الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جزية
يطلق لفظ الجزية في الشريعة على الأموال التي تفرض على أهل الذمة.
1 -
الجزيه في نظر الفقه: تبحث الجزية في كتب الفقه عند الكلام على الجهاد، فأما أهل الكتاب فيؤمنون على أنفسهم وأسرهم ومالهم إذا أدوا الجزية. وهذه القاعدة مبنية على ما جاء في القرآن: "قاتلوا الذين لايؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولايحرمون ما حرم الله ورسوله ولايدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، (سورة التوبة، الآية 29). فكتب الفقه- استنادًا على هذه الآية- ترى أن الجزية هي جزية الرؤوس إذا أداها النصارى واليهود والمجوس والصابئة والسامرة قام بينهم وبين المسلمين عقد يقتصْى هؤلاء الكف عنهم بل حمايتهم. ولبعض جماعات النصارى مكانة خاصة- محو بنى تغلب ونصارى نجران- فهم يؤدون الجزية. ولا تجب الجزية إلا على البالغين المكلفين من الذكور الذين يستطيعون أداءها. ولاتجب على النساء والصبيان والشيوخ لأنهم لايشتركون في القتال. ولايؤدى الأعمى والأعرج الجزية إلا إذا كان موسرًا. أما المساكين والفقراء فلا ينتظر منهم أن يؤدوا الجزية، ويعفى المترهبون من أداء الجزية إذا كانوا فقراء، أما إذا كانت دياراتهم ذات ثراء فإن على قوامهم أداء الجزية. وهي لاتجب على العبيد، ونحن نلمس من هذا كيف يعامل الفقير والمريض معاملة سمحة، إلا أن هذه المعاملة يقابلها معاملة أخرى مع الموسرين فيها دقة وإحكام. وقد حرصت الشريعة أيضًا على إلا يفلت من أداء الجزية من هو قادر على أدائها، لذلك حذر الجباة بوجه خاص من أن يجبوها جملة من الجماعات على أساس عدد أفرادها. والجزية على من يدخل في الإسلام أو الذي يموت خلال السنة المالية من مسائل الخلاف.
ويجب أداء الجزية نقدًا، وقد تدفع عينا كالملابس والدواب، ولا تعد الخمر والميتة أموالا شرعية، بل كانت تباع
وتؤخذ الجزية من أثمانها، وقدرت الجزية المألوفة باديء الأمر بدينار، ثم أصبح ذلك فيما بعد هو الحد الأدنى. ويدفع ما يعادل ذلك في البلاد التي تتعامل بالفضة أي اثنى عشر درهمًا. وهي على الذمى المتوسط الحال ديناران أي أربعة وعشرون درهما، وعلى الموسر أربعة دنانير أي ثمانية وأربعون درهما. ويذكر أبو يوسف - وهو الذي نقلنا عنه معظم ما قلنا- أن الموسرين هم أمثال الصيرفى والبزاز وصاحب الضيعة والتاجر والطبيب، أما الفقراء فهم أصحاب الحرف مثل الخياط والصباغ والاسكاف والخزاز، ولم يذكر شيئًا مفصلا عن الطبقة الوسطى، وإذا لم يستطع أحد أداء الجزية فلا يعذب بالجلد أو تعريضه للشمس أو صب الزيت عليه، ويكتفى بحبسه. وجاء في الآية الخاصة بالجزية أن على الذميين أداؤها "هم صاغرون". وقد أصاب الشافعي دون شك في تفسيره هذه الفقرة بأن عليهم أداءها وفق حكم الإسلام، وهو الحكم الذي يخضعون له. ويرى آخرون- استناد، على هذه العبارة- أنه يجب عليهم أداؤها وأن يكون ذلك على نحو فيه خضوع. والراجح أن الأوصاف التي خلعت على أهل الذمة وغيرهم إنما هي تفسيرات لهذه العبارة. ويؤدى ما يجبى من الجزية إلى بيت المال والجزية والخراج يتكون منهما الفئ. وهو أموال المسلمين عامة.
2 -
تاريخ الجزية من حيث العمل: دلت الجزية في بادئ الأمر على الأموال الجماعية التي تجبى من البلاد المفتوحة. وقد ترك العرب النظام الإدارى في كل إقليم فتحوه على ما هو عليه وعدوا دخل الإقليم جزية لهم. ولم يكن هناك في أول الأمر فارق بين الجزية بوصفها ضريبة رووس وبين الخراج بوصفه ضريبة أرض، وهي التفرقة التي شاعت فيما بعد. فالمصادر التي ناخذ عنها تتحدث كثيرا عن الخراج الذي يجبى على الرؤوس والجزية التي تجبى على الأرض.
