الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جغرافيا
قصدنا من كتابة هذه المادة إلى دراسة كتب الجغرافيا عند المسلمين، فهي لذلك محاولة لسد الثغرة التي قال بارتولد W.Barthold المقدمة التي كتبها للطبعة المنقولة طبق الأصل من كتاب "حدود العالم"(لينينغراد، سنة 1930، ص 7) أنها نقص خطير في دائرة المعارف هذه.
وكلمة جغرافيا (وينطق بها أحيانا بفتح الجيم) لم تستعمل للدلالة على علم الجغرافيا إلا متأخرًا.
وجرى قدماء الجغرافيين على اسمعمال هذا اللفظ علما على كتاب بطليموس المعروف في الجغرافيا (الفهرست، ص 268) وعلى كتاب مارينوس الصورى (المسعودى: التنبيه والإشراف، ص 33، وقد فسرت كلمة جغرافيا في هذا الموضع بأنها "قطع الأرض").
واستعملت لأول مرة بمعنى "علم الجغرافيا" في رسائل إخوان الصفاء (طبعة القاهرة سنة 1347 هـ، ص 111) ولكنها فُسرت أيضًا في هذا الموضع بأنها "صورة الأرض"، وظل هذا المعنى شائعًا في العصور الوسطى.
ولم يصبح لهذه الكلمة المعنى الذي نعرفه اليوم من علم الجغرافيا إلا في ازمنة حديثة بعض الشيء (انظر الفصل المعقودعلى علم الجغرافيا في كتاب كشف الظنون لحاجى خليفة، الآستانة سنة 1311 هـ، جـ 1، ص 394).
ويمكن القول بأن مصنفات المسلمين لم تنشأ فرعًا متميزًا بنفسه عن فروع التأليف الأخرى إلا بعد عام 800 للميلاد، فقد ألفت لأول مرة في القرن التاسع طائفة من الرسائل تتناول المسائل الجغرافية بصفة خاصة. وقد اختلف كتاب ذلك العهد اختلافًا كبيرًا في تناولهم هذه المسائل ثم تطورت شيئًا فشيئا فأصبحت تكتب بأسلوب مقرر على تفاوت في ذلك، وكان هذا الأسلوب أهم سمات الجغرافيا عند المسلمين لعهدها القديم، وهو يشمل القرنين العاشر والحادى عشر. على أن كتاب المسلمين لم يكتبوا بأسلوب واحد يبعث الملل، ولم يكن الاشتغال بدراسة
المسائل الجغرافية ليبدأ إلا في الوقت الذي استقرت فيه الحضارة الإسلامية وتجمعت حول أول حاضرة ثقافية هامة لها ألا وهي بغداد. فقد أتيحت الفرصة أول ما أتيحت لتدوين المعلومات المخللفة المتصلة بالعالم المادى، وهي المعلومات التي اكتسبتها أجيال العرب المتقدمة ومن أسلم من أهل الممالك التي فتحها العرب.
وقد استقيت هذه المعلومات من موارد متعددة. فالأحوال الجغرافية لجزيرة العرب كما صورها الشعر العربي القديم كانت موردًا هامًا من هذه الموارد. ذلك أن هذا الشعر غنى بأعلام جغرافية كان البدو يدركون حقيقتها، فقد وعوا هذا الشعر عن ظهر قلب، وكانوا يتبينون طريقهم على الفور في بلادهم الواسعة باستذكارهم إحدى القصائد التي ورد بها اسم الموضع الذي يجدون أنفسهم فيه (Das: Buhl Leben Muhammeds ص 61).
وانتقلت هذه المعلومات الجغرافية المفصلة هي والرواية الشعرية القديمة إلى حضارة الإسلام الأكثر ثقافة. وكان لغويو القرن الثامن مثل الأصمعى من المتقصين لجغرافية بلاد العرب. واستمرت هذه الصلة بين اللغة والجغرافيا قائمة خلال القرون المتعاقبة، ولا تزال واضحة في المعاجم الجغرافية التي كتبت في القرون المتأخرة مثل (معجم البكرى) وهو كتاب قصد به مؤلفه إلى ضبط أسماء المواضع وغير ذلك من المعلومات الجغرافية الواردة في الشعر، وكتاب (الأمكنة) للزمخشرى، وكتاب (الأمكنة) لأبي الفتح نصر الإسكندرى (المتوفى عام 1165؛ انظر معجم البلدان لياقوت، جـ 1، ص 8) ومعجم البلدان لياقوت ناهيك بالمؤلفات اللغوية المتأخرة مثل (تاج العروس) وهو يزودنا بكثير من المعلومات الجغرافية. على أن الجغرافيا العربية قد درسها في القرون المتقدمة علماء من طراز هشام أبي المنذر بن الكلبى المتوفى عام.820 م دراسة أكثر استقلالا من ذي قبل، ويقول صاحب الفهرست (ص 97) إن هشامًا كتب مالا يقل عن عشرة كتب في المسائل
الجغرافية. ولم يصل إلينا شيء من هذه الكتب، ولذلك لا نعلم هل تناول مصنفاه "كتاب البلدان الكبير" و "كتاب البلدان الصغير" بلادًا أخرى غير الجزيرة العربية، وإذا كان "كتاب العجائب" للحسن بن المنذر- الذي ذكره الإدريسي كثيرًا -هو عين "كتاب العجائب الأربعة" لهشام (الفهرست، ص 97) فإن هذا المؤلف يكون أول من كتب في الموضوعات الجغرافية العامة في الإسلام، ويتصل بهذه الرواية الجغرافية العربية الخالصة الكتاب النفيس "جزيرة العرب" للهمدانى.
والقرآن أقدم الوثائق التي تناولت معلومات جغرافية ليست عربية خالصة، ومع ذلك فالإرشادات الجغرافية الواردة فيه نادرة، وفيها الفكرة القائلة بأن الأرض مستوية عليها الجبال كالأوتاد (سورة النبأ، الآية 6 و 7). وكثيرًا ما يستشهد الكُتَّاب المسلمون بهذه الآيات في أدعيتهم (كالإدريسى مثلًا) أو يسعون إلى تأييد آرائهم بما ورد في القرآن. وينطبق هذا على ها جاء في قوله تعالى "وهو الذي مرج البحرين هذا عذبٌ فراتٌ وهذا ملحٌ أجاجٌ وجعل بينهما برزخا .. "(سورة الفرقان، الآية 53؛ سورة النمل، الآية 61؛ سورة الرحمن، الآية 19؛ وانظر المقدسي، ص 16). وقد أصبح هذا المذهب عقيدة في علم الجغرافيا وعلم رسم المصورات الجغرافية في القرن العاشر (انظر Der Koran and: Barthold das Meer في Zeitschrift der Deutschen .Gesell . Morgenl سنة 1930، ص 37 وما بعدها فيما يتصل بما يمكن أن يكون الأصل في هذا الرأى). على أن القرآن يتحدث أيضًا في آية من آياته عن البحار السبعة.
ولابد أن يكون قد انتقل إلى العرب من هذه العهود الإسلامية الموغلة في القدَم، أن لم يكن قبل ذلك، آراء جغرافية أولية تناقلها اليهود والنصارى. وكان غالب هذه الآراء من أصل شرقي، وهي أقرب إلى علم وصف الكون منها إلى الجغرافيا. فهي تتحدث مثلًا عن امتداد الأرض بما يقدر بمئات السنين (ابن خرداذبه، ص 93) وعن البحر المحيط وعن بعض الأنهار التي أصلها من الجنة، وعن عمق البحار، وعن تماسك الجبال والسلاسل
الجبلية، وتنقل هذه الآراء الأخيرة غالبًا عن وهب بن منبه، وقد درس فنسنك هذه الآراء المتصلة بعلم وصف الكون في - The Ideas of The Western Sem ites Concerning the Navel of the Earth سنة 1916. في. Verh. AK. Amst. . ومن هذه الآراء أيضًا روايات خاصة بتقسيم مبتكر للأرض وتصورات عن شكلها. فقد جاء في رواية عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنها على هيئة الطير (ابن عبد الحكم: فتوح مصر، ويلاحظ ابن حوقل، مكتبة طوب قابى، رقم 3346 بالآستانة، ص 121 أن هذا الوصف لا يصدق إلا إذا كان المقصود بلاد العرب). وآراء عن توزيع الشعوب على سطحها. والواضح أن هذه الآراء مأخوذة عن أسفار العهد القديم: منها إسكان يأجوج ومأجوج في أقصى الشمال الشرقي، وهم من الأقوام الذين ذكرهم القرآن وكذلك ربط نسب بعض الأقوام المخللفة بأبناء نوح. ولما كثر الأعاجم في الإسلام أضيفت على التدريج بعض التصورات البدائية المماثلة المأخوذة عن المصادر الفارسية والمصرية واليونانية، وقد كانت بعض هذه التصورات مرجع الأهواء التي أثرت قرونا في المصنفات الجغرافية، ولم يظهر بعضها في المصنفات إلا في عهد متأخر عن هذا، وهي من أصل قديم دون شك، مثل الاعتقاد بأن الأرض تحيط بجبل قاف.
وازدادت معلومات العرب الجغرافية الواقعية عن العالم غير العربي إبان الفتوحات الكبرى، ودونت هذه المعلومات في أول ما كتب عن هذه الفتوح، فكتب الحديث وأبواب الفتوح منها خاصة صدى لما دون من هذه المعلومات، ولكنها في جملتها لا تزودنا بمعارف جغرافية مميزة، ففيها ذكر لفضائل المدن والبلدان المختلفة مثل المدينة وبيت المقدس والشام ومصر واليمن. وفي الباب العاشر لكتاب الملاحم لأبي داود وصف مفصل نوعا لمدينة البصرة (وقد استقيت هذه المعلومات الخاصة بالحديث من فنسنك A. J. Wensinck) . وإلى جانب هذه الأحاديث الفقهية، أحاديث أخرى مشابهة نذكر منها على سبيل المثال فضائل مصر والقبط الواردة في كتاب
ابن عبد الحكم، وكتب الفضائل المصرية التي ظهرت بعد ذلك. ويتصل بأقدم ما عرف من المعلومات الجغرافية السياسية فقرة من "كتاب الزيج"، للفزارى الفلكى (النصف الثاني من القرن الثامن) بها وصف للعالم المعروف وقتذاك. وقد حفظ لنا المسعودى هذه الفقرة في كتابه مروج الذهب (جـ 4، ص 37 وما بعدها). وفيها صلة بين التاريخ المشوب بالجغرافيا الخالصة وهي صلة لم تنفصم أبدًا. فقد كان كثير من جغرافي العصور التالية مؤرخين في الوقت نفسه مثل اليعقوبى والبلخى والمسعودى، بينما اشتمل كثير من المصنفات التاريخية على فصول هامة في الجغرافيا. وفي "كتاب المعجب، لعبد الواحد المراكشى (طبعة دوزى، ص 252) فقرة مفيدة تبين أنهم كانوا يدركون الفارق بين هذين النوعين من التأليف إدراكا واضحا، على أن هذا الاتصال بين التاريخ والجغرافيا ظل قائما بل ازداد قوة حتى في الوقت الذي قصر فيه الجغرافيون والمؤرخون همهم على أفكار خاصة كما هو الشأن في المؤلفات المصرية المعروفة بالخطط وفي الحوليات المتعددة التي كتبت عن جهة أو إقليم بعينه.
وثمة طائفة من مصادر المعارف الجغرافية هي الإشارات إلى ما يمكن أن نسميه بالجغرافيا الفلكية. ويستخلص من شواهد شتى أن هذه الآراء عرفت أول ما عرفت من المشرق، ولعلهم نقلوها من الرسائل الهندية التي كتبت في الفلك مثل "السدهانا" التي عرفت في بغداد أيام المنصور عن طريق مدرسة جنديسابور، ولا شك أن القول بالأقاليم السبعة قد عرف أصلا عن هذا السبيل (ولعل هذا القول قد تأثر بالتقسيم الإيرانى للأرض إلى سبعة "كشورات"). يؤيد ذلك أن أقدم الأوصاف التي تناولت الأقاليم السبعة بدأت بذكر البلدان التابعة لكل إقليم في الشرق (الفرغانى، طبعة كوليوس Golius ص 32 وما بعدها؛ Klimata Die sieben: E.Honigmann هيدلبرغ سنة 1929، ص 135 وما بعدها). وهناك إلى ذلك بقايا إحصاء لأطوال مدن من جهة المشرق (الهمدانى: جزيرة العرب، ص 44
وما بعدها؛ Honigmann: كتابه المذكور، ص 139 وما بعدها)، في حين أن الاعتقاد في "قبة الأرض" من المعتقدات الهندية الأصل كما يثبت ذلك اسم "أرين" الذي يطلق على هذه القبة وهو قراءة خاطئة لاسم المدينة الهندية أجّينْى وكان بها مرصد. وانتقلت فكرة قبة أرين -كما هو معروف- إلى التصورات الجغرافية في العصور الوسطى وذلك عن طريق المسلمين، ونذكر أخيرا أن اسم "زيج" الذي يطلق على الجداول الفلكية وعلى الجداول الجغرافية الخاصة بخطوط الطول والعرض لا بد أن يرجع إلى ما أثر عن هذا العلم الفارسى الهندى (انظر ما سبق ذكره عن كتاب الزيج للفزارى).
وأهم من ذلك بكثير إدخال الجغرافية الفلكية اليونانية إلى الموضوعات التي يدرسها العلماء في بغداد وذلك بفضل مابدا من إقبال على الترجمة في بلاط خلفاء العباسيين الأول. وكانت الـ "كيو كرفياى أوفيكسيس" هي وغيرها من موضوعات بطلميوس أول ما تناوله المسلمون بالدرس، وهناك معلومات كثيرة عما تم من ترجمات لكتب بطلميوس، فقد قام ابن خردذابة بترجمة منها كما ذكر ذلك هو نفسه (المكتبة الجغرافية العربية، جـ 6، ص 3) وقام الفيلسوف الكندى المتوفى عام 874 هـ بترجمة أخرى أو عملت له (انظر الفهرست) ص 268؛ ابن القفطى، ص 98) وثالثة قام بها ثابت ابن قرة المتوفى عام 901 هـ والذي لدينا بالفعل هو "كتاب صورة الأرض" لمحمد بن موسى الخوارزمى (طبعة B. A. H. U. G. H.V. MZIK جـ 3، ص 1926) وقد كتب حوالي منتصف القرن العاشر. وكان الخوارزمى من رجال الفلك، والجزء الأكبر من كتابه على هيئة جداول أو زيج. ومن ثم فإن كتاب صورة الأرض ليس ترجمة لكتاب بطلميوس في الجغرافيا فحسب ولكنه أيضًا نقل على صورة الجداول من معارف بطلميوس أدرجت فيها معلومات المسلمين في الجغرافيا بصفة خاصة.
اما المسائل المتعلقة باعتماد هذا الكتاب على مصنفات بطلميوس اليونانية أو السريانية ومدى هذا الاعتماد، وبإقحام المدن الإسلامية فيه وبالمصور الجغرافي الذي وصفه الخوارزمى بوضوح، وتطور تأليف هذا الكتاب، فقد ناقشها كل من نللينو (انظر e il suo: Nalllno AL. Huwarinni della Geografia di Ptolomea rifacimento في R Acc. dei Lincei Atti المجموعة الخامسة، المجلد الثاني، سنة 1894) وفون مزيك (Mzik Ptolemaeus and die Karten der: Von arabischen Geographer في Mitteilungen der geographischen GeseUschaft، جـ 58، سنة 1912، ص 152 وما بعدها)؛ وهونكمان (E. Honigmann: كتابه المذكور ص 122 وما بعدها). وهناك مسألتان هامتان جديرتان بالذكر: الأولى أن جداول "كتاب صورة الأرض" قد رتبت على طريقة الأقاليم السبعة التي سبق أن ذكرناها وهي الطريقة التي مهر فيها العلماء المسلمون على ما يظهر قبل أن يتلقوا جغرافية بطلميوس، ومن ثم أصبحت هذه الطريقة مذهبًا شائعًا في المصنفات الفلكية الإسلامية وفي كثير من الرسائل الجغرافية بعد أن كانت في الجغرافيا القديمة فكرة ثانوية. ونستبين من غالب هذه المصنفات أن القاعدة الأساسية لهذه الطريقة فقدت، وهذا ثابت من التباين العظيم بين درجات خطوط عرض الأقاليم الواردة في هذه المصنفات فالمسعودى مثلًا يرى أن جميع البلاد في إقليم واحد تقع على خط عرض واحد (التنبيه والإشراف، ص 44) أما حساب البيرونى البعيد عن الهوى الوارد في مصنفه "كتاب التفهيم" فهو من الشاذ النادر (E. Sitzungsberichte de Phys - Wiedemann zietaet in Erlangen . medizrn جـ 44، ص 16 وما بعدها) والمسألة الثانية هي المصورات الجغرافية الأربعة الواردة في مخطوط كتاب صورة الأرض المحفوظ في استراسبرغ، وظاهر أنه قصد بها توضيح بعض المعالم الجغرافية وأهمها مصور مجرى النيل، وقد رسمت فيه حدود الأقاليم. وليس هناك مصور للعالم، ولكن البيانات الخاصة بخطوط الطول والعرض
تزودنا بالمادة اللازمة لرسم مثل هذا المصور.
وقام مزيك Mzik بإعادة رسم مصور إفريقية (Denkchr. der Phil - hut. Cl. der .Wiss. Wien Kais . Ak، جـ 59، ص 4) وهذا يدلنا على أن معر هذا العمل لا يمكن القيام به إلا مع تصويبات كثيرة.
وثمة مصنفات جغرافية إلى جانب كتاب صورة الأرض للخوارزمى بها جداول مأخوذة من المصادر ذاتها ممر التي ذكرها البتانى (طبعة نللينو، جـ 3، ص 234 وما بعدها). والتي ذكرها ياقوت نقلا عن كتاب الملحمة المنسوب إلى بطلميوس، ومن قبيل هذه المصنفات العلمية المعلومات الخاصة بخطوط الطول والعرض الورادة في زيج كثير من المصنفات الفلكية، وكلها وفق طريقة الأقاليم السبعة، نذكر منها على سبيل المثال مصنفات ابن يونس المتوفى عا 1008 م في الزيج الحاكمي، والبيرونى المتوفى 1048 م في القانون المسعودى، و"كتاب الأطوال" الذي لا نعرف مؤلفه ويذكره كثيرًا أبوالفداء، والمراكشى المتوفى عام 1262 في كتابه "جامع المبادئ" وغيرهم كثير، ومن المستحيل إعادة رسم المصورات الجغرافية على أساس هذه الأزياج، والظاهر أن الفلكيين أنفسهم لم يفكروا في هذا الأمر، كذلك لم يكن للجغرافيين فيما يبدو دراية صحيحة بالمعلومات التي أوردها الفلكيون. ويستثنى من ذلك بوجه ما كتاب "صور الأقاليم" الذي كتبه سهراب في منتصف القرن العاشر (طبعة Mzik في B. A. H. U. G.، جـ 5) فهو مفيد من هذه الناحية وإن اشتمل على معلومات إسلامية أوفى، رتبت على نسق النظام الذي اتبع في كتاب الخوارزمى.
وكانت معرفة العرب بالجغرافية الفلكية اليونانية وثيقة الصلة بالنهضة العلمية التي أزكاها الخليفة المأمون (813 - 833) فقد كلف بعض العلماء القيام بالأرصاد الفلكية، وقد قيست الدرجة الجغرافية خلال هذه الأرصاد. وكانت الجداول الفلكية المعروفة باسم "الزيج المأمونى الممتحن" من ثمرات ذلك، ولم تصل إلينا هذه الجداول صيغتها الأصلية (Honigmann: كتابه
المذكور، ص 113 وما بعدها). ولعل من ثمرات أعمالهم أيضًا ضربًا من مصورات العالم سماها المسعودى (التنبيه والإشراف، ص 33، 44)"الصورة المأمونية"، وهو يقول إن الأرض صورت في هذه الخريطة على طريقة بطلميوس، وإذا كان الجغرافي الأندلسى الزهري (القرن الثاني عشر) قد وصف حقيقة في مصنفه "كتاب الجغرافيا" هذه الخريطة المأمونية كما يقول في مقدمته، فإن هذه الخريطة تكون قد قسمت إلى سبعة أقاليم يحيط ستة منها بالإقليم السابع وهو الأوسط ويحيط بالأقاليم كلها البحر المحيط. وهذا النظام أكثر انطباقًا على التقسيم الفارسى إلى كشاور كما وصفه البيرونى (كتاب التفهيم؛ Sitzungsherichte d. Phys. medizin . Sozietat in Erlangen جـ 44) وهذا قريب الاحتمال. ثم إن القيام برسم مصور العالم للمأمون يعد رمزا للسلطان العالمى على مثال ما كان عليه الحال في فارس القديمة، إذ يقال إن مدو هذه المصورات قد عملت لملوك الساسانين (أردشير الأول كما في رواية ياقوت، جـ 1، ص 16؛ الدمشقي، ص 18؛ المقريزى في.، s ة Par les membres de L'In Mbmoires publices Franc d. Archeologie Orientate au Caire جـ 30، ص 33؛ قباذ كما في رواية أحمد الطوسى: عجائب المخلوقات مخطوط في كوتا، القسم الفارسى رقم 35، ورقة 27). ثم عمد بعض الملوك الأقوياء إلى تشجيع القيام برسم المصورات الجغرافية مثل الساسانيين في خراسان وملوك النورمانديين في صقلية.
على أن ظهور المصنفات الجغرافية الوصفية إبان القرن التاسع الميلادي في حاضرة الثقافة العباسية كانت تدعو إليه ضرورة علمية، فقد كانت الحاجة ماسة أول كل شيء إلى معرفة الطرق الكبرى التي تربط أقاليم الدولة الإسلامية بعضها ببعض، وكانوا يطلبون هذه المعلومات لأغراض إدارية وسياسية، كذلك كانت الحاجة ماسة إلى تعيين محطات القوافل على طرق الحج الموصلة إلى مكة. وكانت مادة هذه الأوصاف الخاصة بطرق المسافرين موفورة إلى حد ما في
دواوين الحكومة تكملها أوصاف الرحالين. فقد كانوا على الخصوص يعودون من رحلاتهم بمعلومات جديدة عن الممالك البعيدة على شواطئ المحيط الهندى وفي جزائره الكثيرة، وقلما كانت قصص هؤلاء تدون في رسائل مستقلة برأسها في القرن التاسع، ولدينا مع ذلك أخبار رحلات التاجر سليمان التي قام بها إلى الهند والصين في منتصف القرن التاسع (نشرها رينو Reinaud عام 1811 عن المخطوط رقم 2281 المحفوظ بالمكتبة الأهلية بباريس وعنوانه "سلسلة التواريخ") وجرت العادة على إدماج أخبار الرحالة في الكتب العامة التي تتسم أكثر من غيرها بالسمة الوصفية إدماجا يختلف في درجة وضوحه كما هو الشأن في رحلة سلام المترجم إلى الشمال الشرقي (ابن خرداذبه، ص 162 وما بعدها). ولم تصبح كتب هؤلاء الرحالة بابا قائما بذاته إلا في القرون التالية مثل كتاب عجائب الهند لبزرك بن شهريار (طبعة. Van der Lith، ليدن سنة 1883 - 1886) ، وفيها مجموعة كبيرة من القصص العجيبة التي تسربت إلى المصنفات المتأخرة الخاصة بوصف الكرة الأرضية. ومن الصعب أن نسميها مصنفات جغرافية وإن ظهرت في صورة رحلات قام بها السندباد البحرى ووردت في كتاب ألف ليلة وليلة، وهي مع ذلك معدودة من المصنفات الخاصة بالملاحة التي ظهرت في القرن الخامس عشر.
وأدت مجموعات كتب الرحلات وغيرها من المعلومات الجغرافية العلمية إلى ظهور كتب مختلفة في المسالك والممالك. وأقدم الكتب التي تسمى بهذا الاسم ما ألفه أبو العباس جعفر بن أحمد المروزى المتوفى عام 887 كما في رواية صاحب الفهرست (ص 150، ولكن إذا كان ابن خرداذبه والأصح: خرّداذبه بالراء المشددة) قد كتب النسخة الأولى من مصنفه "كتاب المسالك والممالك" حوالي عام 846 كما يظن ده غويه de Goeje (انظر في Osteuropaiesche und: J. Marquardt Streifzuege Ostasiatische، ص 390) فإن رواية الفهرست لا يمكن أن تكون صحيحة. ومن المؤلفين القداص الذين
صنفوا كتابًا بهذا الاسم أحمد بن محمد الطيب السرخسى المتوفى عام 899 (الفهرس، ص 261. Brockelmann: . Cexchichte der arab. Litter جـ 1، ص 210) وكان تلميذًا للكندى، وهو أحد الذين ترجموا كتب بطلميوس وصاحب رسالة في المد والجزر (في مخطوط 32. Seld Arch. A بمكتبة بودليانا). وليس لدينا من هذه الكتب مع ذلك إلا كتاب ابن خزَّداذبة وهو يزودنا- إلى جانب ما به من أدلة للمسافرين- بإشارات فلكية جغرافية (وفقا لبطلميوس) وأخبار الرحالة ومعلومات تاريخية استقاها من المصادر الفارسية عن الحياة في الجاهلية وبعض الآراء الجغرافية الشائعة. ولا يتبع هذا الكتاب نظاما دقيقا في طريقة تأليفه، ولعل ذلك راجع إلى أنه ليس بين أيدينا سوى مختصر له، ومما هو جدير بالملاحظة أننا نجد فيه في الوقت نفسه معلومات جغرافية مستفادة من جميع المصادر المختلفة تقريبًا التي عددناها سابقًا، ولا ينحصر موضوع هذا الكتاب في العالم الإسلامي الذي كان معروفا زمن المؤلف بل يمتد إلى جميع البقاع غير الإسلامية التي استطاع المؤلف أن يجمع شيئًا من أخبارها. وهذا التعميم ظاهرة ترجع دون شك إلى أثر جغرافية بطلميوس، ومما ساعد على ذلك كثيرا أن القسم الأكبر من العالم كما عرفه بطلميوس يتفق وما كان معروفًا من العالم في العصر الإسلامي العباسى، ذلك العالم الذي كان قد أخذ وقتذاك يصبح وحدة ثقافية أكبر منه وحدة سياسية، ومن قبيل كتاببن خرَّداذبة كتاب البلدان لابن واضح اليعقوبى المتوفى عام 897، والرسالة الموسومة بهذا الاسم أيضًا لابن الفقيه الهمذانى.
وقد وصف كاله P.Kahle أخيرا مخطوطًا أكمل من كتاب الهمذانى في (Zeit. der Deutschen Morgen. GeselL ، ص 43 وما بعدها) وكتاب الأعلاق النفيسة لابن رسته، وقد عاش في صدر القرن العاشر) والفصول الجغرافية في كتاب الخوارج لابن قدامة فهذه المصنفات كلها تزودنا بمعلومات متشابهة ولكنها على الجملة أدخل في الأدب منها في الجغرافيا، ولعلها أكثر تأثرا في طريقة
تأليفها بسنة التأليف العربي في الجغرافيا التي سبق أن وصفناها. ولا شك أن من هذه المصنفات الرسالة الجغرافية المفقودة التي كتبها الجاحظ المتوفى عام 865 وعنوانها "كتاب الأمصار وعجائب البلدان". ونذكر أخيرا من بين هذا النوع من التأليف كتاب المسالك والممالك للجيهانى الذي وزر للسامانيين في النصف الأول من القرن العاشر، وقد فقد هذا الكتاب (انظر مع ذلك E. Herzfeld في Ephemerides Orientates ليبسك سنة 1926، رقم 28) ولكن المقدسي يقول (ص 241) إنه يختلف اختلافا يسيرا عن كتاب ابن خرَّداذبه، ويمكن أن نقول بوجه عام إن هذه المجموعة من الكتب الجغرافية غنية بالمعلومات المتصلة بجميع الموضوعات التي تهم الطبقات المثقفة من المجتمع (انظر ما ذكره المقدسي تقديرا لكتاب الجيهانى، ص 3 و 4). ويظهر أن هذا النوع من التأليف كان يجمع فيه كل المعارف الدنيوية التي لا تجد لها مكانا في كتب الحديث والدين.
ونشطت حركة التأليف الجغرافي في بغداد وما حولها في القرن العاشر فقامت نتيجة لذلك مدرسة جغرافية يصح أن نطلق عليها اسم المدرسة القديمة. ورأس هذه المدرسة هو العالم أبو زيد أحمد ابن سهل البلخى المتوفى عام 934، وكان في حداثته، مثل السرخسى، تلميذًا للكندى ببغداد، وقد صنف في بلخ في سن عالية كتابًا يعرف عادة باسم "صور الأقاليم". وهذا الكتاب في جوهره مصورات جغرافية على الأرجح أضيفت إليها نصوص مختصرة (المقدسي، ص 4). ولم يصل الينا النص الأصلي من كتاب البلخى، ولكنه أدمج في الكتابين الجغرافيين وابن حوقل المتوفى عام 975، ويعرف كلاهما باسم "كتاب المسالك والممالك" كما أدمج في طائفة من المخطوطات الفارسية التي تتضمن نقولا من النسخة القديمة من كتاب الإصطخري. وتعطينا المصورات الجغرافية الواردة في مخطوطات هذه المصنفات كلها فكرة وافية عن مصورات كتاب البلخى، وقد أطلق ملر
K. Millet في كتاب Mappae Arabicae علي أطلس البلخى الجغرافي اسم "أطلس. الإسلام"، ويشمل هذا الأطلس في تسلسل منظم مصورات للعالم والجزيرة العربية ولبحر فارس والمغرب ومصر والشام وبحر الروم، كما يشمل أربعة عشر مصورا آخر لأنحاء من أواسط العالم الإسلامي وشرقه.
