الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كفرهم، مع أن مظاهر قدرة الله- تعالى- الماثلة أمام أعينهم تدعوهم إلى الإيمان، فقال- تعالى-:
[سورة فصلت (41) : الآيات 9 الى 12]
قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (11) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12)
قال الإمام الرازي ما ملخصه: اعلم أنه- تعالى- لما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للناس: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ
…
أردفه بما يدل على أنه لا يجوز إثبات الشركة بينه- تعالى- وبين هذه الأصنام في الإلهية والمعبودية، وذلك بأن بين كمال قدرته وحكمته في خلق السموات والأرض في مدة قليلة.. والاستفهام في قوله أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ
…
بمعنى الإنكار، وهو لإنكار شيئين: الكفر بالله.. وجعل الأنداد له «1» .
والمعنى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء المشركين على سبيل الإنكار لأفعالهم: أإنكم لتكفرون بالله- تعالى- الذي خلق الأرض في يومين.
قال الآلوسى: وإن واللام في قوله أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ لتأكيد الإنكار.. وعلق- سبحانه- كفرهم بالاسم الموصول لتفخيم شأنه- تعالى- واستعظام كفرهم به.
(1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 340.
واليوم في المشهور عبارة عن زمان كون الشمس فوق الأفق، وأريد منه ها هنا الوقت مطلقا، لأنه لا يتصور ذلك قبل خلق السماء والكواكب والأرض نفسها، ثم إن ذلك الوقت يحتمل أن يكون بمقدار اليوم المعروف، ويحتمل أن يكون أقل منه أو أكثر، والأقل أنسب بالمقام.. «1» .
قال سعيد بن جبير- رضى الله عنه- إن الله- تعالى- قادر على أن يخلق هذا الكون كله في لحظة، ولكنه خلق السموات والأرض في ستة أيام، ليعلم خلقه التثبت والتأنى في الأمور.
وقوله: وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً معطوف على قوله لَتَكْفُرُونَ وداخل معه في حكم الإنكار.
والأنداد: جمع ند وهو مثل الشيء يضاده وينافره ويتباعد عنه. وأصله من ند البعير إذا نفر وذهب على وجهه شاردا.
أى: وتجعلون له أمثالا ونظراء تعبدونها من دونه، وتسمونها- زورا وكذبا- آلهة، وجمع- سبحانه- الأنداد باعتبار واقعهم، لأنهم كانوا يعبدون آلهة شتى، فمنهم من عبد الأصنام، ومنهم من عبد الملائكة، ومنهم من عبد الكواكب.
واسم الإشارة في قوله ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ يعود إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة.
أى: ذلك الموصوف بتلك القدرة الباهرة، رب العالمين جميعا، وخالق جميع المخلوقات، والمتولى لتربيتها دون سواه.
وقوله: وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها.. معطوف على خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ.
والرواسي: جمع راس من الرسو- بفتح الراء وسكون السين- بمعنى الثبات والاستقرار في المكان، يقال: رسا الشيء إذا ثبت واستقر. وهو صفة لموصوف محذوف.
أى: وجعل فيها جبالا رواسى من فوقها، لكي تستقر وتثبت، ولا تميد أو تضطرب بكم. وقال- تعالى-: مِنْ فَوْقِها لبيان الواقع، إذ وجود الجبال من فوق الأرض، ومشاهدة الإنسان لذلك بعينيه، يزيده اقتناعا بقدرة الله- تعالى- الباهرة وحكمته البليغة.
(1) تفسير الآلوسى ج 24 ص 99.
وَبارَكَ فِيها أى: وجعلها مباركة زاخرة بأنواع الخيرات والمنافع، عن طريق الزروع والثمار المبثوثة فوقها، والمياه التي تخرج من جوفها. والكنوز التي تحصل من باطنها.
وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها والأقوات: جمع قوت. والمراد بها أرزاق أهل الأرض وما يصلحهم.
أى: وجعل أقوات أهلها التي يحتاجون إليها في معايشهم ومنافعهم، على مقادير محددة معينة، بحيث نشر في كل قطر من أقطارها أقواتا تناسب أهله، وبذلك يتبادل الناس المنافع فيما بينهم، فيعمر الكون، ويزيد الاتصال والتعارف فيما بينهم.
