المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أسئلة من البحرينفي الأئمة والمذاهب وما يجب على العامي - مجلة المنار - جـ ٢٨

[محمد رشيد رضا]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد رقم (28)

- ‌شعبان - 1345ه

- ‌فاتحة المجلد الثامن والعشرين

- ‌تعدد الزوجات

- ‌استقلال مملكة ابن السعود

- ‌البناء على القبورومن استثنى من تحريمه قبور الأنبياء والصالحين

- ‌قاعدة جليلة فيما يتعلق بأحكام السفر والإقامة

- ‌سياسة الإنكليز في الشرقوزعماء العرب

- ‌إثبات شهر رمضان

- ‌أنباء العالم الإسلامي

- ‌تقريظ المطبوعات

- ‌رمضان - 1345ه

- ‌حكمة تعدد أزواج النبي ص

- ‌مال الزكاة لإعانة المدارس الخيرية الإسلامية

- ‌سماع الغناء والتلاوة من آلة الفونغراف

- ‌قاعدة جليلة فيما يتعلق بأحكام السفر والإقامة

- ‌الإصلاح الإسلامي في المغرب الأقصى(2)

- ‌مشروع بريطاني جديد لتنصير جزيرة العرب

- ‌تحول الكنيسة الإنكليزية عن التقاليد النصرانية

- ‌آثار المساجد في إصلاح الأمة

- ‌أنباء العالم الإسلامي

- ‌شوال - 1345ه

- ‌حكم بناء فنادق المسافرينوإجارتها لغير المسلمين

- ‌قاعدة جليلة فيما يتعلق بأحكام السفر والإقامة

- ‌الإصلاح الإسلامي في المغرب الأقصى(3)

- ‌نساء العرب السياسيات

- ‌خطبة الأستاذ إسعاف أفندي النشاشيبي

- ‌البيت الحرام وسدنتهبنو شيبة وحقوقهم ، والهدايا له ولهم

- ‌دعوة مفسدي الرافضةيحيَى إلى قتال ابن السعود

- ‌حجاج الشيعة الإيرانيين ومصر

- ‌لا بد من قتل صاحب المنار

- ‌ر - 1345ه

- ‌استفتاء في فتوى وطلب إقرارها وتصحيحها

- ‌قاعدة جليلة فيما يتعلق بأحكام السفر والإقامة

- ‌الإصلاح الإسلامي في المغرب الأقصى(4)

- ‌السعي لمنع الحج ومفاسد البدع

- ‌الاحتفال بتكريم أمير الشعراء أحمد شوقي بك

- ‌مسألة نفقات مؤتمر الخلافة في مجلس النواب

- ‌صاحب المنار وجريدة السياسة

- ‌ذو الحجة - 1345ه

- ‌قاعدة جليلة فيما يتعلق بأحكام السفر والإقامة

- ‌قرار النيابة العامةفي قضية الدكتور طه حسين

- ‌ما يسمى النهضة النسائية بمصر

- ‌الشيخ أحمد عباس الأزهري البيروتيوفاته وترجمته

- ‌المسلمون في أميركا يطلبون أستاذًا من الأزهر

- ‌المطبوعات الحديثة

- ‌الحج في هذا العام

- ‌صفر - 1346ه

- ‌أسئلة من البحرينفي الأئمة والمذاهب وما يجب على العامي

- ‌الزي الإسلامي والشعائر الإسلامية والألقاب العربيةعند خواص أمريكا

- ‌أموال ابن السعود التي اتهم بها صاحب المنار

- ‌أحاديث الدجال وانتقاد بعض النجديين

- ‌مصاب مصر بأكابر رجال العلم والدين والسياسة

- ‌ربيع الأول - 1346ه

- ‌خيرية القرون الثلاثة مع وقوع الفتن فيها

- ‌زكاة الفطر وقت وجوبها وحكم تعجيلها

- ‌حظر أخذ العلم الشرعي من الكتب بدون توقيف

- ‌الصريح والكناية في الطلاقوكتاب الرجل بطلاق امرأته

- ‌الطلاق الثلاث باللفظ الواحد

- ‌كيف تنهض اللغة العربية(2)

- ‌دعاية المسيحية القاديانية الملقبة بالأحمدية

- ‌بول الصبي وبول الصبيةحكمهما في الفقه، تركيبهما الكيميائيالأحاديث التي وردت فيهما

- ‌الاحتفال الخمسيني لدار العلوم

- ‌ربيع الآخر - 1346ه

- ‌حل أموال أهل الحرب

- ‌المراد بالطعن في الدينوكون مخالفة القرآن كفرًا

- ‌سعد زغلول(1)

- ‌أول كتاب من سعد إلى الأستاذ الإمام

- ‌معاهدة جدةبين جلالة ملك بريطانيا وجلالة ملك الحجاز ونجد وملحقاتها

- ‌الكتابة أو الخطوثيقة شرعية يجب العمل بها

- ‌زيارة القبور للتبرك

- ‌تقريظ الأستاذ الكبير صاحب الفضيلة الشيخ:مصطفى نجا - مفتي بيروت

- ‌حفلة التأبين الكبرى

- ‌شعر في وصفة طبية قديمةجواب عن سؤال

- ‌أنباء العالم الإسلامي

- ‌جمادى الأولى - 1346ه

- ‌سمت القبلةوأدلتها وأقواها بيت الإبرة والقطب الشمالي

- ‌تعريف الأمراض بالأوهاموسؤال عن 3 أحاديث

- ‌الاعتماد على كتب ابن تيمية والطاعن فيه

- ‌افتراء عقائد في عالم الغيب

- ‌طلاق الثلاث بلفظ واحد

- ‌رسالة من يحيى محمد البكري

- ‌التمدن الآثم، القاضي مترنيخ، تلقيح القضاء المصري

- ‌لماذا دخلت في الإسلام

- ‌سعد زغلول(2)

- ‌التقريظ والانتقاد

- ‌رجب - 1346ه

- ‌أسئلة من تونس

- ‌الإصلاح الحقيقيوالواجب للأزهر والمعاهد الدينية [*]

- ‌نظرة عامة في حالة الإسلام

- ‌رحلة جلالة ملك الأفغان (أمان الله خان)

- ‌جمعية الشبان المسلمين

- ‌وفيات الأعيان

- ‌تفسير:] هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا [[*]

- ‌خاتمة المجلد الثامن والعشرين من المنار

الفصل: ‌أسئلة من البحرينفي الأئمة والمذاهب وما يجب على العامي

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌أسئلة من البحرين

في الأئمة والمذاهب وما يجب على العامي

(س 7-10) من صاحب الإمضاء في جزيرة البحرين؛

هل يقال: إن شيخ الإسلام ابن تيمية أعلم من الأئمة الأربعة أحمد ومالك

والشافعي وأبي حنيفة، وهل يجوز للعامي ألا يتمسك بمذهب من المذاهب الأربعة ،

وألا يقلد إمامًا من الأئمة الأربعة ، وأن يكون مذهبه مذهب من أفتاه، وأن يلقب

نفسه محمديًّا، ويومًا يسأل عالمًا شافعيًّا ويعمل بقوله، ويومًا يعمل بفتوى مالكي ،

ويومًا بفتوى حنبلي، ويتبع الرخص في مسائل العبادات.

وهل يجوز له إذا أفتاه عالم من المسلمين من الفقه أن يقول: ما أقبل الفقه ،

أقبل الكتاب والسنة فقط.

أفتونا على ذلك ولكم من المولى جزيل الثواب.

...

...

...

... لمخلصكم خليل الباكر

(أجوبة المنار)

(1)

هل ابن تيمية أعلم من الأئمة الأربعة؟

إن لأئمة الفقه الأربعة المتبعين فضلاً على الشيخ أحمد تقي الدين ابن تيمية؛

لأنه لم يصر فقيهًا إلا باطلاعه على فقههم، كما أن لأئمة الحديث كأحمد ، والشيخين ،

وأصحاب السنن الأربع وغيرهم فضلاً عليه بأنه لم يكن محدثًا إلا بكتبهم.

ولقد كان مثل مالك والشافعي وأحمد أصح منه فهمًا للكتاب والسنة فيما أعتقد؛

لأن اللغة العربية كانت لهم سليقة لا صناعة فقط كعلماء عصره، وهو قد بلغ

رتبة الاجتهاد المطلق، واطلع على ما لم يطلعوا عليه كلهم من الأخبار والآثار؛

لأنه اطلع على ما رووه وعلى غيره وحفظه وعرف ما قالوه هم ، وما قاله

غيرهم من أقرانهم في أسانيدها وفي معانيها ، فهو في فتاويه يذكر خلاف الأئمة

المجتهدين في المسألة وأدلة كل منهم ، ويمحص هذه الأدلة؛ فيتبين الراجح منها

بالدليل، فمن تأمل فتاويه بنظر الإنصاف؛ يرى أن ما رجحه هو الحق في الغالب ،

كما ترى في رسالة أحكام السفر التي خالف فيها الأئمة الأربعة في بعض المسائل

كتحديد السفر الذي تقصر فيه الصلاة ويباح الفطر ، ووافقه من جاء بعده من فقهاء

الحديث المستقلين كالشوكاني.

