المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الباب الثاني في ذكر أئمة أصحاب الأصول - لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح - جـ ١٠

[عبد الحق الدهلوي]

فهرس الكتاب

- ‌أَجوبة الحافظ ابن حجر العسقلاني عن أحاديث (المصابيح)

- ‌صورة الجواب

- ‌الحديث الأول: حديث: "صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية

- ‌الحديث الثاني: "القدرية مجوس هذه الأمة

- ‌الحديث الثالث: حديث صلاة التسابيح

- ‌الحديث الرابع: حديث "من عزّى مصابًا فله مثل أجره

- ‌الحديث الخامس: حديث: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود

- ‌الحديث السادس: "يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بهذا السواد كحواصل الحمام لا يجدون رائحة الجنة

- ‌الحديث الثامن: "إذا كتب أحدكم كتابًا فليتربه، فإن أنجح للحاجة

- ‌الحديث التاسع: حديث: "لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه اللَّه ويبتليك

- ‌الحديث العاشر: حديث: "حبك الشيء يعمي ويصم

- ‌الحديث الثاني عشر: حديث: "لا حكيم إلا ذو تجربة، ولا حليم إلا ذو عثرة

- ‌الحديث الثالث عشر: "المؤمن غِرٌّ كريم، والفاجر خبٌّ لئيم

- ‌الحديث الخامس عشر: حديث: "إن الناس يمصِّرون أمصارًا، وإن مصرًا منها يقال لها: البصرة، فإن أنت مررت بها أو دخلتها فإياك وسِباخَها وكلأَها ونخيلَها وسُوقَها وباب أمرائها، وعليك بضواحيها، فإنه يكون بها خسف وقذف ورجف، وقوم يبيتون فيصبحون قردة وخنازير

- ‌ فصل في تلخيص من أخرج هذه الأحاديث من الأئمة الستة في كتبهم المشهورة على ترتيبها:

- ‌الإكمال في أسماء الرجال

- ‌الباب الأول في ذكر الصحابة ومن تابعهم

- ‌حرف الهمزة

- ‌ فصل في الصحابة:

- ‌ فصل في التابعين [وغيرهم]:

- ‌ فصل في الصحابيات:

- ‌حرف الباء

- ‌ فصل في الصحابة:

- ‌ فصل في التابعين:

- ‌ فصل في الصحابيات:

- ‌ فصل في التابعيات:

- ‌حرف التاء

- ‌ فصل في الصحابة:

- ‌ فصل في التابعين:

- ‌حرف الثاء

- ‌ فصل في الصحابة:

- ‌ فصل في التابعين:

- ‌حرف الجيم

- ‌ فصل في الصحابة:

- ‌ فصل في التابعين:

- ‌ فصل في الصحابيات:

- ‌حرف الحاء

- ‌ فصل في الصحابة:

- ‌ فصل في التابعين:

- ‌ فصل في الصحابيات:

- ‌ فصل في التابعيات:

- ‌حرف الخاء

- ‌ فصل في الصحابة:

- ‌ فصل في التابعين:

- ‌ فصل في الصحابيات:

- ‌حرف الدال

- ‌ فصل في الصحابة:

- ‌ فصل في التابعين:

- ‌ فصل في الصحابيات:

- ‌حرف الذال

- ‌ فصل في الصحابة:

- ‌حرف الراء

- ‌ فصل الصحابة:

- ‌ فصل في التابعين:

- ‌ فصل في الصحابيات:

- ‌حرف الزاي

- ‌ فصل في الصحابة:

- ‌ فصل في التابعين:

- ‌ فصل في الصحابيات:

- ‌ فصل في التابعيات:

- ‌حرف السين

- ‌ فصل في الصحابة:

- ‌ فصل في التابعين:

- ‌ فصل في الصحابيات:

- ‌حرف الشين

- ‌ فصل في الصحابة:

- ‌ فصل في التابعين:

- ‌ فصل في الصحابيات:

- ‌حرف الصاد

- ‌ فصل في الصحابة:

- ‌ فصل في التابعين:

- ‌ فصل في الصحابيات:

- ‌حرف الضاد

- ‌ فصل في الصحابة:

- ‌ فصل في التابعين:

- ‌حرف الطاء

- ‌ فصل في الصحابة:

- ‌ فصل في التابعين:

- ‌حرف الظاء

- ‌‌‌ فصل في الصحابة:

- ‌ فصل في الصحابة:

- ‌حرف العين

- ‌ فصل في التابعين:

- ‌ فصل في الصحابيات:

- ‌ فصل في التابعيات:

- ‌حرف الغين

- ‌ فصل في الصحابة:

- ‌ فصل في التابعين:

- ‌حرف الفاء

- ‌ فصل في الصحابة:

- ‌ فصل في التابعين:

- ‌ فصل في الصحابيات:

- ‌ فصل في التابعيات:

- ‌حرف القاف

- ‌ فصل في الصحابة:

- ‌ فصل في التابعين:

- ‌ فصل في الصحابيات:

- ‌حرف الكاف

- ‌ فصل في الصحابة:

- ‌ فصل في التابعين:

- ‌ فصل في التابعيات:

- ‌حرف اللام

- ‌ فصل في الصحابة:

- ‌ فصل في التابعين:

- ‌ فصل في الصحابيات:

- ‌حرف الميم

- ‌ فصل في الصحابة:

- ‌ فصل في التابعين:

- ‌ فصل في الصحابيات:

- ‌ فصل في التابعيات:

- ‌حرف النون

- ‌ فصل في الصحابة:

- ‌ فصل في التابعين:

- ‌حرف الواو

- ‌ فصل في الصحابة:

- ‌ فصل في التابعين:

- ‌حرف الهاء

- ‌ فصل في الصحابة:

- ‌ فصل في التابعين:

- ‌ فصل في الصحابيات:

- ‌حرف الياء

- ‌ فصل في الصحابة:

- ‌ فصل في التابعين:

- ‌ فصل في الصحابيات:

- ‌الباب الثاني في ذكر أئمة أصحاب الأصول

- ‌فهرس‌‌ المصادر والمراجع

- ‌ ا

- ‌ب

- ‌ت

- ‌ث

- ‌[ج]

- ‌[ح]

- ‌[خ]

- ‌د

- ‌[ذ]

- ‌ر

- ‌ز

- ‌[س]

- ‌ش

- ‌ ط:

- ‌ص

- ‌ض

- ‌[ظ]

- ‌ع

- ‌[غ]

- ‌[ف]

- ‌ك

- ‌[ق]

- ‌ل

- ‌ م

- ‌ن

- ‌[ه

- ‌ي

- ‌و

- ‌ذكر أسانيد هذا العبد الضعيف

- ‌السيرة الذاتية لمحقق هذا الكتاب

- ‌ الندوات والمؤتمرات التي شارك فيها:

- ‌ عضوية الجمعيات والهيئات:

- ‌من أعمال المحقق

الفصل: ‌الباب الثاني في ذكر أئمة أصحاب الأصول

‌الباب الثاني في ذكر أئمة أصحاب الأصول

1010 -

مالك بن أنس: هو الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي يكنى أبا عبد اللَّه، وقد بدأنا بذكره لأنه المقدم زمانًا، وقدرًا ومعرفة وعلمًا، وهو شيخ العلماء، وأستاذ الأئمة، وإن كنا في مقدمة الكتاب قدمنا عليه البخاري ومسلمًا للشرط الذي لكتابيهما، فلا نقدمهما عليه في الذكر ههنا إذ هو أحق وأولى وكتاباهما أجدر بالتقديم من كتابه وأحرى، ولد سنة خمس وتسعين (1) من الهجرة ومات بالمدينة سنة تسع وتسعين (2) ومئة، وله أربع وثمانون سنة.

