الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة ص (38) : الآيات 1 الى 11]
بسم الله الرحمن الرحيم
ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (2) كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (3) وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (4)
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (5) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (6) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَاّ اخْتِلاقٌ (7) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (8) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9)
أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (10) جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (11)
سورة «ص» من السور القرآنية التي افتتحت ببعض حروف التهجي، وقد سبق أن بينا بشيء من التفصيل آراء العلماء في هذه المسألة، عند تفسيرنا لسورة البقرة، وآل عمران، والأعراف. ويونس..
وقلنا ما خلاصته: لعل أقرب الأقوال إلى الصواب، أن هذه الحروف المقطعة قد وردت في بعض السور القرآنية على سبيل الإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن.
فكأن الله- تعالى- يقول لأولئك المعارضين في أن القرآن من عند الله هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام من جنس ما تؤلفون منه كلامكم، ومنظوما من حروف هي من جنس الحروف الهجائية التي تنظمون منها حروفكم.
فإن كنتم في شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله، وادعوا من شئتم من الخلق لكي يعاونكم في ذلك، أو في الإتيان بعشر سور من مثله، أو بسورة واحدة من مثله.
فعجزوا وانقلبوا خاسرين. وثبت أن هذا القرآن من عند الله- تعالى-.
والواو في قوله- تعالى-: وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ للقسم. والمقسم به القرآن الكريم. وجواب القسم محذوف، لدلالة ما بعده عليه.
والذكر، يطلق على الشرف ونباهة الشأن، يقال فلان مذكور، أى: صاحب شرف ونباهة. ومنه قوله- تعالى-: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ.
ويطلق وبراد به التذكير على أنه مصدر، لأن القرآن مشتمل على المواعظ والأحكام وقصص الأنبياء. وغير ذلك مما يسعد الناس في دينهم ودنياهم.
وهذان الإطلاقان ينطبقان على القرآن الكريم، فيكون المعنى: وحق القرآن الكريم ذي الشرف العظيم، وذي التذكير الحكيم المشتمل على ما ينفع الناس في دنياهم وآخرتهم..
إنك- أيها الرسول الكريم- لصادق في كل ما تبلغه عن ربك ولم يصدر منك إطلاقا ما يخالف الحق الذي أمرناك بتبليغه للناس.
قال بعض العلماء ما ملخصه: اعلم أنهم اختلفوا في تعيين الشيء الذي أقسم الله- تعالى- عليه في قوله: وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ.
فقال بعضهم إن المقسم عليه مذكور، وهو قوله- تعالى-: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ أو قوله- تعالى-: إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ أو قوله- تعالى-: كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ..
والحق أن القول بأن المقسم عليه مذكور ظاهر السقوط.
وقال آخرون إن المقسم عليه محذوف، واختلفوا في تقديره، فقال صاحب الكشاف:
التقدير: «والقرآن ذي الذكر» إنه لمعجز. وقدره ابن عطية فقال: والتقدير: والقرآن ذي الذكر ليس الأمر كما يقول الكفار.. «1» .
(1) راجع تفسير أضواء البيان ج 7 ص 8 الشيخ محمد الأمين الشنقيطى.
وقوله- تعالى-: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ انتقال من القسم والمقسم به، إلى بيان حال الكفار وما هم عليه من غرور وعناد.
والمراد بالعزة هنا: الحمية والاستكبار عن اتباع الحق، كما في قوله- تعالى-: وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ «1» .
وليس المراد بها القهر والغلبة كما في قوله- تعالى-: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ «2» .
وأصل الشقاق: المخالفة والمنازعة بين الخصمين حتى لكأن كل واحد منهما في شق غير الذي فيه الآخر. والمراد به هنا: مخالفة المشركين لما جاءهم به النبي صلى الله عليه وسلم.
والمعنى: وحق القرآن الكريم ذي الشرف وسمو القدر. إنك- أيها الرسول الكريم- لصادق فيما تبلغه عن ربك، ولست كما يقول أعداؤك في شأنك. بل الحق أن هؤلاء الكافرين في حمية واستكبار عن قبول الهداية التي جئتهم بها من عند ربك، وفي مخالفة ومعارضة لكل ما لا يتفق مع ما وجدوا عليه آباءهم من عبادة للأصنام، ومن عكوف على عاداتهم الباطلة.