ثم إنه قد حَدَثَ بعد الأئمة الأربعة بدع خلع عليها مبتدعوها ثياب زور عزيت

إلى الدين، فاتبعها خلق كثير من المسلمين، منها ما جاء من شبهات الفلسفة ،

ومنها ما جاء من تصوف الهنود، ومنها ما كان من أوضاع غلاة الشيعة الظاهرية

والباطنية إلخ، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية من أعلم الناس - إن لم يكن أعلمهم -

بمثارات هذه البدع وشبهاتها ومنتحليها، ومن أقدرهم على بيان وجوه مخالفتها للدين

الإسلامي ، والاستدلال على بطلانها، ولم يكن الأئمة يعرفون ذلك كله؛ لأنه لم

يكن في زمنهم إلا بعضها، فالأمة الإسلامية محتاجة إلى شيء من علوم ابن تيمية

لا تجده في شيء مما روي عن الأئمة رضي الله عنهم أجمعين - وأهمه بيانه

لحقيقة التوحيد ، وهدم قواعد الشرك والبدع ، ودحض شبهات أهلها.

مع هذا كله لا ينبغي لأحد أن يقول: إن ابن تيمية كان أعلم من هؤلاء الأئمة

هكذا على الإطلاق لما فيه من الدعوى بأنه - أي القائل - من طبقتهم ، أو أعلم

منهم، ولذلك قدر أن يرجح بعضهم على بعض، ولما فيه أيضًا من إثارة الخلاف

والشقاق بينه وبين أتباعهم ، وهم سواد المسلمين الأعظم مما هو في غنى عنه إن لم

يكن صاحب هوى، ولأن الله تعالى قد نفع بعلمهم وهديهم أضعاف من انتفعوا به،

وهذا أمر عظيم ، مثاله في المتأخرين الشيخ محمد عبد الوهاب وأولاده وأحفاده الذي

يظهر من كتبهم أن الشيخ عبد اللطيف كان أوسع علمًا بفنون العربية وأصول الفقه

وفروعه ومصطلح الحديث من جده شيخ الإسلام، ولكن جده هو الذي هدى إلى

العلم الواسع الدقيق بتوحيد الله تعالى الذي هو أساس الإسلام ، وقام بالدعوة وهدى

الله به الألوف ومئات الألوف إلى دين الله الخالص ، وكان أولاده وأحفاده - ومنهم

الشيخ عبد اللطيف هذا من بعض حسناته ، وله مثل أجورهم كلهم رحمهم الله

أجمعين.

****

(2)

هل يجوز لعامي ترك تقليد كل من الأربعة

إلخ؟

زعم بعض المقلدين من المتكلمين والفقهاء أنه يجب على جميع المسلمين تقليد

أحد هؤلاء الأربعة في الأحكام الدينية العملية من العبادات والمعاملات، وزاد

بعضهم تقليد الشيخ أبي القاسم الجنيد إمام الصوفية كما قال اللقاني في عقيدته

(جوهرة التوحيد) .

ومالك وسائر الأئمة

كذا أبو القاسم هداة الأمة

فواجب تقليد حبر منهم

كذا حكى القوم بلفظ يفهم

قالوا كما قال هو في شرحه: إنه أراد بسائر الأئمة الثلاثة - أبا حنيفة

والشافعي وأحمد ، وهذا ما عليه جمهور متأخري العلماء الرسميين من أهل الأزهر

ومن على شاكلتهم في سائر الأمصار ، إلا من آتاه الله حظًّا من الاستقلال في العلم ،

والنظر في الأدلة ، واتباع ما تقوم عليه الحجة، وكنا نسمع هذا من مشايخنا منذ

أول عهدنا بطلب العلوم الدينية، وكانوا يحتجون على ذلك بأن هؤلاء الأئمة هم

الذين دونت مذاهبهم وبسطت فيها المسائل وكثرت الفروع بحيث يجد الناس فيها

جميع ما يحتاجون إليه دون غيرها، وكل هذا غير صحيح فإن للظاهرية كتبًا مدونة ،

ولا سيما الإمام أبي محمد ابن حزم وهم من أهل السنة، وكذلك الشيعة الزيدية

والشيعة الإمامية والأباضية قد دون فقه مذاهبهم في مجلدات كثيرة.

هذا وما ذكروه ليس متفقًا عليه عند علماء القرون الوسطى ومن بعدهم ممن

صرحوا بوجوب التقليد، بل قال بعضهم: بجواز تقليد غيرهم من الأئمة كالليث بن

سعد وداود الظاهري وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه ومحمد بن جرير

الطبري وسفيان بن عيينة كما تراه في حاشية الشيخ إبراهيم الباجوري شيخ

الأزهر في عهده على الجوهرة - وقد ذكر هو وغيره أنهم استدلوا على أصل

وجوب التقليد الذي حصره بعضهم في الأربعة بالعلة المتقدمة بقوله تعالى {فَاسْأَلُوا

أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (النحل: 43)، قال: فأوجب التقليد على من لم

يعلم ، ويترتب عليه الأخذ بقول العالم وذلك تقليد له.

وأقول: إن هذا الاستدلال ظاهر البطلان ، فإن من لا يعلم حكم الله تعالى في

مسألة يجب أن يسأل عن النص فيها من كتاب الله تعالى ، أو سنة رسوله صلى الله

عليه وسلم لا عن رأي أحد الأربعة أو غيرهم ، والاجتهاد ظن المجتهد في المسألة

الذي أداه إليه بذل الجهد في البحث عنها، وهو ساقط الاعتبار مع وجود النص

بغير خلاف، ولا يجب على أحد من خلق الله أن يدين الله بظن غيره ، والتقليد أن

تأخذ بقول لم تعرف له دليلاً، وما المانع أن يقال: إن الجاهل يسأل عن نص

الشارع الذي كلف اتباعه فإن لم يوجد؛ سأل المجتهد عن ظنه ، وعن الدليل الذي

استنبطه منه، فإذا اقتنع به واطمأن قلبه أخذ به وإلا فلا، فقد روى أحمد من حديث

أبي ثعلبة رضي الله عنه مرفوعا: (البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب،

والإثم ما لم تسكن إليه النفس ، ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون) حديث

حسن ، وروى أحمد ، والبخاري في التاريخ من حديث وابصة بن معبد رضي الله

عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أريد أن لا أدع شيئًا من البر

والإثم إلا سألته عنه. فقال لي (ادْنُ يا وابصة) ، فدنوت حتى مست ركبتي ركبته ،

فقال: (يا وابصة أخبرك ما جئتَ تسأل عنه ، أو تسألني؟) فقلت: يا رسول

الله أخبرني. قال: (جئت تسألني عن البر والإثم) قلت: نعم، فجمع أصابعه

الثلاث فجعل ينكت بها في صدري ويقول: (يا وابصة! استفت نفسك، البر ما

اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر،

وإن أفتاك الناس وأفتوك) وفي طريق إسناده مقال ، ورواه أحمد من طريق

آخر باختصار ، وهذا المعنَى مروي عن غيرهما من الصحابة ، وفي صحيح مسلم

من حديث النواس بن سمعان مرفوعًا (البر حسن الخلق ، والإثم ما حاك في نفسك

وكرهت أن يطلع عليه الناس) ، وأخرجه النووي في الأربعين ، وقد أورد الحافظ

ابن رجب في شرحه له حديث وابصة ، وتكلم على طرقه ، ثم قال: وقد روي هذا

الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة ، وبعض طرقه جيدة ،

فخرجه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه من طريق يحيى بن أبي كثير عن زيد

بن سلام عن جده ممطور عن أبي أمامة قال: قال رجل: يا رسول الله ما الإثم؟

قال: (إذا حاك في صدرك شيء؛ فدعه) ، وهذا إسناد على شرط مسلم إلخ ، ثم

ذكر رواية أحمد لحديث أبي ثعلبة المار بإسناد جيد، والمراد من اطمئنان القلب هنا

ما يعبر عنه في هذا العصر بالوجدان وراحة الضمير، وعليه المعول في

المشتبهات بين الحلال والحرام دون البين منها كما حديث: (الحلال بين ، والحرام

بين ، وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات؛ فقد استبرأ

لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات؛ وقع في الحرام (الحديث رواه الجماعة

كلهم من حديث النعمان بن بشير ، وإن من الجاهلين من يقترف المعصية ، أو

يطلق امرأته ، ثم يستفتي أحد العلماء ويحرف له القول؛ ليفتيه بما يوافق هواه ،

فإن أفتاه بما يحلل له المعصية كأكل مال غيره بالباطل ، أو معاشرة مطلقته معاشرة

الأزواج؛ فعل وإن كان قلبه غير مطمئن للفتوى ظانًّا أن الله يعذره بفتوى المفتي

كما يفعل الحكام في الدنيا.