وقال الواقدي: مات وله تسعون، وهو إمام الحجاز بل الناس في الفقه والحديث، وكفاه فخرًا أن الشافعي من أصحابه، أخذ العلم عن الزهري، ويحيى بن سعيد، ونافع، ومحمد بن المنكدر، وهشام بن عروة، وزيد بن أسلم، وربيعة بن أبي عبد الرحمن وخلق كثير سواهم، وأخذ العلم عنه خلق كثير لا يحصون كثرة، وهم أئمة البلاد، منهم: الشافعي، ومحمد بن إبراهيم بن دينار، وأبو هاشم، وعبد العزيز بن أبي حازم، وهؤلاء نظراؤه من أصحابه، ومعن بن عيسى، ويحيى بن يحيى، وعبد اللَّه بن مسلمة القعنبي، وعبد اللَّه بن وهب، وغير هؤلاء ممن لا يحصى عدده، وهؤلاء مشايخ البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم من

(1) كذا في "جامع الأصول"(1/ 180)، والمشهور: ولد سنة 93 هـ.

(2)

كذا في الأصل، والصواب:"سبعين"، كما في "جامع الأصول".

ص: 248

أئمة الحديث.

قال بكر بن عبد اللَّه الصنعاني: أتينا مالك بن أنس فجعل يحدثنا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وكنا نستزيده من حديثه، فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة؟ وهو نائم في ذلك الطاق، فأتينا ربيعة فنبهناه (1) وقلنا له: أنت ربيعة؟ قال: نعم، قلنا: الذي يحدث عنك مالك بن أنس؟ قال: نعم، قلنا: كيف حظي بك مالك ولم تحظ أنت بنفسك؟ قال: أما علمتم أن مثقالًا من دولة خير هن حمل علم.

قال عبد الرحمن بن مهدي: سفيان الثوري إمام في الحديث، وليس بإمام في السنة، والأوزاعي إمام في السنة، وليس بإمام في الحديث، ومالك بن أنس إمام فيهما جميعًا، وكان مالك مبالغًا في تعظيم العلم والدين حتى كان إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته، واستعمل الطيب، وتمكن من الجلوس على وقار وهيبة، ثم حدث، فقيل له في ذلك فقال: أحب أن أعظم حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ومرّ يومًا على أبي حازم وهو جالس يحدث فجازه، فقيل له في ذلك، فقال: إني لم أجد موضعًا أجلس فيه فكرهت أن آخذ حديث رسول اللَّه وأنا قائم.

قال يحيى بن سعيد: ما في القوم أصح حديثًا من مالك.

وقال الشافعي: إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وما أحد أمنّ [في علم اللَّه] عليَّ من مالك، وقال: إذا جاء الحديث عن مالك فاشدد يديك به، وقال: كان مالك بن أنس إذا جاءه بعض أهل الأهواء، قال: أما إني على بينة من ديني، وأما أنت فشاكٌّ، اذهب إلى شاكٍّ مثلك فخاصمه.

وقال مالك: إذا لم يكن للإنسان في نفسه خير لم يكن للناس فيه خير، وقال:

(1) كذا في الأصل، وفي كتب الرجال:"فأنبهناه".

ص: 249

ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما هو نور يضعه اللَّه في القلب.

وقال أبو عبد اللَّه: رأيت كأن النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد قاعدًا والناس حوله ومالك قائم بين يديه، وبين يدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مسك فهو يأخذ منه قبضة قبضة، ويدفعها إلى مالك ومالك يذرها على الناس، قال مطرف: فأولت ذلك العلم واتباع السنة.

وقال الشافعي: قالت لي عمتي ونحن بمكة: رأيت في هذه الليلة عجبًا! فقلت: لها: وما هو؟ قالت: رأيت كأن قائلًا يقول: مات الليلة أعلم أهل الأرض، قال الشافعي: فحسبنا ذلك فإذا هو يوم مات مالك بن أنس.

وروي عن مالك أنه قال: دخلت على هارون الرشيد فقال لي: يا أبا عبد اللَّه ينبغي أن تختلف إلينا حتى يسمع صبياننا منك "الموطأ"، قال: قلت: أعز اللَّه أمير المؤمنين، إن هذا العلم منكم خرج، فإن أنتم أعززتموه عز، وإن ذللتموه ذل، والعلم يؤتى ولا يأتي، فقال: صدقت، اخرجوا إلى المسجد حتى تسمعوا مع الناس.

وروي أن الرشيد سأل مالكًا فقال: هل لك دار؟ قال: لا، فأعطاه ثلاثة آلاف دينار، وقال: اشتر بها دارًا، فأخذها ولم ينفقها، فلما أراد الرشيد الشخوص قال لمالك: ينبغي أن تخرج معي، فإني عزمت أن أحمل الناس على "الموطأ" كما حمل عثمان الناس على القرآن، فقال: أما حمل الناس على "الموطأ" فليس لك إلى ذلك سبيل؛ لأن أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم افترقوا بعده في الأمصار فحدثوا، فعند كل أهل مصر علم، وقد قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"اختلاف أمتي رحمة"، وأما الخروج معك فلا سبيل إليه، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون"، وقال:"المدينة تنفي خبثها"، و"هذه دنانيركم هي، إن شئتم فخذوها وإن شئتم فدعوها"، يعني: إنك إنما تكلفني مفارقة المدينة لما اصطنعته لي، فلا أوثر الدنيا على مدينة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

ص: 250

وقال الشافعي: رأيت على باب مالك كراعًا (1) من أفراس خراسان وبغال مصر ما رأيت أحسن منه، فقلت له: ما أحسنه، فقال: هو هدية مني إليك يا أبا عبد اللَّه، فقلت: دع لنفسك منها دابة تركبها، فقال: أنا أستحيي من اللَّه تعالى أن أطأ تربة فيها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بحافر دابة، وكم مثل هذه المناقب لمثل هذا الطود الأشم والبحر الزاخر.

1011 -

النعمان بن ثابت: هو الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى الكوفي، هو من رهط حمزة الزيات، كان خزازًا يبيع الخز، وكان جده زوطى من أهل كابل مملوكًا لبني تيم اللَّه بن ثعلبة، فأعتق، وولد أبوه ثابت على الإسلام، وقيل: هو من الأحرار وما وقع عليه رق قط، وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب وهو صغير فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته، ولد سنة ثمانين ومات ببغداد سنة خمسين ومئة، ودفن بمقابر الخيزران وقبره معروف ببغداد، وكان في أيامه أربعة من الصحابة: أنس ابن مالك بالبصرة، وعبد اللَّه بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة، وأبو الطفيل عامر بن واثلة بمكة، ولم يلق أحدًا منهم ولا أخذ عنهم، وأخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان، وسمع عطاء بن أبي رباح وأبا إسحاق السبيعي ومحمد بن المنكدر ونافعًا وهشام بن عروة وسماك بن حرب وغيرهم، روى عنه عبد اللَّه بن المبارك ووكيع ابن الجراح ويزيد بن هارون والقاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني وغيرهم، ونقله المنصور من الكوفة إلى بغداد وأقام بها إلى أن مات فيها، وكان أكرهه ابن هبيرة أيام مروان بن محمد الأموي على القضاء بالكوفة فأبى فضربه مئة سوط في عشرة أيام كل يوم عشرة، فلما رأى ذلك خلَّى سبيله، ولما أشخصه المنصور إلى العراق

(1) اسم يطلق على الخيل والبغال والحمير.

