الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يحصل من جراء ذلك جدل ونزاع شديد، واختلاف يصل إلى الفرقة والمخالفة ويوقع الناس في الحيرة والاضطراب، ولا يخفى ما في هذا من المفاسد.
وعندما أسائل بعض المندفعين مع العاطفة عن جدوى كلامهم الحظ الندم عند المنصف منهم، لأنه يرى ما ترتب عليه من المفسدة التي كان بالإمكان دفعها ولو فاتت بعض المصالح، فإن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.
وهذه القاعدة كثيرا ما نحتاجها في أوقات الفتن، ونزول البلاء حين تتزاحم المفاسد، وتختلط الأمور على الناس، ويفتي الراسخون من أهل العلم بارتكاب أخف الضررين، ودفع المفسدة العاجلة والله نسأل أن يقينا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن والله أعلم.
[رابعا مسئولية إمام الفروض]
رابعا: مسئولية إمام الفروض من المعلوم أن إتقان العمل مطلب شرعي في جميع الأعمال، فالله تعالى يحب من العبد إذا عمل عملا أن يتقنه، وهو في الإمامة أعظم وآكد، لأنه - كما تقدم - قد بني اختيار الإمام على الأفضلية في القراءة، وفي العلم، وفي الفضل والعمل الصالح.
يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله معقبا على حديث يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله: فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتقديم الأفضل بالعلم بالكتاب. ثم بالسنة ثم الأسبق إلى العمل الصالح، ثم بفعل الله تعالى (1) .
وعلى هذا فليس من إتقان العمل أن يتقدم للإمامة من لا يجيد قراءة الفاتحة، أو سائر السور، أو يجهل أحكام الصلاة، فربما يفسدها وهو لا يعلم، ولذلك يقول الإمام ابن حجر رحمه الله: ولا يخفى أن محل تقديم الأقرأ إنما هو من حيث يكون عارفا بما يتعين معرفته من أحوال الصلاة، فأما إذا كان جاهلا بذلك فلا يقدم اتفاقا، والسبب في ذلك أن أهل ذلك العصر - يقصد عصر النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يعرفون معاني القرآن، لكونهم أهل اللسان، فالأقرأ منهم بل القارئ كان أفقه في الدين من كثير من الفقهاء الذين جاءوا بعدهم (2) . ويبين الإمام الخطابي رحمه الله معنى السنة في الحديث فيقول: هي الفقه ومعرفة أحكام الصلاة، وما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، وبينه من أمرها، فإن الإمام إذا كان جاهلا بأحكام الصلاة، وبما يعرض فيها من سهو، ويقع من زيادة ونقصان أفسدها، أو أخرجها، فكان العالم
(1) مجموع الفتاوى 23 / 357، ويريد بالأسبق إلى العلم الصالح بنفسه (الهجرة) ويفعل الله تعالى (السن) أكبرهم سنا. والحديث سبق تخريجه.
(2)
فتح الباري 2 / 171.
بها والفقيه فيها مقدما على من لم يجمع علمها، ولم يعرف أحكامها، ومعرفة السنة وإن كانت مؤخرة في الذكر وكانت القراءة مبدوءا بذكرها، فإن الفقيه العالم بالسنة إذا كان يقرأ من القرآن يجوز به الصلاة أحق بالإمامة من الماهر بالقراءة إذا كان متخلفا عن درجته في علم الفقه ومعرفة السنة، وإنما قدم القارئ في الذكر، لأن عامة الصحابة إذا اعتبرت أحوالهم وجدت أقرأهم أفقههم (1) . وإنما سقت هذا لأبين عظم المسئولية، وإن كان قد تقرر عند أهل العلم جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، وتقديم الإمام الراتب، وأنه أولى من غيره وإن كان غيره أعلم وأفضل قال في المغني: وإمام المسجد الراتب، أولى من غيره؛ لأنه في معنى صاحب البيت والسلطان، وقد روي عن ابن عمر أنه أتى أرضا له وعندها مسجد يصلي فيه مولى لابن عمر فصلى معهم، فسألوه أن يصلي بهم فأبى وقال صاحب المسجد أحق؛ ولأنه داخل في قوله:«من زار قوما فلا يؤمهم» (2) .
وإنما خصصت إمام الفروض بهذا الكلام لأنه كثيرا ما يحصل التساهل إما من قبل من يسعى للإمامة ليتعين في هذا العمل، أو من قبل الجهة المرشحة لهذا العمل.
(1) حاشية سنن أبي داود أخذا من معالم السنن للخطابي 1 / 392.
(2)
المغني 3 / 42، 43 وانظر أيضا فتح الباري 2 / 170. وأما الحديث فتتمته وليؤمهم رجل منهم رواه أبو داود في كتاب الصلاة باب إمامة الزائر 1 / 140، والإمام أحمد في السنن 3 / 436.
وأذكر هنا بحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: «الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم ارشد الأئمة واغفر للمؤذنين» (1) .
قال في الفتح الرباني: ضامن لصلاة المأمومين لارتباط صلاتهم بصلاته فسادا وصحة، فهو الأصل وهم الفرع، ولهذا الضمان كان ثواب الأئمة أكثر ووزرهم أكثر إذا أخلوا بها (2) .
وقد اتفق العلماء على عظيم ثواب الأئمة إذا أصابوا، وأدوا هذا العمل على الوجه الصحيح، ووقوع الوزر إذا أخلوا بها، أما فساد صلاة المأموم لفساد صلاة الإمام فهي مسألة مختلف فيها، وعندما فصل الإمام ابن تيمية رحمه الله الحديث فيها وذكر الأقوال في المسألة رجح قولا ثالثا وعده أوسط الأقوال وهو أن صلاة المأموم منعقدة بصلاة الإمام، لكن إنما يسري النقص إلى صلاة المأموم مع عدم العذر منهما، فأما مع العذر فلا يسري النقص، فإذا كان الإمام يعتقد طهارته فهو معذور في الإمامة، والمأموم معذور في الائتمام قال رحمه الله وهذا قول مالك وأحمد وغيرهما وعليه يتنزل ما يؤثر عن الصحابة في هذه المسألة (3) والله أعلم.
(1) سبق تخريج الحديث.
(2)
الفتح الرباني 3 / 8.
(3)
مجموع الفتاوى 23 / 371.