الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ بلى إنه- سبحانه- لعزيز إذ لا يغلبه غالب، ولا يمانعه مانع، ولا ينازعه منازع. ولذو انتقام شديد من أعدائه، ولا يستطيع أحد أن يمنع انتقامه منهم.
ثم حكى- سبحانه- ما كان عليه هؤلاء المشركون من تناقض بين أقوالهم وأفعالهم.
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يهددهم بسوء المصير إذا ما استمروا على كفرهم
…
فقال- تعالى-
[سورة الزمر (39) : الآيات 38 الى 44]
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38) قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (39) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (40) إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (41) اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42)
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (43) قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (44)
والمعنى: ولئن سألت- أيها الرسول الكريم- هؤلاء المشركين: من الذي خلق هذه السموات التي ترونها بأعينكم، وخلق هذه الأرض التي فوقها تعيشون
…
لئن سألتهم هذا السؤال، لا يملكون في الإجابة عليه إلا أن يقولوا: خلقهم الله، فلفظ الله فاعل لفعل محذوف.
وقولهم هذا دليل واضح على تناقضهم مع أنفسهم. لأنهم يعترفون بأن الخالق هو الله، ولكنهم يشركون معه في العبادة آلهة أخرى لا تنفع ولا تضر..
ولذا أمر الله- تعالى- نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم مبكتا وموبخا: قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ. أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ؟.
أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء الجاهلين: إذا كان الأمر كما ذكرتم من أن الخالق لهذا الكون هو الله، فأخبرونى عن هذه الآلهة التي تعبدونها من دونه- سبحانه-:
أتستطيع أن تدفع ضرا أراده الله- تعالى- بي؟ أم تستطيع أن تمنع رحمة أو خيرا أعطاه الله لي؟ كلا إنها لا تستطيع شيئا من ذلك، وعبادتكم لها إنما هي نوع من السفه والحماقة.
وقال- سبحانه-: هَلْ هُنَّ.. بالتأنيث على سبيل التحقير لتلك الآلهة المزعومة، ولأنهم كانوا يسمونها بأسماء الإناث، كاللات، والعزى، ومناة. إلخ.
وقدم الضر لأن دفعه أهم، وعلق- سبحانه- إرادة الضر والرحمة بذاته صلى الله عليه وسلم فقال:
إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ
…
ليرد عليهم ردا يخرس ألسنتهم، حيث خوفوه صلى الله عليه وسلم منها وزعموا أنه لو استمر في تحقيرها فإنها ستؤذيه.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم فرض المسألة في نفسه دونهم؟ قلت: لأنهم خوفوه مضرة الأوثان وتخبيلها، فأمر بأن يقررهم- أولا- بأن خالق العالم هو الله وحده، ثم يقول لهم بعد التقرير: فإذا أرادنى خالق العالم الذي أقررتم به بضر من مرض أو فقر أو غير ذلك من النوازل، أو برحمة من صحة أو غنى أو نحوهما. هل هؤلاء اللائي خوفتمونى إياهن كاشفات عنى ضره، أو ممسكات رحمته، حتى إذا ألقمهم الحجر وقطعهم، حتى لا يحيروا ببنت شفة قال: حَسْبِيَ اللَّهُ كافيا لمضرة أوثانكم عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ وفيه تهكم.
ويروى أنه صلى الله عليه وسلم سألهم فسكتوا، فنزل: قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ
…
«1» .
أى: قل- أيها الرسول الكريم- في الرد عليهم وفي السخرية من آلهتهم: الله- تعالى- الخالق لكل شيء، كافينى في جميع أمورى، وعاصمنى من كيدكم وكيد من تتوهمون كيده، وعليه وحده لا على غيره يتوكل المتوكلون، لعلمهم أن كل ما سواه تحت ملكوته وقدرته.
ثم أمره- سبحانه- مرة أخرى أن يتحداهم وأن يتهددهم فقال: قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ. أى: وقل لهم للمرة الثالثة: اعملوا ما شئتم عمله من العداوة لي، والتهديد بآلهتكم.
والمكانة مصدر مكن- ككرم-، يقال: مكن فلان من الشيء مكانة، إذا تمكن منه أبلغ تمكن.
أى: اعملوا ما في إمكانكم عمله معى. والأمر للتهديد والوعيد.
إِنِّي عامِلٌ أى: إنى سأقابل عملكم السيئ بعمل أحسن من جانبي، وهو الدعوة إلى وحدانية الله، وإلى مكارم الأخلاق.
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ من منا الذي ينجح في عمله، ومن منا يأتيه عذاب يخزيه ويفضحه ويهينه في الدنيا، ومن منا الذي يحل عليه عذاب مقيم في الآخرة. فالمراد بالعذاب المخزى عذاب الدنيا، والمراد بالعذاب المقيم عذاب الآخرة.
ولقد تحقق ما توعدهم- سبحانه- به، حيث أنزل عليهم عقابه في بدر وفي غيرها فأخزاهم وهزمهم، أما عذاب الآخرة فهو أشد وأبقى.
ثم أخذت السورة الكريمة في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم، فقال- تعالى-:
إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ....
أى: إنا أنزلنا عليك- أيها الرسول الكريم- القرآن لأجل منفعة الناس ومصلحتهم، وقد أنزلناه متلبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل.
فَمَنِ اهْتَدى إلى الصراط المستقيم، وإلى الحق المبين فهدايته تعود إلى نفسه وَمَنْ ضَلَّ عن الطريق المستقيم، فإثم ضلاله. إنما يعود على نفسه وحدها.
وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ يا محمد بِوَكِيلٍ أى: بمكلف بهدايتهم، وبإجبارهم على اتباعك، وإنما أنت عليك البلاغ، ونحن علينا الحساب.
(1) الكشاف ج 4 ص 129.
ثم ساق- سبحانه- ما يدل على كمال قدرته، ونفاذ مشيئته فقال- تعالى-: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها
…
أى: الله- بقدرته وحدها يقبض أرواح مخلوقاته حين انتهاء آجالها بأن يقطع تعلقها بالأجسام قطعا كليا، ويسلب هذه الأجسام والأبدان ما به قوام حياتها، بأن تصير أجساما هامدة لا إدراك لها. ولا حركة فيها.
وقوله- تعالى-: وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها معطوف على الأنفس، أى: يسلب الحياة عن الأنفس التي انتهى أجلها سلبا ظاهرا وباطنا، ويسلب الحياة عنها سلبا ظاهرا فقط في حال نومها. إذ أنها في حالة النوم تشبه الموتى من حيث عدم التمييز والتصرف.
فالآية الكريمة تشير إلى أن التوفي للأنفس أعم من الموت، إذ أن هناك وفاتين. وفاة كبرى وتكون عن طريق الموت، ووفاة صغرى وتكون عن طريق النوم. كما قال- تعالى- وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ.. أى: يجعلكم تنامون فيه نوما يشبه الموت في انقطاع الإدراك والإحساس..
وقوله- تعالى-: فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى بيان لحالة الأنفس التي انتهى أجلها، والتي لم ينته أجلها بعد.
أى: الله- تعالى- وحده هو الذي يتوفى الأنفس حين الموت، وحين النوم، أما الأنفس التي انتهى أجلها فيمسك- سبحانه- أرواحها إمساكا تاما بحيث لا تعود إلى أبدانها مرة أخرى، وأما التي لم يحن وقت موتها، فإن الله- تعالى- يعيدها إلى أبدانها عند اليقظة من نومها، وتستمر على هذه الحالة إلى أجل مسمى في علمه- تعالى- فإذا ما انتهى أجلها الذي حدده- سبحانه- لها، خرجت تلك الأرواح من أبدانها خروجا تاما، كما هو الشأن في الحالة الأولى.
ولا شك أن الله- تعالى- الذي قدر على ذلك، قادر أيضا- على إعادة الأرواح إلى أجسادها عند البعث والنشور يوم القيامة.
فالآية الكريمة مسوقة لبيان كمال قدرة الله- تعالى- ولبيان أن البعث حق، وأنه يسير على قدرة الله التي لا يعجزها شيء.
ولا منافاة بين هذه الآية التي صرحت بأن الله- تعالى- هو الذي يتوفى الأنفس عند موتها، وبين قوله- تعالى-: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ.. وقوله- تعالى- حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا
…
لأن المتوفى في الحقيقة هو الله- تعالى- وملك الموت
إنما يقبض الأرواح بإذنه- سبحانه- ولملك الموت أعوان وجنود من الملائكة ينتزعون الأرواح بأمره المستمد من أمر الله- عز وجل.
قال القرطبي: «فإذا يقبض الله الروح في حالين: في حالة النوم وحالة الموت، فما قبضه في حال النوم فمعناه أنه يغمره بما يحبسه عن التصرف فكأنه شيء مقبوض. وما يقبضه في حال الموت فهو يمسكه ولا يرسله إلى يوم القيامة.
وفي الآية تنبيه على عظيم قدرته، وانفراده بالألوهية، وأنه يفعل ما يشاء ويحيى ويميت، ولا يقدر على ذلك سواه. «1» .
واسم الإشارة في قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ يعود إلى المذكور من التوفي والإمساك والإرسال.
أى: إن في ذلك الذي ذكرناه لكم من قدرتنا على توفى الأنفس وإمساكها وإرسالها، لآيات بينات على وحدانيتنا وقدرتنا، لقوم يحسنون التأمل والتفكير والتدبر، فيما أرشدناهم إليه وأخبرناهم به.
ثم نعى- سبحانه- على الكفار غفلتهم وعدم تفكرهم فقال: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ.
و «أم» هنا بمعنى بل والهمزة، والاستفهام للإنكار، والمراد بالشفعاء تلك الأصنام التي زعموا أنها ستشفع لهم يوم القيامة.
والمعنى: لقد ترك هؤلاء المشركون التفكر والتدبر في دلائل وحدانيته وقدرته- سبحانه- ولم يلتفتوا إلى ما ينفعهم، بل اتخذوا الأصنام آلهة لينالوا بواسطتها الشفاعة عند الله.
قل لهم- أيها الرسول الكريم- مرشدا ومنبها: أتفعلون ذلك ولو كانت هذه الآلهة لا تملك شيئا من أمرها، ولا تعقل شيئا مما يتوجهون به إليها؟
ثم أمر- سبحانه- رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن الله- تعالى- هو مالك الشفاعة كلها، وأنه لن يستطيع أحد أن يشفع إلا بإذنه، فقال: قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً
…
أى: قل لهم: الله- تعالى- هو المالك للشفاعة كلها، وآلهتكم هذه لا تملك شيئا من ذلك، بل أنتم وآلهتكم- أيها المشركون- ستكونون وقودا لنار جهنم.
وهو سبحانه-: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ملكا تاما لا تصرف لأحد في شيء منهما معه، ولا شفاعة لأحد إلا بإذنه.
(1) تفسير القرطبي ج 15 ص 261.