الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(4)
الكاتب نفسه، في Zeitschr.der Deuth. MorgenL Gesells جـ 41 (سنة 7881)، ص 123 - 125
[آدم [ت. فهد T.Fahd]
جلال الدين الرومى
من فحول شعراء الصوفية في الإسلام؛ ولد في بلخ سنة 604 هـ (1207 م) لأسرة تزعم أن نسبها يرتفع إلى أبي بكر، وقد اصهرت إلى البيت المالك في خوارزم. أخذه أبوه إلى نيسابور عندما بلغ الثالثة من عمره عام 607 هـ (1210 م) وقدمه إلى العطار، وكان هذا الشاعر قد طعن في السن، وتذهب الرواية إلى أن العطار تنبأ له بمستقبل عظيم، وأعطاه مؤلفه "كتاب الأسرار" واضطر أبوه بهاء الدين ولد إلى مغادرة بلخ في ذلك الوقت، لأنه أسخط الوالى محمد قطب خوارزمشاه. وحمل معه ولده الصغير جلال الدين، وزار بغداد ومكة ودمشق وملطية وأرزنجان ولارنده ثم استقر آخر الأمر في قونية حوالي عام 1226 أو 1227 (623 - 625 هـ) إذ وجد الحماية في كنف الأمير علاء الدين قيقباذ السلجوقى. واختير للتدريس في هذه المدينة، وعند وفاته عام 628 هـ (1230 - 1231) خلفه في منصبه جلال الدين، ولم يغادر جلال الدين مدينة قونية إلا لرحلة قصيرة.
وكان للقائه الصوفى شمس الدين تبريزى أعظم الأثر في حياته العقلية والأدبية. فقد وفد شمس الدين في تجواله على مدينة قونية، وفيها لقى جلال الدين فأصبح له عليه سلطان عظيم. واعترف جلال الدين الرومى بفضل أستاذه عليه. فأهدى إليه طائفة كبيرة من تواليفه. وانصرف جلال الدين إثر هذه المقابلة عن دراسة العلوم وانقطع للتصوف. وأقام طريقة المولوية (الدراويش الراقصون) وجعل للموسيقى محلا ممتازًا في محافل هذه الطريقة. وتوفى في قونية عام 672 هـ (1273 م)
وقبره قائم في التكية التي أنشأها وتمتاز عمارة هذه التكية بالحسن واللطف. فالمسجد مزخرف بالثريات
المنقوشة والمفروشات الثمينة والمطرزات والنقوش الجميلة. ودفن خلفاؤه بالقرب منه ويرأس الطريقة دائمًا واحد من سلالة جلال الدين يعيش في قونية ويطلق عليه اسم جلبى. ويلقب جلال الدين الرومى عادة بلقب مولانا.
والمثنوى أهم مصنفات الرومى، وهو ملحمة في ستة كتب تختلط فيها الأساطير والحكايات والدلويحات والتأملات، وقد قصد بها جميعًا إلى تصوير المذاهب الصوفية وتفسيرها.
وصرف جلال الدين الرومى أربعين سنة في نظمها. وله أيضًا ديوان شعر ورسالة نثرية عنوانها "فيه ما فيه". وهذه الرسالة غير معروفة في فارس، ولكن يوجد منها عدة نسخ في مكتبات استانبول وجلال الدين شاعر من الطبقة الأولى يتصف بخلال مختلفة أشد الاختلاف: فنحن نلمس في شعره تنوع الأخيلة وأصالتها ونحس فيه الجلال والروعة وسعة العلم وشدة الأسر وعمق الشعور والتفكير. ويجب أن نسلم بأن المثنوى مفكك الأوصال من حيث التأليف، فالقصص تتتابع في غير نظام، والأمثال التي يضربها توحى بتأملات، وهذه توحى بأخرى، وهذه توحى بغيرها. ومن ثم تتخلل الرواية استطرادات طويلة. ويظهر أن هذا الافتقار إلى النظام كان نتيجة الإلهام الشعرى الذي كان يسوق الشاعر أمامه سوقًا ويقفز به قفز، ، فإذا صبر القارئ على ذلك فإنه يأنس في هذا الكتاب لذة ومتعة. ولعل قراءته دفعة واحدة تجهد القارئ، ولكنه إذا عمد إلى فتح هذه الملحمة الكبيرة عرضًا وقرأ منها بضع صفحات فلا شك أنه يتأثر بها تأثرًا بالغًا.
وجلال الدين الفيلسوف أقل ابتكارًا من جلال الدين الشاعر، فتعاليمه هي تعاليم الصوفية، وقد عبر عنها في أسلوب يتأجج حماسة، ولكنه لم ينهج في عرضها نهجًا ما، فكانت سَورة الشعر تشتط بالفكرة أحيانًا وإذ شئنا أن نقيم هذه الفلسفة فلا بد لنا أن نجمع عناصرها المبعثرة في ثنايا الكتاب وأن نخرج منها بطائفة من أصولها.
وفي فلسفة جلال الدين الرومى كثير من آراء الأفلاطونية الجديدة كما هي الحال عند غيره من كتاب المتصوفة. وقد عبر عن بعضها الآخر في جرأة متناهية فلا يلتمس له من أسباب غفرانها إلا سبب واحد وهو الصياغة الشعرية هي التي دفعته إليها.
وثمة فقرة أخرى مشهورة فيها ضرب من التناسخ: "أموت وأنا حجر ثم أغدو نبتًا، وأموت وأنا ثبت ثم أرفع إلى مرتبة الحيوان. وأموت وأنا حيوان ثم أبعث إنسانًا
…
وأموت وأنا إنسان ثم أعود إلى الحياة ملاكًا
…
بل سأشرف على الملاك فأغدو شيئًا لم تره عين إنسان، ثم أستحيل بعد ذلك عدما، عدما". ثم فقرة يتجلى فيها القول بوحدة الوجود، وحد الشاعر فيها بين نمْسه وبين الطبيعة بأسرها.
المصادر:
(1)
المثنوى: النص مع ترجمه شعرية تركية بقلم سليمان نحيفى، بولاق سنة 1268 هـ.