ص: 251

أراده على القضاء فأبى فحلف عليه ليفعلن وحلف أبو حنيفة لا يفعل، وتكررت الأيمان بينهما فحبسه المنصور ومات في الحبس.

قال الحكم بن هشام: حدثت بالشام عن أبي حنيفة أنه كان من أعظم الناس أمانة، وأراده السلطان على أن يتولى مفاتيح خزائنه أو يضرب ظهره، فاختار عذابهم على عذاب اللَّه تعالى.

وروي أنه ذكر أبو حنيفة عند ابن المبارك فقال: أتذكرون رجلًا عرضت عليه الدنيا بحذافيرها ففرّ منها.

كان رَبْعة من الرجال، وقيل: كان طُوالًا تعلوه سمرة، حسن الوجه، أحسن الناس منطقًا، وأحلاهم نعمة، حسن المجلس، شديد الكرم، حسن المواساة لأعوانه.

قال الشافعي: قيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم رأيت رجلًا لو كلّمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجته، وقال الشافعي: من أراد أن يَتَبَحَّرَ فِي الفقه فهو عيال على أبي حنيفة.

وقال أبو حامد الغزالي (1): روي أن أبا حنيفة كان يحيى نصف الليل فأشار إليه إنسان وهو يمشي وقال لغيره: هذا هو الذي يحيى كل الليل، فلم يزل بعد ذلك يحيى الليل كله، وقال: أنا أستحي من اللَّه تعالى أن أوصف بما ليس فيَّ من عبادته.

وقال شريك النخعي: كان أبو حنيفة طويل الصمت دائم الفكر قليل المحادثة للناس، وهذا من أوضح الأمارات على علم الباطن والاشتغال بمهمات الدين، فمن أوتي الصمت والزهد فقد أوتي العلم كله، ولو ذهبنا إلى شرح مناقبه وفضائله لأطلنا الخطب ولم نصل إلى الغرض، فإنه كان عالمًا عاملًا ورعًا زاهدًا عابدًا إمامًا في علوم

(1)"إحياء علوم الدين"(1/ 28).

ص: 252

الشريعة، والغرض بإيراد ذكره في هذا الكتاب وإن لم يرو عنه حديث في "المشكاة" للتبرك به لعلو مرتبته ووفور علمه.

1012 -

محمد بن إدريس الشافعي: هو الإمام أبو عبد اللَّه محمد بن إدريس ابن عباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد [بن] هاشم بن المطلب ابن عبد مناف القرشي المطلبي، لقي شافع النبي صلى الله عليه وسلم وهو مترعرع، وأسلم أبوه السائب يوم بدر، وكان السائب صاحب راية بني هاشم فأسر وفدى نفسه ثم أسلم، ولد الشافعي بغزة (1) سنة خمسين ومئة، وحمل إلى مكة وهو ابن سنتين، وقيل: ولد بعسقلان، وقيل: باليمن، وهي السنة التي مات فيها الإمام أبو حنيفة، ومنهم من قال: إنه ولد يوم مات أبو حنيفة، قال البيهقي: هذا التقييد في اليوم لم أجده إلا في بعض الروايات، أما التقييد بالعام فهو مشهور بين أهل التواريخ.

قال محمد بن عبد الحكم: إن أم الشافعي لما حملت به رأت كأن المشتري خرج من بطنها وانقض بمصر ثم وقع في كل بلدة منه شظية، فقال المعبِّر: إنه يخرج منك عالم عظيم.

وقال الشافعي (2): رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال لي: يا غلام من أنت؟ فقلت: من رهطك يا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال: ادن مني، فدنوت منه فأخذ من ريقه ففتحت فيَّ فأمرّ من ريقه على لساني وفمي وشفتي فقال: امش بارك اللَّه فيك، وقال أيضًا: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم بمكة في زمان الصبا رجلًا ذا هيبة يؤم الناس في المسجد الحرام، فلما فرغ من صلاته أقبل على الناس يعلمهم فدنوت منه فقلت علمني، فأخرج ميزانًا من كمه فأعطانيه وقال: هذا لك، قال الشافعي: وكان هناك معبر فعرضت الرؤيا عليه فقال:

(1) بلدة بفلسطين.

(2)

انظر: "تهذيب الأسماء والصفات"(1/ 65).

ص: 253

إنك تصير إمامًا في العلم وتكون على السنة؛ لأن إمام المسجد الحرام أفضل الأئمة كلهم، وأما الميزان فإنك تعلم حقيقة الشيء في نفسه.

وذكروا أن الشافعي كان في أول الأمر فقيرًا، ولما سلموه إلى المعلم ما كانوا يجدون أجرة المعلم فكان المعلم يقصر في التعليم، إلا أن المعلم كلّما علم صبيًا شيئًا كان الشافعي يتلقف ذلك الكلام، ثم لما قام المعلم عن مكانه أخذ الشافعي يعلم الصبيان تلك الأشياء، فنظر المعلم فرأى الشافعي يكفيه أمر الصبيان أكثر من الأجرة التي كان يطلب منه فترك طلب الأجرة واستمر [على] هذه الأحوال حتى تعلم القرآن لتسع سنين.

قال الشافعي: لما ختمت القرآن دخلت المسجد وكنت أجالس العلماء وأحفظ الحديث والمسألة، وكان منزلنا بمكة في شعب الخَيْف، وكنت فقيرًا بحيث ما أملك ما أشتري به القراطيس فكنت آخذ العظم وأكتب فيه.

وكان في أول الأمر تفقه على مسلم بن خالد، وفي أثناء الأمر وصل إليه الخبر بأن مالك بن أنس إمام المسلمين وسيدهم، قال الشافعي: فوقع في قلبي أن أذهب إليه، فاستعرت "الموطأ" من رجل بمكة وحفظته، ثم دخلت إلى والي مكة فأخذت كتابه إلى والي المدينة وإلى مالك بن أنس، وقدمت المدينة وبلغت الكتاب، فقال والي المدينة: يا فتى إن كلفتني المشي من جوف المدينة إلى جوف مكة راجلًا حافيًا كان أهون عليّ من المشي إلى باب مالك، فقلت: إن رأى الأمير أن يحضره، فقال: هيهات! ليتنا إذا ركبت إليه ووقفت على بابه كثيرًا فتح لنا الباب، ثم ركب وذهبنا معه إلى دار مالك، فتقدم رجل وقرع الباب فخرجت إلينا جارية سوداء، فقال لها الأمير، قولي لمولاك: إني بالباب، فدخلت الجارية وأبطأت ثم خرجت فقالت: إن مولاي يقول: إن كان لك مسألة فادفعها في رقعة حتى يُخرج إليك الجواب، وإن

