الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ابن الخطيب في نظر بعض المؤرخين والمستشرقين
قضى الوزير الفذ، والمفكر العظيم، والمؤرخ الكبير، والموسوعة العلمية، على هذا النحو، ضحية الأحقاد والأضغان، وبالرغم مما أثير حول الرجل إبان محنته من موجة عارمة بالسخط، فان هذه الموجة لم يطل أمدها، إذ كانت مغرضة عارية من ثوب الحقيقة، يدل على هذا ما رأيناه من المؤرخين القدامى، الذين انبرت أقلامهم لانصافه، واحلاله المكانة اللائقة به بين رجال التاريخ، ونخص من المؤرخين أولئك الذين قربوا من عهده؛ فابن خلدون صديقه القديم يسجل أولا أنه «هو الهالك لهذا العهد، شهيدا بسعاية أعدائه «14» ،» ثم يورد- فى مقام آخر- أنه «شاعر الأندلس والمغرب فى عصره» ، كما يشهد له فى ميدان الشعر والنثر بقوله:«وامتلأ حوض السلطان من نظمه ونثره، مع انتقاء الجيد منه، وبلغ فى الشعر والترسل، حيث لا يجارى فيهما، وامتدح السلطان أبا الحجاج من ملوك بنى الأحمر، وملأ الدولة بمدايحه، وانتشرت فى الآفاق قدماه» ، ويتحدث ابن خلدون كذلك عن رسائل ابن الخطيب السلطانية بقوله:«وصدرت عنه غرائب من الترسل فى مكاتبة جيرانهم (ملوك بنى الأحمر) من ملوك العدوة» .
وحقا لقد خلف ابن الخطيب من هذه الرسائل روائع، تعد نموذجا رفيعا، لما بلغه قلم الرجل من شأو فى فن النثر الوزارى السياسى خاصة،
سواء- من هذه الرسائل- ما بعث به على لسان سلطانه الى ملوك المغرب أو ملوك النصارى، أو سلاطين مصر؛ فبين أيدينا الكثير الجمّ، ويعتبر كتابه «ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب» مجلدا ضخما لألوان نثر ابن الخطيب المختلفة، ما بين أغراض سلطانية، الى رسائل اخوانية، الى أوصاف حربية لمعارك دارت رحاها على أيامه.
أما المقرى فقد جمع فى مؤلفه «نفح الطيب» معظم آثار ابن الخطيب.
وما كان له من أخبار فى الفترة التى عاشها بالأندلس والمغرب، ويكاد يكون معظم هذا السفر الضخم وقفا على ابن الخطيب، حتى أنه قرن اسم الكتاب به.
وقد أشاد المقرى فى أكثر من موضع- من كتابه هذا- بوزيرنا، فيقول عنه مثلا:«اذ هو فارس النظم والنثر فى ذلك العصر، والمنفرد بالسبق فى تلك الميادين بأداة الحصر «15» » .
وفى مجال العلوم والآداب بألوانها هو «امام هذه الفنون، المحقق لذوى الآمال والظنون، المستخرج من بحار البلاغة درها المكنون، وله اليد الطولى فى العلوم على اختلاف أجناسها، والألفاظ الرائعة التى تزيح وحشة الأنفس بايناسها «16» » .
وبالجملة، فالمقرى يرى أن ابن الخطيب «قد قصرت ألسن البلغاء عن علاه، وزانت صدور الدواوين حلاه، وجمع خلالا حسانا، وكان للدين لسانا «17» » .
أما الأمير «أبو الوليد اسماعيل ابن الأحمر» ، معاصر ابن الخطيب، فيسجل فى كتابه «نثير فرائد الجمان، فيمن ضمنى واياهم الزمان» مواهب
كذلك يبدى النقاد الأجانب اعجابهم وتقديرهم لابن الخطيب، وينوّهون فى كثير من المناسبات بمنزلة الرجل العلمية والأدبية، وما زالت آثاره محل دراستهم المستفيضة، معينا لا يغيض، ومنهلا بالمعارف يفيض.
وفى طليعة هؤلاء النقاد الأجانب المستشرق الأسبانى (سيمونيت (Simonet حيث يقول: «ان ابن الخطيب قد خلّف لنا آثارا كثيرة، فى النثر والشعر، والتاريخ، والجغرافيا، والرحلات، والبلاغة، والشريعة، والعلوم، والأخلاق، والدين، والنبات، والطب والبيطرة، والموسيقى، والفن الحربى، والسياسة، وكلها غنية فى الابتكار والتعمق والرشاقة «19» » .
وبهذه المناسبة نذكر أن المستشرق «سيمونيت» تناول بالتحقيق والترجمة المدن الأندلسية التى وصفها ابن الخطيب فى كتابه «معيار الاختيار، فى ذكر المعاهد والديار» موضوع هذا الكتاب- كما أسلفنا فى المقدمة- على نحو ما سنفصل القول عنه فى الباب الثالث، عند حديثنا عن قيمة مؤلفه هذا من الناحيتين التاريخية والأدبية.
هذا، ويكفينا فى هذا العرض الموجز للتعريف بابن الخطيب أن نقتصر على آراء هؤلاء المؤرخين وبعض المستشرقين كشهادة صادقة للرجل الذي دخل دخل التاريخ من أوسع أبوابه، وإن هذه الشهادة من أمثال هؤلاء لفى غنى منا عن التعليق، فقد استقاها أصحابها من واقع مؤلفاته العديدة، أبلغ حجة، وأوضح بيان، وأقوى برهان، على مدى ما بلغه ابن الخطيب من شهرة سمت الى الأوج، لما تمتع به من عقلية فذة ذات آراء نافذة.
الفصل الثاني تراثه الفكري