الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأمثلة الجديدة التي تشهد لبعض ما وصفناه به هناك من الخصال ما يغنيني عن الإعادة هنا، فلنذكر بعض هذه الأمثلة ليعلم القارئ أن أبا غدة فوق ذلك بكثير!
أمثلة جديدة على ذلك
أولًا: قال (ص 10) وقد ذكر المقدمة لشرح «العقيدة الطحاوية» : «وقد شحن بما يتجافى مع سمو العقيدة السامية، من إقذاع وقذف وطعن وتكفير» .
فأقول: فقوله «وتكفير» فهو من أكاذيبه التي تدل على خبيئة نفسه، ليثبت بذلك للقراء الخرافة الباطلة التي يشيعها هو وأمثاله من الخرافيين أن السلفيين يكفرون المسلمين. فنحن نتحداه ليثبت المكان الذي رميته فيه بالتكفير المزعوم من «المقدمة» وهي في صفحات معدودة فإن لم يفعل ولن يفعل فقد تبين للناس أنه أفاك كذاب، وإن أصر باهلناه إن شاء {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} .
وأما الطعن فلا بأس علينا منه، لأنه بحق وهو مشروع كما أثبته في المقدمة (ص 43) وأما القذف، فإن أراد به السب، فهو كالطعن وقد عرفت جوابه، وإنما هو يستكثر من الألفاظ للتهويش، وإن أراد به القذف بالزنا فهو زور كسابقه ومثله قوله:«إقذاع» . في القاموس: «قذعه كمنعه رماه بالفحش وسوء القول كأقذعه» !
ثانيًا: قال (ص 10 - 11): «ووصفني المرات تلو المرات بأني حنفي مسوقة مساق التعيير والمسبة، إذ يرون الانتساب إلى الإمام أبي حنيفة أو غيره من الأئمة المتبوعين الأجلة سبة ونقصًا» .
فأقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، وزور جسيم، من مثل هذا الأفاك الأثيم، فإنه يعلم أننا على النقيض من ذلك مما هو مطبوع في كثير من مؤلفاتي وبخاصة مقدمتي لكتابي «صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من التكبير إلى التسليم كأنك تراها» وهي في تسع وخمسين صفحة. طبعت منذ سنين عدة مرات وأبو غدة على علم بها قطعًا، ولكن صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إذا لم تستح فاصنع ما شئت» ولا بأس من أن أقتطف منها ما يناسب المقام، فقد قلت فيها (ص 26) بعد الاعتذار لأبي حنيفة رحمه الله تعالى عما وقع له من المخالفة لبعض الأحاديث الصحيحة، مع أمره أتباعه بالعمل بما صح منها عندهم في نصوص كثيرة ثابتة عنه:
«قلت: فإذا كان هذا عذر أبي حنيفة فيما وقع منه من المخالفة للأحاديث الصحيحة دون قصد -وهو عذر مقبول مطلقًا لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها- فلا يجوز الطعن فيه بسببها كما قد يفعل بعض الجهال، بل يجب التأدب معه لأنه إمام من أئمة المسلمين الذين بهم حفظ هذا الدين ووصل إلينا، ما وصل من فروعه، وأنه مأجور على كل حال أصاب أم أخطأ، كما أنه لا يجوز لمعظميه أن يظلوا متمسكين بأقواله المخالفة للأحاديث لأنها ليست من مذهبه كما رأيت نصوصه في ذلك، فهؤلاء في واد وأولئك في واد، والحق بين هؤلاء وهؤلاء {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ، وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا، رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} .