ص: 254

كان المجيء لمهم آخر فقد عرفت يوم الخميس فانصرف، فقال لها: إن معي كتاب والي مكة في مهم، فدخلت وخرجت وفي يدها كرسي فوضعته، فإذا مالك شيخ طوال قد خرج وعليه المهابة وهو متطلِّس، فدفع الوالي الكتاب إليه، فلما بلغ إلى قوله: إن محمد بن إدريس رجل شريف من أمره كذا وكذا رمى الكتاب من يده فقال: سبحان اللَّه! صار علم الرسول صلى الله عليه وسلم بحيث يطلب بالرسائل، قال الشافعي: فقدمت إليه فقلت: أصلحك اللَّه إني رجل مطّلبي من حالتي وقصتي كذا وكذا، فلما سمع كلامي نظر إليّ ساعة، وكان لمالك فراسة فقال لي: ما اسمك؟ فقلت: محمد، فقال لي: يا محمد اتق اللَّه واجتنب المعاصي، فإنه سيكون لك شأن من الشؤون، فقلت: نعم وكرامة، فقال: إن اللَّه تعالى قد ألقى على قلبك نورًا فلا تطفئه بالمعصية، ثم قال: إذا كان غدًا تجيء [وتجيء] بمن يقرأ لك "الموطأ"، فقلت: إني أقرأه من الحفظ، ورجعت إليه من الغد وابتدأت بالقراءة، فكلما أردت قطع القراءة خوفا من ملاله أعجبه حسن قراءتي، فيقول: يا فتى زد، حتى قرأت (1) في أيام يسيرة، ثم أقمت بالمدينة إلى أن توفي مالك.

وكان الشافعي إذا حكى قولًا لمالك قال: هذا قول أستاذنا مالك.

قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: أيَّ رجل كان الشافعيُّ؟ فإني سمعتك تكثر الدعاء له، فقال لي: يا بني! كان الشافعي كالشمس للنهار وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف أو عنهما عوض.

وقال أخوه صالح بن أحمد: جاء الشافعي يومًا إلى أبي يعوده وكان عليلًا، قال: فوثب أبي عليه وقبّل بين عينيه ثم أجلسه في مكانه وجلس بين يديه، ثم أخذ يسأله ساعة، فلما قام الشافعي وركب أخذ أبي بركابه ومشى معه، فبلغ يحيى بن معين ذلك،

(1) كذا في الأصل، والصواب:"قرأته"، كما في "تاريخ دمشق"(51/ 286).

ص: 255

فقال سبحان اللَّه! لم فعلت ذلك؟ فقال أبي: وأنت يا أبا زكريا لو مشيت من الجانب الآخر لانتفعت به، من أراد الفقه فليشم ذنب هذه البغلة.

وقال أحمد بن حنبل: ما أعلم أحدًا أعظم منة منه على الإسلام في زمن الشافعي من الشافعي، وإني لأدعو له في أدبار صلاتي: اللهم اغفر لي ولوالدي ولمحمد بن إدريس الشافعي.

وقال الحسين بن محمد الزعفراني: ما قرأت على الشافعي من الكتب شيئًا إلا وأحمد بن حنبل شاهد.

قال الشافعي: ما طلب أحد العلم بالتعمق وعز النفس فأفلح، ولكن من طلبه بضيق اليد وذلة النفس وخدمة العلماء أفلح.

وقال: ما ناظرت أحدًا قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان ويكون إليه رعاية اللَّه وحفظه، وما ناظرت أحدًا إلا ولم أُبالِ إن بين اللَّه الحق على لساني أو لسانه.

وقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: "لأن يبتلى المرء بكل ما نهى اللَّه عنه ما عدا الشرك، خير له من أن ينظر في الكلام، فإني واللَّه اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننته قط" وقال: "ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح".

وقال أبو محمد بن أخت الشافعي عن أمه قالت: ربما قدمنا في ليلة واحدة ثلاثين مرة أو أقل أو أكثر كان المصباح بين يدي الشافعي وكان يستلقي ويتذكر ثم ينادي يا جارية! هلمي المصباح فتقدمه، ويكتب ما يكتب ثم يقول: ارفعيه، فقيل لأبي محمد: ما أراد برد المصباح؟ فقال: الظلمة أجلى للقلب.

وقال الشافعي: استعينوا على الكلام بالصمت وعلى الاستنباط بالفكر. وقال: من وعظ أخاه سرًا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وخانه.

ص: 256

وقال الحميدي: قدم الشافعي من صنعاء إلى مكة بعشرة آلاف في منديل، فضرب خباءه خارجًا من مكة، وكان الناس يأتونه فما برحت حتى ذهبت كلها ثم دخل مكة.

وقال المزني: ما رأيت كرم من الشافعي، خرجت معه ليلة عيد من المسجد وأنا أذاكره في مسألة حتى أتيت باب داره، فأتاه غلام بكيس فقال له: مولاي يقرئك السلام ويقول لك: خذ هذا الكيس فأخذه منه، فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد اللَّه ولدت امرأتي الساعة وليس عندي شيء، فدفع إليه الكيس وصعد وليس معه شيء، وفضائله أكثر من أن تحصى، كان إمام الدنيا وعالم الناس شرقًا وغربًا، جمع اللَّه له من العلوم والمفاخر ما لم يجمع لإمام قبله ولا بعده، وانتشر له من الذكر ما لم ينتشر لأحد سواه، سمع مالك بن أنس وسفيان بن عيينة ومسلم بن خالد وخلقًا سواهم كثيرًا، حدث عنه أحمد بن حنبل وأبو ثور إبراهيم بن خالد وأبو إبراهيم المزني والربيع بن سليمان المرادي وخلق كثير غيرهم، قدم بغداد سنة خمس وتسعين ومئة، وأقام بها سنين، ثم خرج إلى مكة، ثم قدمها سنة ثمان وتسعين فأقام بها أشهرًا ثم خرج إلى مصر ومات بها عند العشاء الآخرة ليلة الجمعة، ودفن في يوم الجمعة بعد العصر، وكان آخر يوم من رجب سنة أربع ومئتين وله أربع وخمسون سنة.

قال الربيع: رأيت في المنام قبل موت الشافعي بأيام، أن آدم عليه السلام مات ويريدون أن يخرجوا بجنازته، فلما أصبحت سألت بعض أهل العلم عنه فقال: هذا موت أعلم أهل الأرض لأن اللَّه تعالى علم آدم الأسماء كلها، فما كان يسيرًا حتى مات الشافعي.

وقال المزني: دخلت على الشافعي في علته التي مات فيها، فقلت: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت من الدنيا راحلًا ولإخواني مفارقًا ولكأس المنية شاربًا وبسوء أعمالي ملاقيًا وعلى اللَّه واردًا فلا أدري روحي تصير إلى الجنة فأهنيها، أو إلى

ص: 257

النار فأعزيها، ثم بكى وأنشأ يقول:

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي

جعلت رجائي نحو عفوك سُلَّما

تعاظمني ذنبي فلما قرنتُه

بعفوك ربي كان عفوك أعظما

فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل

تجود وتعفو منَّةً وتَكَرُّمَا

فلولاك لم يسلم من إبليس عابد

وكيف وقد أغوى صفيّك آدما

وقال أحمد بن حنبل: رأيت الشافعي في المنام فقلت: يا أخي ما فعل اللَّه بك؟ قال: غفر لي وتوّجني وزوجني وقال لي: هذا بما لم تُزهَ بما أرضيتك، ولم تعجب وتتكبر فيما أعطيتك.

