الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ أى: فإذا جاء الوقت الذي حدده- سبحانه- لعذاب أعدائه قُضِيَ بِالْحَقِّ أى: قضى بين الناس جميعا بالحق، فينجى- سبحانه- بقضائه العادل عباده المؤمنين.
وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ أى: وخسر- عند مجيء أمر الله، عند القضاء بين خلقه- المبطلون، وهم الذين ماتوا مصرين على كفرهم أو فسوقهم عن أمره.
وكما قال- تعالى- في آيات أخرى منها قوله- تعالى-: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ.
ثم بين- سبحانه- في أواخر هذه السورة الكريمة، جانبا آخر من نعمه على عباده، ووبخ الفاسقين على عدم اعتبارهم بأحوال من سبقهم من الأمم، وهددهم بأنهم عند مجيء العذاب إليهم لن ينفعهم إيمانهم.. فقال- تعالى-:
[سورة غافر (40) : الآيات 79 الى 85]
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ (79) وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (80) وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (81) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (83)
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (85)
وقوله- تعالى- اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ.. بيان لنعمة أخرى من نعمه التي تتعلق بما سخره- سبحانه- لخدمة الإنسان من دواب، بعد بيانه قبل لكثير من النعم التي تتعلق بالليل والنهار، والسماء والأرض
…
إلخ.
والأنعام: جمع نعم، وأطلق على الإبل والبقر والغنم، قالوا والمراد بها هنا: الإبل خاصة:
لأن معظم المنافع التي ذكرت هنا توجد فيها.
أى: الله- تعالى- هو الذي خلق لكم بقدرته الإبل لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ أى لتركبوا بعضا منها، ولتأكلوا بعضا آخر منها. فمن في الموضعين للتبعيض.
وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ أخرى غير الأكل وغير الركوب، كالانتفاع بألبانها وأوبارها وجلودها
…
وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ أى: ومن منافعها- أيضا- أنكم تستعملونها في الأمور الهامة كحمل الأثقال، والانتقال عليها من مكان إلى مكان..
كما قال- تعالى- وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ «1» .
وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ أى: وعلى هذه الإبل في البر وعلى السفن في البحر تحملون.
كما قال- تعالى-: وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ «2» .
هذا، ولا مانع من أن يكون المراد بالأنعام هنا ما يشمل الإبل والبقر والغنم، وإلى هذا المعنى ذهب الإمام ابن كثير، فقد قال: يقول- تعالى- ممتنا على عباده بما خلق لهم من الأنعام! وهي: الإبل والبقر والغنم، فالإبل تركب وتؤكل وتحلب، ويحمل عليها الأثقال في
(1) سورة النحل الآية 7.
(2)
سورة الزخرف الآية 12.
الأسفار والرحال إلى البلاد النائية، والأقطار الشاسعة، والبقر تؤكل ويشرب لبنها، وتحرث عليها الأرض، والغنم تؤكل ويشرب لبنها، والجميع تجز أوبارها وأصوافها وأشعارها. فيتخذ منه الأثاث والثياب والأمتعة..» «1» .
وقوله- تعالى-: يُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ
تعجب من غفلتهم عن هذه الآيات المبثوثة في الكون. والتي تدل جميعها على وحدانية الله- تعالى- وقدرته.
ولفظ «أى» منصوب بقوله «تنكرون» وقدم وجوبا لأن له صدر الكلام.
أى: أنه- سبحانه- في كل وقت وحين يريكم آياته الدالة على قدرته ووحدانيته، فقولوا لي. أية تلك الآيات تنكرون دلالتها على ذلك.
إنها جميعا تنطق وتصرح بوجوب إخلاص العبادة لله- عز وجل فكيف جحدتموها أو غفلتم عنها مع وضوحها؟
فالآية الكريمة توبيخ شديد لأولئك الذين استحبوا العمى على الهدى مع أن كل شيء في هذا الكون يدعوهم إلى الإيمان بالله الواحد القهار.
ثم وبخهم- سبحانه- مرة أخرى لعدم اتعاظهم بمصارع الغابرين فقال: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
…
أى: أقبعوا في بيوتهم. فلم يسيروا في أقطار الأرض. فينظروا كيف كانت عاقبة الأمم المكذبة من قبلهم، كقوم صالح وقوم لوط، وقوم شعيب وغيرهم.