ألا فليعلم كل مسلم أن المفتي ليس شارعًا للدين ، وإن كان مجتهدًا ، وإنما

وظيفته بيان حكم الله الذي أنزله في كتابه ، أو بينه على لسان رسوله صلى الله

عليه وسلم ، فإذا لم يكن في المسالة نص عنهما؛ فليس له أن يحمل الناس على أن

يدينوا الله ويعبدوه بمقتضى رأيه واجتهاده الذي هو ظن من ظنونه فضلاً عن حمله

إياهم على العمل برأي غيره مما يقرؤه في الكتب، ولم يكن أحد من الأئمة المجتهدين

بحق - ولا سيما الأربعة - يأمر الناس بالعمل باجتهاده وتقليده في رأيه وفهمه، وإنما

كانوا يبينون للناس ما يفهمون من نصوص الشارع بطرق الدلالة المعروفة عندهم،

فمن وافق فهمه فهم أحد منهم فعمل به؛ كان عاملاً بما اعتقد أن الله شرعه له، ومن

لم يوافقه؛ تركه وعَدَّهُ كأن لم يكن ، وليس له أن يدين الله تعالى به ، والنصوص

عنهم في ذلك مشهورة سبق لنا ما يكفي منها في (محاورات المصلح والمقلد)

وغيرها ، ولا سيما ما نقلنا بعد ذلك عن كتاب (أعلام الموقعين) للمحقق ابن القيم

وسيأتي بعضها.

قال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} (الأعراف: 3)، وقال: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا

إِلَيْكَ} (الشورى: 13) الآية.

وقال: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} (الشورى:

21) ، وقال في أهل الكتاب:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ} (التوبة: 31) فقال عدي بن حاتم عندما سمعها وكان نصرانيًّا فأسلم: يا رسول

الله إنهم لم يكونوا يعبدونهم؟ فبين له صلى الله عليه وسلم أن المراد بها أنهم كانوا

يحلون لهم ويحرمون عليهم؛ فيتبعونهم. فاعترف بذلك، وما كان يفعله علماء

اليهود والنصارى من التحليل والتحريم ، والقول في دين الله برأيهم ، وفهمهم

للتوراة والإنجيل من غير أن يكون نصًّا ظاهرًا في الحكم فعله كثير من علماء

المسلمين المقلدين؛ فاتبعهم العوام فيه حتى صارت الجرأة على التحليل والتحريم

موضع العجب والاستغراب عند العقلاء المستقلين؛ بل صار العوام يحلون

ويحرمون، وليس لأحد حق في التحليل والتحريم على العباد إلا ربهم تبارك وتعالي ،

ولكن كان ذلك وهو مصداق ما صح عنه صلى الله عليه وسلم من اتباع هذه الأمة

سنن من قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع.

حتى إنهم حرموا كثيرًا من العلوم والفنون والصناعات التي تعتز بها الأمم

وتقوى، والمنافع العامة التي تدل نصوص الكتاب والسنة على إباحتها كامتنانه

تعالى علينا بتسخير جميع ما في الأرض لمنافعنا، وقوله صلى الله عليه وسلم فيما

رواه الدارقطني من حديث أبي ثعلبة الخشني وحسنه: (إن الله فرض فرائض؛

فلا تعتدوها، وحد حدودًا؛ فلا تقربوها، وحرم أشياء؛ فلا تنتهكوها، وسكت عن

أشياء رحمة لكم غير نسيان؛ فلا تبحثوا عنها) ، ويؤيده ما رواه البزار في مسنده

والحاكم من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(ما أحل الله في كتابه؛ فهو حلال، وما حرم؛ فهو حرام، وما سكت عنه؛ فهو

عفو ، فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى) ، ثم تلا هذه الآية {وَمَا كَانَ

رَبُّكَ نَسِياًّ} (مريم: 64) .

ويدخل فيما أحله الله وحرمه ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،

فكأنه مستنبط من كتاب الله وبيان له كما يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه وغيره،

أو لأنه بوحي آخر غير القرآن كما يقول آخرون، أو لأن الله تعالى أذن له

بالتشريع باجتهاده كما فهم بعضهم من حديث (إلا الإذخر) .

هذا وإن ما ورد في الكتاب والسنة من أمور الدين المحضة كالعقائد والعبادات

والحلال والحرم؛ فهو قسمان: قسم قطعي الرواية والدلالة وهو التشريع العام الذي

يجب على كل مسلم الأخذ به، ويجب على أئمة العدل إلزام الناس إياه، وقسم ليس

كذلك وهو محل الاجتهاد، فمن فهم منه حكمًا اعتقد أنه مراد الله تعالى ولو بواسطة

بيان غيره من العلماء له؛ وجب عليه العمل به دون من لم يفهم ذلك ولم يعتقده

استقلالاً ولا تبعاً ، وليس للأئمة أن يجعلوه تشريعًا عامًّا.

كما يؤخذ ذلك من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وعمل أصحابه حين نزل

قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ

وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} (البقرة: 219) ، وقد وضحنا هذا في مقدمتنا لكتاب

المغني في الفقه، وبناءً على هذا كان ما يجب على كل فرد من أفراد المسلمين

عوامهم وخواصهم وجوبًا عينيًّا معلومًا كله أو جله منتشرًا بين الناس في عصر

السلف الصالح لقلته وجلائه ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يلقنون

الأعرابي دينه وما يجب عليه في مجلس واحد - فكان ما يحتاج العامي إلى سؤال

العلماء عنه قليلاً، وإنما كانوا يسألونهم عن حكم الله لا عن آرائهم واجتهاداتهم، ومن

المعلوم من تاريخهم وسيرتهم بالقطع أن أحدهم كان يسأل في كل أمر يعرض له من

يلقاه من أهل العلم ، ولم يكن أحد يلتزم عالمًا بعينه لا يأخذ عن غيره ، وكان علماء

السلف يجيبون كل سائل بما يعلمون من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ،

ثم صاروا في عصر التابعين يذكرون ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم في

المسألة ، أو علماؤهم المشهورون إذا كان فيها خلاف، وقد دون رواة السنة وحفاظها ما

رووه من أقوال الصحابة وأعمالهم تبعًا لتدوين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ،

وعدوا إجماع الصحابة حجة شرعية دون أقوال أفرادهم إلا من احتج بإجماع الخلفاء

الراشدين.

هذا وإن مدار الاجتهاد على القياس ، ومن أئمة الشرع من ينكره ألبتة ، ومنهم

من لا يقول إلا بما كانت علته منصوصة وما قطع فيه بنفي الفارق ، ومنهم من

يدخل هذا المعنى في مدلول النص، ومنهم من منعه في التعبدات، فعلى هذه

الأقوال كلها لا تثبت عبادة مستقلة باجتهاد المجتهد فلا حاجة بمسلم إلى تقليد أحد في

مذهبه ، وإنما يأخذ الجاهل عن العلماء ما أوجبه الله وما حرمه عليه بنصوص

الكتاب والسنة القطعية الثبوت والدلالة كما تقدم ، هذا هو الضروري فإذا وجد سعته

لطلب العلم واقتنع ببعض الظنيات العملية أخذ بها.

وإنما يثبت الاجتهاد في المعاملات والقضاء وسياسة الحكام بنص حديث معاذ

المشهور فإذا قال علماء السنة: إنه يتعين على الحكام في هذه الأزمنة الاعتماد على

هذه المذاهب المدونة في الأحكام القضائية والسياسية والحربية لأنهم يجدون أكثر ما

يحتاجون إليه فيها كان لقولهم هذا وجه في الجملة - وأما القول التفصيلي في ذلك

فهو: إنه لا يمكن إدارة حكومة إسلامية إلا بعلماء مجتهدين يستفيدون من علم الأئمة

المتقدمين ، ويزيدون على ذلك ما تضطرهم إليه حالة هذا الزمان بما تجدد للبشر

فيه من أمور المعايش والسياسات والمعاملات مع الأمم الأخرى، إلا إن وجد

حكومة صغيرة في عزلة عن العالم كله؛ فإنها يمكنها أن تلتزم أحكام مذهب معين لا

تحتاج إلى غيره كما هي حالة أهل نجد في نجدهم وأهل اليمن في يمنهم دون من

خرج منهم للتجارة في الهند أو العراق أو مصر أو سورية دع من اتسعت تجارته

فبلغ بها أوربة.

هذا وإن بعض علماء القرون الوسطَى الذين زعموا وجوب تقليد واحد من

الأئمة الأربعة دون غيره لم يوافقهم جميع أقرانهم في زمنهم ، ولا فيما بعده.

قال الباجوري في شرحه بيت الجوهرة المتقدم: وقال بعضهم لا يجب تقليد

واحد بعينه ، بل له أن يأخذ فيما يقع له بهذا المذهب تارة وبغيره أخرى ، فيجوز

صلاة الظهر على مذهب الإمام الشافعي ، وصلاة العصر على مذهب مالك وهكذا.

ثم ذكر أن بعضهم جوز تقليد الأربعة في غير الإفتاء كما قال:

وجائز تقليد غير الأربعة

في غير إفتاء وفي هذا سعة

والحاصل أن التقليد باطل بنص القرآن ، والعمل به مفض إلى إضاعة الدين

لأن من طبع العوام تقليد من يثقون به في كل زمان ومكان ، وأنى لهم بتمييز الإمام

المجتهد من غيره ، وإننا نرى الملايين ممن ينسبون إلى المذاهب المعروفة يأخذون

بأقوال رجال من الجهلة الدجالين أدعياء طرق التصوف وأدعياء الفقه أيضًا لتلبيسهم

عليهم بالدعاوى الباطلة وإظهار التدين أو بعض الغرائب التي يسمونها كرامات ،

حتى صار الشرك الصريح من أصول عقيدة الدين ، والتوحيد المحض من الكفر

المنكر بدعوى أنه احتقار لأولياء الله تعالى وإنكار لكرامتهم إلخ ما شرحناه مرارًا

فلا محل هنا لإعادته.

