الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الريح تجرى بأمر سليمان، فهي تارة تكون لينة وتارة تكون عاصفة، وفي كلتا الحالتين هي تسير بأمره ورغبته.
وقوله: وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ معطوف على الريح أي: سخرنا له الريح تجرى بأمره.. وسخرنا له الشياطين. بأن جعلناهم منقادين لطاعته، فمنهم من يقوم ببناء المبانى العظيمة التي يطلبها سليمان منهم. ومنهم الغواصون الذين يغوصون في البحار ليستخرجوا له منها اللؤلؤ والمرجان، وغير ذلك من الكنوز التي اشتملت عليها البحار.
وقوله- سبحانه-: وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ معطوف على كل بناء، داخل معه في حكم البدل من الشياطين.
أى: أن الشياطين المسخرين لسليمان كان منهم البناءون، وكان منهم الغواصون، وكان منهم المقيدون بالسلاسل والأغلال، لتمردهم وكثرة شرورهم.
فمعنى «مقرنين» : مقرونا بعضهم ببعض بالأغلال والقيود. والأصفاد: جمع صفد وهو ما يوثق به الأسير من قيد وغلّ.
ثم بين- سبحانه- أنه أباح لسليمان- عليه السلام أن يتصرف في هذا الملك الواسع كما يشاء فقال: هذا عَطاؤُنا أى: منحنا هذا الملك العظيم لعبدنا سليمان- عليه السلام وقلنا له: هذا عطاؤنا لك فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ أى: فأعط من شئت منه. وأمسك عمن شئت. فأنت غير محاسب منا لا على العطاء ولا على المنع.
ثم بين- سبحانه- ما أعده لسليمان- عليه السلام في الآخرة، فقال: وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا أى في الآخرة لَزُلْفى لقربى وكرامة وَحُسْنَ مَآبٍ أى: وحسن مرجع إلينا يوم القيامة.
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن أيوب- عليه السلام فذكرت نداءه لربه، واستجابة الله- تعالى- له وما وهبه من نعم جزاء صبره، فقال- تعالى-:
[سورة ص (38) : الآيات 41 الى 44]
وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (42) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)
قال الإمام الرازي: اعلم أن قصة أيوب هي القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة، واعلم أن داود وسليمان كانا ممن أفاض الله عليه أصناف الآلاء والنعماء، وأيوب كان ممن خصه الله بأنواع البلاء، والمقصود من جميع هذه القصص الاعتبار.
فكأن الله- تعالى- يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: اصبر على سفاهة قومك، فإنه ما كان في الدنيا أكثر نعمة ومالا من داود وسليمان، وما كان أكثر بلاء ومحنة من أيوب، فتأمل في أحوال هؤلاء لتعرف أن أحوال الدنيا لا تنظم لأحد، وأن العاقل لا بد له من الصبر على المكاره.. «1» .
وأيوب- عليه السلام هو ابن أموص بن برزاح، وينتهى نسبه إلى إسحاق بن ابراهيم- عليهما السلام وكانت بعثته على الراجح بين موسى ويوسف- عليهما السلام.
وكان صاحب أموال كثيرة، وله أولاد.. فابتلى في ماله وولده وجسده، وصبر على كل ذلك صبرا جميلا، فكافأه الله- تعالى- على صبره، بأن أجاب دعاءه، وآتاه أهله ومثلهم معهم..
وقوله- سبحانه-: وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ
…
معطوف على قوله- تعالى- قبل ذلك: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ....
و «النّصب» - بضم فسكون- وقرأ حفص ونافع- بضم النون والصاد: - التعب والمشقة مأخوذ من قولهم أنصبنى الأمر، إذا شق عليه وأتعبه. والعذاب: الآلام الشديدة التي يحس بها الإنسان في بدنه. أى: واذكر- أيها الرسول الكريم- حال أخيك أيوب- عليه السلام حين دعا ربه- تعالى- فقال: يا رب أنت تعلم أنى مسنى الشيطان بالهموم الشديدة، وبالآلام المبرحة التي حلت بجسدي فجعلتني في نهاية التعب والمرض.