وتمثل الأقسام الجغرافية المختلفة من فارس مصورات منفصلة، بينما تمثل مصورات العالم الغربي ممالك بأكملها، وهذا يفصح بأن الأولى أصلها إيرانى، ويؤيد ذلك أيضًا بعض فقرات من النص، ونستدل من شكل هذه المصورات وتعاقبها -كما وضعت أمامنا في القرن العاشر- على أنه قصد بها قبل كل شيء تصوير مملكة الإسلام، ويدعم هذا أقوى تدعيم ما يصاحب هذه المصورات من نصوص (الأصطخرى، ص 2؛ ابن حوقل، ص 4). وتشهد هذه الجغرافيا الإسلامية الخالصة إلى جانب ذلك بأن لا صلة بينها وبين الجغرافيا الفلكية على الأطلاق (الأصطخرى، ص 3؛ ابن حوقل، ص 4). فلا نجد بالمصورات الجغرافية أي أثر لتقسيم العالم إلى أقاليم وفقا لخطوط العرض، ذلك أن لفظ إقليم يطلق فيهاعلى كل بقعة من الأرض خصت بمصور.
ولا تزال الطريقة التي خرج بها "أطلس الإسلام" إلى الوجود في حاجة إلى البحث، ذلك أن شيرنكر (A.Sprenger: Die Post. and Reiserouten، Vorrede ص 14 وما بعدها) أخذ بفقرة وردت في الفهرست (ص 138 تعد الفلكى أبا جعفر الخازن أول واضع لهذا النوع من المصورات الجغرافية، وإن كان هذا الفلكى كما يقول سوتر Suter. Die)W math. U. astron. der arabes ص 58) قد توفى فيما بين 961 و 962 فهو لذلك أصغر بكثير من البلخى. على أن هذه المصورات لا صلة لها بالجغرافيا الفلكية، فهي تدرس كل إقليم على حدة ولا يمكن أن تجمع معا بحال في كلّ واحد. ولا صلة لها بالمصورات الواردة في مخطوط الخوارزمى. ومع ذلك لا يصح أن نرفض الرأى القائل بأن هذه
المصورات أريد بها في الأصل أن تكون دلائل للمسافرين. ولا نعرف فوق هذا إلا القليل النادر عن فن رسم المصورات الجغرافية في الأزمنة المتقدمة. ويذكر ابن الفقيه (ص 283) خريطة للديلم رسمت للحجاج. وررد في كتاب البلاذرى (ص 371) ذكر لمصور جغرافي لقنوات البصرة رسم إجابة لملتمس رفع إلى الخليفة المنصور. ونستدل من ترتيب المصورات الجغرافية في "أطلس الإسلام" أنه كان هناك "أطلس إيرانى" أقدم عهدا وأنه هيئ واصلح ليكون ملائمًا للعالم الإسلامي. ولم تصدر المصورات الخاصة بالأقاليم الإيرانية الخالصة إلا بمصور للعالم وبآخر لكل من البحرين، بحر فارس وبحر الروم. وقد يكون هناك ارتباط بين مصور العالم ومصور المأمون، ومما هو جدير بالذكر أن تقسيم العالم إلى أقاليم يشبه بعض الشبه تقسيم الأقاليم كما رواه البلاذرى في كتابه فتوح البلدان. وتثير مختلف النصوص الواردة في كتب الجغرافيا التي ألَّفتها مدرسة البلخى وقد أطلق عليها ده غويه دون وجه حق اسم كتب المسالك، لأن هذا الاسم أقدم عهدا منها) هي وهذه المصورات طائفة كبيرة من المسائل اللغوية نحيل القارئ فيما يختص بها إلى بحث ده غويه Frage Die Istachri - Balchi): de Goeje في der Deutschen. Morgen Zeitschrift .Gesell ص 42 وما بعدها) وإلى كرامرز (La question Balhi - Istahri -: J. H. Kramers .de l'Islam Acta O rient et L'Atlas Ibn Howkal جـ 10، ص 9 وما بعدها).
وترتيب الموضوعات الجغرافية يعتمد كل الاعتماد على المصورات. ففي كل إقليم دراسة متعاقبة للمدن والأنهار والجبال والسكان ثم يلي ذلك دلائل للمسافرين. وهذا الترتيب يهيئ المجال لإدخال بعض مسائل جديدة يزودنا بها الرحالة والوثائق الرسمية واتساع المعرفة بالتاريخ أو غير ذلك من المصادر، ونري في نص ابن حوقل خاصة إضافات كثيرة إلى المعلومات الخاصة بإفريقية والأندلس. وهذه الإضافات ملموسة أيضًا في مصوراته الدقيقة التي رسمها لهذه الأقاليم.
والمدرسة الإسلامية البلخية في التصنيف الجغرافي بخاصة لم تظهر في بلاط العباسيين وكانت تربطها بهذا البلاط وشاثج مأثورة، ولكنها نشأت في المركز الثقافى الجديد الذي تغلب عليه النزعة الفارسية، وهو المركز الذي تجمَّع حول بلاط السامانيين في خراسان. ولا شك أن اهتمام الجيهانى بالجغرافيا كان له أثر بالغ في للك الحركة وان كان كتابه بمثابة تكملة للتقليد الجغرافي القديم. على أن الذين ساروا على نهج مدرسة البلخى لم يكونوا من الخراسانيين، فالإصطخرى كان من أهل فارس وابن حوقل من أهل نصيبين، بل أن نص النسخة الأخيرة من كتاب الجيهانى كان مشايعًا للفاطميين، بينما كان في كتاب الإصطخري والنسخة المتقدمة من كتاب ابن حوقل ما ينبئ عن ميل شديد نحو السامانيين. والمقدسى المتوفى عام 1000 هو آخر الجغرافيين العظام الذين ساروا على نهج مدرسة البلخى. وقد عده سيرنكر Sprenger .A أعظم الجغرافيين في كل العصور، وهو من أهل بيت المقدس. ولدينا نسختان من كتابه "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" إحداهما تميل إلى السامانيين والأخرى تميل إلى الفاطميين. وقد تحرر المقدسي من الطريقة التي اتبعت في أطلس الإسلام، فالمصورات التي في مخطوطاته فيها السمات البدائية التي عرفت بها مصورات الإصطخري الأولى. ويختلف تقسيمه للعالم إلى أقاليم عن التقسيم الوارد في أطلس الإسلام. وهو يتناول مرة أخرى دراسة الجغرافية الفلكية، غير أنه قصر في ذلك تقصيرًا كبيرًا. ويمكن القول بأن هذا المؤلف هو آخر أتباع المدرسة الجغرافية الإسلامية الخالصة، وقد خلفت آثارا في كثير من كتب الجغرافيا التي ظهرت في القرون المتأخرة، إلا أن مؤلفات أصحابها تركت من ذلك الوقت للنساخ خاصة، وكانوا يتفاوتون في العناية بما ينقلونه، ولم يبق في الكتب الجغرافية من مصورات هذه المدرسة إلا مصور العالم، إذ نتبينه بوضوح في مصورى العالم الواردين في كتابى القزوينى وابن الوردى، وأقل من ذلك وضوحًا في مصورات العالم المستديرة الواردة في كتاب الإدريسي. وهذا
المصور أيضًا هو الأساس الذي قام عليه مصور العالم المستدير الهام الذي نشاهده في مخطوط الكاشغرى المسمى "ديوان لغات الترك، المحفوظ بالآستانة (الآستانة 1333 - 1335).
وكان إلى جانب مدرسة البلخى طائفة من المؤلفين الذين عاشوا في القرن العاشر وساهموا في نشر المعارف الجغرافية، ويمكن أن نقسم مؤلفاتهم بوجه عام إلى فئة تحاول دراسة العالم المعروف بأسره، وأخرى تصف ممالك أوأقاليم بعينها. ومن كتب الفئة الأولى كتابًا الجيهانى وسهراب السابق ذكرهما، ومنها أيضًا كتاب "آكام المرجان" لشخص يدعى إسحاق ابن الحسين، ولعله من المصادر التي ذكرها الإدريسي. وفي هذا المصنف تعداد جملة من المدن على الأسلوب الذي شاع فيما بعد. وقد كتب هذا المصنف حوالي عام 950 ونشره كوداتزى (Rendiconti della: A. Cndazzi . ، Classe di Sc Reale Accademia dei Mor. storefrlol. سنه 1929). وهناك أيضًا لمحة جغرافية في الرسالة الرابعة من القسم الأول من رسائل إخوان الصفاء وفيها فصلت آراء بطلميوس التي أخذ بها الجغرافيون في القرن السابق، وهناك إشارات ممائلة في كتاب "البدء والتاريخ" الذي ألفه المطهر بن طاهر المقدسي عام 996 (طبعة إيوار cl. Huart في Publications de l'ecole des langues orientates vivantes باريس 1899 - 1917) وأهم من هذا أيضًا كتاب "حدود العالم" الذي لا نعرف مؤلفه، وقد كتب بالفارسية (أو نقل عن العر بية؟ ) عام 983 - ونشر بارتولد Barthold صورة طبق الأصل من هذا الكتاب في لينينغراد سنة 1930 ونظام هذا الكتاب مثل نظام كتاب بطلميوس بحذافيره، ولكن حذفت منه جميع المعلومات الخاصة بخطوط الطول والعرض، ويذهب بارتولد إلى أن ثمة علاقة أدبية بين هذا الكتاب وكتاب الجيهانى، ويبين أيضًا أن بينه ربين القسم الجغرافي من الكتاب الفارسى زين الأخبار للكرديزى (كتب حوالي سنة 1050) صلة أخرى. ونذكر أخيرا أنه ألَّف في ذلك القرن أيضًا للخليفة الفاطمى العزيز (975 - 996) كتاب
المسالك والممالك للمهلبى، ولم يبق من هذا الكتاب سوى مقتطفات في ياقوت وأبي الفداء.
والمسعودى المتوفى عام 956 أعظم الجغرافيين أصالة في القرن العاشر، ففي كتابه الضخم "مروج الذهب" وكذلك في مصنفه كتاب "التنبيه" وصف للممالك التي زارها، وهو يسوق إشارات تاريخية، ويناقش جميع المسائل الجغرافية التي قد تعرض بشكل ما في كتب جغرافيى القرن السابق دون أن يتقيد كثيرًا بمنهج خاص. ولم يقصر المسعودي كلامه على العالم الإسلامي. وهناك آخر هو ابن فضلان الذي أسفر إلى بلغار نهر إتيل (الفلجا) عام 921 - 922. وقد عرف ياقوت رسالة ابن فضلان كما عرفت هذه الرسالة حديثًا بصورة أكمل في مخطوط ابن الفقيه الذي كشف عنه أخيرا (انظر كالة p.Kahle في Zeitschrift Morgenlandischen Gesellschafl der Deutschen سنة 1934، ص 44) هذا فضلا عن أخبار رحلته التي ذكرها أبو دلف مسعر بن المهلهل، الذي بدأ رحلته الواسعة بآسية عام 942. ويظهر أن هناك نصًّا موثوقًا به من هذه الرسالة في مخطوط ابن الفقيه. وذكر إبراهيم ابن يعقوب، وهو رحالة آخر، أخبار رحلاته في أوربا، وقد أورد كل من البكرى والقزوينى مقتطفات منها. وقام ابن سليمان الأسوانى برحلة في النيل إلى النوبة حوالي عام 975 ووصف هذه الرحلة في "كتاب أخبار النوبة" وقد حفظ لنا المقريزى فقرات من أخبار هذه الرحلة.
وتؤدى بنا أخبار هذه الرحلات إلى النوع الثاني من الأوصاف الجغرافية التي ذكرناها آنفا، وهي الكتب الجغرافية الاقليمية والمحلية التي تتصف في الوقت نفسه بالطابع الجغرافي التاريخي. وفي طليعة هذه المصنفات أول ما ألف من كتب الخطط المصرية. ويقول المقريزى إن المثل الأول لهذا النوع من التأليف هو محمد ابن يوسف الكندى ولد الكندى (طبعة. J Kong. Danske Videnske . Setsk Oestrup Forh (سنة 1896، رقم 4) ورسالة ابن زولاق المتوفى عام 997 المعروفة بهذا
الاسم أيضًا وهي متصلة كذلك بالفقرات الخاصة بالفضائل الواردة في كتب الحديث.
وقد سار على منوالها في القرن الحادي عشر محمد بن سلامة القضاعى المتوفى 1062 في كتابه "المختار في ذكر الخطط والآثار" وأورد كل من ياقوت والمقريزى فقرات هامة من هذا الكتاب. وظهرت في القرن الثاني عشر "الرسالة المصرية" لأبي الصلت أمية بن عبد العزيز المتوفى عام 1134 وفي ياقوت والمقريزى فقرات منها، ووصف محمد بن يوسف الورّاق المتوفى عام 973 المغرب في مصنفه "كتاب المسالك والممالك"(انظر المقرى، جـ 2، ص 112 وما بعدها) وقد فقد هذا الكتاب، ولكن البكرى في القرن التالي اعتمد عليه كثيرا في تأليف كتابه؛ ووصف الأندلس على هذا النحو أحمد بن محمد الرازي التأريخى المتوفى عام 955 (انظر مقدمة دوزى في طبعته لكتاب ابن عذارى، جـ 1، ص 23) وخلَّف هذا الكتاب المفقود آثارا في الكتاب الأندلسية المتقدمة، ووصف الهمدانى في كتابه "جزيرة العرب" الذي ذكرناه آنفًا الجزيرة العربية وصف العارف الخبير. ولا نزال في حاجة إلى أن نعرف إلى أي مدي ساهمت هذه الأوصاف الجغرافية الإقليمية في الكتب الجغرافية العامة، وهذا يصدق أيضًا على كثير من كتب تخطيط البلدان المصبوغة بالصبغة التاريخية التي قصرت على مدينة بالذات، وهي التي لا يمكن فصلها تماما عن الكتبلتى وصفت الأقاليم. وتسود الناحية التاريخية وكذلك الناحية الخاصة بالتراجم هذه الكتب الخاصة بوصف البلدان، وهي لذلك تسمي "تأريخ". ومن أقدم المؤلفات التي تدخل في هذا الباب أخبار مكة للأزرقى المتوفى عام 858. وبقى لنا من هذا القرن ففسه جزء من كتاب تأريخ بغداد لابن أبي طاهر المتوفى عام 893 وهو الذي سار على منواله الخطيب البغدادي المتوفى عام 1070 الذي ألف كتابًا بالعنوان نفسه. وقد ألِّفت كتب أخرى مماثلة عن بعض المدن الأكثر إيغالا في ناحية الشرق مثل تأريخ بخارى للنرشخى المتوفى عام 959، وقد
وصفت بهذه الرسيلة كثير من المدن في الشرق والغرب وصفا تاريخيًا تخطيطيًا، ومن المستحيل تعداد هذه الكتب لكثرتها، لأن هذه الأوصاف ظلت حتى اليوم من الأبواب الأدبية الشائعة في جميع أنحاء الممالك العربية والإيرانية والتركية الإسلامية.
وقل إنتاج المؤلفات الجغرافية العامة الجديدة في القرن الحادي عشر، ويعود ذلك من غير شك إلى استمرار انحلال العالم الإسلامي سياسيا. ثم يمكن أن نقول أيضًا أنه كان قد تم ذكر كل شيء خاص بدلائل المسافرين وأوصاف الممالك مما تتطلبه الحاجة الأدبية والعملية، وقد أعيد كشف العالم المعروف وقتذاك كشفا يتفق ووجهة النظر الإسلامية الاستعمارية، ذلك لأنه لم تضف معلومات جديدة عن بقاع كانت مجهولة لدى الأقدمين اللهم إلا إذا استثنينا بعض جهات من إفريقية، على أن حركة الكشف كانت أوسع من ذي قبل، فقد أمدتنا كتب الجغرافيا التي ألفت في القرنين التاسع والعاشر بمعلومات أوفى من التي أمدتنا بها المصادر القديمة ومصادر العهد اليونانى المتأخر وخاصة عن الممالك الآسيوية، وظهر في القرن الثاني عشر أيضًا كتابان جغرافيان من الطراز الأول ختما العهد القديم لهذا النوع من التأليف ختاما حميدا، أولهما كتاب البيرونى في وصف الهند (كتب حوالي عام 1030) وهو يزود معارف المسلمين بمعلومات أوفى عن آراء الهندوس في الجغرافيا ونظام الكون إلى ما فيه من المعلومات الجغرافية الغزيرة عن الممالك المفتوحة حديثًا. ومصنفات البيرونى الأخرى، وخاصة كتاب "القانون المسعودى"، جديرة بالذكر لوضوحها في عرض الحقائق الجغرافية وإن كانت من كتب الفلك. ويشمل كتاب التفهيم في مخطوطاته الخمسة المعروفة مصورا عجيبًا مستديرًا للعالم يوضح به مواضع البحار (أعيد إثبات مصورات المخطوطات الأربعة على الصفحة 713 من كتاب Monumenta Cartographica Africae et Aegypti ليوسف كمال). ويصف البيرونى في مصنفه الآثار الباقية (طبعة سخاو، ص 357 بعض الطرق
الهندسية لمساقط مصورات السماء والأرض، على أن هذه الطرق لم تطبق عمليا فيما يظهر كما هو شأن غيرها مما أبدعته ألمعية هذا العالم العظيم، والكتاب الجغرافي العظيم الآخر الذي ظهر في القرن الحادي عشر هو كتاب المسالك والممالك الذي ألفه الكاتب الأندلسى أبو عبيد البكرى عام 1067 صاحب المعجم كما ذكرنا من قبل، ولا نستطيع بعد تكوين فكرة عن ماهية هذا الكتاب الكبير بأكمله لأننا لا نعرف إلا وصف البكرى لشمالى إفريقية (طبعة ده سلان de Slane) وما ذكره من معلومات عن جنوب الروسيا (من كونك Kunik وروزن Rosen؛ وانظر تعليق رتر Ritter على مخطوط الآستانة المنشور في مجلة SLl. جـ 19، ص 43). ويظهر أن البكرى لم يكن من مدرسة البلخى لانعدام المصورات الجغرافية في كتابه، ومهما يكن من الأمر فإن كتاب البكرى يعتمد إلى حد كبير على دراسات المؤلف الشخصية كما أنه دون فيه كثيرا من الحقائق التي كانت معروفة في زمنه.
ومن كتب الرحلات التي ترجع إلى القرن الحادي عشر الكتاب المشهور "سفرنامه" لناصر خسرو وقد ألف حوالي عام 1045، والأخبار المستقاة من إبراهيم الطرطوشى المتوفى عام 1085 الذي ساح في فرنسا وألمانيا، وقد روى القزوينى هذه الأخبار.
وظل كثير من المصادر الأدبية وخاصة الكتب التاريخية بعد القرن الحادي عشر يزودنا بالمعارف الجغرافية وأخذت الكتب الجغرافية الصرف منذ ذلك الوقت يتميز طابعها أكثر فأكثر بالتنسيق الأدبى للمواد الواردة في المصنفات المتقدمة. وبدأ الناس يشعرون بثقل وطأة التقليد، وجنح المؤلفون إلى تدوين فوائد المعارف التي جمعتها الأجيال السابقة دون تمييز بينها وصوغها في أسلوب أدبى، وخفف التقدم التاريخي من الشعور بالوحدة الجغرافية للعالم الإسلامي، ومال الكتاب إلى ذكر العجائب والخوارق كما حدث في المصنفات الجغرافية اللاتينية المتأخرة، وأهم الظواهر كلها التقريب بين الجغرافيا الوصفية والجغرافيا الفلكية، وأبرز مثل لذلك كتاب "نزهة المشتاق"
للإدريسى المتوفى عام 1156 ويشتهر هذا الكتاب بمصوراته السبعين، ويمثل كل منها عشر إقليم من الأقاليم السبعة، وهي إن وضعت جنبًا إلى جنب على الطريقة الصحيحة- وهذا أمر جديد غاية الجدة على فن رسم المصورات الجغرافية في الإسلام- تألف منها مصور تام للعالم المأهول وفقا لتصور بطلميوس، وفي مقدمة هذا الكتاب أيضًا مصور مستدير للعالم لعله يرجع إلى تقليد إسلامي متقدم في رسم المصورات الجغرافية. ويصعب علينا أن نتثبت: هل كان هذا المصور العالمى ومصور الأقاليم الكبير موضوعين جنبا إلى جنب- هما صورة طبق الأصل من مصور العالم الفضى الذي رسم لروجر ملك صقلية راعى الإدريسي كما يقول المؤلف في مقدمته. ومن العجيب أن هذه المقدمة لا تذكر شيئًا عن الطرق الفلكية التي كانت مستعملة في رسم المصورات الجغرافية، وإن كانت تذكر بعض الإشارات العامة عن الجغرافيا الفلكية. وهذا يؤدى أيضًا إلى النتيجة العجيبة، وهي أنه لم تكن هناك ابدًا طرائق فلكية وأنه لاشك في أن الأدريسى قد اتخذ أحد مصورات بطلميوس أساسا لعمله (انظر أيضًا. H Mzik Mitteilungen der geographischen: Von A ، Gesezischajt in Wien جـ 58، سنة 1912، ص 152 وما بعدها) واعتمد النص كثيرًا فيما يتصل بالممالك الإسلامية على الكتابين المتقدمين وخاصة بن حوقل الذي كثيرًا ما فسرت أقواله مع ذلك تفسيرًا خاطئا (هناك مثال ناطق لهذا في كتاب Eranshahr: Marquardt ص 261). واستعان الإدريسي فيما كتبه عن الممالك الأوربية بالمعلومات التي جمعت للملك روجر Roper من الرحالين والتجار. وهذه المعلومات جد مهمة لقدمها، ولكن بعد أن عرفنا على مدى الأيام الطريقة غير المضبوطة التي اتبعت في استغلال هذه المعلومات في النص وفي المصورات الجغرافية فإن الحيطة التامة واجبة عند الإفادة من هذا الكتاب (Idrisi: R. Ekblom und die Ortsnamen der Ostseelander في Nammoch Bygd، استوكهولم سئة 1931). وهناك مختصر لكتاب الإدريسي كتب عام 1192 (مخطوط رقم 688 المحفوظ بمكتبة حكيم أوغلى
بالآستانة) وقد ألحقت به أيضًا بعض المصورات منها مصور الإقليم جنوب خط الاستواء، ومقدمة هذا المختصر أكثر تفصيلا في الفلك، ولكنها لا تفصح عن شيء من المبادئ الخاصة بفن رسم المصورات الجغرافية.
ويظهر أن شهرة الإدريسي تنحصر في القسم الغربي من العالم الإسلامي، والكتاب الوحيد الذي يشبه كتاب الإدريسي- فيما نعرف -هو "كتاب جغرافيا في الأقاليم السبعة" لابن سعيد المتوفى سنة 1274 ولدينا جزء من هذا الكتاب (باريس، المخطوط العربي رقم 2234. المتحف البريطانى، القسم الشرقي رقم 1524). وهو مقسم إلى الأقاليم السبعة نفسها، وكل إقليم مقسم إلى عشرة أقسام وقد ذكرت فيه خطوط الطول والعرض لكل موضع جغرافي على جانب كبير من الأهمية، وهذا يتيح لنا رسم مصور جغرافي كامل. واستغل هذا الكتاب كثيرًا من الحقائق الجديدة مثل أخبار رحلات ابن فاطمة الذي توغل في رحلاته على طول شواطئ إفريقية وانتقال القبائل الجديدة الذي تم في شمالي إفريقية بعد قيام الموحدين. وهناك مختصر آخر غير كامل من هذا الكتاب بعنوان "كتاب بسط الأرض في طولها والعرض"(مخطوط في بودليانا بأكسفورد).
ونلمس أيضًا النزوع إلى التقريب بين الجغرافية الوصفية والجغرافية الفلكية في القرن الثاني عشر في مختصر لكتاب ابن حوقل، أعده كاتب أندلسى حوالي عام 1150 (مخطوط بباريس رقم 2214؛ مخطوطات بالآستانة بمكتبة طوب قايى رقم 3347، وفي آياصوفيا رقم 2934). وفي هذا المختصر زيادات كثيرة تشير إلى عصر هذا الكاتب الأندلسى إلى جانب ما به من مصورات ابن حوقل المعروفة ومصور النيل نفسه الذي عرفناه عن "كتاب صورة الأرض" للخوارزمى. وبعض الزيادات التي أدخلت على النص خاصة بهذا المصور أما كتاب "منتهى الإدراك للخرقى المتوفى عام (1138 - 1139) فيمكن أن يعد من الناحية الفلكية اتجاها نحو الجغرافيا الوصفية، وقد ألف هذا الكتاب في مرو.
ومن كتب الجغرافيا التي ظهرت أيضًا في منتصف القرن الثاني عشر "كتاب جغرافيا" لكاتب أندلسى يسمى الزهري، وجاء في هذا الكتاب أنه وصف لمصور العالم (جغرافيا) الذي رسم للمأمون (انظر ما سبق) ولكن صاحبه يقسّم العالم المعروف وقتذاك بطريقة تخالف تمامًا ما جرت عليه العادة، فهو يقسمه إلى سبعة أقاليم تحيط ستة منها بإقليم مركزى على مثال التقسيم الفارسى إلى "كشورات" ثم يقسم كل إقليم إلى ثلاثة أقسام، ولا شك أن هذا التقسيم يرجع إلى آراء جغرافية أقدم من ذلك عهدا بكثير، وهي في حاجة إلى دراسة خاصة، ثم إن المعلومات الجغرافية الواردة في هذا الكتاب تخرج بعض الشيء عن المألوف، وهي أميل إلى الأعاجيب والتهاويل، وكانت الأندلس أكثر الممالك حظًا من الوصف المفصل.
أما في القرون التالية للإدريسى فإن المصاعب تزداد إذا ما أردنا أن نرد ضروب التأليف الجغرافي إلى موضعها من البيئة الثقافية والسياسية للعالم الإسلامي الذي اختلفت أحواله الاجتماعية وتباينت أشد التباين وقتذاك، وأصبحت المعارف الجغرافية شيئًا فشيئا من المأثورات، وقلت الحاجة في بلاط أمراء ذلك العهد إلى الكتب الجغرافية العامة، وقد أشبعوا حاجاتهم منها بنسخ الكتب الجغرافية الأقدم عهدا، ويؤيد ذلك النسخ المتعددة من مؤلفات مدرسة البلخى، وهي التي نسخت لخزانة سلاطين المماليك بمصر ثم سلاطين العثمانيين من بعدهم، وأصبح مؤلفو الرسائل الجغرافية منذ ذلك الوقت إلى العلماء ذوي الأصالة أقرب، يحيطون بالتواليف احاطة واسعة. ولكنا نجد أن هذه الرسائل أيضًا يغلب عليها الجمع، فهي تتفاوت بين الترتيب الجارِ على حروف المعجم أو غيرها وبين إعادة ترتيب المعارف ترتيبا يتجلى فيه الابتكار. وهيأت هذه الحالة أيضًا الأسباب لكتابة ما يعرف بكتب علم الكون والقصص العجيبة غالبا المكانة الأولى فيها، وجرت الحال بأن لا يكون للحقائق الجغرافية الجديدة في مجموع الروايات المكانة اللائقة فيها. وقد ازدادت هذه الحقائق الجديدة
في ذلك العهد لاتساع البقاع التي استقر بها المسلمون. ومما يجدر ذكره فوق ذلك أن جل المؤلفات الجغرافية القيمة كانت تؤلف منذ ذلك الوقت في الشرق الأوسط في في الشام ومصر. ولم تلائم الأحوال السياسية في فارس والشرق الأقصى هذا النوع من التأليف، بل سار الفلكيون خاصة في تلك الأنحاء على المنهج المألوف من قبل مثل نصير الدين الطوسى المتوفى عام 1273 ومعاصره الأحدث منه سنًّا قطجـ 1 لدين الشيرازى وهو عالم عظيم أورد في كتابيه عن الفلك "نهاية الإدراك" و "التحفة الشاهية" آراء جليلة عن الجغرافية الفلكية بل إنه أمدنا بالمواد الصالحة لرسم خريطة العالم؛ وألوغ المتوفى عام 1449 هو آخر من يمثل الجغرافيا الفلكية في الشرق؛ وازدادت في الوقت نفسه أهمية الكتب الجغرافية الإقليمية وخاصة ها صدر منها بمصر، وكانت هذه الكتب تدرس من حين لآخر موضوعات جغرافية عامة في فصل تمهيدى، ثم دخلت في هذه الكتب الجغرافية التي ظهرت في القرون المتاخرة معلومات جديدة بسبب ازدياد عدد الرحالين وغالبهم من أصل غربي.