والتعبير بفي في قوله فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ للإشعار بأن ما هم عليه من عناد ومن مخالفته للحق، قد أحاط بهم من كل جوانبهم، كما يحيط الظرف بالمظروف.
ثم خوفهم- سبحانه- بما أصاب الأمم من قبلهم، وحذرهم من أن يكون مصيرهم كمصير المكذبين السابقين فقال: كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ.
«وكم» هنا خبرية. ومعناها: الإخبار عن عدد كثير. وهي في محل نصب على أنها مفعول به لأهلكنا.
وصيغة الجمع في أهلكنا للتعظيم. و «من» في قوله مِنْ قَبْلِهِمْ لابتداء الغاية، وفي قوله: مِنْ قَرْنٍ مميزة لكم. والقرن: يطلق على الزمان الذي يعيش فيه جيل من الناس، ومدته- على الراجح- مائة سنة والمراد به هنا أهل الزمان.
والمراد بالنداء في قوله- تعالى-: فَنادَوْا الاستغاثة والضراعة إلى الله أن يكشف عنهم العذاب.
(1) سورة البقرة الآية 206.
(2)
سورة المنافقون الآية 8.
ولاتَ هي لا المشبهة بليس- وهذا رأى سيبويه- فهي حرف نفى زيدت فيه التاء لتأكيد هذا النفي.
وأشهر أقوال النحويين فيها أنها تعمل عمل ليس، وأنها لا تعمل إلا في الحين خاصة، أو في لفظ الحين ونحوه من الأزمنة، كالساعة والأوان، وأنها لا بد أن يحذف اسمها أو خبرها، والأكثر حذف المرفوع منهما وإثبات المنصوب.
والحين: ظرف مبهم يتخصص بالإضافة.
وقوله: مَناصٍ مصدر ميمى بمعنى الفرار والخلاص. يقال: ناص فلان من عدوه- من باب قال- فهو ينوص نوصا ومناصا، إذا فر منه، وهرب من لقائه.
أو بمعنى النجاة والفوت. يقال: ناصه ينوصه إذا فاته ونجا منه.
والمراد بقوله- تعالى-: أَهْلَكْنا الشروع في الإهلاك بدليل قوله- تعالى- بعد ذلك فَنادَوْا إذ من المعروف أن من هلك بالفعل لا يستغيث ولا ينادى.
والمعنى: إن هؤلاء الكافرين المستكبرين عن طاعتنا وعبادتنا، قد علموا أننا أهلكنا كثيرا من السابقين أمثالهم، وأن هؤلاء السابقين عند ما رأوا أمارات العذاب ومقدماته، جأروا إلينا بالدعاء أن نكشفه عنهم، واستغاثوا استغاثة جاءت في غير وقتها، ولقد قلنا لهم عند ما استغاثوا بنا عند فوات الأوان: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ.
أى: ليس الوقت الذي استغثتم بنا فيه وقت نجاة وفرار من العقاب، بل هو وقت تنفيذ العقوبة فيكم، بعد أن تماديتم في كفركم، وأعرضتم عن دعوة الحق بدون إنابة أو ندم.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا.. «1» .
وقوله- سبحانه-: حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ. لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ «2» .
ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك جانبا من أكاذيب المشركين الناتجة عن استكبارهم وشقاقهم فقال: وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ، وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ. أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ. وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ..
(1) سورة غافر الآيتان 84- 85.
(2)
سورة المؤمنون الآيتان 64- 65.
وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات منها: أن جماعة من قريش اجتمعوا في نفر من مشيخة قريش، فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى أبى طالب، لنكلمه في شأن ابن أخيه
…
فلما دخلوا على أبى طالب قالوا له: أنت كبيرنا وسيدنا، فأنصفنا من ابن أخيك، فمره فليكف عن شتم آلهتنا، وندعه وإلهه.
فقال أبو طالب للنبي صلى الله عليه وسلم يا ابن أخى هؤلاء مشيخة قريش، وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك.