اتفق العلماء قاطبة من أهل الفقه والأصول والحديث واللغة والنحو وغير ذلك على ثقته وأمانته وعدالته وزهده وورعه وتقواه وجوده وحسن سيرته وعلو قدره، فالمُطنِب في وصفه مقصِّر، والمُسهِب (1) في مدحه مقتصر.

1013 -

أحمد بن حنبل: هو الإمام أبو عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي، ولد ببغداد سنة أربع وستين ومئة، ومات بها سنة إحدى وأربعين ومئتين، وله سبع وسبعون سنة، كان إمامًا في الفقه والحديث والزهد والورع والعبادة، وبه عرف الصحيح والسقيم، والمجروح من المعدل، ونشأ ببغداد وطلب العلم وسمع الحديث من شيوخها، ثم رحل إلى الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والجزيرة، وكتب عن علماء ذلك العصر، فسمع من يزيد بن هارون ويحيى بن سعيد القطان وسفيان بن عيينة ومحمد بن إدريس الشافعي وعبد الرزاق بن همام وخلق كثير سواهم، روى عنه ابناه صالح وعبد اللَّه وابن عمه حنبل بن إسحاق ومحمد بن إسماعيل

(1) أي: كثير الكلام.

ص: 258

البخاري ومسلم بن الحجاج النيسابوري وأبو زرعة وأبو داود السجستاني وخلق كثير سواهم، إلا أن البخاري لم يذكر في "صحيحه" عنه إلا حديثًا واحدًا في آخر (كتاب الصدقات) تعليقًا، وروى أحمد بن الحسن الترمذي عنه حديثًا آخر.

وفضائله كثيرة، ومناقبه جمة، وآثاره في الإسلام مشهورة، ومقاماته في الدين مذكورة، انتشر ذكره في الآفاق، وسرى حمده في البلاد، وهو أحد المجتهدين المعمول بقوله ورأيه ومذهبه في كثير من البلاد.

قال إسحاق بن راهويه: أحمد بن حنبل حجة بين اللَّه وبين عبيده في أرضه.

قال الشافعي: خرجت من بغداد وما خلفت بها أحدًا أتقى وأورع ولا أفقه ولا أعلم من أحمد بن حنبل.

وقال أحمد بن سعيد الدارمي: ما رأيت أسود الرأس أحفظ لحديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ولا أعلم بفقهه ومعانيه من أبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل.

وقال أبو زرعة: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: ما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب.

وقال إبراهيم الحربي: رأيت أحمد بن حنبل كأن اللَّه جمع له علم الأولين والآخرين من كل صنف يقول ما شاء ويمسك ما شاء.

قال أبو داود السجستاني: كانت مجالسة أحمد بن حنبل مجالسة الآخرة لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا، وما رأيته ذكر الدنيا قط.

وقال محمد بن موسى: حمل إلى الحسن بن عبد العزيز ميراثه من مصر مئة ألف دينار فحمل إلى أحمد بن حنبل ثلاثة أكياس في كل كيس ألف دينار وقال: يا أبا عبد اللَّه هذه من ميراث حلال فخذها واستعن بها على عائلتك، قال: لا حاجة لي فيها،

ص: 259

أنا في كفاية فردها ولم يقبل منها شيئًا.

وقال [أبو] عبد الرحمن بن أحمد: كنت أسمع أبي كثيرًا يقول دبر صلاته: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصن وجهي عن المسألة لغيرك.

وقال ميمون بن الأصبع: كنت ببغداد فسمعت صيحة، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أحمد بن حنبل يمتحن، فدخلت فلما ضرب سوطًا قال: بسم اللَّه، فلما ضرب الثاني قال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، فلما ضرب الثالث قال: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، فلما ضرب الرابع قال: لن يصيبنا إلا ما كتب اللَّه لنا، فضرب تسعة وعشرين سوطًا، وكانت تكة أحمد حاشية ثوب فانقطعت فنزل السراويل إلى عانته فرمى أحمد طرفه إلى السماء وحرك شفتيه، فما كان بأسرع من ارتقاء السراويل ولم ينزل، فدخلت عليه بعد سبعة أيام فقلت: يا أبا عبد اللَّه رأيتك تحرك شفتيك فأي شيء قلت؟ قال: قلت: اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأت به العرش إن كنت تعلم أني على الصواب فلا تَهْتِكْ لي سترًا (1).

وقال أحمد بن محمد الكندي: رأيت أحمد بن حنبل في المنام، فقلت: ما صنع اللَّه بك؟ قال: غفر لي ثم قال: يا أحمد ضربت فيّ؟ قال: قلت: نعم يا رب، قال: يا أحمد هذا وجهي فانظر إليه فقد أبحتك النظر إليه (2).

1014 -

محمد بن إسماعيل البخاري: هو أبو عبد اللَّه محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي البخاري، وإنما قيل له الجعفي لأن المغيرة أبا جده كان مجوسيًا أسلم على يد يمان البخاري وهو الجعفي والي بخاري فنسب إليه حيث أسلم

(1)"تاريخ الإسلام" للذهبي (5/ 1036).

(2)

"تاريخ بغداد"(6/ 90)، و"سير أعلام النبلاء"(11/ 349).

ص: 260

على يده، وجعفي أبو قبيلة من اليمن، وهو جعفي بن سعد والنسبة إليه كذلك، ولد يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومئة، وتوفي ليلة الفطر سنة ست وخمسين ومئتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاث عشر يومًا، ولم يعقب ولدًا ذكرًا، والبخاري الإمام في علم الحديث، رحل في طلب العلم إلى جميع محدثي الأمصار، وكتب بخراسان والجبال والعراق والحجاز والشام ومصر، وأخذ الحديث عن المشايخ الحفاظ منهم: مكي بن إبراهيم البلخي وعبيد اللَّه بن موسى العبسي وأبو عاصم الشيباني وعلي بن المديني وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعبد اللَّه ابن الزبير الحميدي وغير هؤلاء من الأئمة، وأخذ عنه الحديث خلق كثير في كل بلدة حدث بها.

قال الفربري (1): سمع كتاب البخاري منه تسعون ألف رجل، فما بقي أحد يروي عنه غيري، ورد على المشايخ وله إحدى عشرة سنة وطلب العلم وله عشر سنين.

قال البخاري: خرجت كتابي "الصحيح" من زهاء ست مئة ألف حديث، وما وضعت فيه حديثًا إلا صليت ركعتين، وقال: أحفظ مئة ألف حديث صحيح ومئتي ألف حديث غير صحيح، وجملة ما في كتابه "الصحيح" سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة، وقيل: إنها بإسقاط المكررة أربعة آلاف حديث، و"صحيح مسلم" أيضًا نحو أربعة آلاف حديث بإسقاط المكررة، وصنف الكتاب في ستة عشر سنة، وقدم البخاري بغداد فسمع به أصحاب الحديث واجتمعوا وعمدوا إلى مئة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد

(1) بفتح الفاء والراء وسكون الباء الموحدة وفي آخرها راء ثانية، هو أبو عبد اللَّه محمد بن يوسف الفربري راوية "صحيح البخاري" عنه. كذا في "الأنساب"(10/ 170)، وقال الحموي: فِرَبْر بكسر أوله، وقد فتحه بعضهم، بليدة بين جيحون وبخارى، "معجم البلدان"(4/ 245).