فالواجب أن يعلم الناس دينهم كما كانوا يعلمون في الصدر الأول من الإسلام

يلقن العوام عقيدتهم من الكتاب والسنة وكذا عباداتهم وما أحل الله لهم وحرم عليهم ،

ويجعل تعليم هذا على درجتين الأولى المجمع عليه الذي كان يقال فيه إنه معلوم من

الدين بالضرورة بحيث يعد جاحده غير مسلم ، والثاني ما قويت أدلته من مسائل

الخلاف وكان عليه جمهور السلف بحيث كانت تعد مخالفته شذوذًا، مهما يكن

المخالف فيه جليلاً، وأرى بعد اختبار حال المسلمين منذ ثلث قرن أنه لا يمكن أن

يعرف جمهورهم حقيقة دينهم إلا بهذه الوسيلة التعليمية وإنني أعلم أن الملايين من

المنتسبين إلى هذه المذاهب المدونة الأربعة وغيرها يقلون سنة بعد سنة، واعلمْ

أن أكثرهم لا يعرف ضروريات المذهب معرفة صحيحة وإنما يعرف في الغالب منه

أضر ما فيه ، وهو بعض مسائل الخلاف بينه وبين المذاهب الأخرى في بلده أو

قومه ، فإن الأصل في الدين الوحدة والاتفاق وأضر ما فيه تعدد المذاهب الاختلاف

والافتراق {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ

عَذَابٌ عَظِيمٌ} (آل عمران: 105) .

فعلم من هذا أن أكثر الناس إذا قالوا: نحن شافعية ، أو مالكية مثلاً يكذبون

لأنهم ليسوا على مذهب من ورثوا الانتساب إلى مذهبه عن آبائهم لا في العلم ولا

في العمل لأنهم قلما يعرفون منه إلا بعض مسائل الخلاف في مسائل اجتهادية ليست

من أمور الدين القطعية ولا يضر أحدًا جهلها ، ولا العمل بقول أي إمام فيها كما

وضحناه في (محاورات المصلح والمقلد) ، وكذا في مقدمتنا لكتاب المغني الشهير

التي جعلناها في أول الجزء الأول منه ونشرناها في المنار ، فليراجعها السائل.

فإذا قال من هذه حاله: إنه محمدي أي من أهل ملة محمد صلى الله عليه

وسلم؛ فلا بأس بذلك ولكن ليس له أن يحتقر هذه المذاهب التي قامت على أساسها

حضارة الدول الإسلامية كلها ووجد بها تشريع للإسلام كان يمكن للمسلمين الاستغناء

- بمواصلة الاجتهاد فيه - عن قوانين جميع الأمم التي ما زال يقلدها بعض الدول

الإسلامية ويبعد عن التشريع الإسلامي حتى انتهى بعضها إلى نبذ الشريعة الإسلامية

بجملتها وتفصيلها ويخشى أن يتبعها غيرها من الدول المشابهة لها في سيرتها إذا

استمر علماؤها على جمودهم على تقاليدهم، وحكامها على اقتباس التشريع عن

غيرهم.

***

(3)

هل يجوز تتبع الرخص في العبادات؟

الأصل في أحكام الدين العزائم ، وقد شرع الله الرخص كما شرع العزائم ،

وهو يحب أن تؤتى رخصه ، كما يجب أن تؤتى عزائمه، وبعض الرخص مقيد

بأحوال محدودة لا يتعداها ، كالمجاعة المبيحة لمحرمات الطعام ، والسفر والمرض

المبيحين لترك الصيام وللتيمم، وبعضها مقيد بأحوال غير محدودة ، بل تحتاج إلى

اجتهاد المكلف كالجمع بين الصلاتين على التحقيق فيه كما بينه شيخ الإسلام في

رسالة في القصر والجمع ، فقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة ،

كما رواه الشافعي ومسلم غيرهما من حديث ابن عباس وعلله بقوله: لئلا يحرج

أمته ، فلا يجوز لمسلم أن يلتزمها دائمًا ، فيجعل أوقات الصلوات الخمس المعلومة

من الدين بالضرورة ثلاثًا.

ولا يحظر عليه أن يحرج نفسه إذا تعسر عليه أداء الظهر أو المغرب في

وقتها لشغل ضروري عارض ، فيمتنع من تأخيرها إلى ما بعدها ليجمعها معها ،

ومن كان مقلدًا لمذهب يتأول فقهاؤه حديث الجمع في الإقامة؛ فليقبل هذه المسألة

بعدها من باب المثال.

هذا ما يقال في رخص الشرع الثابتة بالنصوص، وأما رخص المذاهب

الاجتهادية فتتبعها وتقليد أصحابها فيها تلاعب بالدين لا يفعله إلا جاهل متهاون.

وإذا كان التقليد المحض بدون بينة ولا بصيرة باطلاً في عزائم الشريعة ،

فكيف يكون صحيحًا في العبث والتلاعب؟

***

(4)

هل يجوز رد الفتوى الفقهية طلبًا للنص؟

إن الله تعالى أمرنا باتباع كتابه واتباع رسوله، ونهانا أن نتبع غيرهما، وإنما

العلماء أدلاء ومبلغون لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما الواجب

على من يجهل شيئًا من دينه أن يسأل العالم عن حكم الله ورسوله فيه ، لا عن رأيه

أو رأي من يقلده هو فيه كما تقدم شرحه قريبًا ، فإذا قال له العالم: حكم الله كذا ،

فله أن يسأله عن النص ، ويقول له: لا أقبل قولك ولا ما تنقله من كتاب من كتب

الفقه؛ حتى تبين لي دليله من الكتاب والسنة ، قال أبو حنيفة: لا يجوز لأحد أن

يأخذ بقولنا حتى يعلم من أين قلناه ، وكتب المزني صاحب الشافعي في أول

مختصره في الفقه ما نصه: (اختصرت هذا الكتاب من علم محمد بن إدريس

رحمه الله ، ومن معنى قوله: لأُقَرِّبه على من أراده ، مع إعلامه نهيه عن تقليده

وتقليد غيره؛ لينظر فيه لدينه ويحتاط لنفسه وبالله التوفيق اهـ.

ورئي مالك يبكي في مرض موته؛ لأنه بلغه أن بعض الناس يعملون بأقواله ،

مع أنه يقول القول ويرجع عنه، وامتنع أحمد عن كتابة شيء في الفقه؛ لئلا

يقلده الناس فيه.

هذه جمل عن الأئمة الأربعة من عمل بها؛ كان منتفعًا بعلمهم ، وأكثر ما في

كتب الفقه آراء لمن لم يبلغ رتبتهم من أتباعهم، وأكثر من يسمون العلماء الآن لا

يتقيدون بأقوال الأئمة ، بل العمل عندهم على اعتماد بعض المقلدين لهم.

إن الله تعالى لم يأمر باتِّبَاع أحد في الدين غير رسوله صلى الله عليه وسلم ،

وأمر بطاعة أولي الأمر فيما يتعلق بالأحكام المنوطة بهم ، لا في عبادة الله تعالى ،

فإلى متى نحجب الناس عن كتاب ربهم وسنة نبيهم ، ونكلهم إلى هؤلاء الأشياخ

الأدعياء الذين لا يوجد في الألف منهم عالم ، ونخالف الأئمة أنفسهم في ذلك من

حيث ندعي اتباعهم؟

_________

ص: 423

الكاتب: محمد رشيد رضا

كيف تنهض اللغة العربية

بحث للأستاذ عبد السميع أفندي البطل من حذاق مدرسي المدارس الأهلية

عرضه على مؤتمر اللغة العربية المتصور بمناسبة الاحتفال بأحمد شوقي بك أمير

الشعراء بمصر - قال بعد مقدمة مناسبة للاحتفال ما نصه:

(آمالنا في المؤتمر)

طالما تمنت نفوس الغيورين من شداة الأدب، والذادة عن لسان العرب، عقد

مؤتمر كهذا للبحث والتشاور في حالة اللغة ومستقبلها، وما يجب عمله على أبنائها؛

لتثبيت قدميها أمام هذا التنازع المستحر بينها وبين اللغات الحية قبل تطبيق قانون

بقاء الأصلح على المصروع منهن في ميدان التجاذب.

حقًّا! إن الفرصة سانحة، والوقت مساعد، وما نرى اللغة في وقت بمسيس

الحاجة إلى هذه المباحث أشد منها في هذا الوقت الذي أصبحت فيه اللغات أداة من

أدوات المزاحمة في الحياة الزاخرة بعلومها وآدابها وصناعاتها ومخترعاتها وكل

ناحية من نواحيها.

وإن مما يذكر بالشكر للقائمين بتنظيم الاحتفال بشاعرنا العبقري أن دعوا

دعوة جفلى ، كل من له اقتراح أو عنده رأي في خدمة اللغة ونهضتها أن يقدمه لهم؛

ليكون له ما بعده، ففتحوا بذلك بابًا واسعًا يجدر بكل غيور على اللغة أن يلجه

غير متوان ولا متواكل.