فقال صلى الله عليه وسلم: «يا عم، أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم؟ قال: وإلام تدعوهم؟
قال: أدعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم» .
فقال أبو جهل من بين القوم: ما هي وأبيك؟ لنعطينها لك وعشرة أمثالها، فقال صلى الله عليه وسلم:«تقولون: لا إله إلا الله» .
فنفر أبو جهل وقال: سلنا غير هذا.
فقال صلى الله عليه وسلم: «لو جئتمونى بالشمس حتى تضعوها في يدي، ما سألتكم غيرها» .
فقاموا غضابا. وقالوا: والله لنشتمنك وإلهك الذي أرسلك بهذا. «1» .
وقوله- تعالى-: وَعَجِبُوا
…
مأخوذ من العجب، وهو تغير في النفس من أمر لا ترتاح إليه، وتخفى لديها أسبابه.
أى: وعجب هؤلاء الكافرون من مجيء منذر منهم ينذرهم بسوء عاقبة الشرك. ويأمرهم بعبادة الله- تعالى- وحده.
وَقالَ هؤلاء الْكافِرُونَ عند ما دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الدين الحق.
هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ أى: قالوا: هذا الرسول ساحر لأنه يأتينا بخوارق لم نألفها، وكذاب فيما يسنده إلى الله- تعالى- من أنه- سبحانه- أرسله إلينا.
وقال- سبحانه-: وَقالَ الْكافِرُونَ بالإظهار دون الإضمار، لتسجيل الكفر والجحود عليهم. وللإيذان بأن كفرهم هو الباعث لهم على وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بما هو منزه عنه من السحر والكذب.
ثم أضافوا إلى هذا القول الباطل، أقوالا أخرى لا تقل عن غيرها في البطلان والفساد.
فقالوا- كما حكى القرآن-: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً.
(1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 46.
والاستفهام للإنكار. أى: أجعل محمد صلى الله عليه وسلم الآلهة المتعددة، إلها واحدا. وطلب منا أن ندين له بالعبادة والطاعة؟.
إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ أى: إن هذا الذي طلبه منا، ودعانا إليه، لشيء قد بلغ النهاية في العجب والغرابة ومجاوزة ما يقبله العقل.
وعُجابٌ أبلغ من عجيب. لأنك تقول في الرجل الذي فيه طول: هذا رجل طويل، بينما تقول في الرجل الذي تجاوز الحد المعقول في الطول: هذا رجل طوال.
فلفظ عُجابٌ صيغة مبالغة سماعية، وقد حكاها- سبحانه- عنهم للإشعار بأنهم كانوا يرون- لجهلهم وعنادهم- أن ما جاءهم به الرسول-- هو شيء قد تجاوز الحد في العجب والغرابة.
واسم الإشارة يعود إلى جعله صلى الله عليه وسلم الآلهة إلها واحدا، لأنهم يرون- لانطماس بصائرهم- أن ذلك مخالف مخالفة تامة لما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم من عبادة للأصنام.
وما كان مخالفا لما ورثوه عن آبائهم فهو- في زعمهم- متجاوز الحد في العجب.
ثم صور- سبحانه- حرصهم على صرف الناس عن دعوة الحق. تصويرا بديعا، فقال: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ.
أى: وانطلق الأشراف من قريش عن مجلس أبى طالب، بعد أن سمعوا من الرسول صلى الله عليه وسلم ما أغضبهم وخيب آمالهم.
انطلقوا يقولون: أن امشوا في طريقكم التي كان عليها آباؤكم واصبروا على عبادة آلهتكم مهما هوّن محمد صلى الله عليه وسلم من شأنها، ومهما نهى عن عبادتها.
إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ أى: إن هذا الذي يدعونا إليه محمد صلى الله عليه وسلم من عبادة الله- تعالى- وحده وترك عبادة آلهتنا لشيء يراد من جهته هو، وهو مصمم عليه كل التصميم، ونحن من جانبنا يجب أن نقابل تصميمه على دعوته، بتصميم منا على عبادة آلهتنا.
وعلى هذا المعنى تكون الإشارة هنا عائدة إلى ما يدعوهم إليه النبي صلى الله عليه وسلم من عبادة الله وحده.
