الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله الله، وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعولك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بنها وبين الله حجاب» (1) .
يقول ابن حجر رحمه الله: " وأما قول الخطابي أن ذكر الصدقة أخر عن ذكر الصلاة ولأنها إنما تجب على قوم في دون قوم، وأنها لا تكرر تكرار الصلاة فهو حسن، وتمامه أن يقال بدأ بالأهم فالأهم، وذلك من التلطف في الخطاب، لأنه لو طالبهم بالجميع في أول أمره لم يأمن من النفرة (2) .
[ترجيح المصلحة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
سادسا: أن تكون المصلحة في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر راجحة. يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات أو المستحبات لا بد أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة، إذ بهذا بعثت الرسل، وأنزلت الكتب (3) .
(1) رواه البخاري في الزكالة، باب وجوب الزكاة 3 / 307، ومسلم في الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين 1 / 50.
(2)
فتح الباري 3 / 359.
(3)
انظر رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص 17.
ويقول في موضوع آخر: إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورا به، بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته (1) .
ولكنه يبين رحمه الله أن الميزان في اعتبار مقادير المصالح والمفاسد إنما يكون بميزان الشريعة فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقل أن تعوز النصوص من يكون خبيرا بها وبدلالتها على الأحكام (2) .
وقد ضرب مثالا رائعا في قضية الموازنة بين المصلحة والمفسدة وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك عبد الله بن أبي بن سلول، وأمثاله من أئمة النفاق والفجور لما لهم من أعوان ثم قال. فإزالة المنكر بنوع من عقابه مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك بغضب قومه وحميتهم، وبنفور
(1) المرجع السابق ص 20، 21.
(2)
انظر رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص 17.
الناس إذا سمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه5، ولهذا لما خطب الناس في قضية الإفك بما خطبهم به، واعتذر عنه، وقال له سعد بن معاذ قوله الذي أحسن فيه حمى له سعد بن عبادة - مع حسن إيمانه وصدقه - وتعصب لكل منهم قبيلته حتى كادت تكون فتنة (1) .
وقد تبين رحمه الله أن التعارض والاختلاط بين الحسنات والسيئات من أسباب الاختلاف العريض بين المسلمين، فقوم ينظرون إلى الحسنات فيرجحون تحصيلها وإن تضمنت سيئات عظيمة، وقوم ينظرون إلي السيئات فيرجحون تركها وإن تضمن ترك حسنات عظيمة، والمتوسطون من يقارنون بين مقدار المصلحة، ومقدار المفسدة، فينفذون ما غلب خيره وإن تضمن شرا، ويدعون ما غلب شره وإن تضمن تفويت خير قليل، وإذا التبس الأمر عليهم وقفوا حتى يتبين دون إن يلوموا غيرهم في هذه المواطن الاجتهادية التي تختلف فيها أنظار النظار (2) . وقد رأيت ضرورة التذكير بهذا لأننا نلحظ أنه عند إغفالها، أو الخطأ في تقدير الموازنة بين المصلحة والمفسدة أو بين المصلحة الراجحة والمصلحة المرجوحة، أو عند دفع أكبر المفسدتين بارتكاب أخفها
(1) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص 22.
(2)
مجموع الفتاوى 20 / 50، 75، 58 والاستقامة 2 / 216.