لذلك يتقدم هذا الضعيف إلى جماعة المحتفلين بالشكر والثناء، عارضًا عليهم

ما يراه الطريق اللاحب إلى تعليم اللغة - عرض خبير زاول تعليمها بضع عشرة

سنة بدت له في خلالها عيوب كثيرة في طرق التدريس، ويرى أنها هي التي قعدت

بالمتعلمين عن إجادة لغتهم - بله النهوض بها وخدمتها من طريق العمل كالتصنيف

والترجمة والتعريب والوضع العرفي.

ولما كان استقصاء هذه العيوب ، وشرح مضارها ، وذكر طرق إصلاحها

بالتوسع المطلوب لا يتسع له وقت المؤتمر - رأيت أن أسلك سبيل الإيجاز، ورب

قليل خير من كثير.

فإذا أسعدني المؤتمر بقبول هذه الرسالة ونشرها فيما يرتئي نشره؛ كان ذلك

إعزازًا للفكرة وأطير لها ذكرًا، والفكرة متى برزت من مكمنها ، ووجدت تربة

خصبة، وجوًّا ملائمًا، نمت وترعرعت وآتت أكلها ضعفين.

***

(الموضوع)

ليست اللغة العربية ببدع من اللغات الحية الناهضة النشيطة، فسبيل تلقينهن

والتبحر فيهن، هو عين السبيل المهيع للغتنا إذا أردناها غضة بضة، وما سبيلهن

إلا الحفظ والتقليد في الكتابة والمحادثة، وليس لنا من وسيلة إلى إتقان لغتنا في

قليل من الزمن غير هذه الطريقة، وما سواها باطل وضلال وإليكم أسوق الدليل:

يقضي الطالب في مدارسنا صدر حياته بتعلم اللغة، فينفق الشطر الأكبر من

هذا الزمن في دراسة الوسائل بطريقة ملتوية غير مفيدة ، وكلما أمعن فيها زاد بعدًا

عن الغاية ، وإن هو وصل إليها؛ وصل وقد أنهكه السرى، وأضناه التعب، وقعد

به الملل، وهيهات أن يحصل شيئًا نافعًا يكسبه ملكة الذوق بحيث يقتدر على

ارتجال خطبة بليغة، أو كتابة رسالة عالية الأسلوب؛ لذلك أرى أن تكون طريقة

التعليم هكذا:

***

(النحو والصرف)

ليست قواعد النحو والصرف مطلوبة لذاتها، بل لتعصم اللسان عن الخطأ في

النطق، وكلما كانت طريقة تعليمها سهلة قريبة المنال، مقتصرًا فيها على القواعد

الأساسية التي يحتاج إليها في تصحيح اللسان وتركيب الجمل - كان ذلك أدعى إلى

الاقتصاد في الوقت ، وتوفير جزء كبير منه يصرف في دراسة اللغة نفسها؛ لذلك

يجدر أن يفرغ من دراسة النحو والصرف عند الفراغ من المدارس الابتدائية [1]

مراعى في ذلك تطبيق العلم على العمل في كل قاعدة وبحث، ومراعى في ذلك

أيضًا سنة التدريج مع الطالب في سني الدراسة المختلفة، فيُسْتَغْنَى إذن عن كثير

من أبواب النحو والصرف كلها أو بعضها، كالتوسع في الكلام على المبتدأ والخبر

والمجرد والمزيد من الأسماء، ومواضع الإعلال والإبدال والتصغير والنسب

والإمالة وإعراب (لا سيما) ، وفعلي التعجب وصيغ الاستغاثة والندبة والاختصاص

والمنادى المرخم، لعدم الحاجة إليها في الاستعمال، وعدم الاشتباه في بعض الصيغ

إذا جهل إعرابها، لأنها ملازمة لحالة واحدة لا تختلف عنها، والإعراب لا يكسبها

شيئًا جديدًا إلا التهويش واضطراب الذهن وقتل الوقت فيما لا يجدي.

والمهم في تثبيت القواعد: التطبيق في أثناء المطالعة، والتنبيه إلى مواضع

الرفع والنصب والجزم والجر وتوابعها، مع سلامة المفردات، وجعلها موافقة

للفصيح، وقد يكون ذلك صعبًا على الطالب في أول الأمر - ككل شيء في أوله ،

ثم لا يعتم أن يمرن عليه لسانه مع طول الدربة، وكثرة التنبيه، ولا نريد من

القواعد أكثر من هذا.

ولو وجدت هذه الطريقة عناية من المعلم لنجحت نجاحًا باهرًا في أقل زمن

وقد جربتها أنا نفسي في درس خصوصي فكان من نتائجها أن صار الطالب مع قلة

الدروس بعد سنة واحدة في مستوى طلبة السنة الثالثة من المدارس الثانوية بحيث

كنت أعطيه من التطبيقات ما كنت أعطيهم إياه، ولا تسل عن باقي فروع اللغة،

فقد أظهر فيها مهارة عجيبة.

***

(البلاغة)

البلاغة إحساس روحي، وشعور وجداني، وسلامة في الذوق، وملكة في

النفس، ولا يتهيأ ذلك كله لأمثالنا إلا بكثرة مزاولة الكلام البليغ نظمًا ونثرًا،

ومحاكاته كتابة وقولاً، فمن كان حظه من القراءة والحفظ وفيرًا؛ كان قسطه من

البلاغة عظيمًا، ومن كانت حافظته مهزولة مجدبة، وقريحته بليدة مفلسة؛ نأت

عنه البلاغة بجانبها، ولوت عنه أعنتها، وشمست به رامحة، ورفسته جامحة،

وهيهات أن يذلل قيادها، ويمتلك عنانها، إلا بفضل دربة ومرانة، وطول صبر

وأناة.

عرف ذلك رجال الأدب المبرزون، الأقدمون منهم والمحدثون، فكانوا حفظة

بارعين، ورواة ناقلين، والتاريخ يحدثنا عنهم بما يثير في النفس العجب، ويبعثها

على تلمس السبب، فمن في زماننا يتصور أن شاعرًا كأبي تمام كان يحفظ أربعة

عشر ألف أرجوزة غير المقطعات والقصائد، ولا يخجل أن يسميه الناس أديبًا، أو

يخلع هو هذه الخلعة السنية على غيره من الأدعياء؟

قد يكون في مثل هذا الخبر بعض المبالغة، ولكنه يفيد على كل حال في

موضوعنا.

لذلك أقول في غير مواربة: إن قراءة هذه الكتب التي يطلقون عليها كتب

البلاغة - مضيعة للوقت، مهزلة في الحياة، فما كانت إلا مبعدة للبلاغة عن طلابها،

حابسة لها عن ورادها، وما علمنا يومًا أن ضليعًا في البلاغة وقواعدها، خبيرًا،

برسومها واصطلاحاتها، كان كاتبًا مجيدًا، أو شاعرًا مفلقًا، أو خطيبًا مصقعًا اللهم

إلا إذا كان ممن لم تشغلهم المباني عن المعاني، ولم ينصرفوا إلى العناية بالأشباح

مجردة عن الأرواح، في حين أنك تستطيع أن تعد ألوفًا من أهل الخبرة والذوق في

البلاغة، وهم لم يقرؤوا من قواعدها حرفًا، ولا سمعوا فيها درسًا، ولكنهم عرفوها

بالتقليد والمحاكاة، والموازنة بين كلام وآخر، فانطبعت صورتها في نفوسهم،

وتغلغلت في صدورهم، ثم جرت على لسانهم عفوًا لا قصدًا، وهدرت شقاشقهم بها

طبعًا لا تعملاً، وتلك - لعمري هي البلاغة التي تبلغ بصاحبها ما أراد، وتنزل به

في كل واد، ويقتاد بها العاصي، ويستدنى القاصي.

وقد أخجل إذا ذكرت لكم الطريقة التي نتبعها في دراسة البلاغة بالمدارس

الثانوية، وأخبرتكم كيف نضحي بوقت الطلبة بلا جدوى.

إن الطلبة لا يجهلون القواعد الأساسية لعلوم البلاغة، ولا يجهلون التطبيق

عليها، إنهم يدرسون ذلك ، وينفقون فيه سنتين من عمرهم، ولكنها دراسة فنية

اصطلاحية محضة، لا حظ فيها للعلم من حيث يكسب ملكة الذوق، ويشعر بجمال

المعنى وطلاوته، فيعرف الطالب مثلاً مواقع التشبيه أو الاستعارة وأركانهما

وإجراءهما بطريقة فنية، ويفرق بين الاستعارة الأصلية والتبعية، والتصريحية

والمكنية، والمرشحة والمجردة والمطلقة، ويعرف التشبيه المجمل والمفصل

والمرسل والمؤكد والبليغ الاصطلاحي وغير البليغ، ولكن ذوقه لا يساعده على

التمييز بين تشبيه بليغ رائع، وآخر مبتذل خامل، ولا بين استعارة بديعة طريفة،

وأخرى ركيكة سخيفة، وقل مثل ذلك في البديع، فهو يستطيع أن يبين المحسنات

البديعية فيما يقرأ من النظم، ولو كان مهلهل النسج فاتر الخيال مبتذل المعنى، ولا

تساعده بلاغته على إدراك هذه العيوب، بل متى ظفر بحاجته من المحسنات؛ طار

بها فرحًا غير ناظر إلى ما وراءها من حسن أو قبح ، وهذا الحكم نفسه يجري في علم

المعاني.