(2)
المثنوى: مع شرحه باللغة التركية للأنقروى، في ستة مجلدات. المطبعة العامرة سنة 1289 هـ
(3)
Mesnewi oder Dop-: G.Rosen pelverse des Scheich Mewlana Dschelal ed-Din Rumi، لبيسك سنة 1849، ترجمة الكتاب الأول.
(4)
ترجمة الكتاب الأول بقلم Sir James Redhouse، لندن سنة 1881.
(5)
ترجمة مختصرة للملحمة كلها بقلم E.H.Whinfreld، لندن 1887 و 1898.
(6)
Auswahl aus: Von Rosenzweig den Divanen des grossten mystischen Dichters Persienc فينا سنة 1838.
(7)
Aus dem Diwan (1819): Ruckert Ges . Werke، herausgeg Von Laistmer جـ 3، ص 246 - 258.
(8)
Blutensammlung: Tholuck ص 53 - 191.
(9)
Moise et le Chevrier، apologue persan ترجمة في. Baudry في Mogasin Pittoresque سنة 1857، ص 242.
(10)
The Masnavi الكتاب الثاني بقلم E.H. Wilson لندن سنة 1901، في مجلدين الأول الترجمة والثاني شروح.
(11)
مثنوى الأطفال، وهو مجلد يضم مختارات من المثنوى عليها صور، طبعت في فارس عام 1309 هـ.
(12)
A. History of: E.G.Browne Persia. جـ 2، ص 515 وما بعدها.
(13)
Geschichte der Per- P. Horn sischen Litteratur، لبيسك سنة 1901، ص 161 - 168.
(14)
Gazali: Carra de Vaux باريس سنة 1902، ص 291 - 306.
(15)
Koniah، la ville: Clement Huart des Derviches Tourneurs. شمس الدين تبريزى.
[كارّاداه فو B. Carra de Vaux]
+ جلال الدين رومى بن بهاء الدين سلطان العلماء ولد بن حسين بن أحمد خطيبى المعروف بلقب مولانا: شاعر فارسى ومؤسس طريقة الدراويش المولوية التي نسبت إليه، ولد في ربيع الأول سنة 604 هـ (30 سبتمبر سنة 1207) ببلخ، وتوفى في 5 جمادى الآخرة سنة 672 هـ (1273 م) بقونية. والأسباب التي قيلت بخلاف ذلك عن تاريخ مولده ليست صحيحة (عبد الباقي كولبيكارلى: مولانا جلال الدين الطبعة الثالثة ص 44 الكاتب نفسه مولانا شمس تبريزى إيله التمش إيكى ياشنده بولشدى في شرقيات مجموعة سى، جـ 3، ص 153 - 161 بريازى أوزرينه في تاريخ جغرافيا دنيا سى، جـ 2/ 12 ، سنة 1959، ص 468) وكان أبوه الذي بقيت مواعظه وطبعت (معارف مجموعة مواعظ وسخنان سلطان العلماء بهاء الدين محمد ابن حسين خطيبى بلخى مشهور ببهاء ولد، طبعة بديع الزمان فروزانفر، طهران سنة 1333 هـ) واعظا في بلخ. أما التوكيدات بأن شجرة نسب أسرته ترد إلى أبي بكر وأن أمه كانت ابنة خوارزمشاه علاء الدين محمد أفلاكى، جـ 1، ص 8 - 9) فلا تثبت للتمحيص الدقيق (ب. فروزا نفر: مولانا جلال الدين، طهران سنة 1315 هـ، ص 7؛ على نقى شريعتمدارى: نقد متن مثنوى في يغما، جـ 12، سنة هـ، ص 164، أحمد أفلاكى: عارف لرنك منقبة لرى، ترجمة تحسين يازيجى، أنقرة سنة 1953، جـ 1، أوك سوز، ص 44).
وجاء في المراجع الخاصة بالطبقات أن بهاء الدين ترك بلخ لنزاع قام بينه وبين خوارزمشاه علاء الدين محمد وفخر الدين الرازي المتوفى سنة 606 هـ (1209 - 1210 م) الذي كان خوارزمشاه يشمله برعايته، فلما بلغ ابنه جلال الدين خمس سنوات (أفلاكى، طبعة يازيجى، جـ 1، ص 161) سنة 609 هـ (1212 - 1213) هاجر بهاء الدين إلى المغرب. والحق أن مواعظ بهاء الدين تشمل حملات على خوارزمشاه وعلى المتكلم الذي ذكرناه أنفًا. على أن يستدل من هذا الكتاب المعهود في المواعظ على أن بهاء الدين كان في وخش بين عامي 600 و 607 هـ (1203 - 1211 م) وفي سمرقند سنة 609 هـ (1212 - 1213 م)؛ انظر معارف مجموعه، طبعة فروزانفر، المقدمة، ص 37، فيه ما فيه، طبعة فروزانفر نفر، ص 173). علي أنه لا شك في أن بهاء الدين عاد من سمرقند إلى بلخ، ذلك أن المراجع تذكر أن هجرته تمت من هناك. والقول بأن هذه الهجرة وقعت سنة 609 هـ (1212 - 1213 م) هو على آية حال تاريخ مبكر جدًّا (Isl، جـ 26، ص 117 وما بعدها). ذلك أنه إذا أخذنا برواية أفلاكى التي تقول إنه لم يبلغ ملطية إلا سنة 614 هـ (1217 م) فإن المرء قد يذهب إلى أنه هاجر سنة 614 هـ (1217 م) أو في السنة التي قبلها. ولا يمكن أن نجزم: هل كانت مشاحنته مع خوارزمشاه ترتبط. بموقف خوارزمشاه العدائى حيال خليفة بغداد، على أن ذلك أمر محتمل. وفي سنة 616 هـ (1219 م) كان بهاء الدين في سيواس، وقضى أربع سنوات أو نحوها في آقشهر بالقرب من أرزنجان، ثم شخص إلى لارندة. والراجح أن ذلك كان سنة 619 هـ (1222 م) وظل بها سبع سنوات. وفي لارندة قبر أم مولانا: مؤمنة خاتون (عزمى أوجى أو غلى: قره مان ده مادر مولانا جامى وتربه سى في قونيه در كيسى، جـ 5، رقم 5، وزوّج بهاء الدين ابنه في لارندة لجوهر خاتون بنت شرف الدين لالا.