هذا طرف مما ذكرته هناك من الثناء على الأئمة المتبوعين والذب عن بعضهم وما يجب أن يكون عليه
أتباعهم، وفيه التصريح بإقرار الانتساب بشرط إيثار الحديث على التقليد وأستطيع أن ألخص ذلك هنا بما يلي:
إن الانتساب إلى أحد من الأئمة كوسيلة للتعرف على ما قد يفوت طالب العلم من الفقه بالكتاب والسنة، أمر لا بد منه شرعًا وقدرًا، فإن ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب، وعلى هذا جرى السلف والخلف جميعًا، يتلقى بعضهم العلم عن بعض، ولكن الخلف -إلا قليلًا منهم- خالف السلف حين جعل الوسيلة غاية، فأوجب على كل مسلم مهما سما في العلم والفقه عن الله ورسوله من بعد الأئمة الأربعة أن يقلد واحدًا منهم، لا يميل عنه إلى غيره كما قال أحدهم: وواجب تقليد حبر منهمُ.
ونتج من ذلك أن يتعصب كل منهم لمذهبه، دون أن يتذكروا أن اتباع المذهب وسيلة، وأن الغاية اتباع الكتاب والسنة، فأصبحت الغاية عندهم نسيًا منسيًّا، وجعلوا القرآن وراءهم ظهريًّا، وتمسكوا بالمذهب وتدينوا به، وتعصبوا له على السنة الصحيحة، فكلما جئت أحدهم بحديث صحيح أعرض عنه ونأى بجانبه، ومن العجائب أن بعضهم يبرر ذلك بقوله:«نحن أسراء النصوص» يعني أقوال العلماء على ما بينها من تعارض واختلاف في المذهب الواحد فضلًا عن المذاهب الأخرى.
فقلنا: ونحن كذلك ولكن بفارق كبير، نحن أسراء النصوص المعصومة من الكتاب والسنة، والمحفوظة عن الاختلاف والاضطراب {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} وأما أنتم فأسراء النصوص المختلفة والمضطربة اختلافًا كثيرًا يحار الخريت منكم في الفقه التقليدي في التوفيق بينها أو ترجيح وجه من وجوه
الاختلاف فيها! وهنا يتدخل الهوى والعادة وإرضاء الغوغاء والعامة فيجعلونه مرجحًا شاؤوا أم أبوا.
فإذا كان أبو غدة يعني بالانتساب المذكور في كلامه مطلق الانتساب هذا الذي هو وسيلة لا غاية وهو الظاهر من إطلاقه لكلامه فقد افترى علينا والله حسيبه، وإن كان الانتساب الذي عليه الأغلبية الساحقة من المقلدة -وهذا ما لا أظن أنه يستطيع أن يبوح به- فنحن نقول بكل صراحة: إننا نراه سبة ونقصًا. ونزيد فنقول إن ذلك مما تلقيناه من الأئمة الذين نهوا عن التقليد وأوجبوا الاتباع للكتاب والسنة في نصوص عديدة استوعبتها في المقدمة المشار إليها آنفًا، ومن ذلك قول بعضهم «لا يقلد إلا عصبي أو غبي» (1).
وقوله فيما تقدم: «ووصفني المرات تلو المرات بأني حنفي مسوقة مساق التعيير والمسبة» . هو من ذاك القبيل في الافتراء والبهت. فإننا لا نعير أحدًا لمجرد كونه منتسبًا لأبي حنيفة أو غيره من الأئمة رحمهم الله جميعًا، وإنما نعير من كان متعصبًا لمذهبه مؤثرًا له على كتاب ربه، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأبو غدة من هذا الجنس قطعًا شديد التعصب لمذهبه، فخور به، فإنه يحمد الله على
(1) وقد حرف أبو غدة هذه العبارة بجهله أو تجاهله فقال (ص 38): «فلا يتابع في كل شيء إلا عصبي أو غبي» . وذلك لأنه يفهم أن الاتباع هو التقليد بدليل قوله قبل ذلك: «مع أني تابع مقلِّد والحمد لله على فضله (! ) فلا يتابع في كل شيء إلا
…
» وهذا من جهله بما حققه العلماء كابن عبد البر وغيره من الفرق بين الاتباع والتقليد أو من المخالفة المقصودة منه لهم (وأحلاهما مر).