الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكذب مقصور عليهم وحدهم، من دون الناس جميعا.. فهم أصل فى الكذب والافتراء، ومن سواهم تبع لهم، يقتدى بهم، ويتعلق بأذيالهم..
الآيات: (106- 111)[سورة النحل (16) : الآيات 106 الى 111]
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (106) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (107) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (108) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (109) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110)
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (111)
التفسير:
فى هذه الآية أمور:
أولا: مناسبتها لما قبلها.. فقد ذكرت الآيات السابقة، موقفا من تلك
المواقف اللئيمة، التي كان يقفها المشركون من النبىّ.. وهذا الموقف هو اتهامهم للنبىّ، بأنه افترى على الله هذا القرآن الذي جاءهم به، وأنه إنما تلقى هذا القرآن من أحد علماء أهل الكتاب.. ولهذا كان تكذيبهم له، وتصدّيهم لدعوته، وتطاولهم عليه وعلى من آمن به، بالضرّ والأذى.. وقد امتحن كثير من المؤمنين فى أنفسهم.. كبلال، وعمّار بن ياسر، وأبيه وأمه، حتى لقد مات بعضهم تحت وطأة العذاب الذي كان المشركون يرمونهم به، فى غير رحمة أو مبالاة! وفى مواجهة هذا البلاء الذي استمر بضع سنوات، لم يكن أمام المسلمين إلا أن يهاجروا، وأن يوطنوا أنفسهم على استقبال الأذى، والصبر على المكروه حتى الموت.
وقد هاجر كثير من القادرين على الهجرة.. الذين يملكون أمر أنفسهم..
وتخلف كثيرون، لم يكن أمرهم إلى أيديهم، إذ كانوا فى جملة العبيد والإماء..
أو تحت حكم العجز والمرض.. ونحو هذا..
وفى المتخلفين من صبر حتى مات تحت وطأة البلاء، مثل سميّة أم عمار بن ياسر، ومنهم من رأى أن يرى المشركين منه، أنّه قد استجاب لهم، ورجع عن الدين الذي آمن به على يد محمد- فأعطاهم بلسانه ما لم يسمح به قلبه، الذي ظلّ على إيمانه بالله، وولائه للدّين الذي دخل فيه.. ومنهم من أعطى المشركين بقلبه ما أعطاهم بلسانه.. فعاد كافرا.. ودخل فى الكفر فى غير تحرّج أو تأثّم، بل اطمأن إليه، وشرح صدره له! ولا شك أن هذه حال أثارت البلبلة والاضطراب فى نفوس المسلمين، وخاصة أولئك الذين انعقدت قلوبهم على الإيمان، وإن صرحت ألسنتهم بالشرك، تقيّة، تحت حكم القهر والاضطرار.. فهم- والحال كذلك-
يعانون من صراع حاد، بين ظاهرهم هذا الذين يعيشون به فى الناس، وبين باطنهم الذي يعيشون فيه مع دينهم الذي أمسكوا به فى قلوبهم.. فكان من رحمة الله بالمؤمنين أن تقبّل ما فى قلوبهم، وتجاوز لهم عما قالوا بأفواههم.
- فقال تعالى: «مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ» .. فهذا الاستثناء يخرج من أكره، فقال كلمة الكفر بلسانه، واحتفظ فى قلبه بالإيمان الذي انعقد عليه.. ويلاحظ هنا أنه لم يتقرر فى الآية حكم لأولئك المستثنين من الكفر، بل تركوا هكذا، بمعزل من الكافرين، الذين عادوا إلى الكفر بأفواههم وبقلوبهم جميعا.. وهذا يعنى أن «التقيّة» وإن كانت بابا من أبواب التيسير والرحمة بالمؤمنين، إلا أنها باب محفوف بالمخاطر، لا يدخله الإنسان إلا على حذر وإشفاق، وإلا ريثما يمسك نفسه من التّلف.. فإن هذه حال لا ينبغى أن يركن إليها المؤمن، أو يطمئن إلى مقامه فيها.. إذ هو يلبس فيها ثوب النفاق ظاهرا.. ولا يجتمع إيمان ونفاق أبدا..