وفي سنة 626 هـ (1228 م) نزحت الأسرة مستجيبة لرجاء الأمير السلجوقى علاء الدين كيقباذ إلى قونيه
حيث توفى بهاء الدين في 18 ربيع الثاني سنة 628 هـ (1321 م؛ أفلاكى، جـ 1، ص 32، 56). وبعد وفاته بسنة قدم إلى قونية مريده القديم السيد برهان الدين محقق لزيارة شيخه القديم فوجد أن المنية أدركته. وأصبح جلال الدين مريدًا لسيد برهان الدين حتى توفى برهان الدين بعد ذلك بتسع سنوات. على أن برهان الدين قد رجع إلى قيصرى وتوفى فيها بعد ذلك بمدة، والراجح أن ذلك كان سنة 637 هـ (1239 - 1240 م)، ويقوم قبره في هذا البلد، ويقول أفلاكى أن جلال الدين شخص إلى حلب ودمشق بعد دخول السيد ليكمل دراسته. ومن المظنون أن برهان الدين قد جعله يدرك أن أباه كان إلى جانب معرفته بعلم الظاهر يعلم علما لا يدرك بالدرس وإنما يدرك بالعلم الباطنى. ولما توفى برهان الدين ظل جلال الدين وحيدا خمس سنوات، وفي 26 جمادى الآخرة سنة 642 هـ (1244 م) قدم الدرويش المتجول شمس الدين محمد تبريزى إلى قونية ونزل بخان السكرية. ولقيه جلال الدين وتحدث معه، وسأله شمس الدين عن معنى قولة من أقوال بايزيد البسطامى فأجابه جلال الدين. ويقول أفلاكى أن جلال الدين كان قد لقى شمس الدين من قبل مرة في دمشق (فروزا نفر؛ مولانا ص 65 - 66). وأيا كان الأمر فإن ظهور شمس الدين تبريزى كان تحولا حاسما في حياة مولانا جلال الدين. وقد هام جلال الدين حبًا بشمس الدين على طريقة الصوفية ودعاه إلى بيته.
وسوف يحق لنا أن نذكر شيئًا عن شخصية شمس الدين العجيبة حين تنشر "مقالاته". وقد جرى هذا الشيخ صلى أن يلبس قلنسوة سوداء (كلاه) وقد نعت بلقب "برنده " الطيار لأنه كان قضى حياته قلقا دائم التجوال. صحيح أن أقواله في الكلام كانت هي الأقوال السائدة في زمانه، كما يتبين من مقالاته، إلا أنه سعى إلى أن يبعد مولانا جلال الدين عن دراسة الكتب. ويبدو لنا من مقالاته أنه كان على شيء من البلادة في خلقه. وقد سمت المصادر شمس الدين "سلطان العاشقين، ، على أن سلطان ولد ابن مولانا جلال الدين الذي كان يعرف شمسًا حق المعرفة ويدرك الصلة بين
والده وبين شمس قد أبدع في "ابتدا نامه " نظرية تقول أن ثمة طبقة أخرى هي "العاشقون الواصلون"(عاشقان واصل) إلى جانب "الأولياء الكاملين"(أولياء كامل) وأسمى من ذلك مقام "المعشوق". ولم يكن أحد قد سمع شيئًا عن هذا المقام، وقد بلغه شمس. وقد بين شمس لمولانا جلال الدين طريق الحب الصوفى هذا، ولم يجد مولانا بدًا من أن يعود إلى معرفة كل شيء منه، وهذا الحب بين مولانا وشمس الدين قد جعل جلال الدين شاعرا ولكن ذلك جعله يهمل مريديه ولا يعني إلا بشمس وسخط المريدون وقالوا إنهم أهم من هذا الدرويش الأجنبي المجهول، بل يقال إنهم هددوا حياة شمس. ومن ثم هرب شمس في 21 شوال سنة 645 م (11 مارس سنة 1246) إلى دمشق. ولكن المريدين لم يبلغوا أربهم، وتحير جلال الدين أشد الحيرة، وبعث ابنه سلطان ولد إلى دمشق. ولم يستطع شمس أن يقاوم توسلات سلطان ولد الشفوية ولا توسلات جلال الدين الشعرية المكتوبة وعاد ماشيًا مع سلطان ولد إلى قونية. على أن المريدين لم يلبثوا أن عادوا إلى الهمس وعانوا في سبيل الإبعاد بين شمس مولانا جلال الدين. ويقال أن شمسًا أعلن أنه سوف يختفى الآن إلى الأبد ولن يستطيع أن يعثر عليه بعد أحد. وفي 5 شعبان سنة 645 م (5 ديسمبرسنة 1247 م) قتل شمس بالاشتراك مع علاء الدين أخي سلطان ولد، أو بتحريضه، وألقى جثمانه في بئر، ثم تبين بعد أنه دفن على يد سلطان ولد. والظاهر أن ناووسه قد كشف عنه في الإصلاحات الأخيرة التي أجريت على المقبرة بقونية. (أ. كوليمارلى: مولانا جلال الدين، الطبعة الثالثة، ص 83 ومن المفهوم ألا يذكر سلطان ولد شيئًا عن قتل شمس في "ابتدانامه " ذلك أنه أراد أن يتجنب ذيوع هذه الفضيحة الأسرية. ومن الواضح أن وفاة شمس قد حجبت عن مولانا، ذلك أنه ذهب إلى دمشق مرتين ليبحث عنه. وقد وصف سلطان ولد حالته النفسية في أبيات مؤثرة (ولدنامه، ص 56 - 57) فقال إنه قد غلبت عليه صفات الشاعر أكثر وأكثر، وانقطع إلى الإنصات للموسيقى و" السماع حتى لقد أحس ابنه إحساسًا
قويًّا بأنه قد جاوز في ذلك حد الاعتدال، وشعر بأن شمسا المفقود مائل في نفسه. وفي معظم غزلياته لم يعد لقبه المستعار (تخلص) باسمه بل باسم محبوبه الصوفى.