وأظنني لست بحاجة إلى التدليل على فساد هذه الطريقة وعقم نتيجتها.

***

(خير الطرق لدرس البلاغة)

وأنفس الطرق عندي لدرس البلاغة دراسة جدية نافعة، أن يوضع كتاب

مختصر على طريقة إمام الفن عبد القاهر الجرجاني في الإكثار من الأمثلة والشواهد

البليغة من القرآن فما دونه من كلام الفصحاء، ويوجه الأستاذ نظر تلامذته إلى ما

أودع فيها من أسرار البلاغة ونكتها، والإحساس الذي شعرت به نفوسهم عند

قراءتها، وارتياح القلب واهتزازه حين استخراج دفائنها، ثم يقفي على ذلك بسرد

عدة شواهد دونها في البلاغة والروعة، ويوازن بين القولين، ويزيّل بين النفوس

في الحالين، عند ذلك تستقيم طباع الطلبة، وتسلم أذواقهم، فلا ترمحهم البلاغة

مولية، ولا تجمح بهم هاربة، بل تضع في أيديهم زمامها، وتسفر لهم عن بدرها.

***

(الأدب وتاريخه)

هذا فن حديث العهد بمدارسنا، ولذلك لما تتعبد طريقته، ولا تزال فجة ثمرته،

ولم تجذب التلامذة إليه روعته، وأكثرهم يستثقله؛ فيلفظه، ومنهم من يتجرعه

ولا يكاد يسيغه، لو أضيف إليه قليل من التوابل، ووضع بجانبه بعض الكوامخ؛

لاشتهته نفوسهم ولم تصد عنه، ولفتحت له صدورهم ولم تنقبض دونه.

ورأيي أن يبدأ بدراسته عندما يضع التلميذ قدمه على عتبة المدارس الثانوية،

فيدرس له في السنتين الأولى والثانية حالة اللغة في عصورها المختلفة لا بطريق

التلقين والحفظ، بل بطريق الاستنباط والاستقلال، فإذا أراد الأستاذ مثلاً أن يتكلم

عن مميزات النظم أو النثر في عصر من العصور، استعرض طائفة منه، ووجه

نظر الطلبة إلى ما فيها من متانة التركيب وقصر الجمل، وقلة الاستعارة والغلو،

وترك التمهيد، والبعد عن العجمة، إن كان الكلام في نثر الجاهلية، أو وصف

الخمر ومجالس الشراب والأنس، والقصور البديعة ومحاسن الطبيعة، والمعارك

الحربية، والأساطيل البحرية، وعذوبة الألفاظ والمحسنات البديعية، والأخيلة

الجملية، إن كان الكلام في مميزات النظم في العصر العباسي.

عند ذاك تكون دراسة الأدب نافعة شائقة لا يملها الطلبة.

وفي باقي السنين يدرس ترجمة النابهين ، ومن لهم أثر بارز في اللغة من

الكتاب والخطباء والشعراء ومدوني العلوم كالفقهاء والمؤرخين بالطريقة المتقدمة

عينها، فيذكر المترجم نشأته وبيئته وحياته المادية والأدبية وصلة الثانية بالأولى

وتأثرها بها، وما لذلك من أثر في نفسه وأفكاره وتخيلاته، ثم تعرض أثارة من

قوله، وينبه الأستاذ إلى ما فيها من حسن وإبداع، أو تقليد لقول سابق، أو تكلف

باد، وما أشبه ذلك.

ويحسن أن تدرب التلامذة على إجراء موازنات بين شاعر وشاعر، أو

خطيب ومثله، وكاتب وتاجر، فإن ذلك مما يزيد في سلامة الذوق وصحة الحكم،

وتنبيه الذهن، وتفتق القريحة.

ويتوسع بعض التوسع في الكلام على القرآن الكريم: إعجازه وأسلوبه وأثره

في اللغة، ويقرر جزء كبير منه في كل سنة لدرسه وحفظ بعضه؛ ليستعان به على

إصلاح النفوس التي استفحل مرضها، وأعيا نطس الأطباء علاجها، وتثقيف

الألسنة التي اعوجت، وخصوب الملكات التي أجدبت، ولا يخفى صلة ذلك بعلمي

الأخلاق والبلاغة.

((يتبع بمقال تالٍ))

_________

(*) كان المكرمون لأحمد بك شوقي أذاعوا في دعوتهم التي نشرتها الجرائد أن الحفلة التي سيقيمونها ستكون كهيئة مؤتمر للغة العربية، وطلبوا إلى الكتاب أن يكتبوا ما يرونه من المباحث مفيدًا للغة العربية ، فبادرت إلى كتابة هذه الرسالة وإرسالها إلى جماعة المكرمين ، ثم ظهر أن فكرة المؤتمر كانت أمنية فقط، وقد رغبت إلى المنار في نشر الرسالة بعد حذف مقدمتها التي كانت في التعريف بشعر شوقي بك.

(1)

يعني في التعليم العام وهذا لا يمنع وجود أخصائيين في النحو والصرف يتوسعون فيهما.

ص: 433

الكاتب: محمد عبد القادر الهلالي

مناظرة في مسألة القبور والمشاهد

الرد على رسالة العالم الشيعي

للأستاذ الشيخ محمد عبد القادر الهلالي

وهو عالم سلفي مستقل لا يتعصب لمذهب من المذاهب مطلقًا

(2)

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى العالم الجليل، المحقق النبيل، السيد مهدي الكاظمي القزويني سلمه الله

ووقاه، وبلغه مناه، وسلام عليكم ورحمة الله: أما بعد فقد وافاني جوابكم الكريم

المؤرخ في 22 شعبان سنة 1345 ، فتلقيته بكامل التجلة وعظيم الارتياح، وأثنيت

على همتكم الشماء وعنايتكم السامية بما يقتضيه المنصب الذي ولاكم الله إياه، ومن

كمال لطفكم ووافر ظرفكم أن استسمحتموني في تطويلكم الجواب عما في المنار،

وإلا فهو رياض بهيجة، وموارد عذبة، وثمار بحث شهية، بعبارات رائقة طلية،

فبها يحق لكم أن تفتخروا لا أن تعتذروا.

ولما التمستم مني القضاء بينكم وبين المنار بعد الإمعان فيما كتبتم في الرد

عليه؛ وجب علي أن ألبي التماسكم معترفًا بقصور باعي وقلة اطلاعي متجردًا من

الهوى ما استطعت وما توفيقي إلا بالله، غير متحيز إلى مذهب، ولا واقف مع

مشعب، إذ لا مذهب لي إلا الحق، وأتمثل بقول الشاعر البليغ الشيعي:

وما لي إلا آل أحمد شيعة

وما لي إلا مشعب الحق مشعب

وهذا الجواب الذي سأجيب به عن كلامكم هو الذي أنوي أن أجيب به بين يدي

الجبار سبحانه وتعالى إن سألني - والملائكة والأنبياء والصالحون شهود - فإذا تحققتم

إخلاصي؛ فلا أظن أنكم تجدون من شيء من كلامي، وإن باين مذهبكم

{وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} (البقرة: 148) .

(المقام الأول) قولكم: إن مكاتب المنار حرف الكلم عن مواضعه، ولم ينقله

على وجهه.

أقول: لا يمكنني أن أبدي رأيي في هذه القضية؛ لعدم اطلاعي على الكتاب

المنقول منه.

(المقام الثاني) تكذيبكم إياه في قوله [1] : (إنه لا يوجد كتاب من كتب فقه

الشيعة إلا وبه:، أنه لا يجوز البناء على القبور) ، يعكر عليه ما نقلتم عن كتاب

جواهر الكلام أنه ذكر خبرًا عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام قال: (لا يصلح

البناء عليه) .

ونفي الصلاح فيما يتعبد به؛ يستلزم الفساد، إذ لا واسطة بينهما، والفاسد

شرعًا لا يجوز التعبد به، وعليه فمن قال: إن عدم جواز البناء على القبور موجود

في كتب فقه الشيعة صادق في قوله. نعم إذا كان عدم جواز البناء على القبر يوجد

في بعض كتب الفقه دون بعض لم يصح كلامه.

(المقام الثالث) تأويلكم الخبر فيه نظر بيّن لأن الإمام سئل عن البناء على

القبر: هل يصلح أم لا؟ فقال لا يصلح البناء عليه ولا الجلوس ولا تجصيصه ولا

تطيينه. هذه أربعة أشياء نفَى عنها الإمام الكاظم (عم) الصلاح في مقام السؤال

عن حكمه شرعًا فلزم أن فعلها فساد عند الإمام (والله لا يحب الفساد) والفساد

محرم لقوله تعالى {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ} (الأعراف: 56) .