وأول كتاب يعد من صميم الكتب التي تدرس علم الكون "تحفة الألباب" الذي ألفه أبو حامد الأندلسى عام 1162 (طبعة G.Ferrand في المجلة الأسيوية سنة 1925) والمادة الجغرافية في هذا الكتاب ضئيلة لم يجر المؤلف في تناولها على نهج. وجنح إلى ذكر الأعاجيب. وشبيه بهذا الكتاب- وإن كانت معارفه أغزر- الكتاب الفارسى "عجائب المخلوقات" لأحمد الطوسى المتوفى عام 1193. وهو يشبه من عدة وجوه كتاب القزوينى في عجائب المخلوقات. والكتب الجغرافية في وصف الأقاليم لهذا العهد تتمثل في "كتاب الاستبصار" لمؤلف غير معلوم، وهو في جوهره مأخوذ مما ذكره البكرى من المعلومات الجغرافية الخاصة بمصر وشمالى إفريقية، ولكنه منسق على هيئة إحصاء المدن مرتبة ترتيبًا جغرافيًا خاصًّا وموضحة بمعلومات معاصرة، ويكمل كتب الأوصاف الجغرافية الإقليمية التي
ظهرت في الشرق في النصف الأول من القرن الثاني عشر: الكتابفارسى "فارسنامه" لابن البلخى (طبعة Le strange و R. A. Nicholson في مجموعة كجـ 1 لتذكارية سنة 1921) واعتمد المؤلف على الخصوص في القسم الجغرافي من هذا الكتاب على ما ذكر ابن حوقل. وهذا الكتاب من الكتبلتى ترجع إلى العهد السلجوقى في فارس. وظهر أيضًا في ذلك الوقت الكتاب الفارسى "جهان نامه" الذي ألفه محمد ابن نجيب بكران لمحمد خوارز مشاه سنة 1200 - 1220 م (انظر: Barthold Turkestan down to the Mongol Invasion ص 36). وأتم ياقوت كتابه المشهور "معجم البلدان" عام 1228 أي في نهاية الفترة التي بلغت فيها الموحدة السياسية للدولة الإسلامية أوجها في عهد العباسيين. وهذا الكتاب اضخم المرتب على حروف الهجاء أكمل مصنف للمعلومات الجغرافية الوصفية والفلكية واللغوية وأخبار الرحالين التي جمعها السلف. وقد قصد به أيضًا إلى سد حاجة كتاب اسير بتحقيق الأنساب على طريقة السمعانى في مصنفه "كتاب اأنساب" الذي ألف عام 1167 وطريقة سلفيه الدارقطني وابن ماكولا. وتوخى ياقوت أن يكون كتابه وافيًا بكل مطلب. وقد ظل هذا الكتاب المرجع الذي يفى بجل حاجات المستشرقين المحدثين. وكان ياقوت على دراية بجميع المعارف الجغرافية الإسلامية في عهده بما في ذلك كثير من المصادر التي لم تصل إلينا (انظر Die -F.J.Heer historischen and geographischen Quellen in Raqut's Geographischen Woerterbuch استراسبورغ سنة 1898). وكتابه حجة لكثرة استشهاده بالبيرونى في مقدمته. وأخذ ياقوت مادة مصنفه "كتاب المشترك" من المعجم وهو في الأسماء الجغرافية التي تطلق على أكثر من موضع. أما كتاب "مراصد الإطلاع" الذي ألف بعد عهد ياقوت بقرن من الزمان فهو مقتبس أيضًا من المعجم ويشمل الموضوعات الجغرافية فقط. كذلك يصح القول بأن ياقوت من أعظم العلماء الرحالين في عصره. أما كتاب "تقويم البلدان" لأبي الفداء المتوفى عام 1331 فهو أثر علمي لا يقل
قيمة عن معجم ياقوت، وقد كتبت آخر نسخة منقحة من هذا الكتاب عام 1321 ولعله من قبيل الكتبلتى تجمع فيها المعلومات جمعًا من حيث أنه ينظم مادة كثير من كتب الذين سبقوه. ولكن أبا الفداء أضاف كثيرًا من المعلومات الخاصة بالممالك غير الإسلامية، كما أن تقسيمه العالم المأهول إلى ثمانية وعشرين إقليما شيء فريد في بابه، وإن كان هذا التقسيم يقوم على تقسيم العالم إلى أقاليم وهو التقسيم الذي ابتدعته مدرسة البلخى. وقد وجد ما يؤيد للك الشهرة التي لاقاها كتاب أبي الفداء في الأجيال المتأخرة ولدى إلمستشرقين الذين عرفوا هذا الكتاب لأول مرة (كوليوس Golius وريسكه Reiske).
وكتب ذلك العهد في علم الكون هي كتب القزوينى المتوفى عام 1283 والحرّانى المتوفى سنة 1300 والدمشقى المتوفى سنة 1327 وابن الوردى المتوفى سنة 1410 وضمن القزوينى المعلومات التي استقاها من المصادر المتعددة كتابًا من صميم علم الكون هو "عجائب المخلوقات" وآخر في الجغرافيا هو "عجائب البلدان"(وسمى فيما بعد بآثار البلاد) وقد اشتهر الكتاب الأول خاصة في جميع العالم الإسلامي، وشاهد ذلك أنه نقل إلى الفارسية وإلى كثير من اللغات التركية. وهو أول كتاب إسلامي في علم الكون التزم فيه مؤلفه خطة، وهو في تناوله للعالم غير الأرضى كثير الشبه بكتب المسيحيين التي ظهرت في الوقت نفسه بأوربا والمشرق مثل الكتاب السريانى "علث كل علان"(طبعة C. Kayser. ليبسك سنة 1889). أما كتاب الجغرافيا الذي رتب على الأقاليم السبعة فقد أفاد كثيرًا -كما أفاد كتاب أبي الفداء- من إحصاء البلدان المرتبة على أحرف المعجم، فهو- لذلك ولما فيه من إشارات كثيرة خاصة بالسير- شبيه من الناحية الأدبية بالكتب التي من قبيل معجم ياقوت. وكتاب "نخبة الدهر" للدمشقى يتناول الجغرافيا كما يتناول علم الكون. وهو أعظم منه تأليفًا وإن كان أقل منه رعاية لأذواق الناس في عصره. وكتاب جامع الفنون وسلوة المحزون للحرّانى أقل شهرة (وجد في
المخطوط العربي رقم 1513 المحفوظ في مكتبة كوتا) وقد كتب على نسق كتاب الدمشقي وإن اختلفت طريقته الجغرافية. ويقال إن كتاب ابن الوردى "خريدة العجائب" هو في جوهره نسخة أخرى من كتاب الحراني. كذلك يعد كتاب الباكوى المسمى "تلخيص الآثار وعجائب الملك القهار" موجزا لكتاب القزوينى في الجغرافيا. وتحوى مخطوطات القزوينى وابن الوردى مصورات مستديرة للعالم. ومن الواضح أنها على مثال مصور الإصطخري.
وهناك كتابان مطولان ظهرا في ذلك العهد، وهما أقرب إلى الموسوعات منهما إلى الكتب التي تتحدث عن الكون أحدهما، "نهاية الأرب في فنون الأدب" للنويرى المتوفى سنة 1332 والثاني "مسالك الأبصار في أخبار ملوك الأمصار" لابن فضل الله العمرى المتوفى عام 1348. وإذا نظرنا إلى هذين الكتابين من ناحية التاريخ الأدبى ألفينا أنهما من المصنفات المصرية الخاصة التي تهتم بالوصف، وهي المصنفات التي ألفها علماء وعمال من دولة المماليك. ومنها أيضًا سلسلة من الكتب في الجغرافيا والنظام الإدارى لمصر والشام وسنذكرها فيما يلي؛ وفي هذين الكتابين مادة جغرافية غزيرة جديدة. ووصف ابن فضل الله العمرى لآسية الصغرى- بصفة خاصة- جدير بالذكر (طبعة Taeschner. ليبسك سنة 1939).
ويمكن أن نقول إن كتب الرحلات في ذلك العهد تبدأ برحلة ابن جُبير الشهيرة التي كتبت عام 1885، ثم تلاها كتاب "الإشارة على معرفة الزيارة" للهروى المتوفى سنة 1214 هـ، وتأريخ المستنصر الذي ألفه ابن المجاور حوالي عام 1230 هـ؛ وبه أوصاف هامة لتخطيط بلاد العرب الجنوبية (انظر Post- U.: Sprenger Reiserouten ص 21 وما بعدها)، وكتاب الرحلة للنباتى المتوفى سنة 1239 هـ، وكتاب الرحلة للعبدرى المتوفى سنة 1289 هـ. ورحلات الطيبى المتوفى سنة 1299 هـ، وكتاب الرحلات للتجانى المتوفى سنة 1308 هـ،
والرحلتان لمحمد بن رشيد ثم "تحفة النظار" لابن بطوطة المتوفى سنة 1377 هـ وهو من المطولات، وهذا الكتاب غنى بمادته، وهو يزودنا بمعلومات عن ممالك بعيدة فيما وراء العالم الإسلامى في آسية وإفريقية إبان العصور الوسطى. ولم تصل إلينا كتب الرحلات الأخرى، ولكنها كانت مادة استقى منها المؤلفات العامة مثل رحلات ابن فاطمة على الشاطئ الإفريقى وقد أثبتها ابن سعيد في كتابه، ورحلات أبي الربيع سليمان الملتانى في داخل إفريقية وقد أوردها القزوينى في كتابه.
ويمكن القول بأن عهد المؤلفات الجغرافية العامة في الإسلام قد انتهى أجله بعد الكتب التي صدرت في القرنين الثالث عشر والرابع عشر خاصة بوصف الكون. وقد حلت مكانها منذ ذلك الوقت الكتب الجغرافية الإقليمية كما حلت محلها إلى حد ما الجهود القومية في التأليف في شتى الأقطار الإسلامية.
أما في مصر فقد ازدهر التأليف في كتب الخطط واتسع نطاقه في عهد الأيوبيين والمماليك. ولدينا من آثار هذا العهد طائفة قيمة من الأوصاف الجغرافية والإحصائية لمصر والشام مثل "قوانين الدواوين" لابن مماتى المتوفى عام 1209، وأقدم من وصف مصر فيما نعلم عبد اللطيف المتوفى عام 1229، ووصف الفيوم للنابلسى المتوفى عام 1243 و "كتاب فضائل مصر" للصفدى المتوفى عام 1361 و"كتاب إيقاظ المتغفل واتعاظ المتأمل" لابن المتوَّج المتوفى عام 1325 و "كتاب التحفة السنية بأسماء البلاد المصرية" لابن الجيعان (عام 1375) و "كتاب الانتصار" لابن دقمان المتوفى عام 1406 والكتاب المطول "صبح الأعشى" للقلقشندى المتوفى عام 1418 ومصنف المقريزى الشهير المتوفى عام 1442 "كتاب المواعظ والاعتبار" وبه معلومات كثيرة استقاها المقريزى من مصادر مفقودة، وأعظم من اشتهر بهذا النوع من التأليف بعد المقريزى هم خليل الظاهرى (سنة 1450) صاحب كتاب "زبدة كشف الممالك" والسيوطى المتوفى عام 1505 مؤلف كتاب "حسن المحاضرة" وغيره من الكتب. ثم نذكر
كتاب "نشق الأزهار في عجائب الأقطار" لابن إياس المتوفى عام 1528، وبعضه في علم الكون.
وكانت بلاد شمالي إفريقية وما تبقى في أيدى العرب من الأندلس أقل إنتاجا لهذه الكتب التي تصف الأقاليم، وهناك كاتب فريد في بابه هو الفلكى الحسن بن علي المراكشى المتوفى عام 1262. وقد أورد في كتابه "جامع المبادئ والغايات" جداول لخطوط الطول والعرض جمع بعضها بنفسه. أما في الجغرافيا الوصفية فلدينا من آثار هذه البلاد الجزء الأخير من "كتاب المعجب" لعبد الواحد المراكشى وقد كتبه 1224. وكتاب العبر لابن خلدون المتوفى عام 1406 وهو من مصادر الجغرافيا الهامة. ويستعرض المؤلف بالتفصيل في الكتاب الأول من المقدمة علم الجغرافيا عند المسلمين. وشبيه بهذه المصنفات الجغرافية التاريخية "كتاب المؤنس" للقيروانى (سنة 1450).
أما الحسن بن محمد الوزان الزياتى leo Africanus فهو آخر من اشتهر بهذا التأليف الجغرافي الإسلامي في تلك الجهات. وقد نقل كتابه في وصف إفريقية إلى اللغة الإيطالية عام 1526.
أما في الشرق فقد حلت بالعراق والجزيرة خطوب فوادح حالت دون استمرارهما فيما جرى عليه التأليف الجغرافي. فالعلماء العراقيون- مثل عبد اللطيف البغدادي الذي سبق ذكره- كانوا يرون أن السياسة هي مجال نشاطهم. ومما يجدر ذكره دراسات ابن العبرى الجغرافية (المتوفى عام 1286؛ في كتابه "منارات قدشى" فقد كانت متأثرة غاية التأثر بالعرف الإسلامي ويتضح ذلك من مصور جغرافي للعالم شبه مستدير وارد في هذا الكتاب (R.Gottheil في Proc . Am. Or. Soe مايو سنة 1888).
وقلت كذلك المؤلفات الجغرافية التي ظهرت في المنطقة الواسعة التي أصبحت الفارسية فيها لغة التأليف. وقد سبق أن ذكرنا النصوص الفارسية لمؤلفات مدرسة البلخى ولكتاب "حدود العالم " و "لسفرنامه" لناصر خسرو و "عجائب المخلوقات" لأحمد الطوسى
و "جهان نامه" لبكران. ونقل أيضًا كتاب "عجائب البلدان" للقزوينى إلى اللغة الفارسية. وذاع صيت الفلكيين ناصر الدين الطوسى وقطب الدين الشيرازى حوالي عام 1300، وقد سبق أن نوهنا بهما لأن مؤلفاتهما مازالت ادخل في التواليف الإسلامية العامة. وفي كتاب "جهاننما" للجوينى المتوفى عام 1283 معلومات جغرافية هامة وخاصة عن الدول المغولية والتركية، وقد أهدى القزوينى كتابه "عجائب المخلوقات" إلى الجويني، وفي كتاب "جامع التورايخ" لرشيد الدين المتوفى عام 1318 ما في كتب هؤلاء. والمرجح أن المجلد الثالث من هذا الكتاب - الذي كان في نية مؤلفه أن يعتمد فيه على الجغرافيا- لم يكتب قط (Browne: Lit. Hist. . of Persia جـ 3، ص 72). وكتاب "نزهة القلوب" لحمد الله مستوفى القزوينى المتوفى عام 1340 كتاب جغرافي بحق كتب باللغة الفارسية، وهو إلى هذا أقرب إلى الكتب التي يكتبها الرحالون في وصف ما يشاهدون، ومن المؤلفات التي كتبت في ذلك العهد أيضًا كتاب "صور الأقاليم" لمحمد بن يحيى الذي ألفه عام 1347 (Salemann: Melanges Asiatiques جـ 10، ص 493 وما بعدها). وظهر في القرن التالي كتاب "مطلع السعدين" لعبد الرزاق السمرقندى المتوفى عام 1482 وهو غنى بالمعلومات الخاصة بالممالك الأسيوية، وثمة وصف هام عجيب لرحلة كتبت بالفارسية في وصف الصين في كتاب "خطاى نامه" الذي ألفه على أكبر عام 1516 للسلطان العثمانى سليم الأول (P. Kahle في،. Acta Orient، جـ 12، ص 91 وما بعدها). أما كتاب "هفت إقليم" لأمين أحمد رازى الذي ألفه عام 1594 فمعظمه في السير، وآخر من ظهر من عظماء الفلكيين في هذا القسم من العالم الإسلامي هو ألوغ بك الذي ذكرناه آنفا وزميله علي بن محمد الفوشجى المتوفى عام 1474 وقد ساهم كذلك في نشر المعارف الفلكية الجغرافية في تركيا.
وفي القرن الخامس عشر أخذ علماء النصارى بأوربا يتحررون في سرعة عجيبة من الآراء الجغرافية المعروفة في
العصور الوسطى، حفزهم إلى ذلك ما كشفته الأقوام الضاربة في البحر. ولم يعد لما نقل من الكتب الإسلامية في الجغرافيا والفلك (مدر كتب الفرغانى والبتانى) بصفة خاصة إلا أثر ضئيل في هذه الآراء منذ القرن الثاني عشر (modern: A.C.Beazley The Dawn of Geography ثلاثة مجلدات. لندن سنة 1900)، وفي ذلك العهد ظهر أول المصورات البحرية التي وضعها البرتغال والإيطاليون. وحدث انقلاب في الآراء الجغرافية في أوروبا فأدى ذلك سريعًا إلى إبطال المؤلفات الجغرافية التي ظهرت في الشرق أو في أوربا إبان العصور الوسطى، وذلك هو معظم السبب الذي من أجله أقلعت المؤلفات الشرقية الجديدة في الفلك عن الاعتماد على الرواية الجغرافية القديمة المألوفة.
على أن ثمة صنفا من المؤلفات الجغرافية الإسلامية وهو الخاص بالجغرافيا البحرية ظهر فيه عدة مؤلفات قيمة في ذلك العهد، وليس بعجيب أن تصدر مثل هذه المؤلفات إذا عرفنا أهمية هذا الفرع من الجغرافيا، ومع ذلك فإن لهذا النوع من التأليف الجغرافي البحرى تقاليد قديمة خاصة به، وهذه التقاليد تجعله أقرب إلى القصص القديمة التي ذكرها جوابو البحار منه إلى الكتب الإسلامية القديمة. وهذا ما نلاحظه مثلًا في مغامرات التاجر سليمان في القرن التاسع وفي المعلومات التي أمدنا بها أبو زيد السيرافى عن الهند وإفريقية في بداية القرن العاشر في المخطوط المسمى "سلسلة التواريخ"(Relation de Voyages طبعة رينو، باريس عام 1846). وكان الملاحون الذين يجوبون شواطئ الخليج العربي وسواحل بلاد العرب الجنوبية والبحر الأحمر على دراية واسعة منذ الأزمنة القديمة بالموضوعات البحرية والخاصة بالملاحة، وقد جمعت هذه المعلومات في أوقات متفرقة في مؤلفات تعرف باسم "راهنامج"، ويقول ابن ماجد إنه ظهر في عهد العباسيين ثلاثة كتبوا في الملاحة، وقد استقوا معلوماتهم ممن جابوا البحار البعيدة، ولم تترك كتب هؤلاء المؤلفين آثارا واضحة في
المؤلفات الجغرافية القديمة، وتفسير ذلك أن المعلومات التي ذكروها لا تتمشى والآراء التي ذكرها المؤلفون العلماء من قبل، وتدلنا بعض الفوائد الواردة في كتابى المسعودى (مروج الذهب، جـ 1، ص 281، وما بعدها) والمقدسى (ص 10 وما بعدها) على أن هذا يصدق على الأقل فيما يتصل بشكل المحيط الهندى.
وجرى الكتاب الذين ألفوا في علم الكون فيما بعد على منوال هذه الكتب الخاصة بالملاحة، والمعلم ابن ماجد (انظر شهاب الدين) المتوفى بعد عام 1500 بقليل هو أول مؤلف في هذا العلم عرفنا مؤلفاته في الملاحة وأوصاف الطرق البحرية، وكان ابن ماجد هذا عام 1498 دليل فاسكودي كاما de Gama Vasco في رحلته من إفريقية إلى بلاد الهند، وكتاب الفوائد هو أهم كتب ابن ماجد. وكان سليمان المهرى معاصر ابن ماجد، وكان إذ ذاك حدثا، ونعرف له كذلك بعض التواليف في الملاحة منها كتاب "العمدة المهرية" وهو أهمها من الناحية الجغرافية. ومعظم الفضل في معرفتنا بهذين الكاتبين العربيين راجع إلى دراسات فران G.Ferrand: وجهودهما في الملاحة والتأليف متصلة اتصالا وثيقًا بجهود سيدى على رئيس المؤلف وأمير البحر التركى، وله كتاب في وصف المحيطات عنوانه "المحيط" ألفه عام 1554 وضمنه أجزاء من مصنف سليمان المهرى نقلها إلى التركية. وكان ييرى رئيس المتوفى عام 1554 قد قام قبل ذلك بقليل بدراسة البحر المتوسط في كتابه "البحرية" الذي ألفه عام 1523 كما فعل سيدى على رئيس بالنسبة للمحيط الهندى. وكتاب البحرية هذا- وهو في الجغرافية البحرية- يستأهل الذكر بصفة خاصة لما فيه من مصورات كثيرة لكافة ساحل البحر المتوسط. ولا شك في أن كتاب ييرى رئيس هو تتمة لكتاب آخر أقدم منه عهدا، على أنه من الصعب إثبات وجوده عن طريق المصادر الإسلامية، وقد لا يكون هذا الكتاب من المصنفات الإسلامية على التحقيق، لأن كتاب بيرى رئيس يتصل أول كل شيء
بمظاهر النشاط في التأليف عند البرتغال والإيطاليين.
ولم يدرس بعد مدى اتصال هذا الكتاب بالأوصاف المفصلة الدقيقة التي ذكرها كل من البكرى والإدريسي عن شواطئ إفريقية، ومن المؤلفين المسلمين الذين ينتسبون إلى هذه الفئة، من الكتاب علي بن أحمد بن محمد الشرقي السفاقسى الذي ألف كتابه عام 1551 (مخطوط عربي بياريس رقم 2278) ويتضمن مصورات هامة منها مصور للعالم يذكرنا بمصور البيرونى.
ومؤلفات سيدى على رئيس وييرى رئيس من نوع الكتب الجغرافية التي ظهرت في التركية العثمانية، وقد ظهر في هذه الكتب سلسلة من المؤلفات الأخرى يتضح فيها التبدل الذي طرأ على الآراء الجغرافية الإسلامية واختفاء هذه الآراء على التدريج بتأثير العلم الأوربى.
وعرف الترك خاصة من كتب الجغرافيا العربية المصنفات التي تدرس علم الكون، واسترعت كتب القزوينى وأبي الفداء وابن الوردى خاصة أنظار الجغرافيين الترك الأول. فقد بدأوا أعمالهم بترجمة هذه الكتب أو ملخصات منها، وترجم كتاب القزوينى في علم الكون إلى اللغة التركية في القرن السادس عشر بعد أن قام يازجى أوغلى أحمد بيجان عام 1453 بكتابة ملخص تركى لهذا الكتاب بعنوان "عجائب المخلوقات". وأعاد سياهى أوغلى المتوفى عام 1588 طبع كتاب أبي الفداء باللغة العربية كما نشر ملخصا تركيا له، ونقل أيضًا كتاب ابن الوردى إلى اللغة التركية. ومن الكتب الأخرى التي ترجمت إلى اللغة التركية كتاب على القوشجى في الفلك، وقد ذكرناه فيما سلف، وقد استقر هذا الكاتب بالآستانة في عهد محمد الثاني، وكذلك كتاب خطاى نامة السالف ذكره، بل إن كتاب "التحفة السنية" في وصف مصر لابن الجيعان نقل هو الآخر إلى اللغة التركية، ومن الراجح أن سلاطين العثمانيين الأول كانوا يهتمون بهذا النشاط في ميدان الجغرافيا، ففي عهدهم جمعت مخطوطات من مصنفات الجغرافيين القدماء (حصلوا على كثير منها من مصر) أو نسخت صور أخرى
جديدة منها وهي الآن في المكتبات العامة بالآستانة. وأمر السلطان محمد الثاني بترجمة كتاب بطلميوس اليونانى في الجغرافيا إلى اللغة العربية (طبع صورة منه يوسف كمال، القاهرة سنة 1929) وفي عهد السلطان محمد الثالث نقل كتاب الاصطخرى إلى اللغة التركية. على أن اهتمام السلاطين كان موجها بصفة خاصة إلى المصورات الجغرافية التي رسمت على النمط الشرقي المألوف تماما. ومن الطبيعي جدًّا أنهم اهتموا بالمصورات الأوربية. وكثيرًا ما كانت المصورات الجغرافية من بين الهدايا التي تقدمها البعوث الأجنبية إلى السلاطين، ودلتنا بحوث كاله P. Kahle حديثًا إلى مصور للعالم رسمه ييرى رئيس وقدمه بنفسه إلى السلطان سليم الأول عام 1517. ولهذا المصور شأن عظيم لأن راسمه نقله عن المصور المفقود الذي رسمه كولمبوس عام 1498 (Die: P.Kahle Verschollene Columbus- Karte von 1498، برلين ولييسك سنة 1933). وهناك إلى ذلك مصور نادر للعالم رسمه أورونتيوس فينايوس Orontius Finaeus عن مصور آخر غير معروف، ثم نقله حاجى أحمد التونسى عام 967 هـ (سنة 1559 م) وهو محفور على الخشب ومحفوظ بمكتبة القديس مرقس بالبندقية (انظر Note: d'Avezac Turke du XVeme sur une Mappe - monde siecle، Bull. de la Soc. de Ge 6 graphie. باريس سنة 1865، ص 675 وما بعدها). ويجدر بنا أن نذكر أخيرا أن السلطان مرادًا الرابع دعا المستشرق الهولندى كوليوس Golius ليرسم له مصورًا جديدًا للإمبراطورية التركية، ولكنه لم يلب هذه الدعوة (W.M.C. Zeventiende - eeuwsche: Juynboll het Arabisch in van beoefena - ars ، Nederland، أترخت سنة 1932، ص 141).
وأقدم مصنف جغرافي معروف كتب أصلا باللغة التركية هو كتاب "درمكنون" لمؤلفه يازجى أوغلى أحمد بيجان سالف الذكر، وهذا الكتاب في علم الكون. وثمة كتيبان غير هذا في الموضوع ذاته هما "تحفة الزمان" للفلكى مصطفى بن علي (القرن السادس عشر) و"أعلام العباد" لمؤلف
مجهول، وأهم من ذلك القسم الجغرافي من المقدمة التي في علم الكون للكتاب التاريخي المعروف "كنه الأخبار" لعالى المتوفى عام 1599. وهذا الكتاب يعتمد في جوهره على كتابى أبي الفدا والإصطخرى، وأهم كتاب جغرافي تركى كتب وفقًا لمألوف الرواية الإسلامية في العصور الوسطى هو كتاب "مناظر العالم" الذي ألفه محمد ابن عمر بن بايزيد العاشق في مدينة دمشق عام 1598، ويزودنا هذا الكتاب بكثير من الحقائق المعروفة في ذلك الوقت وهي التي جمعها الرحالون من رحلاتهم الواسعة، ثم هو إلى ذلك تصنيف كامل للموضوعات الجغرافية القديمة. ولم يعد كتاب "جهاننما" لحاجى خليفة المتوفى عام 1657، وهو أشهر من الكتاب اسالف، الشاهد الوحيد على الجغرافيا الإسلامية القديمة، وهذا يصدق على الأقل على طبعته الصادرة عام 1732، وهناك مع ذلك طبعة أولى من هذا الكتاب تمت عام 1648 هديت للسلطان محمد الرابع، ولعلها لم تعد من المصادر الأوربية، وكتاب جهاننما كما نعرفه يعتمد كثيرا على محمد عاشق ولكنه يأخذ أيضًا من مؤلفات بيرى رئيس وسيدى على رئيس، ودخل الطبعة الثانية من هذا الكتاب عناصر أوربية، ويرجع ذلك بصفة خاصة إلى أن المؤلف قد عرف كتاب Atlas Minor لمؤلفه مركاتور Mercator وقد قام حاجى خليفة في الوقت ذاته بترجمته -كما عرف بعض الكتبلأوروبية الأخرى التي ظهرت في ذلك العهد. واستغل المؤلف في الطبعة الثانية من كتاب "جهاننما" ما وصل إليه العلم الأوربى وذلك في المقدمة الفلكية، كما قسم العالم وفقا للحدود السياسية والإدارية، وهو أمر مجهول تماما في الكتب الإسلامية الأقدم منه عهدا. والمصورات الجغرافية الملحقة بالنسخة المطبوعة من هذا الكتاب هي الأخرى أوربية في نهجها وإن كانت تحمل كثيرًا من الأسماء الجغرافية التي اندثرت -كما هي الحال في النص أيضًا- والمأخوذة من المصادر التي ظهرت في العصور الوسطى. والحال شبيهة بذلك في بعض المصورات الجغرافية الأخرى المطبوعة في الآستانة في القرن الثامن
عشر. وكانت الخطوة الكبيرة الأخرى في هذا المضمار هي طبع أطلس حديث عليه شروح وافية عام 1218 هـ (1803 م) بعنوان "أطلس جديد ترجمه سي" وذلك في مكتب الطباعة الحكومى الجديد الذي أنشئ في اشقودرة، وكان رئيس أفندى محمود رائف الشهير هو الذي أوحى بطبع هذا الأطلس، وقد عهد إلى المؤرخ أحمد واصف بالإشراف على الطبع النهائى للنصوص الواردة فيه.
ولدينا من كتب الرحلات التركية التي ظهرت في القرن السادس عشر "مرآة الممالك" وقد وصف سيدى على رئيس في هذا الكتاب عودته من الهند إلى الآستانة (1556 - 1557)، على أن أهم كتب الرحلات التركية هو كتاب "تأريخ سياح" للرحالة العظيم أوليا جلبى وقد وصف فيه رحلاته الواسعة التي قام بها بين عامي 1640، 1672 في جميع أنحاء الإمبراطورية العثمانية وفي فارس وأوربا أيضًا. وهذا الكتاب فريد في بابه، وهو من صميم المؤلفات الإسلامية الخاصة بالرحلات من حيث أنه خلو من أي أثر للآراء الجغرافية الأوربية.