على أن شمسًا له خلفاء حقيقون، ففي سنة 647 هـ (1249 م) أعلن مولانا أن شمسًا قد تقمص له في شخص مريد من شخص مريديه هو صلاح الدين زركوب القونيوى؛ وقد أقام هذا الحدّاد- الذي كان أميًا وإن كان يتميز بلطف شخصيته وجمالها- خلفا (خلف) أي أنه جعله أسمى درجة من المريدين الآخرين، وأحس مولانا برغبته اعتزال وظيفة الشيخ والواعظ. ووجد المريدون أن شمس الدين التبريزى، كان أرحم من ذلك الحداد الأمى التلميذ في الصنعة القادم من قونية الذي عرفوه منذ طفولته. وبلغ الأمر أن دبرت المؤامرات لقتله ثم انفضح أمرها. ولاحظ المريدون أن مولانا هدد بتركهم كلية فسألوه العفو نادمين. ونستطيع أن نذهب إلى أن موقف الولاء الذي وقفه سلطان ولد نفسه وشخصية صلاح الدين المتواضعة الرضية قد ساعدا على التغلب على هذه الأزمة الثانية. وظل صلاح الدين عشر سنوات يشغل وظيفة النائب والخليفة ثم أدركه المرض وتوفى في غرة محرم سنة 657 هـ (29 ديسمبر سنة 1258 م) كما يستدل من نقش على ناووسه (أ: كولبيكارلى: مولانا دان صونره مولويلك، ص 355). وكان خليفته جلبى حسام الدين حسن الذي قدمت أسرته من أرمية، هو الملهم بالمثنوى. وكان والد حسام الدين شيخ الأخية في قونية والأقليم المحيط بها، ولذلك سمى أخي تورك. عاش حسام الدين مع مولانا عشر سنوات حتى توفى مولانا في 6 جمادى الآخرة سنة 672 (18 ديسمبر سنة 1273 م)، ومن ثم فإن مبايعته شيخًا كانت بلاشك حوالي سنة 622 هـ (1263 - 1264 م)، ولا ريب أنه كانت هناك فترة خمس سنوات بين وفاة سلفه وتوليه هو المشيخة (ويجب وفقًا لهذا تصحيح ما جاء في. Isl، جـ 26، ص 124 - 125). ولما توفى مولانا حسام الدين عرض منصب الخليفة على سلطان ولد ابن شيخه، إلا أن سلطان ولد أبي.
وتوفى حسام الدين سنة 683 هـ 1283 م).
وهنالك قبل سلطان ولد لقب الشيخ نزولا على إلحاح الناس، وظل يشغل المشيخة حتى وفاته في 10 رجب سنة 712 هـ (1312 م) وأعقبه أولو عارف جلبى المتوفى سنة 719 هـ (1319) وخلفه أخوه عابد جيلى ثم خلفه أخوه واجد جلبى المتوفى سنة 742 هـ (1341 - 1342 م). وثمة ثبت بهؤلاء الجلبية أورده أ. كوليمارلى (مولانا دان صونره مولويلك، ص 152 - 153؛ وتحسين يازيجى في ترجمة كتاب "مناقب العارفين"، جـ 2، ص 62 - 66 من الأوكسوز).
والتاريخ الحق لهذه الطريقة تبدأ بسلطان ولد، فهو الذي أنشا الفروع الأولى للطريقة، وساعدها على أن تحظى باحترام أكبر. وكان يطلق على كل تابع من أتباع الطريقة من قبل وفي حياة مولانا اسم مولوى أفلاكى، جـ 1، ص 1، 334)، وكان هؤلاء الأتباع يختارون أول الأمر بين أرباب الصنعة الذين يرتكبون جرمًا (أفلاكى، جـ 1، ص 151). وكان قوام الشعائر الدينية السماع والذكر، وهو بلا شك أمر شائع بين الطرق الأخرى، ولكنه لا يبلغ فيها ما بلغه عند المولوية من شأن بالغ الخطر. وحفل الذكر في ثوبه المنتظم الجليل الذي جرت به الحال بعد ذلك قد استحدثه أولًا، كما أثبت كولييكارلى: يير عادل جلبى المتوفى سنة 864 هـ (1460 م؛ انظر كتاب مولانا دان صو نره مولويلك، ص 99 - 100) أما عن هذا الحفل فانظر: Der Re-: H. Ritter igen der tanzenden Derwische في Zeitschr. fwar vergleichende Musikwisensch، جـ 1؛ أ. كولييكارلى: مولانا دان صونره، ص 370 - 389 ك ومولوى آيينلرى (إستانبول قونسرفا توارى نثشرياتى، تورك كلاسيكلر يندن، 6 - 15 مجلد) سنة 1933 - 1939 الذي نشره إستانبول موزيق قونسرفاتوار.