روى أن المشركين من قريش أرادوا عمار بن ياسر، وأباه ياسرا وأمّه سميّة، على الكفر بعد أن أسلموا، وأخذوهم بالبأساء والضراء، فأبوا، فربطوا سميّة، بين بعيرين ثم وجئت بحربة فى قبلها، وقالوا إنما أسلمت من أجل الرجال، فماتت، ومات ياسر قتيلا كذلك، فكانا أول قتيلين فى الإسلام، أما عمار فأعطى المشركين بلسانه ما أكرهوه عليه، فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن عمارا كفر!! فقال- صلى الله عليه وسلم «كلا. إن عمّارا ملىء إيمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه!!» وروى أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين، فقال لأحدهما ما تقول فى محمد؟
قال: «رسول الله» فما تقول فىّ؟ قال: وأنت أيضا..! فخلّى سبيله.. ثم قال للآخر: ما تقول فى محمد؟ قال: «رسول الله» قال: فما تقول فىّ؟ قال: أنا
أصمّ! فقتله.. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال: «أما الأول فقد أخذ برخصة الله تعالى، وأما الثاني فقد صدع بالحق.. فهنيئا له» .
وثانيا: هذا النظم الذي جاءت عليه الآية الكريمة..
فقد جاء نظم الآية على غير مألوف اللغة، حيث جاء الشرط:«مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ» ولم يذكر له جواب.. ثم دخل على هذا الشرط الاستثناء:
«إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ» ثم لم يذكر لهذا الشرط والاستثناء الوارد عليه جواب.. ثم ورد هذا الاستدراك: «وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ» - محمّلا بشرط، وجواب..
أما الشرط، فهو الشرط السابق موصوفا بمفهوم المخالفة للاستثناء الوارد على هذا الشرط، وأما الجواب، فهو الجواب الذي يصلح للشرطين معا.. ولكنه اتجه إلى الشرط الثاني، بعد أن وقع الاستثناء على الشرط الأول.. والتقدير: من كفر بالله من بعد إيمانه شارحا بالكفر صدره فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم.. إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان..
هذا ما يدل عليه مفهوم الآية الكريمة، وإن جاء نظمها على هذا الأسلوب الذي تراه!! والسؤال هنا هو: ماذا وراء هذا النظم الذي جاء على غير مألوف اللغة؟
والجواب- والله أعلم- هو أن تلك الحال التي تعرضها الآية الكريمة من أحوال المؤمنين، حين يمتحنون فى دينهم، ويتعرضون للفتنة فى عقيدتهم- هذه الحال ليست من الأحوال المألوفة للإنسان، بحيث يروض نفسه عليها، ويوطنها على احتمال مكروهها.. وإنما هى تجربة قاسية يلقاها الإنسان مرة واحدة فى حياته، حين تحمله البلوى على أن يتبدّل دينا بدين، وعقيدة بعقيدة، ولو كان ذلك فى ظاهر أمره، وعلى ما يرى الناس منه.. فليس الدين ثوبا يلبسه الإنسان زمنا حتى إذا يلى خلعه، واستبدل به غيره.. وإنما هو أشبه بجلد
الإنسان، وبالصبغة التي صبغه الله عليها.. فهو لون واحد لا يتغير، ولا يتبدل! هى تجربة قاسية إذن، تلك التجربة التي يخرج فيها الإنسان عن دينه، ولو ظاهرا، تحت حكم القهر والتسلط.. حيث يعالج الإنسان فى كيانه الداخلى صراعا صارخا، تتمزق معه مشاعره، وتتصدع به وحدة بنائه الفكرى، وإذا هو فى تيه، لا يطلع عليه من آفاقه، إلا ما يزعجه ويؤرقه..
ومن هنا جاء النظم القرآنى فى الآية الكريمة على هذا الأسلوب، الذي يمسك بتلك المشاعر المضطربة، ويصور تلك النفوس القلقة المذعورة، التي انعقدت فى سمائها سحب متراكمة، ترمى برعودها، وبروقها، وصواعقها، فى غير مهل أو انقطاع..
وهكذا يحكى النظم القرآنى بموسيقى ألفاظه، ما تحدّث عنه الألفاظ بدلالة معانيها، فيقع المعنى فى النفس موقعا متمكنا، حيث يدخل عليها مصوّرا، مجسدا..
قوله تعالى: «ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ» .