وقولكم: (وجه الاستدلال به على كراهة التجصيص أن الجلوس على

القبر ليس محرمًا عندنا فتكون سائر الأمور المذكورة معه ليست محرمة للزوم

تساوي المتعاطفات في الحكم) في غاية البعد مع ما فيه من الإبهام إذ لم تبينوا دليل

جواز الجلوس على القبر: أهو البراءة الأصلية أم نص من القرآن أو من حديث

إمام معصوم، أما القرآن فليس فيه دليل على جواز ذلك فإن كان هناك نص صريح

عن النبي أو أحد من الأئمة كان ينبغي لكم أن تذكروه لنضعه إلى جانب كلام

الإمام الكاظم فإن تعارضا ولم يمكن الجمع بينهما ولا ترجيح لأحدهما على الآخر

بشيء من المرجحات توقفنا عن العمل بهما جميعًا وطلبنا دليلاً من الخارج، فإن

وجد؛ حكمنا به، وإلا، قلنا: لا نص معتبر في الجلوس على القبر ، ويسلم لنا

نص الإمام الكاظم على عدم جواز البناء على القبر بغير معارض، وظاهره الحرمة

لأن عدم الصلاح في مقام السؤال عن الحكم شرعًا يستلزم الفساد، وهو حرام كما

تقدم.

(المقام الرابع) قولكم: (ولكن مكاتب المنار لم يذكر من الحديث [2] إلا

قوله: لا يصلح البناء على القبر، وأسقط منه الباقي؛ ليوهم القارئ أن الحديث

دال على التحريم، ولا شك أن إسقاط بعض الحديث خيانة في النقل) فيه نظر

أيضًا لأنه ليس كل إسقاط موهمًا، وإنما يكون الإسقاط تحريفًا وخيانة إذا كان مخلاًّ

بالمعنى المقصود، أما الاقتصار على ذكر دليل المسألة من الخبر وحذف سائره إذا

كان لا يتغير المعني بحذفه كما هنا؛ فليس بخيانة، بل هو اختصار، وهو مقبول

عند أهل العلم، موجود في كتب الثقاة الأمناء كالبخاري وغيره.

(المقام الخامس) قولكم: ثم قال صاحب الجواهر: وربما يشعر بكراهة

التجصيص [3] قول الصادق (ع) كل ما جعل على القبر من غير تراب القبر ،

فهو ثقل على الميت: قلتم: وهذا الحديث لا دخل له بموضوع المسألة؛ لأن

المفهوم منه كراهة أن يهال على الميت من غير تراب القبر فالصادق (ع) كأنه

قال: لا يهال على القبر إلا التراب الذي استخرج من نفس القبر عند حفره، ولا

يُؤْتَى بشيء من غيره ، فيوضع في القبر إلخ.

أقول: كلام الإمام يقتضي قطعًا أنه لا يوضع على القبر شيء إلا تراب القبر

سواء أكان ذلك الشيء ترابًا أم جصًّا أم تابوتًا وستورًا ومباخر وشموعًا

وغيرها؛ لأن الإمام لم يقل: كل تراب يهال على القبر من غير تراب القبر، فهو

ثقل بل عبر (بما) التي هي من ألفاظ العموم، فلا يصح تخصيصها بجنس التراب

بلا دليل، ولذلك فهم منه صاحب الجواهر النهي عن التجصيص، وحمله على

الكراهة، والظاهر الحرمة؛ لأنه من جنس البناء على القبر، وتقدم الدليل على

حرمته.

(المقام السادس) قولكم: وقال صاحب الجواهر: وكذا يشعر بالكراهة

حديثه عليه السلام [4] قال أمير المؤمنين (عم) : بعثني رسول الله صلى الله عليه

وسلم في هدم القبور، وكسر الصور.

أقول: استدلال صاحب الجواهر بهذا الحديث على كراهة التجصيص يدل

على أنه فهم منه مشروعية هدم القبور مطلقًا سواء أكانت للكفار، أو المؤمنين،

وكسر الصور مطلقاً ولو كانت صور الأنبياء والأئمة، وينافي ما ملتم إليه فيما بعد

من أن مشروعية الهدم خاصة بقبور الكفار.

(المقام السابع) اعترافكم بأن تجديد القبور بعد اندراسها مكروه في مذهب

الشيعة [5] وهو يرشد إلى أن المشروع عند سلف الشيعة هو إهمال القبور وتركها

لأيدي الزمان؛ تعفوها، وتمحو آثارها، وأن تجصيصها وتطيينها والبناء عليها

واتخاذها مساجد، وأعياداً، ومواسم، وجعل التوابيت المزخرفة المذهبة، والستور

المزركشة الموشاة، وتبخيرها واتخاذ السرج عليها، والحج لها والعكوف عندها،

والطواف بها، وتقبيلها والتسمح بها وأخذ ترابها للاستشفاء، والنذر لها، وتقريب

القرابين لها، والإقسام على الله بأهلها؛ وغير ذلك مما يجعلها أوثانًا تعبد من دون

الله، كل ذلك بريد الكفر بل الكفر بعينه، وقد عمت البلوى بهذا الداء العضال الذي

هو أعظم أسباب شقاء المسلمين واستيلاء العدو عليهم وضرب الذالة والمسكنة

عليهم وضلالهم ضلالاً بعيدًا، حتى صار المخلوق في صدورهم أعظم من الخالق،

وصاروا أكثر توكلاً، وأخضع وأرجى للمخلوق منهم للخالق، حتى إنك إذا اتهمت

أحدهم، فسألته أن يحلف بالله ويجمع أسماءه، وصفاته يفعل ذلك بدون مبالاة ولا

خجل ولا وجل، وإذا قلت له: احلف بالشيخ فلان إن كان ممن ينتسب إلى السنة

أو بالإمام فلان إذا كان ممن ينتسب إلى الشيعة ظهرت عليه علامات الاهتمام

والرعب، وخاف أن يحلف بها كاذبًا، وبعضهم يخاف أن يحلف بالمخلوق، ولو

صادقًا، ولا يبالي أن يحلف بالملك القهار ألف مرة كاذبًا.

وكذا يتصدق لوجه المخلوق بكرائم الأموال، ولا يتصدق لله إذا سئل به بفلس،

وهذا أعظم الشرك والكفر، وهو مشاهد في العوام، وفي أكثر الخواص معلوم

بالضرورة إنكاره جحد للضروريات، ومكابرة فيها لكنه عام في الشيعة وأهل السنة

ما رأيت فرقًا بينهم في ذلك إلا أن كثيرًا من أهل السنة متجنبون لذلك متبرئون منه،

وأما الشيعة فلم أختبر خواصهم كثيرًا، ويغلب على ظني أنهم لا يجمعون على

ذلك الضلال البعيد، وهم يتلون كتاب الله ويدرسون أحاديث النبي وآثار الأئمة،

هذا ظني بهم والله أعلم.

(المقام الثامن) إنكاركم على المكاتب قوله: لا يوجد كتاب من فقههم إلا،

وفيه: لا يجوز البناء على القبور وتجديدها والسرج عليها [6]، وقولكم: إنه لم

يتعرض أحد من فقهاء الشيعة لذكر الإسراج على القبر، وذلك يقتضي أنه غير

مكروه عندهم، فادعاء المكاتب وجود ذلك في كل كتاب من فقههم بهتان عظيم،

هذا معنى كلامكم.

أقول: الذي يغلب على ظني أنكم أنتم أعلم بما في كتب الشيعة من المكاتب ،

ولو كان ذلك في كل كتاب؛ لما خفي عليكم، وعليه فظاهر كلامه غير صحيح،

لكن يمكن أن يكون قد اطلع على النهي عن الإسراج في بعض كتب الشيعة ، ولم

تطلعوا عليه أنتم، أو سهوتم عنه حين كتابتكم هذا الجواب، فظن أن ذلك موجود

في جميع كتبهم؛ فأطلق في كلامه، ولا غرابة في ذلك ، فقد يوجد في النهر ما لا

يوجد في البحر، وعلى كلٍّ؛ فالواجب عليه ألا يطلق إلا بعد تحقق وجود ذلك في

كل كتاب من فقههم.

(المقام التاسع) تشنيعكم على المنار ومكاتبه ورميه بالافتراء والتحريف

والتحامل على الشيعة والسعي في تشويه سمعتهم [7] .

أقول: أما مكاتب المنار؛ فلا أعرف حاله، وأما صاحب المنار فالذي أعتقده

فيه هو الصدق فيما ينقله، وأنه لا يتحامل على الشيعة، ولا يغضي عن عيوب

أهل السنة ويبحث عن عيوب الشيعة، بل كل من طالع المنار علم يقينًا أنه انتقد

على أهل السنة ، وأنكر عليهم أكثر مما أنكر على الشيعة، وهذه مجلدات المنار

شاهدة بذلك ، وقولكم: وكم من فرق بين بناء نفس القبر وبين القبة المبنية على

أساسات لا دخل لها بالقبر أصلاً [8] .

أقول: لو لم يرد في الأحاديث إلا النهي عن البناء على القبر؛ لخص النهي

به ، ولم يتناول القبة، أما وقد عزز الشارع النهي عن البناء بالنهي عن اتخاذ

المساجد عليها ولعن فاعل ذلك في مرضه الذي توفي فيه فواضح أن النبي صلى الله

عليه وسلم كان ينهى عن كل بناء على القبر أو حوله ويأمر بهدمه، وكذلك فعل

عليٌّ (عم) بعده وسائر الأئمة، ولم يتجرأ أحد على بناء قبة على قبر في زمانهم.

والذي أعتقده في علي عليه السلام أنه لو رأى ما يفعله الغلاة عند القباب التي

ابتدعوها لحرقهم كما حرق الغلاة، وحاشا للسلف الصالح أن يرضوا بهذه الأوثان،

وهذا الذي أعتقد وأدين الله به.

