الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإنهم لا أجر لهم فى الآخرة، إذ قد استوفوا أجرهم كله فى الدنيا، التي عملوا لها، ولم يعملوا للآخرة شيئا، لأنهم لا يؤمنون بها.
الآيات: (58- 62)[سورة يوسف (12) : الآيات 58 الى 62]
وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ (60) قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ (61) وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62)
. التفسير:
ومضى الزّمن يطوى الأيام والسنين، ووقعت مجاعة فى أرض كنعان التي كان يعيش فيها يعقوب وأبناؤه.. وكانت مصر قد أخذت لمثل هذه الحال أهبتها، منذ صار أمرها إلى يد يوسف، فبعث يعقوب بنيه إلى مصر ببضاعة يبيعونها فى مصر، ويشترون بثمنها حاجتهم من الطعام..
وفى كلمة «جاء» مع حرف الواو قبلها، ما يشعر بطول الزمن وامتداده، بين فراق يوسف لأهله، واتجاههم إليه فى هذه الرحلة، كما يشعر بطول الرحلة التي قطعوها من كنعان إلى مصر..
«فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ» .. لقد عرفهم ولم يعرفوه، لأنه كان صغيرا يوم ألقوا به فى غيابة الجبّ.. وقد كبر، فتغيرت ملامحه، كما أنّه كان فى حال من الأبهة والسلطان، وما يحفّ به من خدم وحرس، وما يتزيّا به من حلل، وما يتوّج به رأسه من حلى وجواهر- كل ذلك كان مما يخفى على أقرب المقربين إليه من أهله أمره، حتى لو كان عهده به فى كنعان يوما أو بعض يوم! فكيف وقد مضت سنون؟ وكيف وليس فى تصور إخوته ولا فى خيالهم أن يكون يوسف فى مصر، أو أن يكون له هذا السلطان الذي كان عهد الناس به يومذاك، إنه ميراث، ينتقل من الآباء إلى الأبناء..!
ولمّا جهزهم بجهازهم: أي حين أعطاهم الكيل الذي يكال لهم ببضاعتهم التي معهم.
خير المنزلين: أي خير من يكرم النازلين به، ويحفظهم فى أنفسهم وأموالهم، بما يوفر لهم من أسباب الأمن والراحة.
وليس هذا المطلب الذي طلبه يوسف من إخوته قد وقع ابتداء، بل لا بد أن يكون قد جرت بينه وبينهم أحاديث، أراهم منها أنه يجهلهم، كى يتمّ التدبير الذي دبره، وهو أن يحضروا أخاهم من أبيهم، وقد عرف من هذه الأحاديث
أنهم إخوة لأب، وأنهم كانوا اثنى عشر أخا، تخلّف أحدهم، وهو أخوهم من أبيهم، وفقد الأخ الآخر صغيرا.. فهم الآن أحد عشر أخا.. عشرة عنده، وواحد عند أبيه! ولأمر ما طلب يوسف أن يأتوه فى المرّة الثانية بهذا الأخ الذي خلّفوه وراءهم، ليأخذ حظه من الكيل مثلهم، وقد أغراهم بهذا، بقوله:«أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ؟» أي ألا ترون أنى أعطى كل ذى حق حقّه، ولا أبخس الناس أشياءهم، وأنى أنزلهم منازلهم، وأوفر لهم أسباب الأمن والراحة؟ .. ثم تهدّدهم بعد هذا بقوله:
«فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ» ..
أي إن لم تأتونى بأخيكم هذا، فلا كيل لكم عندى، أي لا أكيل لكم شيئا بعد هذا، إذا جئتم تطلبون كيلا جديدا..
«قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ» ..
سنراود عنه أباه: أي سنحتال عليه فى طلبه، ونترفق به فى هذا الطلب، والمراودة استدعاء للإرادة، واسترضاء لها بقبول ما يراد.. ولقد فهم «يوسف» من هذا أنّهم على خوف وإشفاق أن يطلبوا من أبيهم هذا الطلب الذي يبدو غريبا، لا مسوّغ له، كما أدركوا هم أن يوسف يشكّ فى قولهم هذا:«سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ» وأنهم إنما قالوا هذا القول عن يأس من تحققه، فأكّدوا له ذلك بقولهم «وَإِنَّا لَفاعِلُونَ» .. أي لقادرون على أن نحمل أبانا، بحسن حيلتنا، على أن يجيبنا إلى هذا الطلب «وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» .