ويصح أن تكون الإشارة إلى دينهم هم، فيكون المعنى: إن هذا الدين الذي نحن عليه لشيء يراد لنا، وقد وجدنا عليه آباءنا، ومادام الأمر كذلك فلن نتركه مهما كرّهنا فيه محمد صلى الله عليه وسلم.
قال الآلوسى: قوله: إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ تعليل للأمر بالصبر، والإشارة إلى
ما وقع وشاهدوه من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وتصلبه في أمر التوحيد، ونفى ألوهية آلهتهم..
أى: إن هذا لشيء عظيم يراد من جهته صلى الله عليه وسلم إمضاؤه وتنفيذه. فاقطعوا أطماعكم عن استنزاله إلى إرادتكم، واصبروا على عبادة آلهتكم. وقيل: إن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر يراد بنا، فلا حيلة إلا تجرع مرارة الصبر.
وقيل: إن هذا- أى: دينكم- يطلب لينتزع منكم ويطرح ويراد إبطاله.. «1» .
ثم يضيفون إلى ذلك قولهم: ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ
…
أى: ما سمعنا بهذا الدين الذي يدعونا إليه محمد صلى الله عليه وسلم في ملة العرب التي أدركنا عليها آباءنا، أو ما سمعنا بهذا الذي يقوله محمد صلى الله عليه وسلم في الملّة الآخرة، وهي ملة عيسى- عليه السلام فإن أتباعه يقولون بالتثليث، ويقولون بأنه الدين الذي جاء به عيسى.
وعلى هذين القولين يكون قوله فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ متعلق بسمعنا.
ويصح أن يكون المعنى: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه محمد صلى الله عليه وسلم كائنا في الملة التي تكون في آخر الزمان، والتي حدثنا. عنها الكهان وأهل الكتاب.
وعلى هذا الرأى يكون قوله فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ حالا من اسم الإشارة وليس متعلقا بسمعنا.
ثم أكدوا نفيهم لعدم سماعهم لما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم بقولهم: إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ. أى: ما سمعنا شيئا مما يقوله، وما يقوله ما هو إلا كذب وتخرص اختلقه من عند نفسه، دون أن يسبقه إليه أحد.
يقال: اختلق فلان هذا القول، إذا افتراه واصطنعه واخترعه من عند نفسه، دون أن يكون له أصل من الواقع.
ثم صرحوا في نهاية المطاف بالسبب الحقيقي الذي حال بينهم وبين الإيمان، ألا وهو الحقد والحسد، وإنكار أن يختص الله تعالى رسوله من بينهم بالرسالة، فقالوا- كما حكى القرآن عنهم-: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا؟ ....
والاستفهام للإنكار والنفي. أى: كيف يدعى محمد صلى الله عليه وسلم أنه قد أنزل عليه القرآن من بيننا، ونحن السادة الأغنياء العظماء، وهو دوننا في ذلك؟ إننا ننكر وننفى دعواه النبوة من بيننا.
قال صاحب الكشاف: أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم ورؤسائهم وينزل عليه
(1) راجع تفسير الآلوسى ج 23 ص 167.
الكتاب من بينهم، كما قالوا: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ وهذا الإنكار ترجمة عما كانت تغلى به صدورهم من الحسد على ما أوتى من شرف النبوة من بينهم. «1» .
ولقد حكى القرآن أحقادهم هذه على النبي صلى الله عليه وسلم في آيات كثيرة ورد عليها بما يبطلها ومن ذلك قوله- تعالى-: وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ، اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
…
«2» .
ولقد صرح أبو جهل بهذا الحسد للنبي صلى الله عليه وسلم فعند ما سأله سائل، أتظن محمدا على حق أم على باطل؟ كان جوابه: إن محمدا لعلى حق ولكن متى كنا لبنى هاشم تبعا. أى: متى كانت أسرتنا تابعة لبنى هاشم!!.
وفي رواية أنه قال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحى من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه.
وقوله- سبحانه-: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي إضراب عن كلام يفهم من السياق. وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم من أذى.