قال ابن جرير: بعد أن ذكر جملة من الأقوال في معنى هذه الآية: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله- تعالى- أخبر أنه قدر في الأرض أقوات أهلها، وذلك ما يقوتهم من الغذاء، ويصلحهم من المعاش. ولم يخصص- جل ثناؤه- بقوله وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها أنه قدر فيها قوتا دون قوت، بل عم الخبر عن تقديره جميع الأقوات.. «1» .
وقوله- تعالى-: فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ متعلق بمحذوف يدل، عليه ما قبله.
أى: خلق الأرض، وجعل فيه رواسى من فوقها، وبارك فيها. وقدر فيها أقواتها في تمام أربعة أيام، فتكون المدة التي خلق فيها الأرض وما عليها أربعة أيام.
وقوله- سبحانه-: سَواءً لِلسَّائِلِينَ تأكيد لما دلت عليه الآية الكريمة من أن خلق كل من الأرض وما فيها وما عليها قد حدث في أربعة أيام.
قال الآلوسى: وقيدت الأيام الأربعة بقوله: سَواءً فإنه مصدر مؤكد لمضمر هو صفة الأيام. أى: - في أربعة أيام- استوت سواء، أى: استواء.
وقوله- تعالى-: لِلسَّائِلِينَ متعلق بمحذوف وقع خبرا لمبتدأ محذوف، أى: هذا الحصر في أربعة، كائن للسائلين عن مدة خلق الأرض، وما فيها.. «2» .
وقال الجمل في حاشيته: فإن قيل لم جعلت مدة خلق الأرض بما فيها، ضعف مدة خلق السموات، مع كون السماء أكبر من الأرض وأكثر مخلوقات وعجائب؟
قلت: للتنبيه على أن الأرض هي المقصودة بالذات لما فيها من الثقلين ومن كثرة المنافع، فزادت مدتها ليكون ذلك أدخل في المنة على ساكنيها، وللاعتناء بشأنهم وشأنها- أيضا-
(1) تفسير ابن جرير ج 24 ص 63.
(2)
تفسير الآلوسى ج 24 ص 101.
زادت مدتها لما فيها من الابتلاء بالمعاصي والمجاهدات والمعالجات.. «1» .
ثم بين- سبحانه- جانبا من مظاهر قدرته في خلق السماء، فقال: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ
…
ومعنى استوائه- سبحانه- إلى السماء، ارتفاعه إليها بلا كيف أو تشبيه أو تحديد، لأنه- سبحانه- منزه عن ذلك.
والدخان: ما ارتفع من لهب النار. والمراد به هنا: ما يرى من بخار الأرض أو بخار الماء ويصح أن يكون معنى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ: تعلقت إرادته- تعالى- بخلقها.
قال الآلوسى: قوله: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ أى: قصد إليها وتوجه، دون إرادة تأثير في غيرها، من قولهم: استوى إلى مكان كذا، إذا توجه إليه لا يلوى على غيره..
وقوله: وَهِيَ دُخانٌ أى أمر ظلماني، ولعله أريد بها مادتها التي منها تركبت. «2» .
وقوله- تعالى-: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً
…
بيان لما وجهه- سبحانه- إليهما من أوامر.
والمراد بإتيانهما: انقيادهما التام لأمره- تعالى-.
أى: فقال- سبحانه- للسماء وللأرض أخرجا ما خلقت فيكما من المنافع لمصالح العباد، فأنت يا سماء، أبرزى ما خلقت فيك من شمس وقمر ونجوم.. وأنت يا أرض أخرجى ما خلقت فيك من نبات وأشجار وكنوز.
قال الفخر الرازي: والمقصود من هذا القول: إظهار كمال القدرة، أى: ائتيا شئتما أم أبيتما، كما يقول الجبار لمن تحت يده: لتفعلن هذا شئت أم لم تشأ، ولتفعلنه طوعا أو كرها، وانتصابهما على الحال، بمعنى طائعين أو مكرهين.. «3» .
وقوله: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ بيان لامتثالهما التام لأمره- تعالى-.
أى: قالتا: فعلنا ما أمرتنا به منقادين خاضعين مستجيبين لأمرك، فأنت خالقنا وأنت مالك أمرنا.
(1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 32.
(2)
تفسير الآلوسى ج 24 ص 102.
