الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبناء على ما تقدم يتعين على الإمام الذي لا يريدونه إماما لهم إن كان كره الجماعة لإمامته لسبب وجيه أن يعمل جاهدا على التخلص من هذا السبب، بتصحيح وضعه، وإزالة أسباب البغض له، لكي يؤدي رسالته، ويقوم بعمله على الوجه الصحيح.
وقد رأينا من كره الناس إمامته لأسباب وجيهة وهو غير مكترث بذلك مع ما بذل له من النصح إلا أنه أصر وعاند فمقته الناس، وربما صار فتنة للقوم الظالمين، وربما هجر المصلون حتى الذين فيهم خير وصلاح الصلاة في مسجده، وفي هذا من المفاسد ما لا يصح إغفاله وتجاهله، ولو قدر المسئولية حق قدرها لما وقع في مثل هذه الحال؛ لأنه إما أن يصحح وضعه بإزالة أسباب البغض الوجيهة سواء في أدائه لهذا العمل، أو في سلوكه خارج العمل، وإما أن يسلم العمل إلى من هو أفضل منه وأولى به، والله أعلم.
[ثانيا مسئولية الإمام العالم]
ثانيا: مسئولية الإمام العالم إن ما أشرت إليه سابقا هو قدر مشترك من المسئولية التي يشعر بها كل إمام لبيب ويحس بها كل عاقل فطن، فيولي العمل اهتماما وعناية، ويحرص على أداء هذا الواجب، والقيام بهذه الأمانة مستعينا بالله، محتسبا راغبا في ثوابه ونيل مرضاته.
أما ما يلزم بعض الأئمة دون بعض فإنه يرتبط بذات الشخص، ومركزه في الناس، وبالمجتمع المحيط به الذي يحمل بعض أفراده قدرا من العلم، والثقافة والمراكز المرموقة في المجتمع.
فالإمام العالم الذي يشار إليه بالبنان، ويؤخذ عنه العلم والفتوى ويقصد مسجده جمع كبير من الناس فيهم طلاب العلم، والمثقفون، وذوو المكانة، وغيرهم، يتحمل من المسئولية قدرا أعظم ممن ليس كذلك؛ ولهذا لما قيل لعبد الملك بن مروان رحمه الله عجل بك الشيب قال: وكيف لا وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة (1) ؛ ذلك لأنه علم عظم المسئولية، وأن دور الإمام الذي على شاكلته ليس محصورا في إمامة الناس في الصلاة، وإنما هو في دور المعلم، والمربي، والمفتي، والمصلح، والمحذر من المنكر قبل أن يقع، والداعي لإزالته إذا وقع، والعامل على حل المشكلات التي تورث الخصومات (2) والملتمس لأحوال الفقراء والمساكين، وتوجيه النداءات لمساعدة المنكوبين والمصابين، وبإجمال يعيش آمال الأمة
(1) سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي 4 / 248 تحقيق شعيب الأرناؤوط ومأمون الصاغرجي.
(2)
كتب هذه الأسطر بعد الخطبة المؤثرة التي ألقاها الإمام العالم، البليغ الفاضل الذي من الله على الحرم المكي به وبأمثاله الدكتور / صالح بن عبد الله بن حميد، أمام من إمام وقف في حرقة وألم ليوجه نداء الحق، وخطاب العقل والحكمة إلى الإخوة الأفغان الذين يعانون من الخصومة فيما بينهم، ونتج عن ذلك سفك الدماء ولا حول ولا قوة إلا بالله وقد كان تاريخ الخطبة العاشر من شهر شعبان عام 1414هـ وهي مسجلة لمن أراد الوقوف عليها وفق الله هذا الإمام العالم وسائر إخوانه لما يحبه ويرضاه.
وآلامها، وتلك والله مهمة عظيمة لا يدركها إلا العظماء، من العلماء العاملين الذين هم مبعث خير، ومصابيح هداية، وأدلة طريق فهم لأخوانهم كالشمس للدنيا، والعافية للبدن كما قال الإمام أحمد في الإمام الشافعي رحمهما الله تعالى.
ومن المعلوم أن العلماء ورثة الأنبياء وهم دعاة إلى الله، يذبون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وعدوان الظالمين، وهم أهل الخشية من الله {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] وأهل الشفقة والنصح لعامة المسلمين ولأئمتهم، وهم أهل التجرد من حظوظ النفس وشهواتها، تكشف حججهم الساطعة شبهات الباطل فتدمغه فإذا هو زاهق، وتلهج ألسنتهم بالصدق عند العدوان فيضعون الأمور في مواضعها.
فإذا أنعم الله على الأمة بتولي علمائها لإمامة المساجد فتلك من نعم الله العظيمة التي تعد بإذن الله تعالى من أهم وسائل النجاة من عقوبة الله وغضبه، ونحن نرى المساجد التي تولى الإمامة فيها علماء مخلصون ناصحون ومنها المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف، وجوامع أخرى في مدن المملكة، ونلمس أثر هؤلاء الأئمة وحب الناس لهم، وإقبالهم على الحرمين الشريفين وغيرها من الجوامع التي
حظيت بالأئمة الأكفاء، لأن الناس يطمئنون للإمام العالم، ويجلسون بين يديه ليأخذوا عنه، وينهلوا من علمه، ويسترشدوا بحكمته ورأيه.
وإذا كانت رسالة العالم في الأصل عظيمة فإنها تزداد حين يتولى الإمامة، وإمامته ليست قاصرة على القيام بالخطب والمواعظ، وإنما هي تعليم في مختلف علوم الشريعة في فقه الإيمان، وفقه الأحكام، وغيرهما من علوم الغاية أو الوسيلة التي يحتاجها الناس بمختلف فئاتهم.