وتلاشت الرواية الإسلامية من المؤلفات الجغرافية التركية العامة بعد حاجى خليفة وأوليا جلبى، ولكن استمر إلى عهد قريب ظهور المؤلفات الخاصة بتخطيط البلدان والجغرافيا الوصفية الإقليمية وما كان منها على مألوف الرواية القديمة أيضًا، ويجدر بنا أن نذكر من الكتب التي تمثل هذا النوع المتعدد من التأليف كتاب "تاريخ قسطنطينية" الذي يرجع إلى القرن الخامس عشر على التحقيق (انظر Die Geschichtschreiber: F.Babinger der Osmanen und ihre Werke ص 27 وما بعدها). واستمر أيضًا صدور مؤلفات مختلفة في صورة رحلات تتضمن أخبار رحلات للحج إلى مكة. وهناك نوع خاص من الوثائق الجغرافية الهامة وهي "سفارت نامة" قوامها تقارير المبعوثين السياسيين الترك إلى الدول الأجنبية. وأحصى تيشنر (F.Taeschner في Zeitschiift der Deutschen Morgen، ، .Gesll، سنة 1923، ص 75 وما بعدها) خمسة عشر تقريرًا منها، وذلك في البحث الذي تناول فيه المؤلفات الجغرافية في التركية العثمانية، وقد
استقينا من هذا البحث الجزء الأكبر من المعلومات المذكورة آنفا.
وليس من أغراض هذا المقال أن نصف على الإجمال كيف تسربت المناهج والمعارف الجغرافية الغربية إلى المؤلفات الحديثة للشعوب الإسلامية، ومع ذلك فلا يدل انتقال الآراء الغربية إلى المسلمين على أن وجهات النظر الجغرافية حتى ما كان منها خاصًّا بالطبقات المثقفة من المجتمع الإسلامي قد تغيرت تغيرًا مفاجئًا جوهريًا منذ القرن السابع عشر، فهناك شواهد كثيرة تدل على انتعاش قوى للآراء القديمة المألوفة في عهود متأخرة، ففي عام 1770 كان وزراء الترك لا يعتقدون أن في استطاعة الأسطول الروسى الإبحار من البلطيق إلى البحر الأبيض المتوسط، فلما ظهر بالفعل في ذلك العام أسطول أمير البحر سييرتوف Spiritow في بحر إيجه احتج الباب العالى لدى المندوب البندقى لأن حكومته سمحت لهذا الأسطول بالمرور من البلطيق إلى البحر الإدرياوى (انظر، Geschichtschreiber: Von Hammer der Osmanen und ihre Werke جـ 4، ص 602). وواضح أن هذا من آثار معتقدات القرون الوسطى التي تقول بوجود خليج بين هذين البحرين، ونجد إلى ذلك في كتاب وصف مراكش للزياتى المتوفى عام 1833 مصورا للعالم ليس إلا صورة من أحد مصورات الإدريسي (نقله Levi Provencal في Les historiens des chorfa. ص 188) وآخر مثال نضربه على ذلك هو الآراء الجغرافية التي كان يعتنقها مفتى الشافعية بمكة أحمد بن زينى دحلان عن أوربا وأنحاء أخرى من العالم (Geschriften: Snouck - Hurgronje Verspreide جـ 3، ص 78 و Mekka ليدن ولندن سنة 1931، ص 163).
على أن المعلومات الجغرافية المحسوسة الوافرة المقررة التي تجمعت بمضى الزمن في المصنفات الجغرافية العامة والإقليمية قد وصلت إلى أيدى المستشرقين المحدثين ليستعينوا بها في أبحاثهم في الجغرافيا التاريخية وتخطيط البلدان، ونحن نلمس في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي أن العلماء
قد أظهروا في مؤلفاتهم أن المعلومات الجغرافية القديمة التي ذكرت خاصة ببلادهم لم تنس تماما وأنهم راغبون في ربط الأوصاف الجغرافية المعاصرة لهم بخير ما أُثر عن الماضي. ومن الأمثلة البارزة على ذلك بمصر كتاب "الخطط التوفيقية" لعلى باشا مبارك المتوفى عام 1893. وتنبيء أسماء هذه الكتب عن الصلة الواضحة بينها وبين كتب الخطط، وكانت نهضة الطباعة في مصر في القرن التاسع عشر منصرفة إلى هذا السبيل عينه.
وفي تركيا سار سامى بك المتوفى عام 1904 على هذا المنهج في كتابه "قاموس الأعلام" وعاد الناس في تركيا أيضًا إلى الاهتمام برحلات أوليا جلبى منذ نهاية القرن التاسع عشر، ونذكر على سبيل المثال إلى جانب ذلك أوصافا تركية حديثة جيدة عن اليمن. أما في فارس فنذكر مؤلفات محمد حسن خان اعتماد السلطنة المتوفى عام 1896، وكتاب "مرآة البلدان" الذي لم يكمل قط (أربعة مجلدات، طبع على الحجر بطهران 1294 - 1297 هـ = 1878 - 1880) ومطلع الشمس (ثلاثة مجلدات، طبعة على الحجر في طهران سنة 1301 - 1303 هـ = 1884 - 1886)، وهو قاموس جغرافي لخراسان (يرجع في شأن هذه الكتب إلي Literary Hist. of Persia: E.G.Browne جـ 4، ص 454) ثم كتاب "فارسنامه ناصرى" لحاجى ميرزا طبيب الشيرازى (طبع على الحجر بطهران سنة 1313 هـ- 1895 م؛ وانظر G.Le Strange في المجلة الأسيوية الملكية سنة 1912، ص 16) ونشر حديثًا كتاب "جغرافياى مفصل ايران" لمسعود كيهان (ثلاثة مجلدات، طهران سنة 1311 هـ = 1933 م). وظل هذا التقليد في التأليف الجغرافي حيًّا في شمالي إفريقية، نستدل على ذلك من كتاب الزيانى السابق الذكر كما نستبينه حديثًا من الوصف التاريخي لمدينة مكناس المعنون "إتحاف أعلام الناس" لعبد الرحمن بن زيدان (ثلاثة مجلدات، الرباط، سنة 1929 - 1931 م).
ويلاحظ أن التصورات والآراء الجغرافية الواردة في هذه الكتب
الجغرافية الإسلامية التي ألممنا بها لم نتناولها إلا عرضا. ومعالجة هذه الآراء معالجة منظمة كالتي قام بها رينو Reinaud لعهده في القسم الثاني من كتابه Introduction generale، أو التي أفرد لها هونكمان E.Honigmann بحثًا خاصًّا في كتابه Die Sieben Klimata مهمة يجدر القيام بها مرة أخرى في أيامنا هذه بفضل ازدياد المصادر التي تحت أيدينا واتساع معرفتنا بالمصورات الجغرافية. ولا أنسى أن أذكر هنا أن اشتراكى في كتاب Monumenta Cartographica Africae et Aegypti ليوسف كمال، وهو الكتاب المذكور في المصادر قد أتاح لي فرصة قيمة ازدادت فيها معلوماتى بالمصادر الجغرافية التي رجعت إليها عند كتابة هذا المقال.
المصادر:
توجد أولًا المعلومات الخاصة بسير المؤلفين وبمؤلفاتهم (وكثير غيرهم من المؤلفين غير المعروفين) في هذه المؤلفات ذاتها (انظر مقدمة المقدسي ومقدمة الادريسى) كما توجد في كتب الفهارس مثل كتاب الفهرست لابن النديم وكشف الظنون لحاجى خليفة وأحيانًا في كتب السير مثل كتاب "تاريخ الحكماء لابن القفطى" ووفيات الأعيان لابن خلكان وإرشاد الأريب لياقوت.
أما المصادر الخاصة بتاريخ الجغرافيا فهي المؤلفات العامة في الأدب العربي مثل: بروكلمان Brockelmann ونيكلسون Nickolson. وإيوار Huart وجب Gibb . وقد درس هذا الموضوع دراسة خاصة في الكتب والرسائل التالية: Literatur: F.Wuestenfeld Die Erdbehreibung der bei den Arabers في. vergL Erdkunde Ztschr.f. جـ 1، مكدبرغ سنة 1842؛ Memoire sur: L.A.Sbdillot les Systemes geographiques des Grecs et des Arabes باريس سنة 1842؛ Introduction generale a la: M.Reinaud، Geographie des Orientaux جـ 1، من Geographie " 4 d'Aboulfeda باريس سنة 1848؛ Geographie du Moyen -: I.Lelewe age أربعة مجلدات بروكسل سنة 1850 - 1857؛ A . Sprenger مقدمة Die Postund Reiserouten des Orients،
في. Abh. D.G.M جـ 3 القسم الثالث، ليبسك سنة 1864 M.J. de Goeje ،: Eenige mededeelingen over de Arabische في Tijd Schr. Aardr. Gen.، geographen، جـ 1 ص 190 - 199؛ P. Schwarz: Die aeltere geographische Literatur der Araber في Hettner's geogr. Zeichr.، سنة 1897، جـ 3؛ Die: A. Mez Renaissance des Islams هيدلبرغ، ص 264 وما بعدها؛ Die: F.Taeschner geographische Literatur der Osmanen في. Zeitsch. der Deutschenmorgenl . Gesell، سنة 1923 ص 31 وما بعدها؛ the History of: G. Sarton Introduction to Carnegie Institute of ، Sciences Washington في مجلدين، بلتيمور 1927 - 1931؛ G.Ferrand: a l'Astronomie nautique Introduction arabe باريس سنة 1928؛ W. Barthold: المقدمة التي كتبها لطبعته لكتاب حدود العالم، لينيغراد سنة 1930؛ Geography and Commerce: J.H.Kramers في The Legacy of Islam، أكسفورد سنة 1931 Etudes historiques: V.Minorsky ، et geographiques sur la perse في Acta Orient.، جـ 10 سنة 1932 ص 290 وما بعدها؛ Geographic et: G.Ferrand Cartographie musulmanes في Archeion جـ 14، سنة 1932، ص 445 وما بعدها؛ أحمد زكى وليدى: Der Islam und die geographische Wissenschaft Geographische Zeitschrift سنة 1934، ص 361 وما بعدها.
وقد ذكرت المعلومات الخاصة بطبعات الكتب الجغرافية المخللفة وما ترجم منها في المواد المتصلة بها في دائرة المعارف الإسلامية، وظهر بعض هذه الكتب في مجموعات كبيرة مثل: Geographorum Bibliotheca Arabicorum التي نشرها ده غويه de Bibliotheque des geographes Goeje arabes التي نشرها فراند G. Ferrand و Bibliothek arabischer Historiker und Geographen لناشرها مزيك H.V. Mzhik.
أما مجموعات النصوص المختلفة فهي: M.J.de Goeje: Selections from Arabic geographical Literature ليدن؛
Relation de voyages et textes: G. Ferrand persans et tures ، geographiques arabes a l'Extreme - Orient du VIII eme relatifs au XVIII eme siecles في مجلدين، باريس سنة 1914؛ يوسف كمال: Monumenta Geographicae Africae et Aegypti ، جـ 3، ليدن سنة 1928 وما تلاها من السنين.
ونجد في المصنفات الكثيرة التي ذكرناها المعلومات الخاصة بطبعات المصورات الجغرافية والدراسات المتعلقة بها. ونقل ملر A. Miller في Mappae - Arabicae. Arabische Welt - u Lander Karten des 9 - 13 Jahrhunderts جـ 1 - 5 (شتوتكارت، سنة 1926 - 1930)؛ مصورات جغرافية من عدد وافر جدًّا من المخطوطات، وقد أهملت في هذا الكتاب النصوص المصاحبة للمصورات، ومن ثم كثرت بها الأخطاء. وأهم مجموعة للمصورات الجغرافية الشرقية منقولة بأحجامها الطبيعية هي الواردة في كتاب يوسف كمال Monumenta Geographicae Africae et Aegypti الذي دكرناه فيما سبق.
واستغلت المعلومات الجغرافية الواردة في مؤلفات المسلمين في كثير من الكتب والأبحاث، ونذكر من الدراسات الجغرافية الخاصة التي اعتمدت على أكثر من مؤلف إسلامي مايلى: Erdbwnde: Ritter (سنة 1848)؛ Die Post and Reiserouten: A. Sperenger (سنة 1864) ، وأبحاث W. Tomaschek في Sitzungsberichte der AK der Wiss Wien سنة، 1877، 1883؛ G. Le Strange: The Lands of the Eastern Caliphate (سنة 1905) وذلك عن جهات فسيحة من آسيا.
أما عن الجغرافيا الخاصة ببلاد فارس فنذكر ما يلي: Barbier de Meynard: ، Dictionnaire geographique histnriaue et litteraire de la Perse باريس سنة 1861؛ Iran im: P.Schwarz Mittelalter nach den Arabischen Geographen، جـ 1 - 8 ليبسك 1896 - 1934؛ W.Barthold: - Isroriko obzor Irana geograficeskiy، سانت بطرسبرغ سنة 1903؛ J. Marquardt: في. Goett .Abh. G.W سنة 1901؛
الكاتب نفسه: Osteuropaeische und Streifzuege ostasiatische، ليبسك سنة 1903.
ونذكر من الكتب الجغرافية عن وسط آسيا ما يلي: الفصل الأول من كتاب Turkestan down to the: Barthold Mongol Invasion في مجموعة كب التذكارية، لندن سنة 1928، وعن الممالك الشمالية: Studien: G. Jacob in arabischen Geographer جـ 1، برلين سنة 1892.
وعن مصر، E. Reitemeier: Beschreibung Agyptens im Mittelalter ليبسك سنة 1903؛ : J. Maspero and G. Wiet Materiaux pour servir de a la geographie Memoirs publies par les l'Egypte، d'Archeologie .membres 1'Inst. Franc Orientate au Cairo جـ 36.
وعن إفريقية: Ronciere La: Ch. de la decouverte de l'Afrique au moyen - age ثلاثة مجلدات، القاهرة سنة 1925 - 1927؛ J.Marquardt: مقدمة لكتابء Die Benin - Sammlung des Reichsmuseums fuer Voelkerkunde in Leiden ليدن سنة 1913.
وعن الأندلس: انظر: - Levi L'Espagne musulmane au: Provencal Xeme siecle باريس سنة 1932.
وعن صقلية: Bibliotheca: Amari Arabo - .Siruln
[كرامرز J.H.Kramers]
+ جغرافيا (*):
(1)
المصطلح "جغرافيا" وتصور العرب للجغرافيا:
إن المصطلح "جُغْرافيا"(أو جغْرافيا وجاوغر افيا .. إلخ) - عنوان كتاب مارينوس الصورى (حوالي 70 - 130 م) وكتاب كلاوديوس بطلميوس (حوالي 90 - 168 م) قد ترجم إلى العربية: "صورة الأرض"، وهي ترجمة استعملها بعض الجغرافيين العرب عنوانًا لمصنفاتهم. وشرح المسعودى المتوفى سنة 345 هـ (956 م) المصطلح بقوله إنه "قَطْع الأرض" أي مسحها؛ على أنه استعمل لأول مرة في "رسائل إخوان الصفاء" بمعنى "خريطة العالم والأقاليم". ولم يتصور العرب الجغرافيا علمًا محددًا تحديدًا جيدًا له
(*) هوامش هذا الجزء تليه في التعليق.
مدلول خاص وموضوع خاص بالمعنى الحديث. وقد توزعت الكتب الجغرافية العربية بين عدة مناهج ورسائل قائمة بذاتها تناولت وجوهًا شتى من الجغرافيا وصدرت بعناوين من قبيل "كتاب البلدان" و "صورة الأرض" و "المسالك والممالك" و "علم الطرق" .. إلخ. وقد عدّ البيرونى "المسالك" علمًا يتناول تحديد الموقع الجغرافي للأمكنة؛ وأوشك المقدسي أن يتناول معظم وجوه الجغرافيا في كتابه "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم". أما الاستعمال الحالى لمصطلح الجغرافيا بمدلوله القائم فهو في العربية استعمال حديث بعض الشيء.
(2)
العصر الجاهلى والعصر الأول للإسلام كانت معرفة العرب بالجغرافيا أيام الجاهلية مقصورة على بعض الأفكار المأثورة القديمة أو على أسماء أماكن جزيرة العرب والأراضى المجاورة لها. والمصادر الرئيسية الثلاثة التي حفظت هذه الأفكار هي: القرآن (9)، والأحاديث النبوية، والشعر العربي القديم. ولا شك أن الكثير من الأفكار التي نحن بصددها قد نشأت في بلاد بابل في العصور القديمة أو اعتمدت على الروايات اليهودية والمسيحية والمصادر العربية الوطنية.
وتعكس الأنظار والمعلومات الجغرافية الواردة في الشعر العربي القديم مستوى ما بلغه العرب الجاهليون في فهم الظواهر الجغرافية وحدود معرفتهم لها. ويحفظ القرآن (2) آثارا لبعض الأفكار الجغرافية والأفكار المتعلقة (3) بخلق الكون تشبه الأفكار البابلية القديمة والإيرانية واليونانية وكذلك المأثورات اليهودية والمسيحية الواردة في التوراة والإنجيل. والآيات القرآنية التي من قبيل: "أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون"(سورة الأنبياء (4)، الآية 30)؛ و"الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن
…
" (سورة الطلاق (5)، الآية 12)؛ و"الله الذي رفع السموات بغير عمد
…
" (سورة الرعد (6)، الآية 2)؛ و"جعلنا السماء سقفا محفوظا
…
" (سورة الأنبياء (7)، الآية 32)؛ و"
…
ويمسك السماء أن تقع
على الأرض إلا بإذنه .. " (سورة الحج (8)، الآية 65)؛ والآيات التي تصف الأرض بأنها بسطت وأن الجبال رواسى حتى لا تميد الأرض، كل هذه الأيات تكؤن صورة تشبه تصور البابليين القدماء للكون الذي كانت الأرض فيه جرمًا على هيئة قرص يحيط به الماء ثم يحيط به حزام آخر من الجبال تقوم عليه السماء. وكان ثمة ماء تحت الأرض وماء فوقها أيضًا. وكذلك كانت ثمة تصورات مثل: "حتى إذا بلغ مغرجـ 1 لشمس وجدها تغرب في عين حمئة
…
" (سورة الكهف، الآية 86) إشارة إلى المحيط الأطلسي، وأن الأرض مستوية، ولا شك أن ذلك يرجع أصله إلى الجغرافيا عند اليونان. وأغلب الظن أن فكرة وجود بحرين أحدهما ماؤه عذب فرات والآخر ملح أجاج (سورة الفرقان، الآية 53) إشارة إلى البحر المتوسط وبحر العرب، وبين البحرين برزخ (وهي صيغة متفرعة من "فرسخ" من الفهلوية "فرسنك") فكرة أصلها إيرانى. زد على ذلك أن مصطلحات بعينها في القرآن مثل "بروج" (في اليونانية: "بوركس" وفي اللاتينية bugus) وبلد أو بلدة (وهي صيغة مشتقة من اللاتينية palatium، وهي في اليونانية "بلاتيون")، وقرية (السريانية: قريثًا، بمعنى بلدة أو قرية) تدل على الأصل غير العربي للأنظار التي ترتبط بها هذه المصطلحات في القرآن.
وثمة أحاديث تروى عن علي بن أبي طالب المتوفى سنة 40 هـ (660 م) وابن عباس المتوفى سنة 66 - 69 هـ (686 - 688) وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم تتناول خلق الكون والجغرافيا وغيرها من المسائل المتصلة (9) بهما، ولكن يبدو أن هذه الأحاديث التي تعكس الأفكار الجغرافية القديمة للعرب كانت قد وضعت في زمن متأخر لتواجه أثر المعرفة الجغرافية العلمية التي أخذت تشيع بين عرب ذلك الزمن، ولو أن بعض الجغرافيين قد ساقوها في كتبهم مساق المعلومات التي تتصف بالحجية والثبوت. صحيح أن المعرفة العلمية تقدمت، إلا أن بعض الأحاديث أثرت أثرًا عميقًا في الفكر الجغرافي العربي وفي رسم الخرائط عندهم.
مثال ذلك أن الحديث الذي يقول بأن شكل كتلة الأرض يشبه طيرا كبيرا رأسه في الصين وجناحه الأيمن في الهند، والأيسر في الخزر، وصدره في مكة والحجاز والشام والعراق ومصر، وذنبه في شمال إفريقية (ابن الفقيه، ص 3 - 4) أصبح أساس الكتابات الجغرافية لمدرسة البلخى. وليس ببعيد أن يكون أصل هذه الفكرة ماثلا في بعض الخرائط الإيرانية القديمة التي رآها العرب.
والتوسع السياسي للعرب، بعد قيام الإسلام، في إفريقية وآسية، قد أتاح لهم فرص جمع المعلومات والملاحظة وتسجيل تجاربهم في البلاد المختلفة التي خضعت لهم أوكانت مجاورة للإمبراطورية العربية. وسواء كانت هذه المعلومات قد جمعت خدمة لحملاتهم الحربية أو لأغراض أخرى، فاغلب الظن أنه قد أفيد بها في كتب تخطيط البلدان التي صدرت في العصر العباسى الأول.
(3)
انتقال المعرفة الجغرافية الهندية والإيرانية واليونانية إلى العرب.
لم يبدأ العرب في التزود بالجغرافيا العلمية بمعناها الصحيح إلا في مستهل العصر العباسى وإنشاء بغداد لتكون قصبة لإمبراطوريتهم. وقد أتاح فتح العرب لإيران ومصر والسند الفرصة للتزود بالمعرفة المباشرة لما حققته شعوب هذا المهد القديم للحضارة في ميدان العلم والثقافة، كما أتاح لهم امتلاك مراكز العلم عند هذه الشعوب ومعاملها ومراصدها أو الرجوع إليها في يسر. على أن الحصول على هذه المعرفة الأجنبية وهضمها لم يبدأ إلا في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور (135 - 158 هـ = 753 - 775 م) منشئ مدينة بغداد فقد شغف هذا الخليفة بترجمة الكتب العلمية إلى العربية، وظل هذا الشغف قائمًا قرابة قرنين في العالم الإسلامي.
وكذلك لعب الوزراء البرامكة دورًا هامًا في نشر النشاط العلمي في البلاط. وما أكثر ما كان المترجمون أنفسهم علماء مبرزين أغنت جهودهم اللغة العربية بالمعرفة الهندية والإيرانية واليونانية في ميدان الجغرافيا وعلم الهيئة والفلسفة.
المؤثرات الهندية: انتقلت المعرفة الهندية في الجغرافيا والفلك إلى العرب بفضل الترجمة العربية الأولى للرسالة السنسكريتية "سوريا سّد هانتا"(وليست "برهما سبهو سد هانتا" كما ظن بعض العلماء) في عهد المنصور. وقد كشف هذا الكتاب عن بعض المؤثرات اليونانية الأقدم عهدا (انظر History of Sanskrit Lit-: A.B.Keith erature ص 517 - 521)، ولكنه ما إن ترجم إلى العربية حتى أصبح المرجع الأول لمعرفة العرب بعلمى الهيئة والجغرافيا عند الهنود، كما أنه كان الأساس لعدة تصانيف صدرت في ذلك العهد مثل:"كتاب ازيج" لإبراهيم بن حبيجـ 1 لفزارى (كتب بعد سنة 170 هـ = 786 م)، و"سند هند الصغير" لمحمد ابن موسى الخوارزمى المتوفى بعد عام 232 هـ (847 م)؛ و "السند هند" لحبش ابن عبد الله المرَوْزَى البغدادي (النصف الثاني من القرن الثالث الهجرى الموافق القرن التاسع الميلادي) وغيرهم.
ومن الكتب السنسكريتية الأخرى التي ترجمت في ذلك العهد: "آريبهطيا"(بالعربية: أرجبهد") لآريبهطا الكسمبوراوى (مولود سنة 476 م) الذي كتب عام 499؛ ثم كتاب "كهندكهاديكا" لبرهما جويتا بن جشنو بهلمّالا (قرب ملتان). وقد ولد هذا الكاتب سنة 598 م وكتب الكتاب الذي نحن بصدده سنة 665 م، وكتابه رسالة عملية تتناول بأسلوب تقليدى مادة في الحسبانات الفلكية، ولكن هذه المادة تستند إلى كتاب مفقود لآريبهطا الذي يتفق مرة أخرى مع كتاب "سوريا سَد هانتا". ومعظم الكتب السنسكريتية التي ترجمت إلى العربية ترجع إلى العصر الجوبتاوى.
وكان أثر علم الهيئه الهندى على الفكر العربي أعمق بكثير من أثر الجغرافيا الهندية، ومع أن الأفكار اليونانية والإيرانية كان لها أثر أبقى، إلا أن التصورات والمناهج الجغرافية الهندية كانت معروفة حق المعرفة. وكان الهنود يوازنون باليونان في موهبتهم وما حققوه في ميدان الجغرافيا، ولكن اليونانيين كانوا يعدون أكمل دراية من الهنود في هذا الميدان (البيرونى: القانون المسعودي، ص 536).
ومن التصورات الجغرافية المختلفة التي أصبح العلماء العرب عارفين بها:
رأى آريبهطا بأن دوران السموات ما هو إلا ظاهرى، يحصل من دوران الأرض حول محورها؛ وأن نسبة الماء إلى اليابسة هو نصف إلى نصف؛ وأن كتلة الأرض التي تشبّه بالسلحفاة، يحيط بها الماء من جميع جوانبها، وهي على شكل قبة، أعلى نقطة فيها هي جبل مرو (وهو جبل لا وجود له في عالم الواقع)؛ وأن نصف الكرة الشمالي هو الجزء المعمور من الأرض وحدوده الأربعة: جَمَكوت في الشرق، والروم في الغرب، ولَنْكا (سيلان) وهي القبة، وسيدبور، وينقسم الجزء المعمور من الأرض إلى تسعة أقسام. وكان الهنود يحسبون أطوالهم من سيلان ويرون أن خط الزوال يمر بأجُيِّن. وقد أخذ العرب بالفكرة التي تقول إن سيلان هي قبة الأرض، ولكنهم رأوا من بعد أن أجيّن هي القبة، ظانين خطأ أن الهنود يحسبون أطوالهم من هذه النقطة.
المؤثرات الإيرانية: إن ثمة شواهد كافية في الكتب الجغرافية العربية تشير إلى وجود مؤثرات إيرانية أثرت في علم الجغرافيا ورسم الخرائط عند العرب، على أن الانتقال الفعلى للمعرفة الإيرانية إلى العرب لم يستوف بحثه بالتفصيل. وقد بيّن كرامرز J.H.Kramers أن التأثير اليونانى كان خلال القرن التاسع على أشده في الجغرافيا عند العرب، وهو مصيب في هذا، على أنه حدث منذ نهاية هذا القرن أن الأثر كان من الشرق أكثر منه من الغرب، وكانت هذه المؤثرات وافدة في معظمها من إيران، ذلك أن معظم الكتاب قدموا من الولايات الإيرانية (Analecta Orientalia جـ 1 ص 147 - 148). فقد كانت جنديسابور لاتزال بعد حاضرة من الحواضر الكبرى للعلم والبحث، ولا يساورنا إلا شك قليل في أن العرب قد عرفوا بعض الكتب الفهلوية في علم الهيئة والجغرافيا والتاريخ وغير ذلك من العلوم التي كانت قائمة في أجزاء من إيران لذلك العهد. وقد ترجم بعض هذه الكتب إلى العربية فكانت اساس الكتب العربية في هذا الموضوع. وينسب المسعودى إلى حبش بن عبد الله المروزى البغدادي رساله في الفلك عنوانها "زيج الشاه" وهذه الرسالة جرت على النمط الفارسى. وكذلك سجل المسعودى كتابًا فارسيًا عنوانه "كاه نامه" يتناول مختلف طبقات
الملوك، وكان هذا الكتاب جزءًا من كتاب أكبر اسمه "آئين نامه" أي كتاب العادات. وذكر علاوة على ذلك أيضًا أنه رأى في إصطخر سنة 302 هـ (915 م) كتابًا يتناول مختلف علوم الإيرانيين: تواريخهم وآثارهم وغير ذلك، كما يتناول معلومات أخرى لم تكن توجد في "خداى نامه" أو "آئين نامه" أو "كاه نامه". وقد اكتشف هذا الكتاب بين نفائس ملوك الفرس، وترجم من الفارسية إلى العربية لهشام ابن عبد الله بن مروان (105 - 125 هـ = 724 - 743 م). وليس من المستبعد أن تكون كتب من هذا القبيل جزءًا من مراجع المعرفة العربية في الجغرافيا ورسم الخرائط عند الإيرانيين، وفي حدود الإمبراطورية الساسانية وأقسامها الإدارية وما إلى ذلك من تفصيلات.