أى: هؤلاء الجاحدون الحاقدون لم يقطعوا برأى في شأنك- أيها الرسول الكريم- وفي شأن ما جئتهم به، ولم يستندوا في أقوالهم إلى دليل أو ما يشبه الدليل، وإنما هم في شك من هذا القرآن الذي أيدناك به، بدليل أنك تراهم يصفونك تارة بالسحر، وتارة بالكهانة، وتارة بالشعر، ولو عقلوا وأنصفوا لآمنوا بك وصدقوك.
وقوله- سبحانه-: بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ إضراب عن مجموع الكلامين السابقين المشتملين على الحسد والشك.
أى: لا تحزن- أيها الرسول الكريم- من مسالكهم الخبيثة، وأقوالهم الفاسدة. فإنهم ما فعلوا ذلك إلا لأنهم لم يذوقوا عذابي بعد، فإذا ذا قوة زال حسدهم وشكهم، وتيقنوا بأنك على الحق المبين، وهم على الباطل الذي لا يحوم حوله حق.
وفي التعبير بقوله لَمَّا إشارة إلى أن نزول العذاب بهم وتذوقهم له، قريب الحصول.
ثم أنكر عليهم- سبحانه- بعد ذلك اعتراضهم على اختيار نبيه صلى الله عليه وسلم للرسالة، وساق هذا الإنكار بأسلوب توبيخي تهكمى فقال- تعالى-: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ
(1) تفسير الكشاف ج 4 ص 74.
(2)
سورة الأنعام الآية 124.
الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ. أى: أنهم لم يملكوا خزائن رحمة ربك- أيها الرسول الكريم- حتى يعطوا منها من يشاءون ويمنعوها عمن يشاءون، ويتخيروا للنبوة صناديدهم ويترفعوا بها عنك.. وإنما المالك لكل ذلك هو الله- تعالى- العزيز الذي لا يغلبه غالب- الوهاب، أى: الكثير العطاء لعباده.
والمراد بالعندية في قوله عِنْدَهُمْ: الملك والتصرف. وتقديم الظرف «عند» لأنه محل الإنكار. وفي إضافة الرب- عز وجل إلى الضمير العائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشريف وتكريم له صلى الله عليه وسلم وجيء بصفة «العزيز» للرد على ما كانوا يزعمونه لأنفسهم وآلهتهم من ترفع وتكبر.
كما جيء بصفة «الوهاب» للإشارة إلى أن النبوة هبة من الله- تعالى- لمن يختاره من عباده، وهو- سبحانه- أعلم حيث يجعل رسالته.
وقوله- عز وجل: أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما
…
تأكيد لما أفادته الآية السابقة من عدم ملكيتهم لشيء من خزائن الله- تعالى-. أى: أن هؤلاء الكافرين ليست عندهم خزائن ربك- أيها الرسول الكريم- وليسوا بمالكين شيئا- أى شيء- من هذه العوالم العلوية أو السفلية، وإنما هم خلق صغير من خلقنا العظيم الكبير. وقوله- سبحانه-: فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ تعجيز لهم، وتهكم بهم، واستخفاف بأقوالهم ومزاعمهم، والأسباب: جمع سبب وهو كل ما يتوصل به إلى غيره من حبل أو نحوه.
والفاء جواب لشرط محذوف. والتقدير: إن كان عندهم خزائن رحمتنا، ولهم شيء من ملك السموات والأرض وما بينهما، فليصعدوا في الطرق التي توصلهم إلى ما نملكه حتى يستولوا عليه، ويدبروا أمره، وينزلوا الوحى على من يختارونه للنبوة من أشرافهم وصناديدهم.
فالجملة الكريمة قد اشتملت على نهاية التعجيز لهم، والتهكم بهم وبأقوالهم، حيث بين- سبحانه- أنهم أدعياء فيما يزعمون، وأنهم يهرفون بما لا يعرفون..
ثم بشر الله- تعالى- رسوله صلى الله عليه وسلم بالنصر عليهم فقال: جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ.
ولفظ «جند» خبر لمبتدأ محذوف. و «ما» مزيدة للتقليل والتحقير، نحو قولك: أكلت شيئا ما. أى: شيئا قليلا، وقيل: هي للتكثير والتهويل كقولهم: لأمر ما جدع قصير أنفه.