(3)
تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 353.
قال القرطبي: وقوله: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فيه وجهان: أنه تمثيل لظهور الطاعة منهما، حيث انقادا وأجابا فقام مقام قولهما. ومنه قول الراجز:
امتلأ الحوض وقال قطني
…
مهلا رويدا ملأت بطني
يعنى: ظهر ذلك فيه.
وقال أكثر أهل العلم: بل خلق الله- تعالى- فيهما الكلام فتكلمتا كما أراد- سبحانه- «1» .
وجمعهما- سبحانه- جمع من يعقل، لخطابهما بما يخاطب به العقلاء.
ثم فصل- سبحانه- بديع صنعه في خلق السموات فقال: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ.... أى: ففرغ من خلقهن وتسويتهن على أبدع صورة وأحكم صنع في مقدار يومين.
والضمير في قوله فَقَضاهُنَّ إما راجع إلى السماء على المعنى لأنها سبع سموات، وإما مبهم يفسره ما بعده وهو سبع سموات.
وقوله: وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها أى: وأوحى في كل منها ما أراده وما أمر به، وخلق فيها ما اقتضته حكمته من الملائكة ومن خلق لا يعلمه إلا هو- سبحانه-.
وقوله: وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً أى: وزينا السماء الدنيا أى القريبة منكم- بكواكب مضيئة، وحفظناها حفظا عظيما من الاختلال والاضطراب والسقوط ذلِكَ الذي ذكرناه لكم من خلق السموات والأرض، وخلق ما فيهما.
تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ أى: تقدير الله- القاهر- لكل شيء. والعليم بما ظهر وبما بطن في هذا الكون.
وقد أخذ العلماء من هذه الآيات الكريمة أن خلق الأرض وما عليها من جبال ومن أقوات للعباد قد تم في أربعة أيام، وأن خلق السموات كان في يومين فيكون مجموع الأيام التي خلق الله- تعالى- فيها السموات والأرض وما بينهما ستة أيام.
وقد جاء ذلك في آيات متعددة، منها قوله- تعالى-: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ.. «2» .
(1) تفسير القرطبي ج 15 ص 344.
(2)
سورة الأعراف الآية 54. [.....]
وقوله- سبحانه- وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ.. «1» .
كما أخذ العلماء منها- أيضا-: أن خلق الأرض متقدم على خلق السموات بدليل قوله- تعالى- بعد حديثه عن خلق الأرض، ثم استوى إلى السماء وهي دخان.
وبدليل قوله- تعالى- في آية أخرى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ «2» .
وعلى هذا الرأى سار جمهور العلماء، وردوا على من قال بأن خلق السموات متقدم على خلق الأرض، لأن الله- تعالى- يقول في سورة النازعات: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها. رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها، وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها. وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها أى: بسطها.
ردوا عليهم بما روى عن ابن عباس من أنه سئل عن الجمع بين الآيات التي معنا، وبين آيات سورة النازعات فقال: إنه- تعالى- خلق الأرض أولا غير مدحوة ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وجعل فيها الرواسي والأنهار وغيرهما.
أى: أن أصل خلق الأرض كان قبل خلق السماء، ودحوها بجبالها وأشجارها كان بعد خلق السماء، وردوا عليهم- أيضا- بأن لفظ «بعد» في قوله- تعالى- وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها بمعنى مع أى: والأرض مع ذلك بسطها ومهدها لسكنى أهلها فيها. وردوا عليهم- أيضا- بأنه- تعالى- لما خلق الأرض غير مدحوة، وهي أهل لكل ما فيها كان كل ما فيها كأنه قد خلق بالفعل لوجود أصله فيها.
قال بعض العلماء: والدليل من القرآن على أن وجود الأصل يمكن به إطلاق الخلق على الفرع، - وإن لم يكن موجودا بالفعل- قوله- تعالى-: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ....
فقوله: خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ أى: بخلقنا وتصويرنا لأبيكم آدم الذي هو أصلكم «3» .
كما أخذ منها العلماء أن وجود هذا الكون، بتلك الصورة البديعة، المتمثلة في هذه الأرض
(1) سورة ق الآية 38.
(2)
سورة البقرة الآية 29.
(3)
أضواء البيان ج 7 ص 102 للشيخ الشنقيطى.