وكانت فكوة الكشورات (هفت إقليم) السبع هي أهم فكرة اتبعها العرب من الأفكار والمأثورات الجغرافية الإيرانية المختلفة. وينقسم العالم في هذا المنهج إلى سبع دوائر هندسية متساوية، كل دائرة تمثل كشورا بحيث ترسم الدائرة الرابعة في المركز وتحيط بها الدوائر الست الباقية، وهي تشمل إيرانشهر وقاعدتها السواد. واستمر العرب يتأثرون بهذا المنهج أمدًا طويلا، ولم يرق لهم تقسيم اليونان العالم إلى ثلاث قارات أو أربع، بالرغم مما ارتآه البيرونى من أن هذا المنهج ليس له سند علمي أو طبيعى، وأن التقسيم اليونانى إلى أقاليم كان أقرب إلى العلم. أما فكرة وجود بحرين كبيرين هما بحر الروم وبحر فارس (البحر المتوسط والمحيط الهندى)، يلجان اليابسة من البحر المحيط أحدهما من الشمال الغربي أي من المحيط الأطلسي، والآخر من الشرق أي المحيط الهادي، ولكن كان يفصلهما "البرزخ"(أي خليج السويس)، ففكرة سيطرت على علم الجغرافيا ورسم الخرائط عند العرب عدة قرون. والأمر كما بين كرامرز، ذلك أنه بالرغم من أن الفكرة تنتهي على الأرجح إلى بطلميوس، فإن إطلاق بحر فارس على المحيط الهندى في أكثر الأحيان يثبت فيما يظهر أن هذا البحر كان على الأقل جزءًا من التخطيط الجغرافي الإجمالى الأصلي عند الفرس. أما موقفنا بالنسبة لهذا التخطيط نفسه فهو موقف غير المتثبت (Analecta Orientalia، جـ 1، ص 153).
وقد أثرت الروايات الفارسية أثرًا عميقًا على العرب في تصانيفهم البحرية والملاحية أيضًا، كما يتبين من استخدام كلمات أصلها فارسى في المفردات البحرية عند العرب مثل بندر بمعنى ثغر، وناخُدا بمعنى ربان سفينة، ورهمانى بمعنى كتاب في الإرشادات البحرية، ودفتر بمعنى الإرشادات البحرية .. وغير ذلك. وتدل بعض الكلمات الفارسية أيضًا، مثل "خَنّ" بمعنى اتجاه من اتجاهات البوصلة و"قطب جاه" بمعنى قطب وغيرهما، على المؤثرات الفارسية في أشكال الظواهر الجوية عند العرب. والمؤثرات الفارسية ظاهرة كذلك في رسم الخرائط عند العرب، ونجد الدليل على ذلك في استعمال مصطلحات فارسية الأصل مثل: طيلسان، وشابورة، وقُوارة
…
إلخ في وصف بعض تكوينات السواحل. وهذه المصطلحات التي تدل في الأصل على بعض الملابس، ظلت تستعمل حتى القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادي). أما بالنسبة للخريطة الهندية التي في القَواذيان (ابن حوقل، طبعة كرامرز، ص 2) فإن كرامرز قد بيّن أن القواذيان لاشك أنها تتضمن هْى هذا المقام إشارة إلى خرائط أكثر بدائية من السلاسل الموجودة في البلخى والإصطخرى، ذلك أن خرائط ابن حوقل تتفق في بعضها مع هذه السلاسل وتخالفها في بعضها الآخر (Kramers: كتابه المذكور، ص 155). والتحقق الصحيح من هذه الخرائط أو اكتشافها سوف يساعد بلاشك على حل مشكلة الأصل في خرائط مدرسة البلخى. ويمكننا أن نبين هنا أننا إذا قرأنا نص ابن حوقل على هذا النحو "الخريطة الهندسية في القواذيان"(وهي بلدة قرب ترمذ في آسية الوسطى"، فإنه يكون من ثم يشير بلاشك إلى خريطة من الخرائط كانت هناك وكان يستخدمها الجغرافيون أساسًا لرسم الخرائط، ومن المحتمل كثيرًا أنها كانت تقوم على أساس المنهج الفارسى في التقسيم إلى كشورات، ذلك أن البيرونى يلاحظ أن المصطلح "كشور" مشتق من "الخطّ"، وهذا يدل حقا على أن هذه الأقسام كانت متمايزة بعضها عن البعض شأنها شأن أي شيء في خطوط (صفة الأرض، طبعة طوغان، ص 61).
المؤثرات اليونانية: وبين أيدينا معلومات أكثر إيجابية من ذلك عن كيفية انتقال المعرفة الجغرافية والفلكية عند اليونان إلى العرب في القرون الوسطى. وقد بدأ هذا الانتقال بترجمة كتب كلاوديوس بطلميوس وغيره من علماء الهيئة والفلسفة اليونان إلى اللغة العربية إما مباشرة أو عن السريانية.
وقد ترجم كتاب بطلميوس في الجغرافيا عدة مرات في العصر العباسى، ولكن ما انتهى إلينا هو أقتباس محمد بن موسى الخوارزمى المتوفى بعد سنة 232 هـ (847 م) لهذا الكتاب، مع إضافة معلومات ومعرفة معاصرة حصّلها العرب. ويذكر ابن خردادبه أنه رجع إلى كتاب بطلميوس وترجمه (ربما كان ذلك في أصله اليونانى أو في ترجمته السريانية)، وكذلك رجع المسعودى إلى نسخة من جغرافية بطلميوس كما رجع لخريطته عن العالم. ويبدو أن بعض هذه الترجمات كان قد أصبح محرفًا، أقحمت عليه مادة غريبة لا تنتسب إلى الكتاب الأصلي، مثال ذلك النسخة التي رجع إليها ابن حوقل "طبعة كرامرز، ص 13). ومن كتب بطليموس الأخرى التي انتفع بها جغرافيو العرب: المجسطى أو المقالات الأربعة، وكتاب الأنواء.
ومن كتب الكتاب الآخرون التي ترجمت إلى العربية: كتاب الجغرافيا لمارينوس الصورى (حوالي سنة 70 - 130 م) الذي رجع إليه أيضًا المسعودى كما رجع إلى خريطة العالم لمارينوس هذا؛ وطيماوس لأفلاطون؛ والآثار العلوية والسماع والعالم، وما وراء الطبيعة لأرسطو.
وكتب هؤلاء الكتاب وغيرهم من علماء الهيئة والفلاسفة الإغريق قد زودت العرب، حين ترجمت، بمادة على هيئة تصورات ونظريات ونتائج للأرصاد الفلكية ساعدتهم في إقامة جغرافيتهم على أساس علمي. ولا شك أن المؤثرات الفارسية كانت متميزة في الجغرافيا الإقليمية والوصفية مثلما كانت متميزة في رسم الخرائط، ولكن الأثر الإغريقى قد سيطر في الواقع على ميدان الجغرافيا العربية كله، بل إننا نجد في الميادين التي يمكن أن يقال أنه
كان ثمة منافسة فيها بين الأفكار الفارسية والأفكار اليونانية أو في منهج الفرس ومنهج الإغريق، أي بين نظام الكشورات الفارسية ونظام الأقاليم اليونانى، أن أفكار الإغريق كانت أكثر قبولا وظلت شائعة. والأساس الإغريقى للجغرافيا العربية كان أبرز ما يكون في ميدان الرياضيات والطبيعة والجغرافيا البشرية والحيوية. وكان الأثر الإغريقى أثرًا باقيًا ملحًا، ذلك أنه ظل أساس الجغرافيا عند العرب إلى عهد متأخر يرجع إلى القرن التاسع عشر (وجدت آثار أيام القرن التاسع عشر في كتب عن الجغرافيا بالفارسية بل بالأردية صنفت في الهند)، مع أن أثر بطلميوس على العقول الأوربية كان قد نقص قبل ذلك التاريخ بكثير. على أننا لا نستطيع أن ننكر أنه كان ثمة في هذه المدة صراع خفى بين الأفكار النظرية لجهابذة الإغريق وبين التجربة والملاحظة التي قام بها تجار هذه الأيام وملاحوها. وقد أشار المسعودى إلى ذلك فيما يختص بنظرية بطلميوس عن وجود أرض مجهولة في نصف الكرة الجنوبي. على أن ابن حوقل يعد بطلميوس معصومًا من الخطأ أو يكاد، والحقيقة أن المعرفة الإغريقية حين انتقلت إلى العرب كانت قد عفى عليها الزمن من قبل مدة خمسة قرون تقريبًا، ومن ثم قامت صعوبة عندما حاول جغرافيو العرب أن يدخلوا في الإطار البطلمى معلومات جديدة معاصرة حصّلوها وأن يطردوا بها المعلومات الإغريقية. ونتج من ذلك اضطراب وسوء عرض للحقائق في كتب الجغرافيا ورسم الخرائط كما يتبين من كتب جغرافيين مثل الإدريسي.
(4)
الحقبة القديمة
(من القرن الثالث إلى القرن الخامس الهجرى = القرن التاسع إلى القرن الحادي عشر الميلادي)
(أ) عصر المأمون (197 - 218 هـ = 813 - 833 م):
مر نيّف ونصف قرن على معرفة العرب ودراستهم لعلم الجغرافيا عند الهنود والإيرانيين والإغريق، من عهد الخليفة المنصور (136 - 157 هـ = 754 - 774 م) حتى عهد المأمون، فأدى ذلك إلى ثورة كاملة في الفكر
الجغرافي العربي. فقد نقلت إليهم للمرة الأولى نقلًا صحيحًا يقوم على منهج تصورات من قبيل أن الأرض مستديرة وليست مسطحة، وأنها تشغل المركز بالنسبة للكون. وقد تناولت الأيات القرآنية خلق الكون والجغرافيا وغير ذلك، وإنما استخدمت الأحاديث لإسباغ التصديق الدينى على الكتب الجغرافية أو لحض المؤمنين على دراسة الجغرافيا وعلم الهيئة. ولذلك فإنه ما إن وافى مستهل القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادي) حتى كان الأساس الحقيقي قد وضع لتصنيف كتب جغرافية بالعربية، كما اتخذت الخطوة الإيجابية الأولى في هذا السبيل على يد المأمون الذي وفق إلى أن يحيط نفسه بعصبة من العلماء والدارسين وشمل برعايته الجهود العلمية. ولانستطيع التحقق من مسألة: هل كانت عناية المأمون بالفلك والجغرافيا عناية صحيحة علمية أو كان بعضها سياسيًا؟ على أنه تحققت في عهده مآثر علمية هامة في سبيل تقدم الجغرافيا، كقياس قوس خط الزوال (جاءت النتيجة في المتوسط 2/ 2 56 ميل عربي طول درجة من درجات الطول وهو عدد دقيق دقة عجيبة). والجداول الفلكية المسماة "الزيج الممتحن" قد أعدتها جهود مجموعة من الفلكيين. ونذكر أخيرًا خريطة اعدت للعالم اسمها "الصورة المأمونية"، وقد عدها المسعودى أكثر تفوقًا من خريطة بطلميوس وخريطة مارينوس الصورى، ذلك أنه رجع إلى الخرائط الثلاث وقارنها بعضها ببعض.
(ب) الفلكيون والفلاسفة:
وللفلكيين العرب والفلاسفة مآثر هامة أيضًا على الجغرافيا الرياضية والطبيعية تهيأت لهم بفضل ملاحظاتهم ومناقشاتهم النظرية: ذلك أنه منذ دخول الفلسفة والفلك الإغريقيين لدى العرب منذ النصف الثاني من القرن الثاني الهجرى (الثامن الميلادي) حتى النصف الأول من القرن الخامس الهجرى (الحادي عشر الميلادي) أخذت كوكبة من الفلاسفة والفلكيين تدرس مسائل مختلفة من الجغرافيا الرياضية والفلكية والطبيعية. وكانت كتب العلماء اليونان قد زودت العرب بأساس كاف ومادة تفى بذلك. ومن ثم سجلت نتائج
التجارب والملاحظات والمناقشات النظرية للعلماء العرب في كتبهم العامة عن الفلك والفلسفة أو في رسائلهم عن موضوعات خاصة كالمد والجزر، والجبال وغير ذلك. وقد عمد الكتاب المعاصرون لهم أو المتأخرون عنهم في كثير من الأحوال، وليس في جميع الأحوال، إلى نقل هذه النتائج في كتبهم، وكانوا يناقشونها في بعض الأحيان. وقد نقل بعض هؤلاء الكتاب نظريات جارية مخدلفة، يونانية أو غير يونانية، عن مسألة من المسائل في الأجزاء التمهيدية من كتبهم. ومن ثم نشات سنّة للكتابة في الجغرافية الرياضية والطبيعية والبشرية في بداية كل كتاب يتناول الجغرافيا. ويلاحظ هذا، على سبيل المثال، في كتببن رُسْتَه واليعقوبى والمسعودى وابن حوقل وغيرهم.
ومن الفلاسفة والفلكيين العرب البارزين الذين أفاد الجغرافيون العرب في كتبهم من نظرياتهم وناقشوها: يعقوب بن إسحاق الكندى المتوفى سنة 260 هـ (874 م) الذي ينسب إليه كتابان في الجغرافيا هما: (1)"رسم المعمور من الأرض" و (2)"رسالة في البحار والمد والجزر". ويقال إن تلميذًا من تلاميذ الكندى هو أحمد بن محمد ابن الطيجـ 1 لسرخسى المتوفى سنة 286 هـ (899 م) قد كتب أيضًا كتابين: (1)"المسالك والممالك". و (2)"رسالة في البحار والمياه والجبال". ولم ينته إلينا كتابًا الكندى ولا كتابًا تلميذه هذا، والذي نعرفه من آرائهما الجغرافية استقيناه من مصادر أخرى انتفعت بها. والظاهر أن الكاتبين كلاهما قد أفادا من كتب بطلميوس وغيره من الكتاب الإغريق، ذلك أننا نجد في المسعودى أن كتبهما تضم معلومات بطلمية عن الجغرافيا الطبيعية والرياضية وعن رسم الخرائط. وربما كان كتاب الكندى "رسم المعمور من الأرض" نقلا لكتاب بطلميوس في الجغرافيا كما يوحى عنوانه. وقد رجع المسعودى إلى كتاب لبطلميوس عنوانه "مسكون الأرض" وخريطة للعالم اسمها "صورة معمور الأرض" (المسعودى: مروج الذهب، جـ 1، ص 275 - 277؛ التنبيه والإشراف، ص 25، 30، 51).
ومن الفلاسفة والفلكيين الآخرين الذين كانت كتاباتهم مصدرا للمعرفة عن الجغرافيا الرياضية والطبيعية: أحمد الفزارى (النصف الثاني من القرن الثاني الهجرى = القرن الثامن الميلادي)؛ وأحمد بن محمد بن كثير الفرغانى المتوفى بعد عام 247 هـ (861 م) صاحب كتاب "الفصول الثلاثين"(المسعودى: مروج الذهب، جـ 3، ص 433. التنبيه والإشراف، ص 199) و "المُدخْل إلى علم هيئة الأفلاك "؛ وأبو معشر جعفر بن محمد البلخى المتوفى سنة 273 هـ (886 م) صاحب كتاب "المدخل الكبير إلى علم النجوم". وقد رجع المسعودى إلى كتاب آخر عنوانه "كتاب الألوف في الهياكل والبنيان الأعظم"، ثم يأتي بعد هؤلاء عبد الله محمد بن جابر البتّانى المتوفى بعد عام 317 هـ (929 م) وغيرهم وتتناول الرسالة الرابعة من رسائل إخوان الصفا الجغرافيا، وقد كتبت هذه الرسالة حوالي عام 370 هـ (980 م) وهي تسوق ببساطة معرفة أولية عن الجغرافيا الرياضية والطبيعية تعتمد على الجغرافيا الإغريقية، ذلك أن الغرض الأكبر لكتّاب هذه الرسائل كان إرشاد القارئ إلى الاتحاد بالله بالتوسل بالحكمة.
(جـ) كتب الجغرافيا العامة:
ما وافى القرن الثالث الهجرى التاسع الميلادي) حتى صدرت جملة كبيرة من الكتب الجغرافية بمختلف الأشكال في اللغة العربية، ويبدو أن العرب كانت بين أيديهم بعض الكتب الفهلوية، أو ترجمات لها، تتناول الإمبراطورية الساسانية وجغرافيتها، وتخطيط أرضها، وطرقها البريدية وتفصيلات جوهرية تتعلق بالأغراض الإدارية، ولا شك أن هذه الكتب قد أصبحت ميسورة لأولئك المعنيين بالجغرافيا وتخطيط الأرض. ومن ثم فليس بعجيب أن نجد الكتاب المتقدمين، مثل ابن خرداذبه وقدامة وغيرهما كانوا رؤساء مرافق بريدية أو كتّاب حكومات، إلى جانب كونهم رجالا من أهل العلم. ولذلك صدرت في القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادي) طائفة من الكتب سميت بالاسم الشامل "المسالك والمماليك". وجميع الاحتمالات
تشير إلى أن أول كتاب حمل هذا الاسم هو كتاب ابن خرداذبه، وقد أعدت أول مسوت لهذا الكتاب سنة 231 هـ (846 م) وأعدت المسودة الثانية سنة 272 هـ (885 م). وأصبح الكتاب أساسًا ومثالا للكتاب الذين كتبوا في الجغرافيا، وأثنى عليه الثناء المستطاب جميع الجغرافيين تقريبًا وأفادوا منه. وكان ابن خرداذبه رئيسًا لمرفق البريد والمخابرات، وكان رجل علم ولو ذعية. ولعلنا نستطيع أن نتبين حافزه إلى تأليف رسالة في الجغرافيا من قوله هو نفسه أن ذلك كان تحقيقًا لرغبة الخليفة، وقد ترجم لهذا الخليفة أيضًا كتاب بطلميوس (من اليونانية أو السريانية) إلى العربية (ابن خرداذبه، ص 3). على أن رغبة الخليفة قد نشأت هي نفسها من الحاجات العملية للحكومة. ونحن نجد أن قدامة بن جعفر الكاتب كان يرى أن "علم الطرق" ليس نافعًا من حيث هو مرشد عام للديوان فحسب، بل هو أساسى أيضًا للخليفة الذي قد يحتاجه في أسفاره أو في إنفاذ جيوشه (ص 185).
ويمكن تقسيم الكتب الجغرافية التي كتبت في القرنين الثالث والرابع الهجريين (التاسع والعاشر الميلاديين) إلى فئتين عامتين: (1) كتب تتناول العالم في عمومه، وتتناول الإمبراطورية العباسية (مملكة الإسلام) في تفصيل أكبر. وقد حاولت هذه الكتب أن تسوق جميع المعلومات الدنيوية التي لا يمكن أن تجد مكانًا في الكتب الإسلامية العامة، ومن ثم أطلق على هذه الكتب "الكتب الجغرافية، الدنيوية لهذا العصر". وقد وصف كتابها تخطيط البلدان وشبكة الطرق في الإمبراطورية العباسية، وغطت هذه الكتب ميادين الجغرافيا الرياضية والفلكية والطبيعية والبشرية والاقتصادية وكان من ممثلى هذه الطبقة من الجغرافيين: ابن خرداذبه، واليعقوبى، وابن الفقيه، وقدامة، والمسعودى. ولما كانت العراق هي أهم مراكز المعرفة الجغرافية لذلك العصر كما ينتمي إليه كثير من الجغرافيين، فإننا نستطيع- تيسيرا للأمور- أن نستعمل مصطلح "المدرسة العراقية" للدلالة عليهم. على أننا نستطيع أن نميز
في نطاق هذه المدرسة طائفتين من الكتاب: (1) الطائفة الأولى هي أولئك الكتاب الذين يسوقون مادتهم متبعين الاتجاهات الأربعة، أي الشمال والجنوب والشرق والغرب، ويجنحون إلى القول بأن بغداد هي مركز العالم، والطائفة الثانية هي أولئك الذين يرتبون معلوماتهم تبعًا للأقاليم المختلفة ويغلب في كتابتهم جعل مكة مركز العالم (2) والى الفئة الثانية من الكتب تنتمى كتابات الإصطخري وابن حوقل والمقدسّى، وقد استعمل للدلالة عليهم المصطلح (المدرسة البلخية) ذلك أنهم يتبعون أبا زيد البلخى وقد قصروا بياناتهم على عالم الإسلام، واضعين كل ولاية على اعتبار أنها إقليم قائم بذاته، وقلما يتناولون البلاد غير الإسلامية إلا أقاليم الثغور (الحدود).
(1)
المدرسة العراقية: وتتميز كتب ابن خرداذبه واليعقوبى والمسعودى من كتب غيرهم من جغرافي هذه المدرسة بسمتين خاصتين: الأولى أنهم يتبعون منهج الكشورات الإيرانى، والثانية أنهم يساوون بين العراق وإيرانشهر ويبدأون أوصافهم بها، واضعين العراق بذلك في مركز رئيسى في الجغرافيا العربية الإقليمية والوصفية. ويقول البيرونى إن الكشورات السبع كان يمثلها سبع دوائر متساوية. وكان الكشور الرئيسى هو إيرانشهر الذي كان يشمل خراسان، وفارس، والجبال، والعراق. وقد رأى أن هذه الأقسام تحكمية ولم يكن الغرض الأول منها يقوم على أسباب سياسية أو إدارية. وكان الملوك في الأزمان القديمة يعيشون في إيرانشهر، وكان الأمر يقتضيهم الإقامة في منطقة وسطى حتى يكونوا على مسافة متوسطة من الممالك الأخرى، ولذلك وجدوا أن من اليسير تدبير الأمور. ولم يكن لمثل هذا التقسيم علاقة بالمناهج الطبيعية ولا القوانين الفلكية، وإنما كان هذا التقسيم يعتمد على التغيرات السياسية والاختلافات السلالية (صفة المعمورة، طبعة طوغان، ص 5، 60 - 62) ، فلما أنشئت بغداد قصبة للإمبراطورية العباسية، أصبح من الطبيعي أن يشغل العراق مركزا رئيسيا هامًا من الناحية السياسية في العالم الإسلامي. وقد سوى ابن خرداذبه العراق بإيرانشهر
وشغلت كورة السواد التي كانت تسمى "دل إيرانشهر" في الأزمنة القديمة المركز الرئيسى في منهجه الجغرافي، وقد بدأ بيانه بوصفها. وكذلك جعل اليعقوبى العراق مركزا للعالم و "صرة الأرض"، ولكنه كان يرى أن بغداد هي مركز العراق، ذلك أنها لم تكن أكبر مدينة في العالم لا يقارن بها في مجدها مدينة أخرى فحسب، بل كانت أيضًا مقر حكم بنى هاشم. وكان جو العراق معتدلا لأنه يشغل مركزا متوسطًا في العالم، وكان سكانه ظرفاء أذكياء على خلق رفيع. ولكن بغداد سلُكت في منهجه الجغرافي مع سامراء، ووصفه يبدأ بهاتين المدينتين. وقد ضرب المؤرخ والجغرافى على هذه النغمة في تفوق العراق، ورأى أن بغداد هي أحسن مدائن العالم (التنبيه والإشراف، ص 34؛ انظر ابن الفقيه، ص 195 وما بعدها).
ونجد قدامة وابن رسته وابن الفقيه، على خلاف هذين الكاتبين، لا يظهران أي تحمس للعراق أو إيرانشهر. وهما في منهجهما يجعلان الصدارة لمكة والجزيرة العربية. وفي قدامة تفضل مكة بإطلاق، وتوصف جميع الطرق المؤدية إلى مكة قبل أن يتناول بالبيان الطرق الخارجة من بغداد صحيح أن قدامة يولى العراق أهمية، إلا أنه يفعل ذلك من حيث هي الولاية الكبرى لمملكة الإسلام، وبذلك يعدها مهمة، وإنما ترجع هذه الأهمية إلى الناحيتين السياسية والإدارية. ومن ثم فإننا نجد في منهجه الجغرافي نقلا للأهمية من التصور الإيرانى إلى ما نستطيع أن نسميه "المدخل الإسلامي للجغرافيا". ونلاحظ مثل هذا الميل أيضًا في ابن رسته (بداية القرن الرابع الهجرى = العاشر الميلادي) الذي ترك تمامًا السنن الإيرانية وجعل لمكة والمدينة المكان الأول في ترتيبة لمادته الجغرافية. وقد آثر في وصفه للأقاليم السبعة أن يصفها على النمط الإغريقى لا على منهج الكشورات. وكذلك يحتل وصف مكة المكان الأول في كتاببن الفقيه في الجغرافيا، ولكن قسما كبيرًا من هذا الكتاب قد انصرف إلى وصف فارس وخراسان وغيرهما، وقد وصفت الأقاليم وفقًا للمنهج القائم على الكشورات.
وثمة سمة هامة تتسم بها كتب ابن خرداذبه واليعقوبى وقدامة، وهي أن المادة فيها قد رتبت ووضعت تبعًا للاتجاهات الأربعة، أي الشرق والغرب والشمال والجنوب طبقًا لتقسيم العالم إلي أربعة أرباع. ولا شك في أن مثل هذا المنهج في الوصف نجد أصله ماثلا في بعض الروايات الإايرانية الجغرافية. ولا ريب في أن الجغرافيين العرب كان أمامهم نموذج ما ينقلون منه. ويقول المسعودى إن الفرس والأنباط قسموا المعمور من الأرض إلى أربعة أقسام: خراسان (شرقًا)، وباختْرَ (شمالا)، وخُرْبَرَان (غربًا)، ونيمروذ (جنوبًا؛ انظر التنبيه والإشراف، ص 31؛ اليعقوبى، ص 268). على أن قدامة يبين أن هذا التقسيم تحكمى. وفي رأيه أن المصطلحات: شرق، وغرب، وشمال، وجنوب ليست لها إلا قيمة نسبية. أما ابن رسته وابن الفقيه فقد كان ترتيبهما يقوم على الأقاليم.
وقد وضع ابن خرداذبه- الذي يمكن أن نسميه أبا الجغرافيا- نمط الجغرافيا وأسلوبها في اللغة العربية، ولكنه لم يكن، كما بين كرامرز، مبدع هذا النمط أو هذا الأسلوب. ولا شك أنه كان بين يديه نمط أو سابقة تمثلت في كتاب متقدم عليه يتناول هذا الموضوع. وثمة احتمال كبير بأنه كان ميسورًا له كتاب فهلوى متقدم في الزمن يتناول إيران القديمة. وكتاب ابن خرداذبه لا يتناول "مملكة الإسلام" فحسب، بل يتناول أيضًا حدودها والممالك والشعوب التي تحف بها. وكان يعرف كتاب بطلميوس حق المعرفة، كما يتبين من وصفه حدود الأجزاء المعمورة من العالم ووصفه للتصور الإغريقى للقارات: أروفا، ولوبيا، وإتيوفيا، وإسقوتيا.
ويزعم أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب اليعقوبى المتوفى سنة 284 هـ (897 م) أنه ارتحل كثيرًا، وينوه بأنه حصل على معلومات من سكان الأقطار التي زارها، وتثبت منها على يد أناس ممن يوثق بهم (ص 232 - 233). وكان غرضه من تصنيف كتابه وصف الطرق المؤدية إلى تخوم الإمبراطورية الإسلامية والأراضى
المجاورة لها. ولهذا السبب تناول في رسالة قائمة بذاتها تاريخ الروم (الإمبراطورية البوزنطية) وجغرافيتهم، وأفرد كتابًا آخر لفتح إفريقية (شمالي إفريقية). ويتناول كتاب اليعقوبى- في معظمه- تخطيط البلدان والرحلات، وكان ترتيبه لمادته مماثلا لما جرى عليه ابن خرداذبه.
وقد أفراد قدامة بن جعفر الكاتب (القرن الرابع الهجرى = العاشر الميلادي) الفصل الحادي عشر من مصنفه "كتاب الخراج وصنعة الكتاب" لوصف محطات البريد والطرق في الإمبراطورية العباسية. وكان الغرض الأكبر من تصنيف هذا الكتاب وصف "مملكة الإسلام" وحدودها، وخاصة حدودها مع الإمبراطورية البوزنطية (الروم) التي كان يعدها ألد عدو للإسلام (ص 252). ونلاحظ في جغرافيته أيضًا "النظرة الإسلامية"، ولو أننا نميز فيه أيضًا نظرة سياسية مثل الدفاع عن الحدود. ويشمل كتابه كذلك أوصافًا لشعوب وممالك تكتنف مملكة الإسلام. وهو يتناول الجغرافيا الطبيعية العامة، وقد استعار- فيما يظهر- معلوماته في الجغرافيا الإقليمية والوصفية من المصادر اليونانية.
ويشبه كتاببن رستُه أوائل القرن الرابع الهجرى = العاشر الميلادي) المسمى "الأعلاق النفسية" كتاب قدامة في أنه يصف مكة والمدينة في مستهل الجزء الذي يتناول الجغرافيا الإقليمية. على أن الغرض الأكبر من كتابه كان فيما يبدو هو سوق معلومات عامة عن العالم في عمومه، ومن ثم يجد المرء فيه أوصافًا على أساس إقليمى لعدة بلاد تقع خارج حدود الإسلام علاوة على وصف للبلاد الإسلامية. وقد تناول ابن رسته الجغرافيا الرياضية متبعًا أسلوبًا منهجيًا مستقصيًا وجمع نظريات وآراء مختلفة عن المشاكل المتعددة (ص 23 - 24). وهو يعرض مادة في الجغرافيا العامة والطبيعية ويصنف الأقاليم على النمط الإغريقى. ويمكن أن نصف كتابه، على ضوء المعلومات المختلفة التي جمعها فيه، بأنه "دائرة معارف صغيرة في المعارف التاريخية والجغرافية".