فالاستفهام للتوبيخ والتأنيب، والفاء في قوله: أَفَلَمْ.. للعطف على مقدر.
ثم فصل- سبحانه- حال الذين كانوا من قبل كفار مكة فقال: كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ أى: في العدد وَأَشَدَّ قُوَّةً أى في الأبدان والأجسام وَآثاراً فِي الْأَرْضِ أى: وكانوا أظهر منهم في العمران والحضارة والغنى.
فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ أى أن هؤلاء الغابرين عند ما حل بهم عذابنا لم تغن عنهم شيئا كثرتهم أو قوتهم أو أموالهم
…
بل أخذناهم أخذ عزيز مقتدر في زمن يسير.
ثم بين- سبحانه- موقف هؤلاء الجاحدين من رسلهم فقال: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ
…
أى: فحين جاء الرسل إلى هؤلاء الجاهلين، فرحوا بما لديهم من العلوم الدنيوية كالتجارة
(1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 147.
والزراعة.. واغتروا بتلك القشور التي كانوا يسمعونها ممن كانوا يزعمون أنهم على شيء من العلم الديني، واستهزءوا بما جاءهم به الرسل من علوم تهدى إلى الرشد، وتدعو إلى إخلاص العبادة لله. واعتقدوا- لغبائهم- وانطماس بصائرهم- أنه لا علم أنفع من علومهم ففرحوا بها..
ورحم الله صاحب الكشاف فقد فصل القول عند تفسيره لهذه الآية فقال: قوله:
فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ فيه وجوه:
منها: أنه أراد العلم الوارد على سبيل التهكم في قوله- تعالى-: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ وعلمهم في الآخرة أنهم كانوا يقولون لا نبعث ولا نعذب.
ومنه: أن يريد علم الفلاسفة والدهريين عن بنى يونان، وكانوا إذا سمعوا بوحي الله:
دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم.
ويجوز أن يريد بما فرحوا به من العلم: علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها، كما قال- تعالى- يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ فلما جاءهم الرسل بعلوم الديانات.. لم يلتفتوا إليها وصغروها واستهزءوا بها، واعتقدوا أنه لا أنفع وأجلب للفوائد من علمهم، ففرحوا به» «1» .
ويبدو لنا أن هذا الرأى الأخير الذي ذكره صاحب الكشاف، هو أقرب الآراء إلى الصواب.
وقوله- سبحانه-: وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ بيان لما نزل بهم من عذاب بسبب تكذيبهم لرسلهم، واستهزائهم بهم. أى: ونزل بهؤلاء الكافرين العذاب الأليم بسبب استهزائهم برسلهم، وإعراضهم عن دعوتهم.
ثم بين- سبحانه- حالهم عند ما أحاط بهم العذاب فقال: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا أى عاينوا عذابنا النازل بهم.
قالُوا بفزع وخوف آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ أى: وكفرنا بما كنا به مشركين في الدنيا من عبادة لغير الله- تعالى- واعتماد على سواه.
وقد بين- سبحانه- أن إيمانهم هذا لن ينفعهم لأنه جاء في غير وقته فقال فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ شيئا من النفع لأنه إيمان جاء عند معاينة العذاب، والإيمان الذي يدعى في هذا
(1) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 181. [.....]
الوقت لا قيمة له، لأنه جاء في وقت الاضطرار لا في وقت الاختيار.
ولفظ «سنة» في قوله- تعالى-: سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ.. منصوب على أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف.
أى: سن الله- تعالى- ذلك، وهو عدم نفع الإيمان عند حلول العذاب سنة ماضية في الناس، بحيث لا تتخلف في أى زمان أو مكان.
وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ أى: في هذا الوقت الذي ينزل الله- تعالى- فيه العذاب على الكافرين يخسرون كل شيء، بحيث لا تنفعهم لا أموالهم ولا أولادهم ولا آلهتهم التي كانوا يتوهمون شفاعتها.
وبعد: فهذا تفسير وسيط لسورة «غافر» نسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده:
وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم- كتبه الراجي عفو ربه القاهرة- مدينة نصر- مساء الثلاثاء د. محمد سيد طنطاوى 9 من المحرم سنة 1406 24/ 9/ 1985 م