(المقام العاشر) في قولكم: قال المكاتب: وفي كتاب محمد بن يعقوب

الكليني عن سماعة قال: سألت الصادق عن زيارة القبور وبناء المساجد عليها ،

فقال: (أما زيارة القبور فلا بأس، ولا يبنى عليها مساجد) . قال النبي صلى الله

عليه وسلم: (لا تتخذوا قبري قبلة ولا مسجدًا ، فإن الله لعن اليهود حيث اتخذوا

قبور أنبيائهم مساجد) اهـ.

ثم قلتم: ولكن العجب منه أنه ذكر الحديث النبوي عقيب حديث سماعة

بصورة توهم أن الصادق (ع) استشهد به على قوله مع أن الحديث النبوي لا

وجود له في كتاب الكليني أصلاً.

نعم توجد رواية مرسلة في بعض كتب الشيعة وكيف كان؛ فليعلم أن جميع

ما جاء من بناء المساجد واتخاذها على القبور أو فيها أو عندها حسب اختلاف النقل؛

إنما يراد به النهي عن جعل نفس القبر مسجداً، أي موضعاً يسجد عليه، وليس

المراد ما هو معروف بين المسلمين من المكان الذي يصلى فيه.

أقول: فيه اعترافكم بأن الإمام الصادق (ع) أفتى بأنه لا يبنى على القبور

مساجد ، وهو صريح في المنع من بناء المساجد على القبور، ولكن تأولتموه على

أن النهي إنما هو عن جعل القبر مسجدًا أي محلاًّ للسجود لا عن بناء المسجد على

القبر؛ لأن ذلك كما قلتم: لا يتصور إلخ.

أقول: هذا تأويل بعيد جدًّا كنت أربأ بكم عن ارتكابه ويرده:

(أولاً) أن قوله: لا يبنى عليها مساجد نهي عن البناء لا عن السجود، فإن

السائل سأله عن الزيارة والبناء؛ فأثبت الزيارة ونفى البناء ، ولم يتعرض السائل

ولا المجيب للسجود على القبر ولا تشم رائحته من كلامهما، فحمل كلام الصادق

عليه من أبعد التأويل، بل هو سلب لمعنى اللفظ الذي يدل عليه دلالة مطابقة،

وتحميله معنى آخر لا علقة بينه وبينه.

(ويرده ثانيًا) أن بناء المسجد على القبر نفسه لا يتصور ولا يعقل كما قلتم،

وكذلك لا يعقل أن يريد الصادق وجده صلى الله عليه وسلم النهي عن السجود

على القبر، ويعبر عن ذلك بالنهي عن بناء المساجد على القبور، والنبي صلى الله

عليه وسلم أفصح العرب، والصادق من أفصح العرب، ولو أراد عالم اليوم أن

ينهى عن السجود على موضع فقال للمخاطب: لا تبن مسجدًا على هذا الموضع؛

لعيب عليه ذلك ، وعد غالطًا ، أو جاهلاً باللغة ، فكيف يقع ذلك من أبلغ الناس.

(ويرده ثالثًا) أنكم اعترفتم بأن أحاديث الباب وردت بألفاظ في بعضها

النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وفي بعضها النهي عن اتخاذ المساجد على القبور،

وفي بعضها النهي عن اتخاذها عندها، وفي بعضها النهي عن اتخاذها فيها ، وفي

بعضها النهي عن بناء المساجد عليها ، فهذه خمسة ألفاظ.

(اللفظ الأول) يحتمل معنيين: (أولهما) النهي على بناء المساجد عند

القبور ، كما تدل عليه بقية الألفاظ.

(والثاني) ما ذكرتم وهو اتخاذ القبور نفسها موضعًا للسجود ، ويتوجه أن

يكون دالاًّ عليهما معًا فتكون فيه فائدة زائدة على ما بعده.

(اللفظ الثاني) النهي عن اتخاذ المساجد على القبور ، هذا اللفظ واضح

المعنَى ، وهو يفسر سائر الألفاظ ويقطع النزاع لورود مثله في كتاب الله تعالى ،

وذلك قوله سبحانه: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً} (الكهف: 21) ، قال الإمام الحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير في تفسيره عند هذه

الآية ما نصه: حكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين (أحدهما) أنهم المسلمون

منهم ، (والثاني) أهل الشرك منهم ، والله أعلم.

والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ ، ولكن هل هم

محمودون في ذلك؟ فيه نظر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله اليهود

والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد) ، وقد روينا عن أمير المؤمنين

عمر رضي الله عنه أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق أمر أن يخفى على

الناس ، وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدوها عنده فيها شيء من الملاحم وغيرها

انتهى.

ولم يفهم أحد من المفسرين فيما علمت أنهم أرادوا أن يسجدوا على أجسادهم ،

أو يبنوا فوقها مسجدًا ، بل فهموا ورووا عمن قبلهم أنهم أرادوا أن يتخذوا مسجدًا

أي يبنون عند باب كهفهم تبركًا بهم وتعظيمًا لهم ، وذلك مخل بالتوحيد ، ولذلك

رجح الحافظ ابن كثير أنهم مذمومون على ذلك، ويظهر لي أن الذين غلبوا على

أمرهم هم أهل الشرك؛ لأن أهل التوحيد لا يتخذون المساجد عند قبور الأنبياء

والصالحين؛ لأن الله حرم ذلك ، ولعن فاعله على لسان نبيه.

وهذا من دقة نظر الإمام ابن كثير وسعة اطلاعه وجمعه بين الكتاب والسنة ،

وقد اتضح أن المراد بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ المساجد على القبور

هو بناؤها حولهم أو بالقرب منهم خوفًا عليهم من الفتنة والوقوع في الشرك كما وقع

للذين من قبلنا ، وقد اتبع سننهم من أراد الله فتنته من هذه الأمة؛ فوقعوا في مثل ما

وقع فيه من قبلهم من الشرك، ومن تأول الحديث على النهي عن السجود فوق القبر؛

لزمه أن يفسر الآية بذلك ، وتأويلها بذلك ظاهر الاستحالة.

(اللفظ الثالث) النهي عن اتخاذ المساجد عند القبور ، وإذا أردنا أن نعرف

معنى هذا اللفظ على التحقيق؛ ينبغي لنا أن ننظر علام يدل لفظ (عند) في اللغة؟

قال المختار بن بونا في أرجوزته الممزوجة بألفية ابن مالك:

وعند للحضور والقرب وقد

تضم عينها وفتحها ورد

قال في حاشيتها: للحضور حسًّا أو معنى ، واجتمعا في قوله تعالى: {قَالَ

الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِراًّ عِندَهُ} (النمل: 40)، والقرب نحو {عِندَ سِدْرَةِ المُنتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ المَأْوَى} (النجم:

14-

15) انتهى.

وإذا تحقق هذا؛ فكلمة عند في الحديث إما بمعنَى القرب أو الحضور ، وكلا

المعنيين موجود في القباب والمشاهد المبنية حول القبر أو بقربه فهي داخلة في النهي ،

وهذا واضح لا يحتمل التأويل.

(اللفظ الرابع) النهي عن اتخاذ المساجد في القبور هو بمعنى اللفظ الثاني؛

لأن (في) فيه بمعنى (على)، كما في قوله تعالى: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ

النَّخْلِ} (طه: 71) ، وتقدم بيانه.

(واللفظ الخامس) النهي عن بناء المساجد على القبور ، وهو بمعنى اللفظ

الثاني سواء؛ لأن المراد باتخاذ المساجد عليها بناؤها عليها.

فتضافرت الألفاظ الخمسة على معنى واحد ، وهو النهي عن بناء المساجد عند

القبور أي بحضرتها أو بقربها ، وإذا صحب البناء قصد التبرك والتعظيم؛ اشتد

تحريمه لعظم مفسدته حينئذ ، وكونه ذريعة موصلة لا محالة إلى اتخاذ قبر ذلك

النبي أو الصالح وثنًا يعبد ، كما هو واقع في غالب الأقطار التي ينتسب أهلها إلى

الإسلام، وهم عاكفون على عبادة الخشب وستور الحرير والجدران تبعًا لعبادة

المقبور فيها ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

(ويرده رابعًا) أننا لو سلمنا أن أحد الألفاظ وحده لا يدل على تحريم بناء

القباب على القبور؛ لكانت الألفاظ بمجموعها دالة أوضح دلالة على ذلك ، ومن

عرف المعنى الذي لأجله خص النبي صلى الله عليه وسلم قبور الأنبياء والصالحين

بالذكر دون سواهم ، وإن كان داخلا في النهي؛ علم يقينًا أن هذه القباب المشيدة

المزخرفة بأنواع الزخارف على قبور الأنبياء والصالحين وغير الصالحين شر على

الإسلام مِنْ سقم على بدن، وعرف مقدار حماية النبي صلى الله عليه وسلم لجانب

التوحيد إن في ذلك لآيات لقوم يفقهون.

(له بقية)

((يتبع بمقال تالٍ))

_________

(1)

هو في ص 350 و 351 من الجزء الماضي.

(2)

ص 352 أيضًا.

(3)

(ص 353) .

(4)

(ص 353) .

(5)

يعني ولا تجديدها ولا وضع السرج عليها - راجع آخر ص 353.

(6)

راجع ص 354.

(7)

ص 345.

(8)

ص 355.

ص: 439