الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
«
…
إن عيسى عليه السلام -أي عند نزوله- يحكم بشرعنا، ويقضي بالكتاب والسنة لا بغيرهما من الإنجيل أو الفقه الحنفي ونحوه» انتهى قولهم بالحرف الواحد. وهيهات أن يغطوا ما صدر منهم بأي تأويل أو تعليل؟ ! وقد أفاد قولهم هذا: أن (الفقه الحنفي ونحوه) ليس من شرعنا وليس من الكتاب والسنة».
بيان ما في كلامه على «حاشية مختصر مسلم» من الكذب والضلال
أقول: في هذا الكلام من الكذب والضلال ما لا يصدر من إنسان يحترم دينه وعقله، بل يحترم إخوانه وأصدقاءه وإليك البيان:
أولًا: لقد أثبتنا فيما تقدم كذبه فيما نسب وينسب إلينا من الطعن في المذاهب وأننا نعتبر الانتساب إليها سبة وعارًا، فهذا كذب جهارًا، وقد سبق بيان ذلك مفصلًا فلا نعود إليه، وإن جعل هذا الضال إعادة التهمة في ذلك ديدنه، فالله حسيبه.
ثانيًا: قوله «وأخرجوها (أي المذاهب) عن دائرة شرعنا وعن الكتاب والسنة وزعموا أنها غيرها» .
موقفنا من المذاهب
فأقول: هذا كذب أيضًا بهذا الإطلاق، ولا يقول بذلك مسلم على وجه الأرض إذ من المعلوم ضرورة أن في المذاهب كثيرًا وكثيرًا جدًّا من المسائل المتفق عليها بين المسلمين، ولها أدلتها من الكتاب والسنة وفي كل منها مما اختلفوا فيه كثير من الصواب الذي ترجح بدليل من الكتاب والسنة. ولكن في مقابل هذا كثير من المسائل في كل مذهب مما قام
على الاجتهاد والرأي، ودلت السنة على خطئها، فالمخطئ فيها مأجور أجرًا واحدًا، ولذلك لما جمع العلامة ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى المسائل التي خالف مذهب كل واحد من الأئمة الأربعة الحديث الصحيح انفرادًا واجتماعًا في مجلد ضخم ذكر في أوله أن نسبة هذه المسائل إلى الأئمة المجتهدين حرام وأنه يجب على الفقهاء المقلدين لهم معرفتها لئلا يعزوها إليهم، فيكذبوا عليهم (1). من أجل ذلك صح عن الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى النهي عن تقليدهم، والأمر بالرجوع إلى الكتاب والسنة كما هو مفصل في أول كتابي «صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم» وغيره، وفيه بيان الموقف الوسط الذي ينبغي على المسلم أن يقفه تجاه الأئمة رحمهم الله تعالى، وأبو غدة على علم بذلك، ولكنه يكابر على عادته وينسب إلي ما هو نفسه على علم ببطلانه فالله حسيبه.
من أجل هذا النوع من المسائل المخالفة للسنة لدى كل مذهب من المذاهب الأربعة فضلًا عن غيرها لا يجوز القول بأنها هي الكتاب والسنة، وأنها بكل ما فيها من تفاصيل وأخطاء هي من شرعنا. وإذا كان الإمام ابن دقيق العيد يحرم كما سبق نسبة هذه المسائل إلى الأئمة الأربعة، فكيف يجوز نسبتها إلى الشرع الإسلامي؟ !
ولذلك برأت عيسى عليه السلام أن يحكم بمذهب من المذاهب حين قلت تعليقًا على قول الإمام ابن أبي ذئب الراوي لحديث: «كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم فأمكم منكم» قال ابن أبي ذئب مفسرًا له:
«فأمكم بكتاب ربكم وسنة نبيكم» فقلت تعليقًا عليه:
(1)«إيقاظ الهمم» للشيخ صالح الفلاني رحمة الله عليه.
