْمِلُوا
* (مخلوقًا) سقطت من الطبعة الثانية، واستدركتها من الطبعة الأولى للكتاب. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ}.
ولعل في هذا تذكرة وإقناعًا للذين لا تروقهم مثل هذه الردود مطلقًا، ويتمنون أنه لو صرفت مثل هذه الجهود إلى نواحٍ علمية مجردة عن المناقشة والأخذ والرد، وغالبهم ليس عندهم الروح العلمية التي تساعد على تبيّن الحقيقة مما اختلف فيه الناس، ثم على التمسك بها والدعوة إليها.
ونحن وإن كنا مع هؤلاء فيما يتمنّون، فيجب أن يتذكروا أن كثيرًا ما تجري الرياح بما لا يشتهي الملاح كما قال الشاعر:
ما كل ما يتمنى المرء يدركه
…
تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
وأيضًا فإنه ليس من صفات المؤمنين أن يسكتوا على البغي والظلم، والبهت والكذب الذي يلصق بهم، وهم يجدون وسيلة مشروعة لدفعه ورده على صاحبه، خلافًا لما يُعْزى لسيدنا عيسى عليه السلام ويسميه النصارى بالآية الذهبية:
«من ضربك على خدّك الأيمن فأدر له الخد الأيسر، ومن طلب منك كساءك فأعطه رداءك، ومن طلب منك تمشي معه ميلًا فامش معه ميلين» ! فليس في الإسلام شيء من هذا بل هو على إطلاقه يعارض القرآن الكريم في بيان بعض صفات عباد الرحمن المؤمنين التي منها ما أفادته الآية الكريمة: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ • وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ
الظَّالِمِينَ • وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ • إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
فإن لم يكن في كل ما تقدم مما يقنع أولئك الناس، فلا أقل من أن يعتبر ذلك عذرًا لي، فقد قيل: ليس من العدل سرعة العذل. وقال الشاعر:
تأنّ ولا تعجل بلومكَ صاحبًا
…
لعل له عذرًا وأنت تلوم
بل لقد كان الواجب عليهم أن يعودوا على الجائر الظالم باللوم والإنكار وردعه عن ظلمه، وأن ينتصروا للمظلوم لقوله عليه الصلاة والسلام:«انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، قيل: * كيف أنصره ظالمًا؟ قال: تحجزه عن الظلم، فإن ذلك نصره» . وفي حديث آخر: «لِينصر الرجل أخاه ظالمًا أو مظلومًا: إن كان ظالمًا فلينهه فإنه له نصرة، وإن كان مظلومًا فلينصره» ، وقوله:«ما من امرئ يخذل امرءًا مسلمًا في موطن يُنقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته، وما من أحد ينصر مسلمًا في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته» (1).
وعلى كل حال فمن المعلوم أن إرضاء الناس غاية لا تدرك، كما جاء في بعض الأمثال:
ما قرعت عصا على عصا، إلا حزن لها قوم، وسرَّ
* (قيل) سقطت من الطبعة الثانية، واستدركتها من الطبعة الأولى للكتاب. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
(1)
صحيح الجامع الصغير (5566).
لها آخرون. وقال الشاعر:
ولست بناج من مقالة طاعن
…
ولو كنت في غار على جبل وعر
ومن ذا الذي ينجو من الناس سالمًا
…
ولو غاب عنهم بين خافيتي نسر
وإذا كان الأمر كذلك فحسبي أنني سألتزم في ردي هذا حدود الشرع فلا أقابل الباغي بشيء من البغي، والباهت بشيء من البهت، وإنما سأصفه بما فيه كي يحذره الناس فلا يضلوا بضلاله، ولا ينحرفوا بانحرافه عن كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، لا سيما من كان منهم حديث صلة به، قد اغتر بمظهره ولا علم عنده بحقيقة أمره كما قال الشاعر:
لا يغرنْك صديق أبدًا
…
لك في المنظر حتى تخبرُه
كم صديق كنت منه في عمى
…
غرّني منه زمانًا منظره
كان يلقاني بوجه طلق
…
وكلام كاللآلي ينشره
فإذا فتّشته عن غيبه
…
لم أجد ذاك لوجد يضمره
فدع الإخوان إلا كل من
…
يضمر الود كما قد يظهره
فإذا فزت بمن يجمع ذا
…
فاجعلنه لك ذَخرًا تذخره
وقديمًا قال العلماء:
القدح ليس بغيبة في ستة
…
متظلّم ومعرّف ومحذر
ومجاهر فسقًا ومستفت ومن
…
طلب الإعانة في إزالة منكر
وخصلة واحدة من هذه الخصال كافية لتجويز مثل هذا الرد، فكيف، وقد انضم إليها غيرها، وبخاصّة الأولى منها، ودليلها قول الله تبارك وتعالى:
وقوله صلى الله عليه وسلم: «لَيُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته» (1)
وقال الشاعر:
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا
…
مضر كوضع السيف في موضع الندى
أسأل الله تبارك وتعالى أن يعصمنا من الظلم وغمص الناس بغير حق، وأن يجعل ما أكتبه دفاعًا عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم ونهج السلف الصالح، إنه سميع مجيب.
محمد ناصر الدين الألباني
(1) صحيح الجامع الصغير (5363).