ولم تدرس بعد دراسة مستوعبة تقوى مولانا وفكره. وأى أمرئ يتصدى لذلك الدرس يجب عليه ألا ينزلق إلى التعويل كثيرا على شرّاح المثنوى وكذلك فإن ديوان مولانا لم يصبح ميسورًا في طبعة نقدية إلى الآن، ومن ثم فإن دراسته ممكن أن تبدأ
حقا. ويقول أ. كولبيكارلى، وهو نفسه درويش مولوى سابق، إن المولوية لا يعدون طريقتهم طريقة صوفية بالمعنى الضيق. ويجنح كولبيكارلى إلى أن يربط هذه الطريقة بحركة الملامتية التي انبعثت من خراسان. بل إن المرء يدرك من قراءة مواعظ والد مولانا جلال الدين بسرور ممدوح فيها يذكره "بطيبة القلوب " عند القلندرية الذين يرتبطون بالملامتية (انظر Ritter في Oriens جـ 8، ص 360؛ جـ 10، ص 15). وقد عاش بعض الجلبية معيشة تشبه معيشة دراويش القلندرية مثل أولو عارف جلبى، ولم كثر منه أخوه عابد جلبى والديوانه (أي المجنون) محمد جلبى الذي استخدم في نشر الطريقة (أ. كولبيكارلى: مولانا دان صو نره، ص 101 - 122). على أن هذا- بطبيعة الحال- لا يثبت شيئًا يخص مولانا نفسه. ويظهر مولانا رجلا يحب الناس جميعًا، أبعد ما يكون عن التعصب، عاطفيا شديد العاطفة، ونستطيع أن نحكم من قصائد الحب التي يخطئها الحصر في الديوان أنه كان يسهل إثارته، ويجنح إلى أن يفرغ ثورته في الذكر. أما مسألة هل أراؤه الدينية فيها شيء من الأصالة إلى جانب التقوى الصوفية العامة المأثورة عن زمانه فأمر يستبين من تحليل آثاره وهي:
(1)
الديوان: ويشمل غزليات ورباعيات؛ وثمة أشعار رومية وتركية أيضًا فيها، ويدل وجودها على صلة كانت بينه وبين طوائف من العامة كما يدل كذلك على صلته بعناصر غير إسلامية من سكان قونية؛ وكان يوقع أشعاره (تخلص) باسم "خاموش". على أن هذا اللقب كان يستبدل به في معظم الأحيان اسم "شمس تبريز". وفي بعض غزلياته كان يظهر أيضًا اسم صلاح الدين توقيعًا له (تخلص). وقد حل محل بعض الانطباعات والطبعات السابقة طبعة جيدة قام بها بديع الزمان فروزانفر باسم "كليات شمس يا ديوان كبير، مشتمل بر قصائد وغزليات ومُقطَعَّات فارسى وعربى وترجيعات وملمعات أزكفتار مولانا جلال الدين محمد مشهور بامولوى"، طهران سنة 1336 وما بعدها، وقد ظهر من هذه الطبعة حتى الآن ثلاثة مجلدات. وهناك ترجمة
تركية كاملة بقلم عبد الباقي كولييكارلى عنوانها "مولانا جلال الدين كبير"، إستانبول سنة 1957 وما بعدها، وقد ظهر من هذه الترجمة حتى الآن ثلاثة مجلدات. وهناك مختارات وترجمات أقدم من ذلك نذكر منها ما لا يزال له أهمية: Se- R. A Nicholson -lected poems from the Divani Shamsi Ta - brizi edited and translated with an intro duction، notes and appendices، كمبرج سنة 1898؛ The Quat-: S. Bogdanov -rains of Jalalu-ddin Rumi and two hither to unknown في JASB manusripts سنة 1935، جـ 1، ص 65 - 80.
(2)
"مثنوى معنوى": وهو كتاب في الشعر التعليمى من المزدوج، في ستة دفاتر (ومن المظنون أن الدفتو السابع الذي اكتشفه رسوخى إسماعيل دده مزيف). والقصيدة الطويلة قد ألهمها إياه حسام الدين جلبى الذي اقترح على مولانا أن ينظم شيئًا من قبيل المثنويين الدينيين لسنائى والعطار ومن المقول أن مولانا قد جذب على الفور من عمامته الثمانية عشر بيتا المشهورة من المقدمة مكتوبة بالفعل، أما الباقي فقد أملاه على حسام الدين. ولا نعرف تاريخ بدايته في نظم هذا الأثر، وكل ما نعرفه أنه توقف عن المنظم بين الدفتر الأول والدفتر الثاني سنتين، وكان سبب هذا التوقف وفاة زوجة حسام الدين. وبدأ جلال الدين الدفتر الثاني سنة 622 هـ (1236 - 1264 م) كما قال هو نفسه (جـ 2، ص 7). وكان مولانا يملى أشعاره كلما هبط عليه الإلهام، وهو يذكر أو في الحمام أو واقفًا أو جالسًا أحيانًا، أو في الليل وأحيانا في الصباح؛ وهنالك يقرأ حسام ما كتب قراءة مستوعبة ويجرى عليه التصويبات اللازمة. وكانت كل أشعار المثنوى تنظم بلا أي قيد ودون أي تفكير في خطة محكمة. فالأفكار تتوارد بالتداعى الحر والحكايات المتناثرة في التضاعيف تنقطع في كثير من الأحيان ثم تكمل بعد ذلك بكثير (انظر عن أسلوب جلال الدين في المثنوى طبعة نيكولسون، ص 8 - 13، ومقدمة ترجمة كولييكارلى) أما الطبعة القديمة المأثورة فهي طبعة نيكونسون (R. A Nicholson: The Mathnawi of Jelalu'ddin Rumi، edited from the oldest manuscripts، available with critical notes، translations
and commentary، لندن سنة 1924 - 1940، مجموعة كب التذكارية، جـ 6، ص 1 - 8) أما آخر ترجمة تركية فهي: مولانا، مثنوى، ولد إيزبوداق طرفندن ترجمة إديلمش، عبد الباقي كولبيكالى طرفندن مختلف شرح لرله قارشيلاشدريلمش وأثره، برأجيلمه علاوة إيدلمشدر، إستانبول سنة 1942 وما بعدها. وأما عن الترجمات الأوروبية قبل نيكلسون، فانظر ترجمته، جـ 2، ص 15؛ وانظر عن الترجمات الأوردية: Catalogue of the library of India Office جـ 2، 4، الكتب الفارسية إعداد A.J.Arberry، لندن سنة 1937، ص 310 - 304، وخير ما نعرف من شروح وترجمات تركية قديمة: أنقرة لي إسماعيل رسوخى: فاتح الأبيات، إستانبول سنة 1289 هـ ، في ستة مجلدات، وبورسلى إسماعيل حقى: روح المثنوى (وهو شرح على جزء واحد من الدفتر الأول) إستانبول سنة 1287 هـ؛ صارى عبد الله أفندى (شرح على الدفتر الأول) إستانبول سنة 1288 هـ، في خمسة مجلدات؛ ترجمة منظومة بقلم نحيفى، القاهرة سنة 1268 هـ؛ عابدين باشا، إستانبول، سنة 1887 - 1888، في ستة مجلدات. أما عن الشروح والترجمات التي صنعت وطبعت في ايران والهند، وعن أقدم الطبعات الشرقية، فانظر نيكلسون، مقدمة جـ 1 ص 16 - 18، جـ 7، المقدمة، ص 11 - 12، والفهرس المذكور آنفا لأربرى، ص 310 - 304، وانظر عن طبعة طهران التي قام بها علاء الدين: على نقى شريعتمدارى في نقد متن مثنوى في يغما، جـ 12، 1338 وانظر عن مصادر القصص الواردة في المثنوى: بديع الزمان فروزانفز: مأخذ قصص وتمثيلات مثنوى، طهران سنة 1333 هـ Orines) جـ 8، ص 356 - 358)؛ وأنظر عن الأحاديث التي استشهد بها المثنوى: الكاتب نفسه: أحاديث مثنوى مشتمل برمواردكى مولانا درمثنوى أز أحاديث إستفادة كرده آست باذكر وجوه روايت ومآخذ آنها، طهران، سنة 1334.