ص: 261

آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس لكل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوا على البخاري، فحضر المجلس جماعة من أصحاب الحديث، فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه رجل من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال: لا أعرفه، فسأله عن آخر فقال: لا أعرفه حتى فرغ من العشرة والبخاري يقول: لا أعرفه، فأما العلماء فعرفوا بإنكاره أنه عارف، وأما غيرهم فلم يعرفوا ذلك منه، ثم انتدب إليه رجل آخر من العشرة فكان حاله معه كذلك، ثم انتدب آخر إلى تمام العشرة، والبخاري لا يزيدهم على قوله: لا أعرفه، فلما فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال: أما حديثك الأول فكذا، والثاني كذا على النسق إلى آخر العشرة، فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه، ثم فعل بالباقين مثل ذلك، فأقرّ له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل.

قال أبو مصعب أحمد بن بكر المديني: محمد بن إسماعيل أفقه عندنا وأبصر من أحمد بن حنبل، فقال رجل من جلسائه: جاوزت الحد، فقال أبو مصعب: لو أدركت مالكًا ونظرت إلى وجهه ووجه محمد بن إسماعيل البخاري لقلت كلاهما واحد في الفقه والحديث.

وقال أحمد بن حنبل: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل، وقال: انتهى الحفظ إلى أربعة من أهل خراسان وذكر منهم البخاري.

وقال رجاء بن مرجئ: فضل محمد بن إسماعيل على العلماء كفضل الرجال على النساء، فقال له رجل: يا أبا محمد كل ذلك؟ ! فقال: هو آية من آيات اللَّه يمشي على ظهر الأرض.

قال محمد بن إسحاق: ما رأيت تحت أديم هذه السماء أعلم بالحديث من محمد ابن إسماعيل البخاري.

ص: 262

وقال أبو سعيد بن منير: بعث الأمير خالد بن أحمد بن الذهلي والي بخاري إلى محمد بن إسماعيل البخاري أن احمل إليّ كتاب "الجامع" و"التاريخ" لأسمع منك، فقال لرسوله: أنا لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب الناس، فإن كان لك إلي شيء حاجة فاحضر في مسجدي أو في داري، وإن لم يعجبك هذا مني فأنت سلطان فامنعني من المجلس ليكون لي عذر عند اللَّه يوم القيامة، فإني لا أكتم العلم لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار".

وقال غيره: إن سبب مفارقة البخاري بخارى أن خالدًا سأله أن يحضر منزله فيقرأ "الجامع" و"التاريخ" على أولاده، فامتنع عن الحضور عنده فراسله أن يعقد مجلسًا لأولاده لا يحضره غيرهم فامتنع عن ذلك أيضًا وقال: لا يسعني أن أخص بالسماع قومًا دون قوم، فاستعان خالد بعلماء بخارى عليه حتى تكلموا في مذهبه فنفاه عن البلد، فدعا عليهم البخاري فاستجيب [له] ووقعوا بعد زمن يسير في البلايا.

وقال محمد بن أحمد المروزي: كنت نائمًا بين الركن والمقام فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي:"يا أبا زيد إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي؟ " فقلت: يا رسول اللَّه! وما كتابك؟ قال: "جامع محمد بن إسماعيل البخاري".

وقال النجم بن الفضل: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ومحمد بن إسماعيل خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوة يخطو محمد ويضع قدمه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره.

وقال عبد الواحد بن آدم الطواويسي: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم ومعه جماعة من أصحابه وهو واقف في موضع ذكره فسلمت عليه فرد السلام، فقلت: ما وقوفك يا رسول اللَّه؟ فقال: "أنتظر محمد بن إسماعيل البخاري" فلما كان بعد أيام بلغنا موته فنظرنا فإذا هو قد مات في تلك الساعة التي رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فيها.

ص: 263

1015 -

مسلم بن الحجاج: هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، أحد الأئمة الحفاظ، ولد سنة أربع ومئتين، وتوفي في عشية يوم الأحد لست بقين من رجب سنة إحدى وستين ومئتين، رحل إلى العراق والحجاز والشام ومصر، وأخذ الحديث عن يحيى بن يحيى النيسابوري وقتيبة بن سعيد وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وعبد اللَّه بن مسلمة القعنبي وغير هؤلاء من أئمة الحديث وعلمائه، وقدم بغداد غير مرة وحدث بها، روى عنه خلق كثير، منهم إبراهيم بن محمد بن سفيان والترمذي وابن خزيمة، وكان آخر قدومه بغداد سنة سبع وخمسين ومئتين.

وقال مسلم: صنفت "المسند الصحيح" من ثلاث مئة ألف حديث مسموعة.

وقال محمد بن إسحاق بن منده: سمعت أبا علي النيسابوري يقول: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم في علم الحديث.

وقال الخطيب أبو بكر البغدادي: إنما قفا مسلم طريق البخاري ونظر في علمه وحذا حذوه، ولما ورد البخاري نيسابور في آخر مرة لازمه مسلم وأدام الاختلاف إليه.

وقال الدارقطني: لولا البخاري لما ذهب مسلم ولا جاء.

1016 -

سليمان بن الأشعث: هو أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، أحد من رحل وطوَّف وجمع وصنَّف، وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والمصريين والجزيريين، ولد سنة اثنتين ومئتين، وتوفي بالبصرة لأربع عشرة من شوال سنة خمس وسبعين ومئتين، وقدم بغداد مرارًا ثم خرج منها آخر مراته سنة إحدى وسبعين، وأخذ الحديث عن مسلم بن إبراهيم وسليمان بن حرب وعبد اللَّه بن مسلمة القعنبي ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغير هؤلاء من أئمة الحديث ممن لا يحصى كثرة، وأخذ الحديث عنه ابنه عبد اللَّه وعبد الرحمن النيسابوري وأحمد بن محمد الخلال

ص: 264

وغيرهم، وكان أبو داود سكن البصرة وقدم بغداد وروى كتابه المصنف في "السنن" بها ونقله أهلها عنه، وعرضه على أحمد بن حنبل فاستجاده واستحسنه.

وقال أبو داود: كتبت عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خمس مئة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب، جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمان مئة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث: أحدها قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات"، والثاني قوله صلى الله عليه وسلم:"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، والثالث قوله صلى الله عليه وسلم:"لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه"، والرابع قوله صلى الله عليه وسلم:"إن الحلال بين وإن الحرام بين" الحديث.

قال أبو بكر الخلال: أبو داود هو الإمام المقدم في زمانه، رجل لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم وبصره بمواضعه أحد في زمانه، رجل ورع مقدم.

وقال أحمد بن محمد الهروي: كان أبو داود أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وعلله وسنده في أعلى درجة من النسك والعفاف والصلاح والورع من فرسان الحديث، وكان لأبي داود كم واسع وكم ضيق، فقيل له: يرحمك اللَّه ما هذا؟ قال: الواسع للكتب والآخر لا يحتاج إليه، وقال الخطابي:"كتاب السنن" لأبي داود كتاب شريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله.

وقال أبو داود: ما ذكرت في كتابي حديثًا أجمع الناس على تركه.