وكذلك نهج ابن الفقيه الهمذانى منهج ابن رسته، فرتب المادة الجغرافية في كتابه "البلدان"(كتب حوالي سنة 290 هـ = 903 م) على أساس إقليمى. فقد شغل وصف مكة مكان الصدارة بين الأماكن لأخرى، وجاء الترتيب العام لموضوعات مادته شبيهًا بترتيب الإصطخري وابن حوقل. وأدخل في كتابه رواية التاجر سليمان عن الهند والصين، ولكن السمة الخاصة التي يتسم بها هذا الكتاب، هي أنه يسجل، إلى جانب المعلومات الوثيقة ذات السند، مقطوعات طويلة من الشعر، وروايات مختلفة ومعلومات ذات طابع أسطورى. والكتاب مفيد في تناوله الجغرافيا العامة والرياضية.
أما أبو الحسن علي بن الحسين المسعودى المتوفى سنة 345 هـ (956 م) المؤرخ المشهور، فقد جمع بين صفات الرحالة الخبير والجغرافى النابه. ومن المؤسف أن وصفه لرحلاته (كتاب القضايا والتجارب) لم يصل إلينا، ولكننا نستطيع أن نخرج بفكرة تقريبية عن رحلاته من كتبه الباقية، وهي "مروج الذهب ومعادن الجوهر" و "التنبيه والأشراف"(الكتاب امعنون "أخبار الزمان"، إلخ طبعة عبد الله الصاوى، القاهرة سنة 1938؛ ومخطوط مكتبة مولانا آزاد، الجامعة الإسلامية بعليكره [مجموعة قطب الدين، مخطوط رقم 36/ 1] المعنون "عجائب الدنيا"، وفي خاتمة المخطوط "كتاب العجائب، قد نسبا خطأ للمسعودى وليس لهما آية صلة بالكتاب الكبير "كتاب أخبار الزمان" الذي فقد). وقد عد البيرونى الجغرافيا جزءًا من التاريخ، وهذا يفسر أن كتبه تتناول الجغرافيا مقدمة للتاريخ، وهو قد اعتمد على الكتابات الجغرافية المتقدمة عليه في اللغة العربية كما اعتمد على كتب الرحلات والكتب الخاصة بالبحر المعاصرة له؛ ودعم ذلك بمعلومات جمعها بنفسه أثناء أسفاره أو من أناس لقيهم. ولم يسق المسعودى أي بيان منهجى تخطيطى للإمبراطورية العباسية ولم يعرض لطرق المملكة ولا للمحطات البريدية، بل هو يزودنا بإلمامة بارعة للمعرفة العربية المعاصرة عن الجغرافيا الرياضية والطبيعية. على
أن المأثرة الكبرى للمسعودى كانت في ميدان الجغرافيا البشرية والعامة. ذلك أنه ارتقى بالعلم الجغرافي بتحدى بعض النظريات والتصورات لجغرافى العرب وجد أنها لا أساس لها في ضوء تجربته الخاصة وملاحظته الخاصة. ولم يترد في أن يعرض على محك النقد نظريات أساطين الإغريق المعمّرة مكل نظريات بطلميوس، وشاهد ذلك نقده لقول هذا الإمام الإغريقى بوجود أرض في نصف الكرة الجنوبي. وقد نوه في ميدان الجغرافيا البشرية والطبيعية بأثر البيئة وغيرها من العوامل الجغرافية على أجسام وسلوك الحيوانات والنباتات والجنس البشرى. وتأثر المسعودى أيضًا بالمأثورات الجغرافية الإيرانية، مثل نظام الكشورات السبعة، جاعلا العراق أوسط الأقاليم وخيرها في العالم وقوله إن بغداد هي خير المدائن وما إلى ذلك.
وثمة جغرافي بارز في ذلك العصر كان أثره في النهوض بالجغرافيا العربية متنوعًا عميقًا مثلما كان أثر ابن خرداذبه، ونعنى به الوزير الساسانى أبا عبد الله محمد بن أحمد الجَيهانى (صدر القرن الرابع الهجرى الموافق القرن العاشر الميلادي). ومما يؤسف له أن مصنفه "المسالك والممالك" (ليس لمخطوط كابل آية صلة بكتاب الجيهانى الكبير؛ انظر A FaLse: V. Minorsky Djayhani في Bulletin of the School of ، Oriental and African Studies جـ 13، سنة 1949 - 1950، ص 89 - 96) لم يصل إلينا. على أنه من المحتمل كثيرًا أن يكون الجيهانى قد أفاد من النسخة الأصلية لكتاب ابن خرداذبه "كتاب المسالك". وقد استطاع الجيهانى، بفضل كونه وزيرًا يكتب في بغداد "أن يوسع ميدان بحثه موغلا في آسيه الوسطى والشرق الأقصى أكثر مما أتيح لمعاصريه العرب" (Marvazi: Minorsky etc، ص 6 - 7، لندن سنة 1942). وقد جمع معلومات مباشرة من مصادر مختلفة، ومن هنا جاءت أهمية كتابه. وقد أفادت طائفة كبيرة من الجغرافيين العرب المتأخرين من كتاب الجيهانى الذي يرى المسعودى فيه أنه هام لأن فيه أخبارًا عجيبة وقصصًا طريفة.
أما كتاب "حدود العالم" المجهول المؤلف الذي كتب بالفارسية سنة 372 هـ (982 م) فهو من أقدم الكتب الفارسية في جغرافية العالم وقد أفاد كاتبه من عدة مراجع عربية متقدمة في الموضوع، ولا شك أنه كانت بين يديه نسخة من كتاب الإصطخري. وفي حدود العالم نزعة إلى الكمال وضبط الأرقام، ثم إن صاحبه، فضلا عن ذلك، مستقل عن الجغرافيين الآخرين في تعميماته الجغرافية والاصطلاحية، وأصالته تستبين من تصوره انقسام العالم المعمور إلى "أجزاء من العالم" وإلى "بلاد قائمة بذاتها"(انظر مقدمة Barthold لكتاب "حدود العالم")، ص 21 - 33). وقد ظهر الكتاب في ترجمة إنكليزية مع تعليق بارع بقلم مينورسكى (Minorsky، لندن سنة 1937)، وهذا التعليق من أكثر ما كتب استقصاءً على أي كتاب فارسى أو عربي، عن الجغرافيا في العصر الحديث.
(2)
المدرسة البلخية: وإلى الفئة الثانية الكبرى من الكتاب في الجغرافيا العامة ينتسب الإصطخري، وابن حوقل، والمقدسى وكذلك أبو زيد أحمد ابن سهل البلخي المتوفى سنة 322 هـ (934 م) والذي نسبت إليه هذه المدرسة. وقد كتب البلخى كتابه الجغرافي "صور الأقاليم"(وهو أولًا شرح على الخرائط) سنة 308 هـ (920 م) أو بعد ذلك بقليل، وأنفق البلخى ثماني سنوات أو نحوها في العراق ودرس على الكندى. وكان قد رحل كثيرًا قبل عودته إلى موطنه وذاع صيته بالعلم واللوذعية.
على أن من المرجح أنه اعتنق في المرحلة الثانية من حياته آراء أهل السنة وكتب عدة رسائل أثنت عليها الدوائر السنية أجمل الثناء. صحيح أن نص كتاب البلخى الجغرافي لم ينشر بعد قائما بذاته وأن المخطوطات التي نسبت في يوم من الأيام للبلخى قد ثبت الآن أنها للإصطخرى، إلا أن رأى ده غويه لا يزال قائمًا له وجاهته، وهو أن كتاب الإصطخري يمثل نسخة أخرى موسعة توسعة كبيرة من كتاب البلخى، صنعت بين سنتي 318 و 321 هـ (930 - 933 م) في حياة البلخى.
وقد صبغ جغرافيو مدرسة البلخى الجغرافية العربية بلون إسلامي أكيد. ولم يكتف هؤلاء بالاقتصار في معظم ما كتبوا على البلاد الإسلامية، بل ركزوا أيضًا على التصورات الجغرافية التي من قبيل ما ورد في القرآن أو تلك التصورات القائمة على الأحاديث أو أقوال الصحابة وغيرهم، مثال ذلك أنهم شبهوا جرم الأرض بطائر كبير. وهذا يطابق ما ورد في حديث روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص (ابن الفقيه، ص 3 - 4). ثم إنهم يقولون إن جرم الأرض مستدير الشكل يحيط به البحر المحيط إحاطة العقد بالعنق، وينصب منه الخليجان (البحر المتوسط والمحيط الهندى) إلى الداخل دون أن يمتزجا، إذ يقوم بينهما البرزخ عند بحر القلزم، وهو تصور نجده في القرآن. ثم نجدهم أيضًا يخالفون بعض جغرافيى المدرسة العراقية، فيجعلون الجزيرة العربية هي صرة العالم، ذلك أنها تضم مكة والمدينة. وهذه النزعات الجديدة في منهج دراسة الجغرافيا وتناولها أصبحت السمة الغالبة على جغرافيى هذه المدرسة، ولا شك أنها في جميع الاحتمالات ذروة ذلك الصنيع القديم الذي سوّدت فيه طائفة من الجغرافيين مكة على العراق. وكان الغرض الأكبر الذي توخاه هؤلاء الجغرافيون المتأخرون هو أن يصفوا "بلاد الإسلام" دون غيرها مقسمين إياها إلى عشرين إقليما، فيما عدا أنهم تناولوا البلاد غير الإسلامية على الإجمال في مقدماتهم.
وكان الأساس الذي اتخذه لهذا التقسيم إلى "أقاليم" لا يقوم على منهج الكشورات ولا على منهج الأقاليم اليونانية، وإنما كان تقسيمهم إقليميا وطبيعيا صرفا. ويعد هذا منهم تقدما إيجابيا بالنسبة للمناهج السابقة، بل جديدا بوجه من الوجوه. والأمر كما بين ابن حوقل (ص 2 - 3) فهولم يتبع نموذج "الأقاليم السبعة" ومن ثم فقد رسم ابن حوقل خريطة قائمة بذاتها لكل قسم مبينًا موضع كل "إقليم" وحدوده وغير ذلك من المعلومات الجغرافية. وثمة مأثرة هامة تحسب لهؤلاء الجغرافيين، وهي أنهم قد قعدوا الجغرافيا ووسعوا نطاقها
بإدخال موضوعات جديدة حتى يزيدوا في فائدتها وأهميتها، ذلك أنهم رأوا أن دائرة أوسع من الناس كانوا يعنون بها، مثل الملوك وأهل المروءة ووجوه القوم في جميع الطبقات (ابن حوقل، ص 3). أما في ميدان رسم الخرائط، فإنهم لم يكتفوا برسم الخرائط الإقليمية على أساس من العلم أكثر، بل يمكننا أن نقول أيضًا إنهم قد أدخلوا عنصر المنظور. فقد رسموا خريطة مستديرة للعالم بينوا فيها الأقطار المختلفة لبلاد الإسلام وغير ذلك من الأقطار الإسلامية في العالم. وكان غرضهم بيانها في منظور صحيح وإظهار الموضع والحجم لكلٍّ منسوبا إلى الآخر. ولما كانت هذه الخرائط لا تمثل الحجم الصحيح (مستدير، مربع، مثلث)، فقد رسموا كلا بحجم مكبّر. ورسم هذه الأقطار على أساس طبيعى خالص، كان فيما يرجح أول تجربة من نوعها في رسم الخرائط عند العرب، وخرائط الإصطخري وابن حوقل، في هذا الخصوص، تفوق خرائط الإدريسي، ذلك أن الإدريسي قسم الأقاليم السبعة العرضية إلى عشرة أقاليم طولية لكل، ورسم خريطة قائمة بذاتها لكل قسم، ونشأ عن هذا أن هذه الخرائط الخاصة بالأقسام لم تمثل وحدات جغرافية بل أقساما هندسية وقد مثل الإصطخري وابن حوقل والمقدسى للمرة الأولى فكرة القطر محددًا بمصطلحات جغرافية، بل ذهبوا إلى حد تعيين حدود كل قطر، كما عينوا حدود الممالك الأربع الرئيسية في العالم سواء بسواء.
والظاهر أن أبا إسحاق إبراهيم بن محمد الفارسى الإصطخري (النصف الأول للقرن الرابع الهجرى الموافق العاشر الميلادي) كان صاحب الفضل الأول في نشر أفكار المدرسة البلخية. ولا نعرف عن حياة الإصطخري إلا القليل، على أننا نعلم أنه أكثر من الرحلة وضم تجاريبه في رحلاته إلى كتابه "المسالك والممالك"(ظهرت حديثًا طبعة جديدة لهذا الكتاب، قام بها جابر عبد العال الحينى، القاهرة، سنة 1961). ولا يخامرنا إلا شك قليل في أن كتاب المسالك والممالك قد اعتمد على كتاب أبي زيد البلخى. وقد أفاد كتاب الإصطخري جغرافيى هذه المدرسة من
حيث هو مرجع للمعلومات وثيق. وقد ترجم هذا الكتاب إلى الفارسية وأصبح عمادا لكثير من الكتب الفارسية في الجغرافيا.
وأتم أبو القاسم محمد بن حوقل البغدادي كتابه في الجغرافيا المسمى "كتاب صورة الأرض" حوالي سنة 366 هـ (977 م). وكان ابن حوقل، منذ طفولته مهتما بالجغرافيا، وقد رحل فأبعد الرحلة بين عامي 331 و 357 هـ (943 - 968 م) وكان منصرفًا إلى الجغرافيا انصرافا حتى إن كتب الجيهانى وابن خرداذبه وقدامة لم تكن تفارقه أبدًا، بل لقد قال في الكتابين الأولين إنهما شغلاه حتى عجز عن أن يصرف همه إلى العلوم النافعة الأخرى أو إلى الأحاديث النبوية. ومع ذلك فإن الذي حفزه إلى كتابة كتابه هو أنه لم يجد كتابًا من الكتب القائمة في هذا الموضوع يحوز الرضا، وهو يزعم أنه أصلح كتاب الإصطخري، وكان قد لقيه. على أن مزاعم ابن حوقل هذه لا يسلم بها من غير مناقشة، ذلك أن التشابه القائم بين كتابى هذين الجغرافيين يوحى بأن ابن حوقل مدين للإصطخرى ويعد ابن حوقل من أئمة الجغرافيين في ذاك العصر، ذلك أنه يظهر في ميدان رسم الخرائط استقلالا وتفردا، فهو لا يتبع الآخرين بلا وعى ولا تبصر. زد على ذلك أنه ضم إلى كتابه معلومات جديدة تعتمد على رحلاته أو على أقوال الناس. وظل كتابه مصدرا للمعلومات وثيقًا دأب الجغرافيون الذين أتوا بعده على الرجوع إليه عدة قرون.
وكان أبو عبد الله محمد بن أحمد المقدسي المتوفى سنة 390 هـ (1000 م) وصاحب كتاب "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" جغرافيا علميًّا مبتكرًا عظيم الابتكار في زمانه. وهو يزعم أنه أقام الجغرافيا العربية على أساس جديد وأضفى عليها معنى جديدًا ومدى أوسع وأفسح فقد ألفى المقدسي أن موضوع الجغرافيا مفيد لعدة طوائف من المجتمع كما هو مفيد لأصحاب المهن المختلفة، فأفسح في مداه وضمنه موضوعات متنوعة تتراوح بين السمات الطبيعية للإقليم
موضوع البحث والمناجم واللغات وأجناس الشعوب والعادات والتقاليد، والديانات والفرق، والطبائع، والموازين والمقاييس والأقسام الإقليمية والطرق والمسافات. ورأى أن الجغرافيا ليست علما يحصل بالقياس، بل يحصل بالتجربة المباشرة والمعلومات المباشرة، ومن ثم أهتم أكبر الاهتمام بكل ما يلاحظه المرء فعلا مما يتفق مع العقل، واستقى من الكتاب المتقدمين أهم ما عندهم "ولم يسرق منهم". ولذلك يمكن تقسيم كتابه إلى ثلاثة أجزاء تبعًا لطبيعة مصادر معلوماته: ما لاحظه بنفسه؛ ما سمعه من أناس ذوي ثقة؛ ما وجده مدونًا في الكتب عن هذا الموضوع. والمقدسى من الجغرافيين العرب القلائل الذين يناقشون المصطلحات الجغرافية والمدلولات الخاصة لبعض العبارات والكلمات المستعملة، فضلا عن أنه يزودنا بملخص، وفهرس للأقاليم والكور وغير ذلك في مقدمة كتابه لينتفع بذلك أولئك الذين يريدون أن يخرجوا بفكرة سريعة عن محتويات كتابه أو يتخذوه دليلا لرحلاتهم. والمقدسى يخالف الإصطخري وابن حوقل في أنه يقسم "مملكة الإسلام" إلي أربعة عشر إقليما (سبعة عربية وسبعة عجمية) وربما أراد بذلك أن يوفق بين ما يقوله وبين الاعتقاد بأن ثمة سبعة أقاليم شمالي خط الاستواء وسبعة أخرى جنوبيه، وهي فكرة تنسب إلى هرمس الشخصية الأسطورية التي عرفها العرب بأنها لفيلسوف مصرى قديم. وهو يختلف في هذا الصدد مع أبي زيد البلخى والجيهانى اللذين يعدهما مع ذلك "إمامين". وثمة سمة هامة يتسم بها كتابه وهي أنه يجرى مجرى المفسرين فيناقش باستفاضة مسائل تتعلق بالجغرافيا العامة، مثل عدد البحور وغير ذلك حتى يجعل هذا العدد يتفق مع الآيات القرآنية التي تحدثت عنها.
(د) التجارة والاستكشاف: الكتب البحرية وثمة ناحية هامة من نواحى تطور الكتب الجغرافية العربية لذلك العصر، هي صدور كتب بحرية وكتب رحلات أثرت معرفة العرب بالجغرافيا الإقليمية والوصفية. وقد تيسر هذا أولًا
بفضل التوسع السياسي للمسلمين والقربى التي أحسّ بها كل واحد تجاه الآخر بصرف النظر عن القومية والجنس، وثانيًا بفضل الزيادة العجيبة في نواحى النشاط التجارى للتجار العرب. وقد عملت عوامل عدة في الحفز على الرحلة والارتياد مثال ذلك الحج إلى مكة، وغيرة البعوث على الدين، وإيفاد الوفود، والحملات الرسمية، والتجارة، وأخيرًا -وليس آخرًا- مهنة البَحَّارة.
وقد كان للعرب منذ أقدم الأزمنة شأن الوسطاء في التجارة بين الشرق (الهند والصين وغيرهما) والغرب (مصر، والشام ورومة وغيرها). فلما شيدت بغداد قصبة للإمبراطورية العباسية ونما ثغرا البصرة وسيراف، اتسعت رقعة مشاركة العرب الفعلية والشخصية آنئذ وامتدت إلى الصين في الشرق وسفالة على الساحل الشرقي لإفريقيا. وتعلم العرب فن الملاحة وامتلكوا ناصيته آخذين عن الفرس، وما وافى القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادي) حتى أصبح ملاحو العرب على دراية تامة بالرياح الموسمية والتجارية، ولم تكتف سفنهم بالإبحار مسايرة للسواحل فحسب بل مضت مباشرة من جزيرة العرب إلى الهند. وأصبحوا على معرفة وثيقة بامتدادات البحر المختلفة ما بين الخليج الفارسى وبحر الصين الذي قسموه إلى سبعة أبحر مسمين كل قسم اسما خاصًّا. ثم إنهم أبحروا من عدن إلى شرقي إفريقيا حتى سفالة جنوبًا ومخروا بلا عائق عباب البحر الأحمر والبحر المتوسط والبحر الأسود وبحر الخزر كما أبحروا كذلك في عدد من الأنهار الصالحة للملاحة من بينها نهر النيل ونهر السند. صحيح أن سفنهم كانت صغيرة بالقياس إلى سفن الصينيين كما أن المحيط الهندى كان موبوءًا بالحيتان، إلا أنهم قاموا برحلات طويلة خطيرة في شجاعة وصلابة، وقد استعانوا بخرائط بحرية (رهنامات ودفاتر). ويسجل المسعودى (مروج الذهب، جـ 1، ص 233 - 234) أسماء عدد من ربابنة السفن الذين عرفهم كما سجل أسماء ملاحين مهرة خاضوا عباب المحيط الهندى. وكذلك سجل المقدسي (ص 10
-11) اسم ملاح خبير تاجر رجع إليه في مسألة شكل المحيط الهندى. ويتحدث أحمد بن ماجد عن رهنامات قديمة صنفها محمد بن شادان، وسهل بن أبّان، والليث بن كهلان (عاش في الجزء الأخير من القرن الثالث الهجرى الموافق التاسع الميلادي)، ولكنه عدّهم أقل كثيرًا من المستوى (انظر Hourani: Arab Seafaring ص 107 - 108). وقد فقدت كل هذه الخرائط البحرية، ولذلك فإننا لا نستطيع أن نقوّم المآثر التي أسداها هؤلاء الملاحون العرب المتقدمون للجغرافيا البحرية.
ونمت الملاحة العربية، فاتسعت أيضًا التجارة العربية. وقد أصبح للعرب شأن كبير تجارًا في الشرق بفضل سلطانهم السياسي القوى في الشرق الأوسط واقتصادهم النامى في الجزيرة العربية، ذلك أن نطاق تجارتهم لم يتسع فحسب، بل أصبح أيضًا كثيفًا، وقد بلغ الأمر بهم أن راحوا يتاجرون بالمقايضة مع القبائل البدائية في جزائر أندمان ونيقوبار وهي قبائل لم يكونوا يفقهون لغاتها. واضمحلت التجارة العربية مع الصين منذ نهاية القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادي) تقريبًا، إذ يقال إن أعدادًا كبيرة من الأجانب قد ذبحوا في الصين اثناء ثورة الفلاحين في عهد هوانغ شئآو (سنة 878 م). ومن يومها لم تتعد سفن العرب ثغر كالا، القائم على الشاطئ الغربي لشبه جزيرة الملايو، ولا وجود لهذا الثغر الآن.
وكان السبب الأكبر الذي حفز العرب إلى ارتياد أراض جديدة هو رغبتهم في التجارة، وقلما كانوا يقصدون بذلك الارتياد لذاته. ومع وجود بعض الشواهد المسجلة على مغامرات العرب واستكشافهم فإن كثيرًا من هذه الشواهد تدخل في باب قصص العجائب (مثال ذلك رواية الترجمان سلّام عن رحلته إلى سور يأجوج ومأجوج امتثالا لأوامر الخليفة الواثق [227 - 232 هـ = 842 - 847 م]؛ انظر: Minorsky، حدود العالم، ص 225). وقصة قيام شاب من قرطبة برحلة مع طائفة من أصدقائه الشبان ماخرين عباب المحيط الأطلسي وعودتهم بعد مدة محملين بالغنائم قد
يكون فيها شيء من الحقيقة التاريخية (المسعودى، جـ 1، ص 258 - 259). ولم يكن لعرب ذلك الزمان آية مأثرة جوهرية في سبيل الرقى بالمعرفة التي حصّلوها من اليونان. ومع ذلك فلا شك في أن معلوماتهم بخصوص بعض الأقطار -مثل شمالي إفريقيا وشرقيها، وغربى آسية، وآسية الوسطى وأقطار قليلة أخرى- كانت أوثق من الإغريق وأدق.
ويمكننا أن نردّ إلى عدة عوامل عدم ارتياد العرب للأقطار التي يجهلونها بما في ذلك الأقطار نفسها التي كانت لديهم عنها معرفة نظرية: أولًا أنهم كانوا إذا أرضوا الحافز التجارى لديهم فإنهم لم يكونوا يجاوزون ذلك؛ ثانيًا أن بعض الخواطر والأفكار المسبقة كانت تسيطر دائمًا على تفكيرهم وتصرفهم عن اتخاذ آية خطوة جريئة، مثال ذلك أنهم كانوا يرون المحيط الأطلسي هو بحر الظلمات والعين الحمئة. ولهذا السبب نفسه لم يبحروا موغلين في الجنوب بمحاذاة ساحل إفريقيا الشرقي، ذلك أنهم كانوا يرون أن البحر هناك حافل بالأمواج العالية التي يحدثها المد والجزر كما هو حافل بالاضطراب والهياج، ولو أن البيرونى قد اعتمد على بعض الشواهد التي كشف عنها في القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادي) ونعنى بها ما عثر عليه في البحر المتوسط من الواح سفن المحيط الهندى، فتصور أن المحيط الهندى متصل بالمحيط الأطلسي بمضايق جنوبي منابع النيل (البيرونى: صفة المعمورة، ص 3 - 4)؛ ثالثًا وأخيرًا أنهم خشوا أن يصادفوا قبائل أصلية ومتوحشة بجزائر الهند الشرقية فحال ذلك بينهم وبين التوغل في الإبحار شرقًا.
ومن أخبار رحلات ذلك العهد التي انتهت إلينا، خبر عن أقدمها. وقد نسبت هذه الرحلة إلى سليمان التاجر الذي قام بعدة رحلات إلى الهند والصين وكتب خواطره عن البلاد والشعوب التي زارها في "أخبار الصين والهند، (سنة 235 = 850 م). وهذا الكتاب شاهد على عناية شديدة علمية كان يتصف بها التجار العرب في تزويدهم قراءهم من الشعوب العربية لذلك العهد
بمعلومات فريدة هامة عن بلاد الشرق القاصية. وقد نشرت هذه الأخبار التي جاء بها سليمان أول ما نشرت سنة 302 هـ (916 م) على يد أبي زيد الحسن السيرافى هي وأخبار أخرى جمعها وحققها في كتاب اسمه "سلسلة التواريخ". والظاهر أن أبا زيد كان شخصًا ميسور الحال، ولم يكن هو نفسه قد مارس الرحلات، إلا أنه كان شغوفًا كل الشغف بجمع المعلومات من الرحالة والتجار وتسجيلها وقد لقى هذا الرجل المسعودى مرتين على الأقل، وتبادل معه الكثير من المعلومات وكان المسعودى، الذي يعد من أعلى أهل زمانه همة في ارتياد الآفاق، قد رحل فأبعد الرحلة، وأبحر في عدة بحار بما في ذلك بحر الخزر والبحر المتوسط. ولا جرم أن يكون قد ناقش مع أبي زيد ما كشف قرب إقريطش من ألواح سفينة تنتمى إلى بحر العرب. وكان ذلك ظاهرة فريدة، ذلك أنه كان من المظنون أن بحر العرب لا يتصل بالبحر المتوسط. وقد انتهى المسعودى إلى القول بأن الاحتمال الوحيد لذلك هو أن هذه الألواح ريما تكون قد مضت عائمة إلى الشرق ودخلت في البحر الشرقي (المحيط الهادي) ثم اتجهت شمالا ثم دخلت أخيرًا البحر المتوسط (مروج الذهب، جـ 1، ص 365 - 366) مارة بالخليج (وهو خليج متوهم يهبط ماؤه من شمالي المحيط الأطلسي [البحر المحيط] حتى يلج البحر الأسود). وإجماعهما هما الاثنان على ذكر هذا الكشف الفريد شاهد على عنايتهما بالمشاكل الجغرافية، وهو يدل أيضًا على أن الاهتمام بالجغرافيا كان حيا نشطا في ذلك العهد، ولم يركد كما حدث في العهد المتأخر.
ومن الكتاب ذوي الشأن لذلك العهد: بُرْزُك بن شهريار ربان رامْهُرْمُز (سنة 299 - 399 هـ = 912 - 1009 م) الذي صنف كتابًا في الحكايات البحرية عنوانه "كتاب عجائب الهند" حوالي سنة 342 هـ (953 م) ويروى الكتاب عددًا من الحكايات الظريفة غاية الظرف العجيبة كل العجب عن مغامرات البحارة في جزائر الهند الشرقية وغيرها من أجزاء المحيط الهندى. وهذه الحكايات قد صنفت فيما يظهر للقارئ
العام، ومع أنها -في معظمها- من تهاويل الخيال، إلا أنه لا يمكن إهمالها جميعها بحجة عدم صحتها وإسقاطها في آية دراسة جادة للجغرافيا العربية والارتياد عند العرب. والظاهر أن الحاجة كانت ماسة في ذلك العهد إلى القصص العجيبة المسلية، يشهد بذلك وجود عدة مخطوطات بالعربية لكتب العجائب.
وقد كان ذلك العهد يتميز عامة بروح البحث والتمحيص والارتياد عند العرب. على أن الكتب البحرية، التي فقد معظمها فيما يظهر، وقفت مواجهة للمعرفة النظرية المستقاة من الإغريق وغير ذلك من المصادر. ومن ثم حدث في بعض الأحيان تناقض بين النظر والعمل، وكان هذا هو المشكلة الجوهرية التي واجهها الجغرافيون والرحالة العرب، كما كان هذا الصراع بين النظر والعمل هو الذي حدد آخر الأمر تطور الجغرافيا العربية في العهد المتأخر. ذلك أنه حين كان أهل العمل يسلمون لأهل النظر يتأكد تدهور الجغرافيا العربية. وإنا لنتسائل: لم لم يوثق بكمة الملاح والرحالة والتاجر الثقة الجديرة بها؟ وتفسير هذه المسألة عسير؛ بيد أننا نقول إن عددًا كبيرًا من الكتب البحرية لا مناص من أن يكون قد فقد نتيجة للإهمال أو العداء.