(3)
"فيه ما فيه": هي مجموعة أقوال مولانا (وقد أخذ العنوان من بيت لابن العربي، انظر The: R.A Nicholson
Cen- ، s Table Talk of Jalalu' ddin Rumi tenary Suppl . to the J.A.S سنة 1924 وص 1 - 8 وانظر طبعة بديع الزمان فروزانفر، طهران سنة 1330 هـ وانظر الترجمة التركية: مولانا جلال الدين: فيه ما فيه، جويرن تحليلنى يايان آجيقلاماسنى حاضر لايان عبد الباقي كولبيكارلى، إستانبول سنة 1959.
(4)
"مواعظ مجالس سبعه" مولانا نكث وأوكودودور دوزلتن أحمد رمزى آق يورك، مترجمى ريزه لي حسن أفندى أو غلى، إستانبول سنة 1937.
(5)
"مكتوبات مولانانك مكتوبلرى، دوزلتن أحمد رمزى آق يورك". إستانبول سنة 1937؛ وانظر أيضًا شرف الدين يالتقايا في توركيات مجموعه سى، سنة 1939 م جـ 6، ص 323 - 345؛ فؤاد كوبريلى في بلتن، سنة 1943، جـ 7، ص 416.
المصادر:
(1)
Philologika XI. Maw-: H. Ritter s lana Ghalal addin Rumi sein Rreis في Isl جـ 26، سنة 1942 (حياته ومصادر سيرته، ومخطوطات آثاره هو وآثار أبيه وشمس تبريزى).
(2)
وأهم مراجع سيرته: سلطان ولد: ابتداناهه، نشرها جلال همائى بعنوان ولد نامه مثنوى ولدى باتصحيح ومقدمه، طهران سنة 1315 هـ
(3)
فريدون بن أحمد سباه سالار: رسالة سباه سالار؛ وآخر طبعة هي: شمس الدين أحمد الأفلاكى العارفى: مناقب العارفين، طبعة تحسين يازيجى، جـ 1، أنقرة سنة 1959 (تورك تاريخ قورومى باينلرندن)
الترجمات:
(4)
Les sainst des der-: Cl. Huart visches Tourneurs .. Recits traduist du persan et annotes في مجلدين، باريس سنة 1918 و 1922 (وهذا الكتاب لا يعتمد عليه).
(5)
تحسين يازيجى: أحمد أفلاكى، عارفلرنك منقبه لرى (مناقب العارفين) في مجلدين، انقرة سنة 1953، 1954 (دنيا أدبياتندان ترجمه لر، شرق (سلام كلاسيكلرى: (26).
(6)
وانظر عن أهمية أثر جلال الدين من حيث هو مرجع تاريخي. CI De la valeur historique des me-: Huart
moires des devuisches tourneurs في Jour. As، سنة 1922، 19، 308 - 317؛
(7)
فؤاد كوبريلى في بلتّن سنة 1943، ص 422 وما بعدها.
الصفات: (8) بديع الزمان فروزانفر: مولانا جلال الدين محمد مشهور بمولدُى، طهران سنة 1315 - 1317 هـ
(9)
H.Ritter: مقاله عن جلال الدين في إسلام أنسيكلوييدياسى (عن الأوصاف الأخرى له انظر: مولانا عبد المقتد Catalogue of the Arabic and Per- in the Oriental Public li sian manuscipts brary of Bankzpore ، كلكتة سنة 1908، جـ 1، ص 63).
(10)
قونية خلق أوى قولتوردكيسي، مولانا أوزل صاييسى، إستانبول سنة 1943.
(11)
عبد الباقي كولبيكارلى: مولانا جلال الدين حياتى، فلسفة سى، عصر لرى عصر لريندن سجمه لر، الطبعة الثالثة، إستانبول سنة 1959.
(12)
الكاتب نفسه: مولانا دان صونره مولويلك، إستانبول سنة 1953.
(13)
الكاتب نفسه قونيه دامولانا دركاهينك أرشيوى في إستانبول أونيفرسته سى إقتصاد فاكولته سى مجموعة سى، جـ 17، ص 1 - 4، 130 - 153.
أما عن معنى الأبيات الثمانية عشر من مقدمة المثنوى فانظر.
(14)
أحمد آتش: مثنوى نك أون سكيز بيتينك معنى سه في فؤاد كويريلى أرمغانى، إستانبول سنة 1953، ص 37 - 50.
(15)
وانظر عن أبيات مولانا بالتركية: مجدود منصور أوغلى: Calaaddin Runa Tuerkische verse في Ural Altaische Jahrabuecher جـ 24، سنة 1952، ص 106 - 115.
(16)
الكاتب نفسه: مولانا جلال الدين رومى ده توركجه ببيت وعباره لر في تورك ديلى أرشد رمالرى يلليغى، في بلتّن سنة 1954، ص 207 - 220.
(17)
وانظر عن الأبيات الرومية لمولانا سلطان ولد. P. Burguilere et R Quelques vers grecs du Mlle: Mantran
siecle en caracteres arabes Byzantion جـ 22، سنة 1952، ص 63 - 80.