وقال إبراهيم الحربي لما صنف أبو داود هذا الكتاب: ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود عليه السلام الحديد، وقال ابن الأعرابي عن كتاب أبي داود: لو أن رجلًا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب اللَّه عز وجل ثم هذا الكتاب لم يحتج معهما إلى شيء من العلم البتة.

ص: 265

1017 -

محمد بن عيسى الترمذي: هو أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي (1)، توفي بترمذ ليلة الاثنين لثالث عشرة من رجب سنة تسع وسبعين ومئتين، وهو أحد العلماء الحفاظ الأعلام، وله في الفقه يد صالحة، أخذ الحديث عن جماعة من أئمة الحديث، ولقي الصدر الأول من المشايخ مثل قتيبة بن سعيد ومحمود بن غيلان ومحمد ابن بشار وأحمد بن منيع ومحمد بن المثنى وسفيان بن وكيع ومحمد بن إسماعيل البخاري وغير هؤلاء، وأخذ الحديث عن خلق كثير لا يحصون كثرة، وأخذ عنه خلق كثير منهم محمد بن أحمد المحبوبي المروزي، له تصانيف كثيرة في علم الحديث، وهذا كتابه الصحيح أحسن الكتب وأحسنها ترتيبًا وأكثرها فائدة وأقلها تكرارًا، وفيه ما ليس في غيره من ذكر المذاهب ووجوه الاستدلال وتبيين أنواع الحديث من الصحيح والحسن والغريب، وفيه جرح وتعديل، وفي آخره "كتاب العلل" وقد جمع فيه فوائد حسنة لا يخفى قدرها على من وقف عليها.

قال الترمذي: صنفت هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي يتكلم.

(الترمذي) بكسر التاء وبالذال المعجمة منسوب إلى ترمذ وهي مدينة مشهورة من وراء جيحون على شاطئه الشرقي.

1018 -

أحمد بن شعيب النسائي: هو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (2)، مات بمكة سنة ثلاث وثلاث مئة وهو مدفون بها، وهو أحد الأئمة الحفاظ العلماء الفقهاء، لقي المشايخ الكبار وأخذ الحديث عن قتيبة بن سعيد وهناد بن

(1) ولد في سنة تسع ومئتين.

(2)

ولد بنسأ في سنة خمس عشرة ومئتين.

ص: 266

السري ومحمد بن بشار ومحمود بن غيلان وأبي داود سليمان بن الأشعث وغير هؤلاء من المشايخ الحفاظ، وأخذ عنه الحديث خلق كثير منهم أبو القاسم الطبراني وأبو جعفر الطحاوي وأبو بكر أحمد بن إسحاق السُّنِّي الحافظ، وله كتب كثيرة في الحديث والعلل وغير ذلك.

قال مأمون المصري الحافظ: خرجنا مع أبي عبد الرحمن إلى طرسوس فاجتمع جماعة من مشايخ الإسلام، واجتمع من الحفاظ عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل ومحمد ابن إبراهيم وغيرهما، فتشاوروا من ينتقي لهم على الشيوخ؟ فاجمعوا على أبي عبد الرحمن النسائي وكتبوا كلهم بانتخابه.

وقال الحاكم النيسابوري: أما كلام أبي عبد الرحمن على فقه الحديث فأكثر من أن يذكر، ومن نظر في كتابه "السنن" له تحيَّر في حسن كلامه، وقال: سمعت علي ابن عمر الحافظ غير مرة يقول: أبو عبد الرحمن مقدَّم على كل من يذكر بهذا العلم في زمانه، كان شافعي المذهب وكان ورعًا متحريًا.

(النسائي) بفتح النون وتخفيف السين المهملة وبالمد والهمزة منسوب إلى مدينة (نسأ) من خراسان.

1019 -

ابن ماجه: هو أبو عبد اللَّه محمد بن يزيد بن ماجه القزويني الحافظ صاحب "السنن"، سمع أصحاب مالك والليث، وعنه أبو الحسن القطان وخلق سواه، ولد سنة تسع ومئتين، ومات سنة ثلاث وسبعين ومئتين، وله من العمر أربع وستون سنة.

1020 -

عبد اللَّه الدارمي: هو أبو محمد عبد اللَّه بن عبد الرحمن (1) الدارمي

(1) ابن الفضل بن بهرام بن عبد الصمد الدارمي بن دارم بن مالك بن حنظلة السمرقندي.

ص: 267

الحافظ، عالم سمرقند. روى عن يزيد بن هارون والنضر بن شميل، وعنه مسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم.

قال أبو حاتم: هو إمام أهل زمانه، ولد سنة إحدى وثمانين ومئة ومات سنة خمس وخمسين ومئتين، وله من العمر أربع وسبعون سنة.

1021 -

الدارقطني: هو أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني الحافظ الإمام العلامة المشهور، كان فريد عصره وقريع دهره وإمام وقته، انتهى إليه علم الحديث والمعرفة بعلله وأسماء الرجال ومعرفة الرواة مع الصدق والأمانة والثقة والعدالة وصحة الاعتقاد وسلامة المذهب، والقيام بعلوم أخرى سوى الحديث منها: علم القرآن ومعرفة مذاهب الفقهاء، درس فقه الشافعي على أبي سعيد الإصطخري، وكتب عنه الحديث أيضًا، ومنها معرفة الأدب والشعر.

قال أبو الطيب: كان الدارقطني أمير المؤمنين في الحديث، سمع خلقًا كثيرًا، وروى عنه الحافظ أبو نعيم وأبو بكر البرقاني والجوهري والقاضي أبو الطيب الطبري وغيرهم، ولد سنة خمس وثلاث مئة، ومات يوم الأربعاء لثمان خلون من ذي القعدة سنة خمس وثمانين وثلاث مئة.

(الدارقطني) بالقاف والنون منسوب إلى دار القطن محلة كانت ببغداد قديمًا.

1022 -

أبو نعيم: هو أبو نعيم أحمد بن عبد اللَّه الأصفهاني صاحب "الحلية"، هو من مشايخ الحديث الثقات المعمول بحديثهم المرجوع إلى قولهم، كبير القدر، ولد سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة، ومات في صفر سنة ثلاثين وأربع مئة بأصفهان، وله من العمر ست وتسعون سنة.

1023 -

الإسماعيلي: هو أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي الجرجاني الإمام

ص: 268

الحافظ، جمع بين الفقه والحديث والأصول ورياسة الدين والدنيا، وصنف "الصحيح" على شرط البخاري، وأخذ عنه ابنه أبو سعيد وفقهاء جرجان، ولد سنة سبع وسبعين ومئتين (1)، وله من العمر أربع وتسعون سنة.

1024 -

البرقاني: هو أبو بكر أحمد بن محمد الخوارزمي المعروف بالبرقاني، سمع ببلده من أبي العباس بن حمدان النيسابوري وغيره، ثم خرج إلى جرجان فسمع أبا بكر الإسماعيلي، ثم إلى بغداد فاستوطنها وحدث بها، وكان ثقة ورعًا متقنًا فهمًا مثبتًا.

قال الخطيب أبو بكر البغدادي (2): لم أر في شيوخنا أثبت منه، كان حافظًا للقرآن عارفًا بالفقه، له حظ من علم العربية، وله تصانيف في علم الحديث، ولد سنة ست وثلاثين وثلاث مئة، ومات في رجب سنة خمس وعشرين وأربع مئة، وله من العمر تسع وثمانون سنة، ودفن في مقبرة جامع المنصور.