وجمع- سبحانه- في بيان ما أصابه بين لفظي النصب والعذاب، للإشارة إلى أنه قد أصيب بنوعين من المكروه: الغم الشديد بسبب زوال الخيرات التي كانت بين يديه، وهو
(1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 198.
ما يشير إليه لفظ «النصب» والألم الكثير الذي حل بجسده بسبب الأمراض والأسقام، والعلل، وهو ما يشير إليه لفظ «العذاب» ..
ونسب ما مسه من نصب وعذاب إلى الشيطان تأدبا منه مع ربه- عز وجل حيث أبى أن ينسب الشر إليه- سبحانه-، وإن كان الكل من خلق الله- تعالى-.
وفي هذا النداء من أيوب لربه، أسمى ألوان الأدب والإجلال، إذ اكتفى في تضرعه بشرح حاله دون أن يزيد على ذلك، ودون أن يقترح على خالقه- عز وجل شيئا معينا، أو يطلب شيئا معينا.
قال صاحب الكشاف: ألطف أيوب- عليه السلام في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة.. ولم يصرح بالمطلوب.
ويحكى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت له: يا أمير المؤمنين، مشت جرذان- أي فئران- بيتي على العصا!! فقال لها: ألطفت في السؤال، لا جرم لأجعلنها تثب وثب الفهود، وملأ بيتها حبا «1» ..
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى- في سورة الأنبياء: وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.
وقد ذكر بعض المفسرين هنا قصصا وأقوالا في غاية السقوط والفساد، حيث ذكروا أن أيوب- عليه السلام مرض زمنا طويلا، وأن الديدان تناثرت من جسده، وأن لحمه قد تمزق «2» .
وهذه كلها أقوال باطلة، لأن الله- تعالى- عصم أنبياءه من الأمراض المنفرة، التي تؤدى إلى ابتعاد الناس عنهم، سواء أكانت أمراضا جسدية أم عصبية أم نفسية..
والذي يجب اعتقاده أن الله- تعالى- قد ابتلى عبده أيوب ببعض الأمراض التي لا تتنافى مع منصب النبوة، وقد صبر أيوب على ذلك حتى ضرب به المثل في الصبر، فكانت عاقبة صبره أن رفع الله- تعالى- عنه الضر والبلاء، وأعطاه من فضله الكثير من نعمه.
وقوله- سبحانه-: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ حكاية لما قيل له بعد ندائه لربه، أو مقول لقول محذوف معطوف على قوله نادى.
(1) تفسير الكشاف ج 3 ص 130.
(2)
راجع على سبيل المثال تفسير الآلوسى ج 23 ص 306، والقرطبي ج 15 ص 208.
وقوله: ارْكُضْ بمعنى الدفع والتحريك للشيء. يقال: ركض فلان الدابة برجله إذا دفعها وحركها بها.
والمغتسل: اسم للمكان الذي يغتسل فيه، والمراد به هنا: الماء الذي يغتسل به.
وقوله: هذا مُغْتَسَلٌ مقول لقول محذوف.
والمعنى: لقد نادانا عبدنا أيوب بعد أن أصابه من الضر ما أصابه، والتمس منا الرحمة والشفاء مما نزل به من مرض، فاستجبنا له دعاءه، وأرشدناه الى الدواء، بأن قلنا له:
«اركض برجلك» أى: اضرب بها الأرض، فضربها فنبعت من تحت رجله عين الماء، فقلنا له: هذا الماء النابع من العين إذا اغتسلت به وشربت منه، برئت من الأمراض، ففعل ما أمرناه به، فبرئ بإذننا من كل داء.
ثم بين- سبحانه- أنه بفضله وكرمه لم يكتف بمنح أيوب الشفاء من مرضه، بل أضاف إلى ذلك أن وهب له الأهل والولد فقال- تعالى-: وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ، رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ.