الإشارة هنا إلى هذا الوعيد الذي توعد الله به سبحانه، أولئك الذين كفروا بعد إيمانهم، وعادوا إلى الكفر الذي كانوا فيه، وأنسوا إليه كما يأنس الغريب بلقاء أهله، بعد غيبة وفراق، فلم يقع فى نفوسهم وحشة للكفر، ولا تكرّه له.
فهذا الغضب الذي صبّه الله عليهم، وهذا العذاب العظيم الذي أعده لهم، إنما هو بسبب أنهم استحبّوا الحياة الدنيا على الآخرة، وآثروا العافية مع
الكفر، على البلاء مع الإيمان..! «فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ» .
والإيمان- فى حقيقته- هو ابتلاء، وأقلّ ما يبتلى به المؤمن، هو التكاليف الشرعية التي تحملها أوامر الدين ونواهيه.. ثم فوق هذا ضروب من الابتلاء، فى هذا الصراع الذي يكون بين الإيمان والكفر، وبين الحق والباطل، قد ينتهى آخر الأمر إلى الاستشهاد فى سبيل الله! وفى هذا يقول الحق جل وعلا:«الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ» (1- 3: العنكبوت) .
- وفى قوله تعالى: «وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ» إشارة إلى سبب آخر من أسباب وقوع الكافرين تحت طائلة هذا الوعيد، وهو أنهم من جبلّة مظلمة، لا تقبل النور، ولا تتهدّى إليه.. فكان أن أضلهم الله، وتركهم فى ظلمات يعمهون.
قوله تعالى: «أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ» .
الإشارة «بأولئك» واردة على هؤلاء الكافرين الذين وصفهم الله سبحانه وتعالى فى الآية السابقة، بأنهم استحبّوا الحياة الدنيا على الآخرة، وبأنهم حرموا من هداية الله وتوفيقه، لما انعقدت عليه قلوبهم من ظلام وضلال.. إذ قد طبع الله على قلوبهم، وختم عليها بخاتم الكفر، فلا تقبل إيمانا، ولا تطمئن إليه.. كما ختم الله على سمعهم، فلا يسمعون كلمة الحق، ولا يستجيبون لها، وختم على أبصارهم، فلا يبصرون مواقع الهدى، ولا يتجهون إليها.. فكانوا فى غفلة مطبقة، عن كل ما يصلهم بالحق، أو يلفتهم إليه.
قوله تعالى: «لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ» .. هو تعقيب على هذا العرض الكاشف لأولئك الذين كفروا، وعموا عن الهدى، وصمّوا عن الداعي الذي يدعوهم إليه..
فهؤلاء لا شك فى أنهم هم الخاسرون، إذ يجيئون إلى هذا اليوم العظيم، وليس معهم غير الكفر، وحسبه جرما، أن يكون صاحبه حصب جهنم خالدا فيها أبدا.
العطف «بثم» هنا، هو عطف حدث على حدث، وموقف على موقف..
فهناك موقف للكافرين الذين لبسوا الكفر بعد أن دخلوا فى دين الله، ونكصوا على أعقابهم لأول مسّة مستهم من أذى فى سبيل الله.. وهنا موقف لأولئك الذين لبسوا الكفر ظاهرا، واستبطنوا الإيمان.. تقية من تلف النفس، وفرارا من وطأة البلاء.
وفرق كبير بين هؤلاء، وأولئك.. ولهذا جاء العطف بالحرف «ثمّ» ، الذي يشير إلى هذا الفاصل المعنوي الشاسع، الذي يفصل بين الفريقين..
فأولئك كافرون.. وهؤلاء مؤمنون.. وما أبعد ما بين الكافرين والمؤمنين:
«لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ» .
وفى قوله تعالى: «رَبَّكَ» بإضافة النبي الكريم إلى ربه الكريم، مزيد من الفضل والإحسان إلى رسول الله من ربه، الذي يضيفه إليه، ويدعوه إلى ساحة كرمه وإحسانه، وقد كررت هذه الدعوة، فكانت إحسانا إلى إحسان، ولطفا إلى لطف، وحقّ للنبى الكريم بهذا الإحسان أن ينزل من ربه هذه المنزلة التي لا تعلوها منزلة لبشر.. وكيف والله سبحانه وتعالى يقول له:
(113: النساء) . ويقول له: «وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى» .