والإمام العالم يتولى الفتوى، ويجيب على أسئلة الناس ويعالج مشكلاتهم بأسلوب علمي رصين، ووعظي مؤثر، والعالم حين يقوم بهذا يستذكر هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان مسجده مقرا لتعليم الناس قولا وعملا، وكان أصحابه رضي الله عنهم يتحلقون حوله ليسمعوا حديثه، بل كان عليه الصلاة والسلام يعلم الناس من على المنبر ففي صحيح مسلم عن سهل بن سعد رضي الله عنه أنه قال «ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عليه فكبر وكبر الناس وراءه وهو على المنبر، ثم رفع فنزل القهقري حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته، ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي» (1) .
(1) رواه مسلم في كتاب المساجد باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة 1 / 387.
وكان صلى الله عليه وسلم يسأل أصحابه وهو يعلمهم ليشحذ أذهانهم، فتتهيأ للإصغاء لما يقول لهم، ويضرب لهم الأمثال ليقرب لهم المعاني التي يريد أن يفهمهوها، كما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم حدثوني ما هي؟ قال فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله فوقع في نفسي أنها النخلة، ثم قالوا حدثنا يا رسول الله، قال: هي النخلة» (1) .
وكان الرجل يأتيه من البادية، وهو عليه الصلاة والسلام جالس في المسجد يعلم أصحابه فيسأله عن بعض أحكام الإسلام فيعلمه، وينصرف كما في قصة ضمام بن ثعلبه التي وردت في صحيح الإمام البخاري رحمه الله (2) .
وكان صلى الله عليه وسلم يجلس لأصحابه في المسجد فيسألونه ويجيبهم، ولم يكن الأمر مقصورا على التعليم والفتوى، ولكن كان مسجده مكانا للصلح بين المتخاصمين، ولتطبيق حدود الله، وللفصل في القضايا، ولقضاء حوائج الناس ومتابعة الفقراء وإطعامهم (3) .
(1) رواه البخاري في كتاب العلم، باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم 1 / 22.
(2)
انظر صحيح البخاري 1 / 23.
(3)
انظر صحيح البخاري 1 / 121، 112 وغيرها.
وعندما يقوم العالم الإمام برسالته، ويؤدي دوره القيادي في المجتمع، وفق هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم نجد أثر ذلك واضحا في الناس، إذ المساجد جامعات عظمى يتخرج فيها العلماء العاملون، والرجال الصالحون، الذي يسيرون في الناس سيرا حسنا، وينهجون نهجا عظيما؛ لأن تعليم المساجد يختلف عن تعليم المدارس، ولقد أجاد سماحة الإمام العلامة عبد الله بن حميد رحمه الله وهو أحد الذين تخرجوا في المساجد حينما فرق بين تعليم المسجد وتعليم المدارس من وجوه فقال: الوجه الأول - أن التعليم في المسجد يكتنفه جو عبادي، يشعر المعلم فيه والمتعلم، والسامع أنهم في بيت من بيوت الله فيكونون أقرب إلى الإخلاص، والتجرد، والنية الحسنة، لا يقصدون في الغالب من التعلم والتعليم إلا وجه الله، وأهدافهم هي التفقه في الدين، وأداء العمل على وجهه الصحيح والدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله، لا يرجون من وراء ذلك مغنما ولا جاها، ولا منصبا، ولذلك تجد غزارة العلم وحفظه، وإتقانه عند كثير من علماء المسجد في أوقات قصيرة، بخلاف طلاب المدارس فإنهم - في الغالب - لا يصلون إلى مرتبة علماء المساجد في ذلك، والواقع التاريخي يشهد بذلك، فهل خرجت المدارس، والمعاهد؛ والجامعات كالأئمة والمحدثين والفقهاء والنحويين ومن شابههم؟
الفرق الثاني - أن التعليم في المساجد أشمل حيث يدخل المسجد من شاء من العلماء المؤهلين ليعلم الناس، كما أنه يدخله من شاء من المتعلمين أو المستمعين، فيستفيد في المسجد جمع غفير، العالم، والمتعلم، والمستمع على حسب ما عنده من الاستعداد والوقت بخلاف المدارس فلا يدخلها إلا عدد محدود من المعلمين والمتعلمين، ولا يؤذن لمن يريد أن يتفقه في الدين بالتردد عليها.
ولذلك اضطرت الدول في العصر الحديث إلى إيجاد مدارس لمحو الأمية، وهي شبيهة بالمدارس الأخرى، لا تفي بحاجة الناس كالمساجد، فالمساجد جامعات شعبية صالحة للمتعلمين على جميع المستويات.
الفرق الثالث - أن علماء المساجد وطلابها أقرب إلى عامة الشعوب من طلاب المدارس والجامعات، حيث تجد عامة الناس يقبلون إلى عالم المسجد وطلابه ويستفيدون منهم، كما تجد عالم المسجد وطلابه يهتمون بعامة الناس في التعليم والدعوة أكثر من غيرهم، ولا شك أن الارتباط بين طلاب العلم وجمهور الشعب له مزاياه الكثيرة في التعليم والدعوة والتوجيه (1) .
(1) انظر مجلة رسالة المسجد التي تصدرها رابطة العالم الإسلامي العدد السادس، السنة السادسة عام 1403 هـ ص 15 وما بعدها. وقد كتب الدكتور عبد الله قادري كتابا بعنوان دور المسجد في التربية وهو كتاب مهم وفيه تفصيل لما أشرت إليه لمن أراد الوقوف عليه.