(هـ) البيروني ومعاصروه:
يمكن أن نعد القرن الخامس الهجرى (الحادي عشرالميلادى) ذروة التقدم الذي بلغته الجغرافيا العربية، ذلك أنه ما وافى هذا العهد حتى كانت المعرفة الجغرافية عند العرب، سواء كانت مستقاة من الأغريق وغيرهم، أوكانت قد نمت بمعرفة العرب بفضل أبحاثهم وملاحظاتهم أو رحلاتهم، قد بلغت مستوى رفيعًا جدًّا من التقدم، زد على ذلك أن الكتب الجغرافية كانت قد غدت لها مكانة خاصة بين المكتبة العربية، كما كانت الأساليب والمناهج المختلفة في عرض المادة الجغرافية قد تقدمت وانضبطت. وأهمية ما أسداه البيرونى إلى الجغرافيا عند العرب أهمية مزدوجة: فهو أولًا قد ساق ملخصًا نقديا لجميع المعرفة الجغرافية حتى زمنه، ولماكان متضلعًا فيما حققه
اليونان والهنود والإيرانيون في ميدان الجغرافيا تضلعه في فضل العرب على هذا العلم فإنه قد قام ببحث مقارن في هذا الموضوع، وبيَّن أن اليونان كانوا أكمل في ذلك من الهنود، ومن ثم تضمن قوله وجوب الأخذ بمناهج اليونان وأساليبهم الفنية، ولكنه لم يكن جامدًا، فقد قال ببعض الآراء الهامة التي لم تكن تطابق أراء اليونان، الأمر الثاني هو أن البيرونى الفلكى لم يكتف بحساب الأمكنة الجغرافية لعدة مدن، بل حسب أيضًا طول درجة العرض، وبذلك أنجز احدى العمليات المساحية الثلاث في تاريخ الفلك العربي. وقد حقق بعض وجوه التقدم النظرى بصفة عامة في الجغرافيا الطبيعية والبشرية. واتخذ مما ذكرناه انفًا من الكشف في البحر المتوسط عن ألواح سفينة عربية قبل زمنه بمائة سنة، أساسًا لاحتمال نظرى بوجود قنوات تصل المحيط الهندى بالمحيط الأطلسي أسفل جبال القمر ومنابع النيل، بيد أن هذه القنوات كان من العسير عبورها بسبب ارتفاع المد والجزر والرياح الشديدة. ومضى في حجته يقول أن المحيط الهندى فعل ما فعله تجاه الشرق فتوغل في القارة الشمالية (آسيا) وأنه شق سبلا كذلك ليوازن بينها، فاوغلت القارة في المحيط الهندى تجاه الغرب. ويتصل البحر هناك بالمحيط الأطلسي عن طريق قنواتء ومن ثم فإنه قد قرر- من حيث النظر- إمكان الدوران حول ساحل إفريقيا الجنوبي، ومع ذلك فإن هذه الفكرة- من حيث العمل- لم تتحقق على يد المسلمين، فقد بقيت حتى وصول البرتغاليين، وهنالك ألمع النهروانى إلى أن البرتغاليين ربما يكونون قد اتخذوا هذا الطريق. وقد تصور البيرونى أن جرم الأرض محاط بالماء، وأن مركز ثقل الأرض انتقل فأحدث التغيرات الطبيعية على سطحها، مثال ذلك استحالة الأراضي الخصبة قاحلة واليابسة ماءً وبالعكس. وقد وصف بأجلى بيان تصورات مختلفة حدود الأجزاء المعمورة من الأرض في زمنه، والظاهر أنه رجع في ذلك إلى
بعض المصادر المعاصرة التي لم تكن متيسرة للجغرافيين المتقدمين. وكذلك كان للبيرونى مأثرة أصيلة أسداها للجغرافيا الإقليمية بوصف الهند وصفًا مفصلا.
ومن فلكيى القرن الخامس الهجرى (الحادي عشر الميلادي) الجديرين بالذكر: ابن يونس أبو الحسن علي بن عبد الرحمن المتوفى سنة 391 هـ (1009 م) وبينما كان البيرونى يعمل في الهند وغيرها من البقاع، كان ابن يونس يقوم بأرصاد قيمة في المرصد القائم على جبل المقطم في رعاية الخليفتين الفاطميين العزيز والحاكم وسجل ثمار أرصاده في "الزيج الكبير الحاكمى"، وقد أصبح هذا الكتاب مصدرًا هامًا للمعرفة الفلكية والجغرافية- حتى زمنه- يرجع إليه علماء المشرق الإسلامى.
ومن الجغرافيين والرحالة المعاصرين للبيرونى نذكر الشاعر الرحالة الإسماعيلي ناصر خسرو المتوفى سنة 452 هـ (1060 م) أو سنة 453 هـ (1061 م)، الذي تشمل أخبار رحلته المعروفة باسم "سفرنامه" والمكتوبة بالفارسية تجارب الكاتب الشخصية وأوصاف مكة ومصر.
وكان أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز البكرى المتوفى سنة 487 هـ (1094 م) خير ممثل لفقه اللغة في ذلك الزمن من حيث أسماء الأماكن ومعجمه الجغرافي "معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع " كتاب بارع يجمع بين الأدب والجغرافيا. وهو يتناول ضبط أسماء الأماكن في شبه الجزيرة العربية في المقام الأول، مستشهدًا بشواهد أدبية من الأدب العربي والشعر العربي القديم، والحديث وروايات الأقدمين إلى غير ذلك. أما بحثه الجغرافي الثاني "كتاب المسالك والممالك " فلم ينته إلينا كاملًا. على أن البكرى يعد أديبًا أكثر منه جغرافيا.
(5)
عصر توحيد المعرفة الجغرافية (القرن 6 هـ = 12 م-10 هـ 16 م)
أخذت تظهر على الجغرافيا العربية باستمرار أمارات الاضمحلال منذ القرن السادس الهجرى (الثاني عشر
الميلادي) حتى القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادي). وقد برزت وسط هذا الاضمحلال بعض الاستثناءات، مثل كتب الادريسى وأبي الفداء، أما البقية الباقية فقد انخفض مستواها العام إذا قيست بكتب الحقبة التي سبقت ذلك. وحل محل النظرة العلمية والنقدية للموضوع والاهتمام بوثاقة المعلومات- اللذين كانا سمة الكتاب المتقدمين- الملخصات والموجزات للمعرفة المأثورة والنظرية التي نجدها في كتب هؤلاء الكتاب. فقد كان هذا العصر، بوجه من الوجوه، عصر توحد المعرفة الجغرافية، ويمكن تقسيم كتبه الجغرافية إلى ثماني فئات عامة:
(أ) أخبار جغرافية عالمية.
(ب) كتب في خلق الكون.
(ج) كتب الزيارات.
(د) المعاجم أو المعاجم الجغرافية.
(هـ) كتب الرحلات.
(و) كتب بحرية.
(ز) كتب فلكية.
(ح) كتب في الجغرافيا الاقليمية.
(أ) أخبار جغرافية عالمية
مضى بعض جغرافي هذا العصر يتبعون سنة وصف العالم في عمومه على نهج جغرافيى العصر القديم، على أن الكتب التي تتناول عالم الإسلام دون سواه أصبحت نادرة، ذلك أن الإمبراطورية العباسية نفسها كانت قد تفككت أوصالها؛ وكان النموذج الذي اتبعه كتاب هذا العصر في الوصف والترتيب مخلتفًا أيضًا عما اتبعه أصحاب الكتب المتقدمة. ذلك أننا نجد في كتبهم نزعة إلى التقريب بين الجغرافيا الفلكية والجغرافيا الوصفية، وكان الأثر الإغريقى لا يزال بارزًا في بعض الكتب، على حين أن الأثر الفارسى قد تضاءل نسبيًا، والراجح أن سبب ذلك صدور كتب جغرافية بالفارسية أيضًا. على أن النشاط الجغرافي كان قد اتسع، وأصبحت أماكن مثل الشام وصقلية والأندلس مراكز هامة للمعرفة الجغرافية، وقد صدرت فيها كتب لها أهمية كبيرة جدًّا.
ونذكر من الكتب الهامة التي صدرت في هذا العصر في الجغرافيا والفلك
العالميين: "منتهى الإدراك في تقسيم الآفاق" لمحمد بن أحمد الخَرْقى المتوفى سنة 533 هـ (1138 - 1139 م)؛ و "كتاب الجغرافيا" لمحمد أبي بكر الزُهْرى الغرناطى الذي عاش حوالي سنة 531 هـ (1137 م) و (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" للشريف الادريسى المتوفى سنة 560 هـ (1166 م)؛ و (كتاب الجغرافيا في الأقاليم السبعة" لابن سعيد المتوفى سنة 672 هـ (1274 م)؛ و"تقويم البلدان " لأبي الفداء المتوفى سنة 731 هـ (1331 م)
وقد اعتمد كتاب الزهري على منهج الاغريق في التقسيم إلى "أقاليم"، وهو يمثل نزعة التقريب بين الجغرافيا الفلكية والجغرافيا الوصفية. وكتاب الادريسى الذي ينم أيضًا عن هذه النزعة؛ شاهد جيد على تعاون العرب والنورمان في الجهود الجغرافية. وقد صدر هذا الكتاب في باليرمو في رعاية ملك النورمان روجر الثاني. وقد كان الادريسى أميرًا ينتسب إلى بنى حَمُّود، ولكنه لم يكن رحالة مشهورًا أو جغرافيا خبيرًا قبل التحاقه ببلاط روجر، والظاهر أن روجر هدف من وراء دعوته إلى بلاطه إلى أن ينتفع بشخصيته لتحقيق أهدافه السياسية. ولا يخامرنا إلا شك قليل في أن روجر كان معنيًا بالجغرافيا، وقد كان قادرًا على جمع فريق من الفلكيين والجغرافيين في بلاطه. وقد تحققت لأول مرة في تاريخ رسم الخرائط عند العرب، بفضل جهود هؤلاء، سبعون خريطة إقليمية تقوم على منهج بطلميوس في التقسيم إلى أقاليم، كما رسمت خريطة كبيرة من الفضة للعالم. وقد صنف مجموع المعلومات الجغرافية المحصلة من الاغريق المعاصرين والمتقدمين أو من المصادر العربية تبعًا للأقسام الفرعية بحيث كان كل منها وصفا لواحدة من هذه الخرائط. وكان هذا الكتاب مأثرة هامة أسديت إلى الجغرافيا الطبيعية والوصفية. وقد اعتمد كتاب ابن سعيد على منهج التقسيم إلى أقاليم، وهو أيضًا يورد عروض وأطوال كثير من الأماكن تيسر جمعها في خريطة، وما وافى ذلك العصر حتى كانت الشام قد أصبحت
مركزًا للجهود الجغرافية. ذلك أن أبا الفداء، الأمير الشامى والمؤرخ والجغرافى، أتم موجزه الهام في جغرافية العالم سنة 721 هـ (1321 م) وهذا الكتاب يحدد عروض وأطوال الأماكن ويتناول مادته على أساس إقليمى. وقد رتب ترتيبًا منهجيًا، ويشمل الجغرافيا الوصفية والفلكية والبشرية. والظاهر أن هذا الكاتب قد انتفع ببعض المصادر المعاصرة له، ذلك أننا نجد فيه بعض المعلومات الجديدة التي لم تتيسر للكتب الأقدام من كتابه.
(ب) كتب في خلق الكون:
صدرت في هذا العصر عدة كتب لا تتناول الجغرافيا فحسب، بل تتناول أيضًا خلق الكون وأصله وعلم الفلك وغير ذلك من العلوم التي من هذا القبيل. وكان الغرض الأكبر الذي تتوخاه هذه الكتب هو- فيما يظهر- عرض المعرفة العالمية في أسلوب منهجى موحد لفائدة القارئ العام. ولا شك أن كتاب الكتب التي نحن بصددها قد أفادوا من المراجع العربية الأقدم. على أننا نستطيع أن نقول- بوجه عام- أن مادتها قد عرضت عرضا لا يقوم على النقد، وقلما نجد فيها مسألة قامت على الاستقصاء والبحث، كما أنها تفتقر كلية إلى الشوق إلى الدرس. وكان السبب الأكبر في النزوع إلى تصنيف هذه الكتب هو اضمحلال التعليم والدراسة اللذين أثرا في تقدم المعرفة الجغرافية.
ونذكر فيما يأتي بعض الكتب التي تنتمى إلى هذه الفئة: "تحفة الألباب (أو الأحباب) ونخبة العجائب. لأبي حامد الغرناطى المتوفى سنة 565 هـ (1169 - 1170 م)؛ "عجائب البلدان وآثار البلاد" للقزوينى المتوفى سنة (682 هـ (1327 م)؛ و "نخبة الدهر في عجائب البر والبحر" للدمشقى المتوفى سنة 717 هـ (1327 م)؛ و "خر يدة العجائب وفريدة الغرائب" لابن الوردي المتوفى سنة 861 هـ (1457 م).
(جـ) كتب الزيارات
وثمة سمة خاصة يتسم بها هذا العصر هي صدور عدد من الكتب التي تتناول البلدان والأماكن ذات الأهمية الدينية أو الأماكن التي يحج إليها
الناس. وليست هذه الكتب وصفية أو تخطيطية- خالصة، فهي تتناول الأماكن المقدسة في الإسلام، ومقابر الأولياء، وتكايا الصوفية والرباطات إلى جانب المعاهد التعليمية (المدارس) وتتخصص في مدارس الشريعة المختلفة، ومثل هذه الموضوعات. ويجد المرء في هذه التصانيف بيانات مفصلة عن أسماء أماكن في بلدان مختلفة معكل مكة، ودمشق وغيرهما. ونستطيع أن نقول بصفة عامة أن كتب الزيارات قد قصد بها أن تكون دلائل دينية للحجاج وأهل العكوف، وهي تمثل رد الفعل الدينى في الإسلام. ومن الكتب التي تمثل هذه الفئة:"الإشارات إلى معرفة الزيارات " للهَرَوى المتوفى سنة 611 هـ (1214 م)؛ و"الدارس لتاريخ المدارس" لعبد القادر محمد النُعَيمى المتوفى سنة 48 هـ (1520 م) وفي مكتبة مولانا آزاد بجامعة عليكره الإسلامية مخطوط (مجموعة شروانى، مخطوط رقم 27/ 34) هو في أغلب الاحتمالات موجز لكتاب النعيمى الأصلي، كتب بعد وفاته بخمسين سنة.
(د) كتب المعاجم أو المعاجم الجغرافية
تمت تقاليد الدراسات الجغرافية في الشام وانتجت عدة ثمار مفيدة ذلك أننا نجد، علاوة على موجز أبي الفدا وكتب الزيارات، أن ياقوتًا الحموى المتوفى سنة 626 هـ (1229 م) قد أنتج كتابًا من أنفع الكتب في المكتبة الجغرافية العربية، وهو "معجم البلدان". وهذا المعجم الجغرافي في البلدان الذي أتمه ياقوت سنة 621 هـ (1224 م) وضمنه معلومات جغرافية واجتماعية أخرى، كان يجرى على نهج التقاليد الأدبية والعلمية للعصر السابق، وهو يمثل زبدة المعرفة الجغرافية لزمنه- أما من حيث هو كتاب من كتب المراجع فإنه لا غنى عنه حتى في يومنا هذا لطالب الجغرافيا العربية التاريخية. وقد توج ياقوت كتابه بمقدمة عن النظريات والتصورات الجغرافية العربية وعن الجغرافيا الرياضية والطبيعية، وهذا يدل على عمق علمه. ويمثل الكتاب أيضًا تلك الفترة من التطور الجغرافي حين كان الدارسون يفكرون بلغة تصنيف
معاجم جغرافية، ولعل هذا لم يكن يتأتى إلا بذلك الحشد الحاشد من الكتب الجغرافية التي كانت قد ظهرت بالفعل قبيل ذلك العصر، وتلك التقاليد الجغرافية التي كانت قائمة في الشام. ومن كتب ياقوت الهامة الأخرى:"كتاب المشترك وضعًا والمختلف صَقْعًا" الذي صنفه سنة 623 هـ (1226 م).
(هـ) أخبار الرحلات:
وقد اغتنت المعرفة العربية بالجغرافيا الإقليمية والوصفية إلى حد كبير بفضل صدور كتب رحلات بالعربية على نطاق واسع. ونذكر- علاوة على الحوافز المألوفة إلى الرحلة، كالحج إلى مكة أو الغيرة الدينية على نشر الدين امتداد المؤثرات السياسية والدينية الإسلامية، وخاصة في المشرق، مما أدى إلى فتح آفاق جديدة في الرحلة للمسلمين وازدياد فرص العيش أمامهم.
ونذكر من أخبار الرحلات الهامة كتاب المازنى المتوفى سنة 564 هـ (1169 م)؛ وكتاب "الرحلة" لابن خبَير المتوفى سنة 614 هـ (1217 م)؛ و "تاريخ المستنصر" الذي كتبه ابن المجاور حوالي سنة 627 هـ (1230 م)؛ ثم رحلات البتانى المتوفى سنة 636 هـ (1239 م). والعَبْدرَى المتوفى سنة 688 هـ (1289 م)؛ والطَيِّبى المتوفى عام 698 هـ (1299 م)؛ والتيجانى المتوفى سنة 708 هـ (1308 م) وغيرهم وفي حين أن هذه الرحلات لها أهمية كبرى بالنسبة للشرق الأوسط وشمالى إفريقية وأجزاء من أوربا لأنها تزودنا بمعلومات معاصرة مهمة في كثير من الأحيان، فإن كتاب ابن بطوطة المتوفى عام 779 هـ (1377 م) المعروف باسم "تحفة النُظار" يظل أهم كتاب كتب بالعربية في القرون الوسطى عن بلاد الهند وجنوبى شرق آسيا وغير ذلك من بلاد آسيا وشمالى افريقية.
(و) الكتب البحرية
في هذا العصر الذي نحن بصدده اقتصرت جهود العرب البحرية على البحر المتوسط وبحر العرب. أما في البحر المتوسط فإن الأساطيل العربية، بمعنى العبارة الأوسع، لم تستطع أن
تسيطر عليه حقًّا سيطرة كاملة. ذلك أنها كانت منشغلة دائمًا في حروب بحرية مع أساطيل المسيحيين، وكان يستخدم في هذه الغارات أحيانًا عدد من السفن الحربية يبلغ المائة. ثم إن الملاحين العرب كانوا على دراية تامة بالبحر المتوسط، إلا أن الإبحار في المحيط الأطلسي كانوا لا يزالون يخشونه، وليس لدينا إلا شاهد واحد على قيام العرب بمغامرة فيه، وهي مغامرة ابن فاطمة سنة 648 هـ (1250 م) ونستبين من وصف رحلته التي بقيت في كتاب ابن سعيد أنه بلغ في توغله- على ما يظهر- الجبل الأبيض (تحقق أنه رأس برانكو Branco) بمحاذاة ساحل افريقيا الغربي. ومن العسير- بعامة- أن نقوم مبلغ فضل العرب في هذا البحر على الجغرافيا البحرية، ذلك أننا لا نعرف إلا القليل جدًّا عن أخبارهم. فلما قام السلطان العثمانى في آسية الصغرى أصبح الأسطول العثمانى في النهاية قويًّا جدًّا في البحر المتوسط (انظر القسم 6 فيما يلي).
على أن ملاحى العرب في المحيط الغندى قد عززوا مكانتهم حتى جاء البرتغاليون، وكان شهاب الدين بن أحمد بن ماجد (لا نعلم تاريخ مولده ولا وفاته) هو الذي قاد سفينة فاسكودا كاما من مالندى على الساحل الشرقي لإفريقيا إلى قاليقوط في الهند سنة 1498. وهذا الحادث يعد نقطة التحول في تاريخ الملاحة والتجارة العربيتين في المشرق، إذ كان لعلو شان البرتغاليين أثر سيئ في تجارة العرب، فقد تهاوى سلطانهم البحرى وتقوض صرح تجارتهم باطراد على يد البرتغاليين.
ويمكن أن يعد ابن ماجد -الذي قضى أكثر من خمسين سنة من حياته في البحار العليا- الملاحين العرب الأعظمين في جميع العصور. وقد كتب ابن ماجد ثلاثين رسالة بحرية، وكان من أبرز كتاب العرب في وصف المحيطات، والملاحة وغير ذلك. وقد رفعته مآثره إلى صف أكابر علماء هذا العصر. وأهم مأثرة له هي مصنفه "كتاب الفوائد في أصول علم البحر والقواعد".
أما سليمان بن أحمد المهَرئ وهو معاصر لابن ماجد أصغر منه، فقد كان
ملاحا آخر بارزًا من ملاحى هذا العصر، وكذلك هو صاحب خمس رسائل بحرية كتبت في النصف الأول من القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادي) نذكر منها بخاصة للأهمية:"العمدة المهرية في ضبط العلوم البحرية"وقد صنفها سنة 917 هـ (1511 - 1512 م)، و "كتاب شرح تحفة الفحول في تمهيد الأصول".
وكتب ابن ماجد وسليمان المهرى هي ذروة ما بلغه العرب من معرفة في الجغرافيا البحرية. وكان هذان البحاران يستخدمان خرائط بحرية بارعة من المظنون أنه كانت تتوفر فيها خطوط الزوال والمتوازيات المرسومة صكليها. وكذلك كانوا يستخدمون عدة آلات دقيقة وينتفعون أقصى انتفاع بالمعارف الفلكية في الملاحة. ولا يخامرنا إلا شك قليل في أن معرفتهم بالبحار كانت متقدمة إلى حد كبير، وخاصة في المحيط الهندى، ذلك أن كتبهم تصف بالتفصيل خطوط السواحل والطرق وما إليها في البلاد التي زاروها، وكانوا على علم بالجزائر المتعددة في جزائر الهند الشرقية.
(ز) الكتب الفلكية
وفي هذا العصر ظهرت كتب في الفلك على قدر عظيم من الأهمية، وكان من أئمة الفلكيين في هذه الحقبة عالم الرياضيات الأمير التيمورى ألغُ بك المتوفى سنة 853 هـ (1449 م) على أنه بوفاة ألغ بك يمكن أن يقال إن كتب الفلك الإسلامية قد بلغت نهايتها، ذلك أن جهد ألغُ كان هو آخر جهد علمي يبذل من جانب أمير مسلم، قبل أن يحل عصر الانحطاط الاجتماعى الإسلامي، في سبيل مراجعة معلومات بطلميوس والقيام بأرصاد فلكية مستقلة. وقد شمل كتاب "زيج جديد سلطانى، النتائج التي وصل إليها ألغ بك في أرصاده التي شاركه فيها معاونوه.
(ج) كتب الجغرافيا الإقليمية
ظهرت في الفترة بين القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادي) والعاشر (السادس عشر الميلادي) جملة كبيرة من الكتب الجغرافية بالعربية والفارسية تقوم على أساس إقليمى أو قومى. صحيح أنه لم يصدر عن جغرافيى ذلك العصر ما يعد مأثرة
جليلة في ميدان الجغرافيا، إلا أن المعرفة بالجغرافيا الإقليمية قد أثرت بفضل جهود عدة مؤرخين وجغرافيين. ولقد احتفظ بالتقاليد الجغرافية للعصر القديم، ولكن لم يكن ثمة ابتكار في النظر أو في العمل. ولم يحدث في ميدان الجغرافيا الفلكية والطبيعية أو البشرية تقدم جوهوى. وكان إصدار كتب في الجغرافيا الإقليمية في ذلك العصر مرتبطًا أوثق ارتباط بامتداد الإسلام واتساع السلطان الإسلامى في المشرق، كما أنه يرجع إلى العناية التي خص بها عواهل المسلمين الجغرافيا التاريخية والجغرافيا مستهدفين أولًا الأغراض السياسة.
وفي العراق والجزيرة- المركز القديم للنشاط الجغرافي- لم يصدر من الكتب الجغرافية إلا القليل، وقد ظهر في كتاب "ميارث قدشى" لابن العبرى أثر التقليد الإسلامى وفيه خريطة شبه دائرية للعالم أما في مصر والشام فقد صدرت كتب الخطط في ظل الأيوبيين والمماليك وأدى الاهتمام منذ عهد الأيوبيين بكتب العجائب ومصر القديمة إلى صدور وجمع بعض الأخبار ذات التهاويل الخيالية والحكايات عن ملوك مصر القديمة (! ) وغير ذلك من القصص التي تستهوى القارئ العام. على أن هذه الأخبار قد تضمنت شيئًا من المعلومات الجديدة عن الدول الإسلامية في المشرق وفي الهند وغيرها من البلاد. وكان الكتاب الذين تناولوا هذه الموضوعات هم: إبراهيم بن وصيف شاه (كتب سنة 605 هـ = 1209 م)" والنُوَيرى المتوفى سنة 629 هـ (1332 م)؛ والمقريزى المتوفى سنة 845 هـ (1441 - 1442 م)؛ وابن فضل الله العمرى المتوفى سنة 749 هـ (1348 م)؛ والقلقشندى المتوفى عام 821 هـ (1418 م) وغيرهم. وفي شمالي إفريقية كتب الحسن بن علي المراكشى "جامع المبادئ والغايات " وهو يزودنا بخطوط أطوال وعروض قدَّر الكاتب بعضها، وتشمل مقدمة ابن خلدون فصلًا في الجغرافيا، يشمل ما أُعن بعض مؤرخى العرب الذين وصفوا العالم مقدمة للتاريخ.
ونجد في إيران وآسية الوسطى والهند بعض الكتب التاريخية بالفارسية
تتناول الجغرافيا الإقليمية والوصفية، وبعض رسائل عن جغرافية العالم وتعتمد الكتب الجغرافية في معظمها على المصادر العربية المتقدمة، وتضمنت التواريخ العامة وأخبار الفتوح معلومات إضافية معاصرة. ونذكر من الكتب الهامة:"فارس نامه" لابن البلخى الذي كتب في أوائل القرن السادس الهجرى (الثاني عشر الميلادي)، و "نزهة القلوب" لحمد الله المستوفى المتوفى سنة 740 هـ (1340 م)، و"جهان نامه" لمحمد بن نجيب بَكرْان (كتبها محمد هذا لخوارز مشاه محمد سنة 596 - 617 هـ = 1200 - 1220 م)، وتتناول جهان نامه "بعض المعلومات الهامة عن جغرافية ما وراء النهر"، "ومطلع السعدين" لعبد الرزّاق السمرقندى المتوفى سنة 887 هـ (1482 م)، و "هفت إقليم" لابن أحمد الرازي، وقد كتب عام 1002 هـ (1594 م) وهو كتاب في التراجم ولكنه يشمل معلومات جغرافية لها قيمة كبيرة.
المصادر
متون وترجمات وشروح:
(1)
أبو دلف مسْعَر بن المهُلْهل: الرسالة الثانية، طبعة مينورسكىَ. V Minorsky، القاهرة سنة 1955.
(2)
البيرونى: كتاب القانون المسعودى، طبعة دائرة المعارف، حيدر آباد بالهند، في مجلدين سنة 1955.
(3)
البيروني: Picture of the world (صفة المعمورة على البيرونى) طبعة أ. زكى وليدى طوغان ، Memoir Asi، جـ 53، نيو دلهى سنة 1941 (ويشمل هذا الكتاب نصوصًا في الجغرافيا انتخبت من البيرونى: القانون المسعودى: تحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن؛ الجماهر في معرفة الجواهر؛ الصيدنة.
(4)
حمد الله مستوفى: نزهة القلوب، طبعة محمد دبير سياغى، طهران سنة 1958.
(5)
الهمدانى: كتاب صفة جزيرة العرب، طبعة محمد بن بلْهيد النجدى، القاهرة سنة 1953.
(6)
الهروى علي بن أبي بكر: الإشارات إلى معرفة الزيارات، طبعه وترجمه إلى الفرنسية سوردل تومين وزوجه، دمشق سنة 1953 - 1957.
(7)
حدود العالم.
(8)
ابن بطوطة (الترجمة الإنكليزية بقلم هـ أ. ر. كب، جـ 1، كمبردج سنة 1958).
(9)
ابن فَضْلان: الرسالة، الطبعة الثانية للترجمة والتعليقات التي قام بهما أ. ب. كوفالسكى، سنة 1955 (ترجمة كانار Canard في Annales de l' stitut d'Etudes Orientales de I'Universite d' Alger جـ 16، ص 1958).
(10)
ابن حوقل.
(11)
ابن خلدون، طبعة روزنتال Rosenthal.
(12)
ابن ماجد: Three unknown nau- tical instruments on the Indian Ocean، طبعة ت. أ. شوموفسكى Shumovsky، موسكو سنة 1957.
(13)
الإدريسي: Polsha i Ktaje sa - siedni w Shuietle Kriegi Rogera" Geoh rapha arabskigo ZXII w Al - Idrisia'ega جـ 1، كراكوف سنة 1945؛ الكراسة 2، وارسو سنة 1954.
(14)
الإدريسى: India and the neighbouring Territories in the Kitab Nu- zhat al' Mushtak filkhtrak Al- Afak of Al SharifA 1 - Idrisi عليكره سنة 1954
(15)
الإصطخري: المسالك والممالك، طبعة م. جابر عبد العال الحينى، القاهرة سنة 1961
(16)
Zrodia arabische: T.Lewicki de dziejow stoivienszczyzny؛ جـ 1، روكلوف، كراكاو سنة 1956
(17)
محمد بن نجيب بكران: جهان نامه نقلها مع ترجمتها ى. بورجفسكى Y. Borshchevsky، سنة 1960.