والآية الكريمة معطوفة على كلام مقدر يفهم من السياق أى: استجاب أيوب لتوجيهنا، فاغتسل وشرب من الماء، فكشفنا عنه ما نزل به من بلاء، وعاد أيوب معافى، ولم نكتف بذلك بل وهبنا له أهله. ووهبنا له مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ أى: بأن رزقناه بعد الشفاء أولادا كعدد الأولاد الذين كانوا معه قبل شفائه من مرضه، فصار عددهم مضاعفا.
وذلك كله رَحْمَةً مِنَّا أى من أجل رحمتنا به وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ أى: ومن أجل أن يتذكر ذلك أصحاب العقول السليمة، فيصبروا على الشدائد كما صبر أيوب، ويلجئوا إلى الله- تعالى- كما لجأ، فينالوا منا الرحمة والعطاء الجزيل.
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله: وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ الجمهور على أنه- تعالى- أحيا له من مات من أهله، وعافى المرضى، وجمع له من تشتت منهم، وقيل- وإليه أميل- وهبه من كان حيا منهم، وعافاه من الأسقام، وأرغد لهم العيش فتناسلوا حتى بلغ عددهم عدد من مضى، ومثلهم معهم، فكان له ضعف ما كان، والظاهر أن هذه الهبة كانت في الدنيا «1» .
ثم بين- سبحانه- منة أخرى من المنن التي من بها على عبده أيوب فقال: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ، إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ.
(1) تفسير الآلوسى ج 23 ص 207.
والجملة الكريمة معطوفة على قوله قبل ذلك: ارْكُضْ أو على وَهَبْنا بتقدير:
وقلنا له.
والضغث في اللغة: القبضة من الحشيش اختلط فيها الرطب باليابس. وقيل: هي قبضة من عيدان مختلفة يجمعها أصل واحد.
والحنث: يطلق على الإثم وعلى الخلف في اليمين.
والآية الكريمة تفيد أن أيوب- عليه السلام قد حلف أن يضرب شيئا وأن عدم الضرب يؤدى إلى حنثه في يمينه، أى: إلى عدم وفائه فيما حلف عليه، فنهاه الله- تعالى- عن الحنث في يمينه، وأوجد له المخرج الذي يترتب عليه البر في يمينه دون أن يتأذى المضروب بأى أذى يؤلمه.
وقد ذكروا فيمن وقع عليه الضرب وسبب هذا الضرب، روايات لعل أقربها إلى الصواب، أن أيوب أرسل امرأته في حاجة له فأبطأت عليه، فأقسم أنه إذا برىء من مرضه ليضربنها مائة ضربة، وبعد شفائه رخص له ربه أن يأخذ حزمة صغيرة- وهي المعبر عنها بالضغث- وبها مائة عود، ثم يضرب بها مرة واحدة، وبذلك يكون قد جمع بين الوفاء بيمينه، وبين الرحمة بزوجته التي كانت تحسن خدمته خلال مرضه، وتقوم بواجبها نحوه خير قيام. والمعنى: وهبنا له بفضلنا ورحمتنا أهله ومثلهم معهم، وقلنا له بعد شفائه خذ بيدك حزمة صغيرة من الحشيش فيها مائة عود، فاضرب بها من حلفت أن تضربه مائة ضربة، وبذلك تكون غير حانث في يمينك.
هذا وقد تكلم العلماء عن هذه الرخصة. أهي خاصة بأيوب، أم هي عامة للناس؟.
فقال بعضهم: إذا حلف الشخص أن يضرب فلانا مائة جلدة، أو أن يضربه ضربا غير شديد، فيكفيه مثل هذا الضرب المذكور الذي جاء في الآية لأن شرع من قبلنا شرع لنا.
وقال آخرون: هذه الرخصة خاصة بأيوب- عليه السلام ولا تنسحب إلى غيره، لأن الخطاب إليه وحده. ولأن الله- تعالى- لم يبين لنا في الآية كيفية اليمين، ولا من يقع عليه الضرب «1» .
ثم بين- سبحانه- أنه جعل لعبده أيوب هذا المخرج لصبره وكثرة رجوعه إلى ما يرضيه- تعالى- فقال: إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ.
(1) راجع تفسير القرطبي ج 15 ص 212. وتفسير الآلوسى ج 23 ص 208.