- وقوله تعالى: «ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا» .. هو تطمين لقلوب أولئك الذين فتنوا فى دينهم، وأعطوا كلمة الكفر بألسنتهم، ولم يعطوا من الإيمان الذي انعقدت عليه قلوبهم شيئا..
فهؤلاء قد كشفوا عن حقيقة إيمانهم بهذا السلوك الطيب، الذي أخذوا فيه طريقهم مع المؤمنين.. فهاجروا مع المهاجرين، وجاهدوا مع المجاهدين، وصبروا على ما لقيهم من بلاء وشدة فى مواقف الجهاد. فوطّنوا أنفسهم على الموت فى سبيل الله، دون أن تحدثهم أنفسهم بالفرار من وجه العدو.. فهؤلاء يغفر الله لهم ما كان منهم، ويقبلهم فى عباده المؤمنين، المهاجرين، المجاهدين..
وفى العطف «بثم» فوق أنه عزل للذين أعطوا كلمة الكفر بألسنتهم وقلوبهم مطمئنة بالإيمان، عن أولئك الذين شرحوا بالكفر صدرا- كما أشرنا إلى ذلك من قبل- فيه إشارة إلى أن مغفرة الله لم تجئهم إلا بعد تراخ، وإبطاء، حتى لقد كادت لا تلحقهم، وفى هذا ما يلقى ظلالا معتمة على التقية، وأنه لا يلجأ إليها المؤمن إلا عند الضرورة القصوى.
- وفى قوله تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ» إشارة إلى المغفرة التي عاد الله سبحانه وتعالى بها على أولئك المفتونين، بعد أن هاجروا، وجاهدوا وصبروا.. فقد رحمهم الله، وغفر لهم، وأدخلهم فى عباده المؤمنين..
والضمير فى قوله تعالى: «مِنْ بَعْدِها» يعود إلى تلك الحال التي تلبّس بها المفتونون حين فتنوا فى دينهم، وأعطوا كلمة الكفر بأفواههم..
وفى عودة الضمير إلى تلك الحالة دون ذكرها، إشارة إلى أنها شىء بغيض لا يذكر فى هذا المقام، الذي لبس فيه أولئك المفتونون ثوب الإيمان ظاهرا
وباطنا، والذي شملتهم فيه رحمة الله ومغفرته.. فكان من تمام تلك النعمة التي أنعم الله بها عليهم ألا يذكّروا فى هذا المقام بما يسوءهم، وألا تمسّ مشاعرهم ذكريات هذا الماضي البغيض، الذي انسلخوا منه وفارقوه.. ثم كان من الحقّ أن يدفن هذا المنكر، وألا يرى المؤمنون له وجها أبدا..
قوله تعالى: «يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ» .
هو تذكير بهذا اليوم العظيم، يوم القيامة، حيث يحاول كل إنسان جهده أن يدفع عن نفسه شرّ هذا اليوم، فيتعلّق بكلّ ما يظن أنه مغن عنه شيئا فى هذا الكرب العظيم، وحيث يكون الإنسان أكثر ما يكون حاجة إلى مغفرة الله ورحمته.. فإذا ذكر الإنسان هذا اليوم فى دنياه، وذكر ما يستقبل الناس فيه من أهوال، ثم ذكر رحمة الله، ومغفرته، اللتين ينالهما المتقون من عباده، ويستظل بظلمها المؤمنون الذين يخشون ربّهم بالغيب- إذا ذكر الإنسان ذلك كلّه، كان فى ذلك ما يشدّ عزمه ويقوّى يقينه، ويمسك به على طريق الإيمان، وإن مسّه الضرّ، وأصابه المكروه..
- فقوله تعالى: «يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ» متعلق بقوله تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ» .. أي إن مغفرة الله ورحمته يتجليان فى هذا اليوم، يوم تأتى كل نفس تجادل عن نفسها.. وليس هذا بالذي يقصر تجلّى رحمة الله ومغفرته على هذا اليوم، إذ رحمة الله ومغفرته لا يحدهما زمان، ولا يحصرهما مكان.. ولكنّ الإشارة إليهما فى هذا الظرف، إشارة إلى شدة الحاجة إليهما فيه، وأنه إذا كان الإنسان فى حاجة دائمة إلى مغفرة الله ورحمته، فإنه فى هذا اليوم أكثر ما يكون طلبا لهما، واحتياجا إليهما..