المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[إمامة الفاسق ومستور الحال] - مسؤولية إمام المسجد

[علي عسيري]

فهرس الكتاب

- ‌[المقدمة]

- ‌[معنى الإمامة لغة واصطلاحا]

- ‌[فضل الإمامة ومنزلة الإمام]

- ‌[صفات القائم بالإمامة]

- ‌[اختيار الإمامة مبني على الأفضلية]

- ‌[صفات وشروط تعتير الحد الأدنى لمن يقوم بالإمامة]

- ‌[صفات هي أولى ما يكون عليه الإمام]

- ‌[إمامة الفاسق ومستور الحال]

- ‌[إمامة العاجز]

- ‌[مسئولية إمامة المسجد]

- ‌[أولا القدر المشترك من المسئولية]

- ‌[لا يصح للإمام أن يفرط في مسئوليته]

- ‌[كسب قلوب الناس وجعلهم يحبون التردد على المساجد]

- ‌[تأثير الإمام في المأمومين واستماعهم لتوجيهاته]

- ‌[ثانيا مسئولية الإمام العالم]

- ‌[ثالثا مسئولية إمام الجامع]

- ‌[مسئوليته تجاه المصلين]

- ‌[مسئوليته تجاه خطبة الجمعة]

- ‌[التزام هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة]

- ‌[التزام الحكمة والموعظة الحسنة]

- ‌[مراعاة أحوال المخاطبين واختلاف مداركهم وبيئاتهم]

- ‌[اعتماده على مصادر المعرفة الإسلامية الموثقة والترفع عن الأحاديث الضعيفة والموضوعة والإسرائيليات]

- ‌[ترتيب الأولى وتقديم الأهم من الموضوعات على المهم]

- ‌[ترجيح المصلحة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]

- ‌[رابعا مسئولية إمام الفروض]

- ‌[الخاتمة]

الفصل: ‌[إمامة الفاسق ومستور الحال]

[إمامة الفاسق ومستور الحال]

إمامة الفاسق ومستور الحال والعاجز الفسق إما في الاعتقاد، وإما في الأعمال، والأول فساد في العقيدة وهذا هو المبتدع، والثاني فساد في السلوك بارتكاب كبيرة من كبائر الذنوب أو الإصرار على صغيرة من الصغائر كشرب الدخان، وحلق اللحية ونحو ذلك.

وقد اتفق العلماء على كراهة الصلاة خلف الفاسق من أي نوع من الأنواع السابقة، ولكن اختلفوا في صحة الصلاة خلفه والذي رجحه الإمام ابن تيمية رحمه الله، وأن الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع والفجور صحيحة، حيث قال: الفاسق والمبتدع صلاته في نفسه صحيحة، فإذا صلى المأموم خلفه لم تبطل صلاته، لكن إنما كره من كره الصلاة خلفه لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، ومن ذلك أن من أظهر بدعة أو فجورا لا يرتب إماما للمسلمين؛ فإنه يستحق التعزير حتى يتوب، فإذا أمكن هجره حتى يتوب كان حسنا، وإذا كان بعض الناس إذا ترك الصلاة خلفه وصلى خلفه غيره أثر ذلك حتى يتوب أو يعزل أو ينتهي الناس عن مثل ذنبه فمثل هذا إذا ترك الصلاة خلفه كان فيه مصلحة، ولم يفت المأموم جمعة ولا جماعة، وإما إذا كان ترك الصلاة يفوت المأموم الجمعة والجماعة فهنا

ص: 19

لا يترك الصلاة خلفهم إلا مبتدع مخالف للصحابة رضي الله عنهم (1) .

وقد بين رحمه الله في موضع آخر أن على ولاة الأمر ألا يرتبوا مثل هؤلاء أئمة، لكن إذا رتبوا أئمة، ولم يكن في الإمكان الصلاة خلف غيرهم فإنه يصلى خلفهم خوفا من فوات الجمعة والجماعة (2) .