(البرقاني) بكسر الباء الموحدة وفتحها وبالقاف وبالنون.

1025 -

أحمد السُّنِّي: هو أبو بكر أحمد بن محمد السني الحافظ الدينوري، حدث عن أحمد بن شعيب النسائي وغيره، وعنه خلق كثير، مات سنة أربع وستين وثلاث مئة.

(السني) بضم السين المهملة وتشديد النون المكسورة.

1026 -

البيهقي: هو أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، كان أوحد دهره في الحديث والتصانيف ومعرفة الفقه، وهو من كبار أصحاب الحاكم أبي عبد اللَّه، قالوا:

(1) ومات في غرّة رجب سنة إحدى وسبعين وثلاث مئة.

(2)

"تاريخ بغداد"(6/ 26).

ص: 269

سبعة من الحفاظ أحسنوا التصنيف وعظم الانتفاع بتصانيفهم: أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني، ثم الحاكم أبو عبد اللَّه النيسابوري، ثم أبو محمد عبد الغني الأزدي حافظ مصر، ثم أبو نعيم أحمد بن عبد اللَّه الأصفهاني، ثم أبو عمر بن عبد البر النمري حافظ أهل المغرب، ثم أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، ثم أبو بكر أحمد بن الخطيب البغدادي، ولد البيهقي سنة أربع وثمانين وثلاث مئة، ومات في نيسابور في جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين وأربع مئة وله من العمر أربع وسبعون سنة.

1027 -

محمد بن أبي نصر الحميدي: هو أبو عبد اللَّه محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد اللَّه الأندلسي الحميدي، صاحب كتاب "الجمع بين صحيحي البخاري ومسلم"، وهو إمام عالم كبير مشهور، سمع ببلده، وسمع بمصر أصحاب المهندس، وسمع بمكة أصحاب ابن فراس وغيرهم، وسمع بالشام أصحاب ابن جميع وغيرهم، ورد بغداد فسمع أصحاب الدارقطني وغيرهم، وصنف تاريخًا لأهل الأندلس.

قال الأمير ابن ماكولا: لم أر مثله في نزاهته وعفته وورعه، مات ببغداد في ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وأربع مئة، وكان مولده قبل العشرين وأربع مئة.

1028 -

الخطّابي: هو الإمام أبو سليمان أحمد (1) بن محمد الخطابي البستي المشار إليه في عصره، والعلامة، فريد دهره في الفقه والحديث والأدب ومعرفة الغريب، له التصانيف المشهورة والتأليفات العجيبة مثل "معالم السنن" و"أعلام السنن" و"غريب الحديث" وغير ذلك (2).

1029 -

أبو محمد الحسين البغوي: هو أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

(1) قال الذهبي: والصواب في اسمه: حَمْد، "سير أعلام النبلاء"(17/ 26).

(2)

ولد بضع عشرة وثلاث مئة، وتوفي ببُست في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين وثلاث مئة، "سير أعلام النبلاء"(17/ 27).

ص: 270

الفقيه الشافعي، صاحب كتاب "المصابيح" و"شرح السنة" وكتاب "التهذيب في الفقه" و"معالم التنزيل في التفسير"، له من التصانيف الحسان، كان إمامًا في الفقه والحديث، وكان متورعًا مثبتًا حجة صحيح العقيدة في الدين، مات بعد المئة الخامسة سنة ست عشرة وخمس مئة.

(البغوي) بفتح الباء وفتح الغين المعجمة منسوب إلى مدينة تسمى (بغشور) من مدن خراسان نسبوا إليها على غير قياس، وقيل: اسم المدينة (بغ).

1030 -

رزين بن معاوية: هو أبو الحسن رزين بن معاوية العبدري الحافظ صاحب كتاب "التجريد في الجمع بين الصحاح"، مات بعد العشرين وخمس مئة.

1031 -

المبارك بن محمد الجزري: هو أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري المشهور بابن الأثير صاحب كتاب "جامع الأصول" و"مناقب الأخيار" و"النهاية"، كان عالمًا محدّثًا لغويًا، روى عن خلق من الأئمة الكبار، كان بالجزيرة وانتقل إلى الموصل سنة خمس وستين وخمس مئة، ولم يزل بها إلى أن قدم بغداد حاجًّا، وعاد إلى الموصل ومات بها يوم الخميس سلخ ذي الحجة سنة ست وست مئة.

1032 -

ابن الجوزي: هو أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي الحنبلي الواعظ ببغداد، وتصانيفه مشهورة، وكان مولده سنة عشر وخمس مئة، ومات سنة سبع وتسعين وخمس مئة.

1033 -

الإمام النووي: هو أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، إمام أهل زمانه، كان عالمًا فاضلًا متورعًا فقيهًا محدثًا مثبتًا، حجة، له مصنفات كثيرة مشهورة، وتأليفات عجيبة مفيدة في الفقه مثل "الروضة"، وفي الحديث مثل "الرياض"(1) و"الأذكار"، وفي شروحه مثل "شرح مسلم" وغير ذلك من معرفة علوم

(1) أي: رياض الصالحين.

ص: 271

الحديث واللغة، سمع من المشايخ الكبار، ومنه خلق كثير، وأجاز رواية "شرح مسلم" و"الأذكار" لجميع المسلمين، وكان من أهل نوى قرية من أعمال دمشق نشأ بها وحفظ الختمة، وقدم دمشق في سنة خمسين وست مئة، وله تسع عشرة سنة، فتفقه وبرع، وكان خشن العيش، قانعًا بالقوت، تاركًا للشهوات، صاحب عبادة وخوف، وكان قوّالًا بالحق، صغير العمامة، كبير الشأن، كثير السهر، مكبًا على العلم والعمل، مات في رجب سنة ست وسبعين وست مئة، وقبره يزار بنوى، عاش خمسًا وأربعين سنة.

قال المؤلف رحمه الله: وقع ذكره في آخر الكتاب، كما وقع اسمه في آخر الحروف، ثم إني ما اعتمدت في نقل ما أوردته إلا على كتب الأئمة الثقات مثل "الاستيعاب" لابن عبد البر، و"حلية الأولياء" لأبي نعيم الأصفهاني، و"جامع الأصول"، و"مناقب الأخيار" لأبي السعادات الجزري، و"الكاشف" لأبي عبد اللَّه الذهبي الدمشقي، وفرغت من هذه تصنيفًا يوم الجمعة عشرين رجب الحرام الفرد سنة أربعين وسبع مئة من جمعه وتهذيبه وتشذيبه (1)، وأنا أضعف العباد الراجي إلى عفو اللَّه تعالى وغفرانه، محمد بن عبيد اللَّه الخطيب بن محمد، بمعاونة شيخي ومولاي، سلطان المفسرين، إمام المحققين شرف الملة والدين، حجة اللَّه على المسلمين: الحسين بن عبد اللَّه بن محمد الطيبي متعه اللَّه بطول بقائه، ثم عرضته عليه كما عرضت "المشكاة" فاستحسنه كما استحسنها واستجادها، والحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله وأصحابه أجمعين.

* * *

(1) شذبت الشجر: خشاده كردم أو را وخشاده ييراستن ست كه بريدن شاخهائ زيادتي درخت باشد.

ص: 272