خورشيد [ريتر H. Ritter]
(2)
ليس من اليسير أن نلخص تلخيصًا منهجيًا المعالم الرئيسية في فكر جلال الدين، لم يكن الرجل فيلسوفا (ورد في آثاره في كثير من الأحيان حملات على خواء الفلسفة العقلية الصرف)، وقد زعم أنه ليس شاعرًا ينهج نهج القدماء (وهو يجاهر في الديوان وفي المثنوى بكراهيته للأوزان والقوافى والصناعة الشعرية) ولكنه كان فوق كل شيء عاشقًا لله يعبر عن مشاعره على نحو شعرى متحرر عارم، فانشأ بذلك أسلوبا فريدا في الأدب الفارسى بأسره. وقد أمكن من الناحية التاريخية تتبع آثار الفكر الدينى والسياسى للغزالى وابن عربي وسنائى والعطار فيه. وريما بولغ في أهمية أثر ابن عربي فيه، والبيان التالي يلم بأوجز ما يمكن النزعات الرئيسية في فكر جلال الدين. والشواهد من المثنوى أخذناها من ترجمة نيكلسون المذكورة في المصادر:
الله: يظهر أن التعالى المطلق لله لم يتصوره جلال الدين من حيث المكان والعقل فحسب بل من حيث الأخلاق. فالله هو القيمة المطلقة والخير والشر منتسبان إليه وهما رهن مشيئته (جـ 2، ص 2617). والحقيقة موكلة بعالم العدم، والوهم والوجود، والجوارح والألوان (جـ 2، ص 3092 - 3097) والله فوق العدم والوجود. وهو يصنع في العدم الذي هو مكان صنعه (جـ 2 ص 688 - 690؛ جـ 2، ص 760 - 762؛ جـ 4، ص 2341 - 2383) وبهذا المعنى يصعب التحدث عن وحدة حقيقية للوجود عند جلال الدين. ومهما يكن من شيء فإن السببية أمر غريب كلية عن اتجاه فكره.
الخلق: يظهر أن جلال الدين يقبل فكرة الأشعرى القائلة بعدم اتصال الزمان والخلق فالله يخلق ويهلك الكل في آنات من الزمن غير متصلة (جـ 1، ص 1140 - 1148) وهو يخلق الأشياء بأن يهمس كلمات ساحرة في آذانها وهي بعد نائمة في عالم العدم (جـ 1، ص 1447 - 1455)
العالم: العالم غير الإنسانى شيء خلقه الله تمهيدا لخلق الإنسان. والطبيعة لمحة من الله: فكل شجرة تنبت في التربة الداكنة مادة فروعها نحو الشمس هي رمز لتحرر الروح من المادة جـ 1، ص 1335 - 1336، 1342 - 1348). على أن الخلق كان متطورا. ويلم جلال الدين في فقرة هامة (جـ 5، ص 3637) بنظرية التطور الغامض (يجب ألا نخطئ فنقول إن هذا التطور هو تطور علمي دارونى). وظهور الإنسان (الذي يظل إنسانا حتى في مراحل تطوره الأولى) من مملكة الحيوان خطوة أولى تدل على رحلات أخرى إلى عالمى الملائكة والألوهية.
الإنسان: ليس الإنسان مجرد مركب من الجسم والروح، ذلك أن المركب الإنسانى مكون من جسم، وهو الجزء الظاهر من الإنسان، وروح أعمق (روح وباليونانية. بسيكى) وعقل أكبر عمقًا من ذلك ثم "روح وحي " وهي أعمق من الجميع، ولا توجد إلا في الأولياء والأنبياء (جـ 2، ص 3253 وما بعدها). وعلم الإنسان الروحى عند جلال الدين لا يقبل أن يبلغ كل إنسان بلا تمييز اسمى مراتب القداسة، فالأولياء والأنبياء "مختلفون " عن الناس العاديين. ويبين جلال الدين في فقرة هامة جدا الفائدة النفعية للانحناء توقيرا للأشخاص المقدسين، فهي الطريقة الوحيدة للخروج عن كبرياء واستعلاء الإنسان الذي يعاود دائمًا (جـ 2، ص 811 وما بعدها).
والله يتحدث على لسان "رجل الله"، فالنبي أو الإنسان المقدس هو الآية الظاهرة على وحدة الله، وهو فوق المقاييس الإنسانية المألوفة (جـ 1، ص 225 - 527).
الأخلاق: وجلال الدين أبعد ما يكون عن لغة المفكرين الدينيين "الأحرار" المحدثين، فشعائر العبادة الظاهرة ملزمة للجميع: والسبب الذي يسوقه لذلك هو أيضًا مثل للصفة الإسلامية القائمة على المنفعة: فالشعائر الظاهرة نافعة مثل الهدايا التي يقدمها الحبيب لمحبوبه، ذلك أنه إذا كان الحب روحيا خالصًا فلم إذن خلق الله العالم المادى؟ (جـ 1، ص وما بعدها). أما مسألة الحرية والقدر فهو يلاحظ بالفعل أن ثمة فارقًا كبيرًا بين "صنع "
الله، أي فعله المستمر كل لحظة، وبين نتيجة صنعه أي "مصنوعه" وبين "القضاء""والمقضى". فالمرء يجب عليه أن يحب "صنع" الله لا "مصنوعه " كما يفعل عبدة الأصنام (جـ 3، ص 1360 - 1373) المرء إذا كانت عيناه الروحيتان يقظتان، يدرك في الوقت نفسه أن الله هو الذي يسيره ويحركه (جـ 1، ص 598 وما بعدها) وأنه حر تمامًا، حرية تعلو بما لا يقاس على الحريات الصغيرة التي للإنسان العادى (جـ 1 ص 936 - 939). وبلوغ هذه الحرية العميقة عند الله يقتضي بذل الجهد والعمل (كوشش؛ انظرجـ 1، ص 1074 - 1077). والأمثلة الكاملة على هذه الحرية العليا هي الأولياء والأنبياء (جـ 1، ص 635 - 637).