فالشيخ رحمه الله يوازن بين أمرين: أحدهما عدم إمكانية الصلاة خلف غيرهم، وبهذا تفوت عليه الجمعة والجماعة، الآخر الصلاة خلف الفاسق، وبهذا تتم له الجمعة والجماعة، وهنا يرجح الشيخ ارتكاب أخف الضررين، وتفويت أعظم المفسدين.

وهذا هو ما أجاب به عثمان رضي الله عنه عندما دخل عليه عبيد الله بن عدي بن الخيار، وهو محصور فقال: إنك إمام عامة، ونزل بك ما ترى، ويصلي لنا إمام فتنة، ونتحرج، فقال: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم (3) .

(1) مجموع الفتاوى 23 / 354.

(2)

المرجع السابق 23 / 343، 356.

(3)

رواه البخاري في كتاب الأذان، باب إمامة المفتون والمبتدع 1 / 171.

ص: 20

ومن المعلوم أن هذا الإمام قد شق عصا الطاعة، وخرج على إمام المسلمين فهو إمام فتنة، وصاحب بدعة، ومع ذلك أجاز عثمان رضي الله عنه الصلاة خلفه. وابن عمر رضي الله عنهما معروف بشدة تحفظه، ومع ذلك فقد أثر عنه أنه كان يصلي خلف الخشبية والخوارج زمن ابن الزبير وهم يقتتلون، فقيل له أتصلي مع هؤلاء وبعضهم يقتل بعضا فقال: من قال حي على الصلاة أجبته، ومن قال حي على الفلاح أجبته، ومن قال حي على قتل أخيك المسلم وأخذ ماله قلت لا (1) .

ويوازن الإمام ابن تيمية رحمه الله بين أمرين أيضا: أحدهما دفع الإمام بضرر زائد على إمامته، والآخر: الصلاة خلفه، فيرى عدم جواز دفعه إذا كان يترتب على ذلك ضرر أكبر فيقول: فإذا لم يكن منع المظهر للبدعة والفجور إلا بضرر زائد على ضرر إمامته لم يجز ذلك، بل يصلى خلفه ما لا يمكنه فعلها إلا خلفه، كالجمع والأعياد إذا لم يكن هناك إمام غيره، ولهذا كان الصحابة يصلون خلف الحجاج، والمختار بن أبي عبيد الثقفي وغيرهما الجمعة والجماعة، فإن تفويتها الجمعة والجماعة أعظم فسادا من الاقتداء فيهما بإمام فاجر، لا سيما

(1) رواه البيهقي في كتاب الصلاة، باب الصلاة خلف من لا يحمد فعله 3 / 122.

ص: 21

إذا كان التخلف عنهما لا يدفع فجوره فيبقى ترك المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة، ولهذا كان التاركون للجمعة والجماعات خلف أئمة الجور مطلقا معدودين عند السلف والأئمة من أهل البدع (1) .

أما الفاسق من جهة الأعمال فالذي أفتى به سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله، وقد أفتى بذلك أيضا سماحة الشيخ عبد الله بن حميد رحمه الله، أن الصلاة خلفه صحيحة إن شاء الله، مع ملاحظة أنه لا ينبغي أن يصلى خلفه إذا وجد من هو أمثل منه، وقد أشار الشيخ عبد المحسن المنيف إلى هذه الفتوى في كتابه أحكام الإمامة والائتمام في الصلاة، وذكر هذا القول عن أبي حنيفة، ورواية عن مالك اختارها كثير من متأخري المالكية، وهو مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد رحمهم الله جميعا (2) .

وقد استدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه: «كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها قال قلت: فما تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة» (3) .

(1) مجموع الفتاوى 23 / 342.

(2)

لمزيد من التوسع في هذه المسألة، راجع كتاب أحكام الإمامة والائتمام في الصلاة ص 80.

(3)

رواه مسلم في كتاب المساجد، باب كراهية تأخير الصلاة عن وقتها. . ج1 ص 448.

ص: 22