وأشرت فيه بذكر الإنجيل إلى الرد على النصارى الذين يزعمون أن عيسى عند نزوله لا يحكم بالقرآن، وإنما بالإنجيل، وبذكر الفقه الحنفي الرد على بعض متعصبة الحنفية الذين يجزمون بأن عيسى عليه السلام سيحكم بالمذهب الحنفي. وقصدت بقولي:«ونحوه» دَفْعُ ما قد يخطر في بال بعض متعصبة الحنفية أن ذكري للفقه الحنفي دون غيره، إنما هو تعصب مني عليه وميل إلى غيره فقلت:«ونحوه» تسوية بينه وبين المذاهب كلها في أن عيسى لا يحكم بشيء منها، وإنما بالكتاب والسنة فقط، وما كان ليخطر في البال أن يستغل هذا الكلام الموجز مثل هذا الاستغلال الرخيص الذي صدر عن أبو غدة سابقًا ولاحقًا، أما سابقًا، فذلك حين تم طبع الكتاب في طبعته الأولى، فإنه أقام الدنيا وأقعدها، بإشاعته بين الناس أن الألباني يطعن في المذاهب الأربعة وأنه لا يجوز الانتساب إليها كما لا يجوز الانتساب إلى الإنجيل، ونحو ذلك من الزور الذي أفصح عنه الآن كتابة في «كلماته» فكم من شخص سألني عن هذه الإشاعة، فكان جوابي تجاهها: سبحانك هذا بهتان عظيم، ولما عرفنا يومئذ أن مصدرها أبو غدة سارعت إلى كتابة استدراك ضمنته الرد على هذه الإشاعة وإبطالها، مع الإشارة إلى أن الذي تولى كبرها هو أحد متعصبة الحنفية ووضحت فيه هذا التعليق الوجيز بنحو ما بينه الناشر للطبعة الثانية في مقدمته للطبعة الثانية، وأرسلت الاستدراك إلى وكيل الناشر الأول، والقائم على طبع الكتاب في بيروت يومئذ لكي يطبع الاستدراك ويلحقه
بالكتاب قبل توزيعه، أتبعت ذلك ببرقية أرسلتها إلى الناشر وهو في الكويت راجيًا أن لا ينزل الكتاب في الأسواق قبل أن يأتيه الاستدراك مطبوعًا ليلحق بالكتاب، وأردفتها بخطاب أرسلته إليه مفصلًا للأمر، ولكن الكتاب وزع، دون الاستدراك! وقد قيل إن السبب أن أبا غدة صديق ذاك الوكيل، وكان يتردد عليه حينذاك فأطلعه على الاستدراك، فأوعز إليه بعد نشره. فكان له ما أراد. وبعد أشهر لقيت الناشر فسألته عن سبب عدم نشر الاستدراك فأجاب بجواب لا طائل تحته، ولا أدري حتى اليوم ما هي نسبة المسئولية التي يتحملها لعدم طبع الاستدراك المذكور.
ثالثًا: ومن العجائب أن الناشر المشار إليه هو من أصدقاء أبو غدة الحميمين، ولا يزال يبيع له كتبه على ما فيها من طعن في الأئمة في مكتبته في الكويت حتى اليوم. وأبو غدة يعلم يقينًا أنه هو الناشر، ومع ذلك فهو يحمله، أيضًا مسئولية قولي على الحاشية بإشراكه معي في أكذوبته المعتادة:«قولهم» ، والقائل إنما هو أنا فقط، وليس للناشر أو الطابع أي علاقة به فانظر إليه كيف يقول: «فهذا قولهم في حاشية «مختصر مسلم
…
» المطبوع في الكويت
…
» فإنه في العادة يعني بمثل هذا اللفظ: «قولهم» المؤلف والناشر له كتبه وهو الأخ زهير الشاويش «صاحب المكتب المعروف» ! فغلبته عادته الجائرة فعنى معي غيره من الناشرين، ألا وهو الناشر الأول الكويتي المصري وهو من أصدقائه الحميمين كما ذكرنا فأضر به وهو لا يشعر، مما يذكرني بالمثل المشهور:«عدو عاقل خير من صديق جاهل» !
رابعًا: قوله «المطبوع في الكويت في الطبعة الأولى والثانية» تضليل مقصود منه، فإنه يعلم أنه طبع في بيروت