الحياة بعد الموت: والقرب من الله في العوالم الأخرى لا يحسه جلال الدين على أنه فناء حقيقى للإنسان في الله فلا يبقى منه شيء. فالمجازات التي يستعملها للتعبير عن الفناء في فقرة هامة من المثنوى (جـ 3، ص 3669 وما بعدها) هي على سبيل المثال كما يأتي: لهيب الشمعة في وجود الشمس (على أن الشمعة تبقى مع ذلك "إذا وضعت قطنا عليها، فالقطن تأتى عليه الشرارات ") أو الأيّل في حضرة الأسد، أو ما يضربه في غير ذلك من المواضع من مثل الحديد المحمر في النار، حين يتخذ الحديد خصائص النار دون أن يفقد جوهره الذاتى. وفي هذه الحالة يمكن أن يكون نارًا كما يكون حديدًا فالروح بالقرب من الله تصبح شيئًا "تعصف بمشيئته العواصف وتفيض الأنهار وتسير الكواكب بحكمته كما يشاء الباري"(جـ 3، ص 1885 ما بعدها). ويحكى جلال الدين في فقرة أخرى عن محب مات حين بلغ حضرة محبوبه تعالى و "طار الطائر" أي روحه، من جسده، ذلك أن الله من صفاته أنه إذا أقبل لم يبق منك شعرة واحدة" (جـ 3، ص 4616، 4621) ويالها من فكرة مشجعة لدى مؤمن بوحدة الوجود! على أن جلال الدين على استعداد دائما لأن يفاجئنا بقلب المشهد. وذلك أن الخاتمة الحقيقية للقصة تروى في بعض الأبيات بعد ذلك بعنوان: "كيف دلّل المحبوب الحبيب
الغائب عن حواسه حتى يعود إليها" (جـ 3، ص 4677 وما بعدها). ويذهب جلال الدين إلى حد التسليم بوجود عنصر من النشاط في العالم الآخر بحيث أن المرتبة العليا في حياة الروح لا تكون "هي التحقق بل الشوق غير المحدود بعد التحقق". - وثمة سر خفى يكمن هنا في حقيقة أن موسى خرج ليجرى صوب خضر
…
وهذا الرحاب الرباني هو الساحة التي لا تحدها حدود أترك مقعد الشرف وراءك، فإن الطريق هو مقعد الشرف" (جـ 3، ص 1957 وما بعدها).
أسلوب جلال الدين الرومى: يحكم أسلوب غزليات جلال الدين في الديوان أن الكثير منها قد تغنى به الشاعر نفسه أو قصد به أن يغنى وثمة رواية جد مشهورة تظهر لنا جلال الدين يرتجل الأغانى الشعرية وهو يذكر بلطف حول عمود في مدرسته، وهناك رواية أخرى تخبرنا كيف وجد جلال الدين واحدا من مريديه ورفاقه المحبوبين، ونعنى به الحداد صلاح الدين زركوب الذي ذكرناه آنفا، يستمع مفتونا في طريق للوقع الموزون لضربات مطرقته. وإحساسه القوى بالايقاع لا يقترن دائما بانتباه مساو للأحكام الصارمة للشعر الفارسى القديم الكمّي. وما أكثر ما شكا من التفاعيل ("مفتعلن مفتعلن مفتعلن قللتنى قتلتنى! ")، ونحن نجد في ديوانه ومثنويه في أكثر من بيت مخالفات شديدة للقواعد العروضية. ونستطيع أن نميز في ديوانه أسلوبا "غنائيًا" وأسلوبا "تعليميا". وكثيرا ما نجده في بعض غزلياته يبدأ بالأسلوب الغنائى (إيقاع قوى وايقاع مزدوج إلخ) ثم ينتقل ببطء إلى الأسلوب التعليمى والعكس بالعكس. ويمكننا أن نميز ثلاثة أساليب في المثنوى الذي هو حديث منفرد متصل ينجذب فيه المتحدث كثيرًا بكلمة لم ومجموع من الكلمات العارضة ثم ينتقل إلى موضوعات ونوادر ونوادر فرعية متجددة دائما أبدا: الأسلوب "القصصى" الخالص. على أن الذي يحدث في نهاية القصة أو أثناءها، أن تدخل التعليقات في أسلوب تعليمى. والظاهر أن الناظم هنا وهناك، في متن
القصة أو في التعليق عليها، يغشاه ذهول فيحمله على استخدام أسلوبه الذي قوامه الوجد وهنالك يقرض بعضا من خير أبيات المثنوى. ويتميز كل من الأسلوب القصصى والأسلوب التعليمي ببساطة وعامية عجيبتين تكادان تكونان شيئًا فريدًا في الأدب الفارسى لذلك العهد. وتتغلغل عناصر اللغة العامية أحيانًا حتى في لغة الغزليات والأسلوب الوجدى للمثنوى الأكثر من ذلك رهافة ولطفا. وبين أيدينا بعض أبيات لجلال الدين تشمل كلمات قليلة وحملا من اللغة العامية اليونانية وقد امتاز اسلوب جلال الدين بسمات ذاتية قوية ومن ثم عز في الواقع عن التقليد، ولكنه يوضع بحق في مكان رفيع عند الفرس المحدثين (حتى أولئك الذين لا يوافقون تمام الموافقة على الآراء الصوفية) وربما كان قد أثر اثرًا معينا على حركة تبسيط الأدب الفارسى وتجديده، للك الحركة التي بدأت في القرن الماضي.
المصادر:
علاوة على ما ذكر في صلب المادة: في سيرته (1) أفلاكى: مناقب العارفين، وقد ترجم جزء منه في مقدمة كتاب ; The Mes-:7.W Redhouse -newi
…
of Mevlana . Jelalu 'd - Din Mu - hammed er - Rumi- Book the first
…
trans lated and the poetry versified لندن سنة 1881، ص 1 - 135.
(2)
بديع الزمان فروزانفر: رسالة تحقيق أحوال وزندكانى مولانا جلال الدين محمد، طهران سنة 1315 هـ الطبعة الثانية، سنة 1333 وثمة كتب كتبت عن جلال الدين:
(3)
Persierns Mystikes: G. Richter Dschelhl-eddin Rumi برسلاو سنة 1933.
(4)
The Met-: Khalifa Abdul Hakim aphysics of Rumi لاهور من غير تاريخ.
(5)
Rumi poet and: R.A. Nicholson Mystic طبعة A. J. Arberry بلندن سنة 1950.
(6)
The Life and: Afzal iqbal thought of Rumi لاهور سنة 1956.
خورشيد [أبوسانى A. Bausani]