(17)
عبد القادر النعيمى: الدارس في تاريخ المدارس، في مجلدين، دمشق سنة 1948 - 1951
(19)
المروزى: Sharaf Al - Zaman Tahir Marwazi on China، the Turks and India المتن والترجمة مع التعليق بقلم مينورسكى، لندن سنة 1942
(20)
أخبار الصين والهند، Relation de le Chine et de l'Inde، redigee en 831 النص والترجمة الفرنسية مع تعليقات Jean Sauvaget باريس سنة 1948
(21)
ياقوت: The Introductory chap ters of Yaqut's Mujam Al - Buldan ترجمة وتعليق Wadie Jwaideh ليدن سنة 1959
(22)
R. Blachere et H. Darmaun: Extraits des Prinicipaux geographer arabes du Moyen - Age الطبعة الثانية، باريس سنة 1957.
(2)
كتب عامة:
(1)
نفيس أحمد: Muslim Contribu tion to geography لاهور سنة 1947.
(2)
Turkestan: Barthold
(3)
Arab Seafaring: S.F. Hourani برنستون سنة 1928.
(4)
Geography in the: G.H.T. Kimble Middle Ages لندن سنة 1938.
(5)
Geography and: J.H. Kramer Commerce in the Legacy of Islam طبعة أرنولد وكوييوم، - Arnold & A. Gail Laume، لندن سنة 1943.
(6)
Analecta Orientalia، Posthumous: J.H. Kramers Writings and selected Mi- nor Works of، ليدن سنة 1954.
(7)
Arabskaya: I.Y. Krachkovisky geograficheskaya literatura (المجلد 4 من مجموعة آثاره) موسكو سنة 1957.
(8)
Al Mas' udi commemoration vol- ume، نشره مقبول أحمد وأ. رحمن، عليكره سنة 1960.
(9)
س. مظفَّر على: Arab Geography عليكره سنة 1960 (وهو ترجمة للقسم الثاني من كتاب - M. Reinaud (Intro: duction generale a la geographie des Orientaux
(3)
مقالات
(1)
Physical geog-: Ziauddin Alavi . raphy Of the Arabs in Xth. Century AD Indian geographical journal في. A.D جـ 2/ 22، مدارس سنة 1947.
(2)
الكاتب نفسه Arab geography . the 9 th and 10 th.Centuries A.D في Mus-
lim University Journal عليكره سنة 1948.
(3)
The Vasco Gamma's: Leo Bagrow Pilot في Studi Colombiani، جنوة سنة 1951.
(4)
In quest of Kalah: S.Q. Fatimi في Journal Southeast Asian History جـ 1/ 2، سبتمبر سنة 1960.
(5)
A. False Jayhani: V. Minorsky في Bulletin of the School of Oriental and African Studies .، جـ 13، سنة 1949 - 1950، ص 89 - 96.
(6)
Al: M. Maqbul Ahmad Mascudi's Islamic contribution to medieval Arab geography، في جـ 2/ 27، سنة 1953، Islamic Culture، جـ 1/ 28.
(7)
الكاتب نفسه: Travels of Abu'l Husayn Al Mascudi في Islamic Culture، جـ 28، 4، سنة 1954.
(8)
Geography of the: C. Schoy Muslims of the Middle Ages Geographical Review (American ، Geographical، Society)، جـ 14، سنة 1924، ص 257 - 269؛ مقالات أخرى بالفارسية، ص 269 - 279.
(9)
الكاتب نفسه: الملحق سنة 1956 - 1960، ص 82 - 85
خورشيد [مقبول أحمد S. Maqbul Ahmed]
(6)
الجغرافيون العثمانيون
الظاهر أن الجغرافيين العثمانيين لم يبدأوا في كتابة الكتب الجغرافية حتى أواسط القرن التاسع الهجرى (الرابع عشر الميلادي). وكانت الكتب الأول من هذه في خلق العالم على نمط كتب العجائب التي تتناول عجائب الخليقة. ولعل خير ما نعرفه منها هو "درّ مكنون " ليازيجى أوغلى أحمد بيجان المتوفى حوالي سنة 860 هـ (1456 م) وهو أخو الشاعر العثمانى القديم يازيجى أوغلى محمد المتوفى سنة 855 هـ (1451 م). وكان أحمد بيجان هذا هو إلى ذلك أول من ترجم منتخبات من الكتاب العربي "عجائب المخلوقات" للقزوينى (1203 - 1285) وسمَّى الترجمة بهذا العنوان، وفي هذا الكتاب اهتمام بعجائب المخلوقات أكثر من
الاهتمام بالمعرفة العلمية (انظر Catal: Riue of Turkish Mss inthe Rieu British . Museum، ص 106 وما بعدها). وقد ترجم كتاب القزوينى عدة مرات إلى اللغة التركية (يشير بروكلمان، قسم 1، ص 882، إلى ترجمات تركية أربع لهذا الكتاب). وكذلك نجد بهذا العنوان ترجمات أخرى شائعة لكتاب ابن الوردى المتوفى سنة 1457 م: "خريدة العجائب" (ذكرت في Beitraege zur historischen Geographie
…
vornehmlich des Orients طبعة Festband: Hans Mzhik Eugen Oberhummer ليبسك وفينا سنة 1929، ص 86 وما بعدها) نشرت من بينها واحدة مع إضافات معاصرة على يد رجل من العصر العثمانى المتقدم يدعى علي بن عبد الرحمن (انظر مقالتي: Der Bericht des arahicchen Geographen lbn - Al - Wardi ueber Konstantinopel في Festband Eugen Oberhummer ص 84 - 91 و Ein Altosmanisher Bericht ueber des uorosma - manische konstantinopel في A 10 N سنة 1940، ص 181 - 189) ونجد أن سباهى زاده محمد بن علي المتوفى سنة 997 هـ (1588 م) قد أصدر نسخة عربية جديدة من كتاب تقويم البلدان لأبي الفداء بعنوان "أوضح المسالك إلى معرفة البلدان والممالك" مع ترتيب مادته بحسب حروف الهجاء وأكمله، (بروكلمان قسم 1، ص 46) ثم ترجم منتخبات منه إلى التركية بالاسم نفسه (بروكلمان، قسم 2، ص 44).
ونذكر من الترجمات الأخيرة للكتب الجغرافية القديمة "مناظر العوالم " لمحمد بن عمر (وليس عثمان) بن بايزيد العاشق المولود سنة 964 هـ (1555 م) ولا نعرف تاريخ وفاته؛ وقد أتم كتابه هذا سنة 1006 هـ (1598 م) وهو من جزءين يتناول الأول "العالم العلوى" أي السماء وسكانها والأجرام السماوية، ثم يذيله بملحق فيه جزء من العالم السفلى أي النار وأهلها. وهذا الجزء، يكاد يقتصر على علم الكلام والأساطير، علاوة على علم الهيئة الذي تضمنه ملخصا فحسب، سكلى أن هذا الجزء الأول ليس إلا مقدمة. ومعظم الكتاب شمله الجزء الثاني، الذي يصف "العالم السفلى" أي الأرض وسكانها؛ وهو يشمل أولًا جغرافية الكون، أي
شيئًا قليلا من المعرفة العامة عن الأرض، يتبعه أوصاف قائمة بذاتها رتبت على نهج أهل القرون الوسطى: أشياء طبيعية: المحيطات والجزائر، والمستنقعات والبحيرات والأنهار والعيون، والعيون الحارة، والجبال، ثم يشمل أخيرًا القسم الرئيسى من الجغرافيا الوصفية أي المدن. وقد رتبت المادة الجغرافية كلها في هذا القسم بحسب الأقاليم السبعة التي قال بها بطلميوس (أقاليم حقيقية). وفي إطار هذا الهيكل رتبت الأماكن الواردة إلى الأقاليم العرفية (أقاليم عرفية) الثمانية والعشرين الواردة، وهو مبدأ استقاه عاشق من كتاب أبي الفداء، وانتهى بمقتضاه إلى أن بعض المدن التي تناولها بالكلام قد ظهرت بحسب موقعها في أكثر من إقليم من الأقاليم الحقيقية وبذلك تداخل المبدآن في التطبيق. وتحت كل عنوان بين عاشق بالترتيب ما قاله من نقل عنهم مترجمًا إلى اللغة التركية، وهؤلاء هم كتاب القرون الوسطى من العرب والفرس مثل ابن خرداذبه، وابن الجوزي، وياقوت، والقوزينى، وحمد الله مستوفى، وابن الوردي مع الإشارة المضبوطة إلى كل سند من أسانيده، وقد أكمل هذه الشواهد بأخباره هو وخاصة عن الأناضول والروملى والمجر مع الإشارة الدقيقة أيضًا إلى أن هذه المعلومة الخاصة قد استقيت من "الكاتب، (راقم الحروف) مع ذكر تاريخ زيارته للمدينة المذكورة، ومن ثم أتاح للقارئ سندًا تاريخيًا مسلسلا لرحلاته.
وأعقب الجغرافيا علم طبيعى وصفى للكون، أي الجوامد والسوائل والغازات والمعادن، والعطور، والفلزات، والنباتات، والحيوانات، والإنسان، والكتاب في مجموعه موجز يلم إلمامًا عامًا بالجغرافيا التقليدية والعلم الطبيعي.
ويدخل في ترجمات الكتب الجغرافية بمعنى أوسع تلك الرسالة في الفلك والرياضيات التي كتبها بالفارسية على قوشجى المتوفى سنة 879 هـ (1474 م) الذي كان من قبل مديرًا لمرصد ألغ بك في سمرقند، ثم اصبح من بعد فلكى بلاط محمد الثاني، وقد
ترجمت هذه الرسالة عدة مرات إلى التركية (انظر Zeitschr. der Deutsch. .Morg. Gesells جـ 77، سنة 1923، ص 40، تعليق 2)، وإلى هذه الفئة ينسب أيضًا كتاب الصين أي "خطاى نامه " الذي كتبه في (الأصل) بالفارسية سيد على أكبر خطائى سنة 1516، ويصف فيه الكاتب رحلته إلى الصين، ما بين سنتى 912 و 914 هـ (1506 - 1508 م) وأهداه إلى السلطان سليم الأول. وفي عهد مراد الثالث ترجم إلى التركية (انظر P.Kahle في Acta Orientalia جـ 12، ص 91 وما بعدها؛ opera Minoru، ص 322 - (323).
أما في ميدان الجغرافيا البحرية والملاحة فقد أصدر الأتراك العثمانيون كتبًا مبتكرة، ونذكر منها بصفة خاصة كتاب ييرى محيي الدين رئيس المتوفى سنة 962 هـ (1554 م) وهو ابن أخي البطل البحرى المشهور كمال رئيس الذي كان يعرف كل ركن في البحر المتوسط، فقد أصدر ييرى عام 919 هـ (1513 م) خريطة للعالم من جزءين لم يبق منها إلا الجزء الغربي، وقد أهداها للسلطان سليم في القاهرة سنة 923 هـ (1517 م). وقد رجع ييري في هذا الجزء من خريطته الذي تناول الغرب إلى خرائط تشمل الاستكشافات البرتغالية حتى سنة 1508، كما رجع إلى خريطة، فقدت من يومها، تضم استكشافات كريستوفر كولومبس أثناء رحلته الثالثة سنة 1498 م. وكان قد حصل على هذه الخريطة من ملاح أسيانى سبق أن رحل. مع كولومبس إلى أمريكا ثلاث مرات وأسره فيمن أسر الأتراك في بلنسية سنة 1501 ييرى رئيس عم كمال رئيس (انظر P.Kahle: - Die Verschollene Columbus -Karte Von. Jahre in 1498 in einer Tuer kischen Weltkarte Von 1513، برلين- ليبسك سنة 1933، الكاتب نفسه: Al ost map of Columbus في Opera Minora، ليدن سنة 1956، ص 247 - 265؛ إبراهيم حقى: إسكى خريطة لر، إستانبول سنة 1936؛ Un Am-: Afet iral Geographie turc du XVle Siecle.Piri Reis، auteur de la Plus ancienne carte de l'Amerique، في بلّتن، جـ 1، سنة 1957،
ص 333 - 349؛ Dienord: Sadi Selen في بلّتن Amerika Karte des piri (ص 519 - 523).
ثم كتب بيرى رئيس رسالة بحرية عن البحر المتوسط (بعنوان)"بحرية" تشمل 129 فصلًا زود كل فصل بخريطة وصف فيها وصفًا دقيقًا البحر المتوسط بجميع أجزائه. وكانت النماذج التي جرى عليها هي الكتب الإيطالية عن الموانى وغير ذلك من الرسائل الملاحية الأخرى التي اختفى معظمها. وقد أهدى بيرى رئيس رسالته إلى السلطان سليم الأول سنة 927 هـ (1521 م)، فلما توفى هذا السلطان أعد ييرى نسخة أخرى زودها بخرائط اضافية وعدل المتن وقدم لهذه النسخة بتمهيد منظوم من 1200 بيت بالتركية في قصص البحر والملاحين، وأهداها سنة 932 هـ (1525 - 1526 م) إلى السلطان سليمان عن طريق الصدر الأعظم إبراهيم باشا (انظر: P.Kahle Piri Re'is Bahriye في Beitraege Zur historischen Geographie
…
Festhan E.Oberhummer. ليبسك- فينا سنة 1929، ص 60 - 76؛ الكاتب نفسه: Bahriye، das tuerkische Segelhand - buch fuer des Mistellaendische Meer Uon Jahre 1521، وهو الجزء الأول من نسخة لم تتم، برلين- ليبسك سنة 1926؛ نسخة طبق الأصل من الرسالة "كتاب بحرية"، إستانبول، سنة 1935)
وثمة رسالة من هذا القبيل في الجغرافيا البحرية والملاحة في المحيط الهندى كتبها سنة 961 هـ (1554 م) سيدى على رئيس بن حسين المعروف بكاتب رومى المتوفى سنة 970 هـ (1562 م) عنوانها "المحيط". وقد أفاد على رئيس من خبرة ملاحى جنوبي جزيرة العرب الذين عملوا مرشدين لفاسكودا كاما في رحلته إلى قاليقوط كما ترجم أيضًا أجزاء من كتاب المهرى "العمدة المهرية" إلى التركية في رسالته هذه (انظر M.Bittner & W-Tnmaschek: -Die Topographischen Kapilel des in dischen Seespiegels Mohil فينا سنة 1897؛ أما عن السابقين العرب فانظر (Relations de Voyages: Gabriel (Ferrand .. .et Textes geographique، جـ 2، باريس سنة 1914).
على أن ثمة كتابًا آخر في الجغرافيا البحرية ينتمى إلى حقبة متأخرة عن هذه هو "كتاب بحر الأسود والأبيض" كتبه سيد نوح في عهد السلطان محمد الرابع (Seyyed Nuh and his: F.Babinger turkish sailing handbook في (Imago) Mundi، جـ 12، سنة 1955، ص 180 - 182).
وهناك ضرب يقابل هذه الرسائل في الجغرافيا البحرية يتناول اليابسة وهو كتاب مصور يسمى "مجموع منازل" كتبه نصوح المطراقى (لا يعلم تاريخ مولده ولا وفاته) ووصف فيه بإيجاز المنازل كلا على حدة، وهي المنارل التي توقف عندها سليمان القانونى في حملته الأولى على فارس سنة 940 - 942 هـ (1534 - 1535 م). وهذا الكتاب ليس منه إلا مخطوط فريد هو في أرجح الاحتمالات النسخة التي أهداها للسلطان، وهو موجود في مكتبة جامعة إستانبول، (ويعد) مرجعًا هامًا للطرق الحربية التي استخدمها السلاطين في حملاتهم بالمشرق (انظر Etapes: Albert Gabriel d'une campagne dans les deux Iraq d'apres un manuscrit tune de XVIe siecle في Syria، سنة 1928، ص 238 - 341؛ The Itinerary of: Franz Taeschner -the first Persian Gampaign of Sultan Su leyman 1534 - 1536 according to Nasuh Al- Matriki في Image Mundi جـ 13، سنة 1956، ص 53 - 55؛ الكاتب نفسه: - Das Itinerar des ersten Per -sienfeldzuges des Sultan Suelyman Ka nach Matriki Nasuh في Zeitschr. . dest Deutsch. Morgenl. Gesells. سنة 1961).
وأوصاف حملات سليم الأول وسليمان الأول، ومراد الرابع نجدها فضلا عن ذلك في مجموعة الوثائق المعروفة باسم "منشآت سلاطين، لفريدون أحمد بك المتوفى سنة 991 (1583 م) أو في تكملتها (لا توجد المنشآت إلا في الطبعة الثانية ذات المجلدين من كتاب منشات السلاطين إستانبول سنة 1274 هـ-1275 هـ = 1857 - 1859 م)؛ وأوصاف الرحلات هناك قد أحصاها Das and: F.Taeschner -olische Wegenetz nach osmanischen Quel Len، جـ 1، ليبسك سنة 1924، ص 20)
وأهم كتاب جغرافي شامل يشمل في آن واحد فترة الانتقال في تركية من النظرة المشرقية في القرون الوسطى إلى النظرة الأوروبية هو كتاب ("جهاننما") أي منظر العالم، للعالم المشهور مصطفى عبد الله المعروف بكاتب جلبى أو حاجى خليفة - (1017 - 1067 هـ = 1609 - 1657 م). وللكتاب تاريخ متشابك، فقد بدأ فيه كاتب جلبى مرتين وظل مرتين غير كامل. ففي سنة 1058 هـ (1648 م) كان قد بدأه على اعتبار أنه كتاب في خلق الكون على غرار هذه الكتب المنتسبة إلى القرون الوسطى مثل كتاب محمد عاشق السالف الذكر. وهو الكتاب الذي أفاد منه واعترف به، واستهل كاتب جلبى كتابه بوصف المحيطات والأنهار والبحيرات، ثم أخذ يتحدث عن البلاد مبتدئًا بالغربية منها أي (الأندلس) الإسلامية وشمالى إفريقية. وأتبع ذلك ببلاد الإمبراطورية العثمانية من حيث هي القسم الرئيسى من الكتاب، فتحدث عن قصبات الدولة الثلاث: بورصة وأدرنة والآستانة، ثم تحدث عن الولايات النصف الأوربى من الإمبراطورية وهي الروملى والبوسنة والمجر (وقد ترجم هامر Von Hammer من مخطوطه من هذا الجزء كتابه المعنون: Rumeli und Bosna فينا سنة 1812؛ انظر Die Vorlarge: F.Taescher " van Hammers "Rumeli and Bosna في - Metteilungen Zur Osmanischen Ges chichte جـ 1، سنة 1923 - 1925، ص 308 - 310)
ولما بلغ كاتب جلبى العنوان "هتوان" في وصف المجر وقع على نسخة من "المصور الصغير" لكيرهارد مرقاتور نشرها يودوكوس هونديوس Jodocus Hondius سنة 1621 في أرنهيم. وترك كاتب جلبى كتاب "جهاننما" وراح يعمل بمعاونة فرنسى أسلم هو محمد أفندى إخلاصى، في ترجمة هذا المصور وعنوانها باسم "لوامع النور في ظلمات أطلس مينور".
ولما أوشك أن يبلغ ثلثى الترجمة بدأ يكتب مرة أخرى في جهاننما متبعًا خطة جديدة تقوم على النموذج الغربي. على أنه بدأ هذه المرة بآسيا الشرقية وأفاد في ذلك بالمراجع الأوربية
وبالمراجع الشرقية أيضًا مثل كتاب "خطاى نامه" لعلى أكبر وكانت مراجعه الأوربية تغلب كلما تحرك غربًا. ولما تقدم في وصفه من الشرق إلى الغرب حتى بلغ أرمينية (ولاية وان) عاجله الموت بحادثة شلت يده سنة 1067 هـ (1657 م)، وهكذا ظلت النسخة الثانية من كتابه ناقصة أيضًا لم تكتمل.
على أن ثمة كتابًا أوربيًا آخر كان هو الحافز إلى المضى في إكمال جهاننما وإتمامه آخر الأمر، ففي 14 أغسطس سنة 1668 قدم المبعوث الهولندى كولير Colier إلى السلطان محمد الرابع في أدرنة نسخة من قبل حكومته للطبعة اللاتينية من أطلس بلاو في ثمانية مجلدات (Atlas Maior sive،: Bleau Cosmogtophia Blaviana، سنة 1662).
وبعد ذلك بسنوات قلائل، أي في سنة 1086 هـ (1675 م) كان السلطان قد عمل على أن يترجم هذا الأطلس إلى التركية بمعرفة أبي بكر بن بهرام الدمشقي المتوفى سنة 1102 هـ. 1691 م). ونشر أبو بكر هذه الترجمة بعنوان "نصرة الإسلام والسرور في تقرير أطلس مايور" صدر بالاعتماد على هذه الترجمة وعلى غيرها من المراجع الشرقية كتاب "جغرافيا كبير"(جغرافيايى كبير، انظر The: P، Kahle - Geagraphy of Abu Bekr Ibn Bahram al Dimashki مخطوط 575، من مجموعة تشستربيتى Chaster Beatty).
ولما أنشأ المجرى الذي أسلم إبراهيم متفرقه سنة 1140 هـ (1728 م) أول مطبعة في استانبول كان كتاب "جهاننما" هو الكتاب الحادي عشر (سنة 1145 هـ = 1732 م) من الكتب الجديدة التي أصدرها في الطباعة التركية، وقد استخدم متفرقة أساسًا لهذه الطبعة النسخة الثانية من كتاب جهاننما، أي وصف آسيا كما بداه كاتب جلبى مضافًا إليه "اللاحقة" المناسبة مأخوذة من كتاب أبي بكر، ومن ثم شملت النسخة المطبوعة الوصف الكامل لآسيا، وقد عمد الطابع إلى أن يكمل المعلومات في الفصول التمهيدية الخاصة بالمعلومات الفلكية والرياضية والجغرافية حتى زمانه بسلسلة من تذييلات من حيث هو الطابع (انظر F.
Zur Gasckichte des Dja-: Taeschner hannuma في Mitteilungen des Seminars fuer Orientalischs Sprachen Westasia- tische studiem، جـ 2، ص 29 [سنة 1926]، 99 - 111، الكاتب نفسه: Das Hauptwerk der geographuchen Literatur der Chelebis Gihannuema في Imogo Mundi، سنة 1935، ص 44 - 47 Katib Chelebi Hayati ve eserleri hak-، kinde incelemeler أنقرة سنة 1957: عن جهاننما، مقال حامد سعدى سلن، ص 121 - 136.
وفي سنة 1153 هـ (1740 م) اضطلع رجل يدعى شهرى زاده أحمد ابن مذهّب سعيد المتوفى سنة 1178 هـ (1764 - 1765 م) بتكملة أخرى لجهاننما كاتب جلبى عنوانها "روضة الأنفس". ولكن هذه التكملة لم تطبع قط لسببين: الأول أن إبراهيم متفرقه أدركته المنية، والثاني تدفق الكتب الجغرافية تدفقًا جعل الإنتاج التركى في ميدان الجغرافيا يتضاءل ابتكاره ومن ثم أهميته.
أما فيما يتعلق بأوصاف الرحلات فإن وصف على أكبر من الصين وإقامته هناك قد أسلفنا ذكره ومما يجدر التنويه به أيضًا الوصف الموجز الذي دبجته يراعة سيدى على رئيس لرحلته إلى الهند وعودته البائسة إلى بلاط السلطان في أدرنة من الحملة البحرية العثمانية الفاشلة على البرتغاليين في المحيط الهندى، ونجد ذلك ماثلا في الكتيب المعروف باسم "مرآة الممالك" الذي تم سنة 964 هـ (1557) وطبع في استانبول سنة 1313 هـ، وثمة ترجمة إنكليزية له بقلم فامبرى (Travels and ad- A. Vambery ventures of e Turkish Admiral Sidi Ali Re'is during the years 1553 - 1556 لندن سنة 1899).
على أن الكتاب الأكبر في ميدان وصف الرحلات هو الكتاب الكبير ذو المجلدات العشرة "سياحتنامه"، أي "تاريخ سيّاح" لأوليا بن درويش محمد ظليّ المعروف بأوليا جلبى، وهو كتاب فريد بين كتب الشعوب الإسلامية جميعًا، فقد ظل أوليا أربعين سنة
(1631 - 1670) يجوب كل ركن من أركان الإمبراطورية العثمانية وما جاورها مؤّذنًا في حاشية السراة والولاة والسفراء وفي فرق الجيش، ولذلك فإن كتابه ضرب من المذكرات وهو يشمل- إلى جانب المعرفة بالبلاد التي زارها- بصرًا من عدة وجوه بالسياسات العليا لذلك العصر، فهو يذكر في كتابه تجاربه الشخصية، ثم هو يمزج نتائج قراءته بالثمرات المزدوجة لخياله الحى، وقد أصبح كتاب أوليا جلبى- بفضل اتصلاته بالشخصيات السياسية ومشاركته إياهم أقدارهم- سجلا هامًا لتاريخ أيامه.
وكان ثمة حافز إلى وصف الرحلات هو الحج كل سنة إلى مكة. ونحن نجد بلا شك، وخاصة منذ القرن الثامن عشر، سلسلة من المتون تصف الرحلة إلى إسكودار وهي المنطلق على الساحل الأسيوى للبوسفور الذي يخرج منه الحجاج إلى مكة، كما تصف المناسك التي تقام في مكة، ومعظم الحجاج يحصرون أوصافهم في هذه المناسك ويلمسون لمسًا عابرًا الرحلة نفسها، على أن بعضهم قد وصف الرحلة، ولذلك السبب نجد أهمية لما كتبوا من الناحية الجغرافية، وأكثر هذه الأوصاف تفصيلا هي "مناسك الحج" لمحمد أديب (سنة 1193 هـ -1779 م، طبعة إستانبول سنة 1232 هـ = 1816 - 1817، . الترجمة الفرنسية بقلم M.Bi- Itineraire de Constantinople a la: anchi -Meque، Recueil des Vayages et des Me -moires publies par la Societe de Giogrp phie، جـ 2 باريس سنة 1825 حيث أرّخ الكتاب خطأ بسنة 1093 هـ = 1682 م بدلا من 1193 هـ = 1779 م).
وينتمى أيضًا إلى كتب الرحلات- بوجه من الوجوه- تقارير سفراء الباب العالى لدى البلاطات الأوربية (سفر نامه)، وهي تنتمى في الوقت نفسه إلى فئة التأليف في التاريخ، ومن ثم تدخل بصفة عامة في كتب مؤرخى الإمبراطورية (أحصاها كاتب هذه المادة في مجلة Zeutsehr، d. Deutsch Margenl Gesells، جـ 77، سنة 1923 ص 75 - 78، وأحصاها إحصاءً أكمل فائق رشيد
أونات في رسم لي تاريخ مجموعه سى، 8 أغسطس سنة 1950).
وبقيت أيضًا كلمة موجزة نذكرها عن رسم الخرائط، وقد سبق لنا وصف خريطة العالم المؤرخة سنة 1513 م لييرى رئيس، وكانت في الأصل من جزئين، وقد ضمّن ييرى رئيس كل فصل من رسالته في الملاحة بالبحر المتوسط "بحرية"- جاريا مجرى كتب الموانى الايطالية بل معتمدا عليها فيما يرجح خريطة تمثل ذلك الأقليم من البحر المتوسط الذي يتناوله في الفصل الخاص به، وقد كان في حوزة محرر المجلة الدورية Imago Mundi وهو ليو باكَروف Leo Bagrov مثل هذه الخريطة للبحر المتوسط كله بخطوط الزوال المتوازية وهي تقوم على تصور مخطئ لرسم دوائر البروج.
ومخطوطات النسخة الأولى من كتاب "جهاننما" لكاتب جلبى على هوامشها رسوم تخطيطية دقيقة للواء" أو السنجق الذي يدور الحديث عليه. وقد زودت طبعة جهاننما سنة 1145 هـ (1732 م) بخرائط تشغل الخريطة منها صفحة بأكملها، ومن الواضح أنها تسير على غرار رسم الخرائط الأوربية المعاصرة لها، مع قلب الاتجاه (الشمال في أسفل) وقد خرجت من ورشة الطابع إبراهيم متفرقة أيضًا خريطة مخطوطة للشرقين الأدنى والأوسط، وهي محفوظة الآن في المخطوطات النمسوية العسكرية وتاريخها إما سنة 1139 هـ (1726 - -1727؛ وإما سنة 1141 هـ (1728 - 1729؛ انظر Das anat-: F.Taeschner olische Wegenetz nach Osmanischen Quellen، جـ 2، ليبسك سنة 1926، ص 62 وما بعدها).
ويجدر بنا أن نشير في الختام بإيجاز إلى خريطة للعالم منسوبة إلى حاجى أحمد التونسى، وتاريخها سنة 967 هـ (1559 م) وهي محفوظة في مارسيانا بالبندقية، وقد وهُمِ مرة أنها إسلامية الأصل، وظهر الآن أنها صناعة أوروبية أعدت للسوق الإسلامية (انظر The Map of Hajji Ahmed: V.L Menage and its Makers في - Seminars fuer Orien -talische Sprachen Mitteilungen des West asiatiche Studien، جـ 21، سنة 1958،