ويطلق عادة على أموال الفئ اسم الجزية اشارة إلى الآية القرآنية. ولنذكر على سبيل المثال أنه لم يرد في أوراق البردى المصرية التي يرجع عهدها إلى
القرن الأول الهجرى إلى جانب الجزية (باليونانية "ديموسيا") التي هي الضريبة الأساسية التي تدفع ذهبا سوى الدفع عينا مما لا يسمح المجال هنا بمناقشته. والجزية من وجهة النظر العربية هي ضريبة الرؤوس، لأن العرب كانوا يعمدون بعد إبرام معاهدات الصلح عقب فتح كل إقليم إلى اتخاذ عدد السكان التقديرى، لامساحة الأرض المزروعة، أساسا لتقدير الجزية. وكانت جزية الرؤوس معروفة قبل الفتح الإسلامي في البلاد المفتوحة سواء أكانت ساسانية أم رومية (باليونانية "إبيكفاليون" و "أندرسموس"). أما مصدر الدخل الأساسي، أي الجزية، فكان هن خراج الأرض، وكان يعرف بالاسم الآرامى "خراكه" وقد جعل هذا اللفظ عين اللفظ العربي خَرْج أو خَراج (سور الكهف، الآية 94، سورة المؤمنون، الآية 72). وشاع استعماله هذا منذ العهد العباسى في الأقاليم غير الآرامية أيضًا، وكان لفظ الخراج- بوصفه خراج الأرض- يستعمل هو ولفظ جزية كل منهما في معنى الآخر حتى في أقدم المؤلفات التي وصلت إلينا. وكان لفظ الخراج هو المستعمل، إذا كان المقصود الأموال المتحصلة من الأرض، أما إذا كان التفكير متجها بصفة خاصة إلى الأموال التي يدفعها أهالى البلاد المفتوحة فيستعمل لفظ جزية الوارد في القرآن. ولما توحد سلطان العرب أصبح لفظ خراج يطلق شيئًا فشيئًا على ضريبة الأرض، للك الضريبة التي غدت تجبى من المسلمين أيضًا بعد أن أخذت الشعوب المغلوبة على أمرها تدخل في الإسلام تدريجًا، وبذلك فقدت صفة الجزية. وحلت جزية الرؤوس محل الجزية الواردة في القرآن. وكانت هذه الجزية معروفة قبل الإسلام، وكانت تفرض بطبيعة الحال على غير المسلمين دون سواهم. وورد في التواليف المتقدهة وفي الأيصالات المصرية التي تؤخذ نظير دفع جزية الرؤوس كلمة جالية (والجمع جوالى) وقد أصبحت هذه الكلمة مرادفة لكلمة جزية. وكانت هذه الجالية أو الجزية تحسب لخراج سنة بعينها، لأن جملة الدخل من الفئ كان يطلق عليه أيضًا اسم خراج، ومن ثم ظهرت في غضون قرن ونصف قرن
التعريفات الخاصة بكلمتى خراج وجزية، وإن كانت كتب الفقه تدرسها دراستها للشئ الموجود من أول الأمر.
وليس لدينا معلومات وافية عما كانت عليه حال الجزية والخراج في الأزمنة القديمة، اللهم إلا في مصر. فقد كان يوضع حول عنق الشخص بعد أدائه الجزية خاتم من رصاص، ولكن الخليفة هشامًا أدخل طريقة الإيصالات المنتظمة المعروفة بالبراءات. وقد وصل إلينا عدد من هذه البراءات، ولكنها لم تدرس بعد دراسة وافية. ويقال إن الحزية في مصر وقت الفتح كانت دينارين على الفرد. على أنه يستدل بطبيعة الحال من صكوك الضرائب اليونانية- التي يرجع عهدها إلى نهاية القرن الأول- على أن الجزية كانت في المتوسط دينارين. ولكن هناك مقادير أقل من ذلك كثيرًا. ويتضح من البراءات التي يرجع تاريخها إلى القرون المتأخرة أن الجزية كثيرًا ما كانت تقل عن دينار واحد، وهو الحد الأدنى الذي نصت عليه كتب الفقه. وقداعفى كثير من الناس من اداء الجزية في القرن الأول دون أن نعرف السبب في ذلك، ولايزال يكتنف هذا الموضوع غموض كثير، وقد شدد على المترهبين في مصر بدفع الجزية منذ عهد عبد العزيز أخى عبد الملك، ولو أنه من الواضح أنهم كانوا هد أعفوا منها قبل ذلك.
واضمحل شأن الجزية بالتدريج -بوصفها جزية على الرؤوس- بدخول الناس في الإسلام شيئًا فشيئا، فلم يزد دخل مصر منها في عهد صلاح الدين على 130 ألف دينار (المقريزى: الخطط" جـ 1، ص 107، س 23؛ ص 208، س 27). ومع ذلك فقد ظلت الجزية نظاما ثابتا تجبى من غير المسلمين دلالة على خضوعهم. ولدينا تفصيلات دقيقة عن نظام الجزية في تركية. وقد جمع هذه المعلومات هيدبورن Heidborn كتابه) nances ottomanec. فينا - ليبسك سنة 1912، ص 23 وما بعدها نقلا عن. v Hammer وغيره من المصادر). وهناك صورة من إيصال تركى للجزية في كتاب (Fuehrer Burch die-Karahacek ausstellung der Papyrus Erzherzog Rainer
ص 176). وظل نظام الجزية قائما في تركية حتى حرب القريم- وحل محل الجزية- بوصفها ضريبة تؤخذ نظير حرية التدين- ضريبة أخرى نظير الإعفاء من الخدمة العسكرية، وذلك بمقتضى القانون الصادر في 10 مايو سنة 1855 (انظر: Ges-: F. Bamberg chichte der oriental angelegenheit ص 263). لم يذهب أخر أثر لهذه الضريبة إلا بعد الثورة التركية عندما أخذ النصارى أيضًا يؤدون الخدمة العسكرية.
المصادر:
(1)
كتب الفقه في مادة "جهاد" وبخاصة كتاب أبي يوسف وعنوانه "كتاب الخراج". ص 69 وما بعدها.
(2)
الشافعي: كتاب الأم، جـ 4، ص 82 وما بعدها.
(3)
الماوردى: الأحكام السلطانية في مواضع مختلفة.
(4)
Tableau General del': d' Ohsson Empire Ottoman جـ 3، ص 9 وما بعدها.
(5)
Wcllhausen: Das Arabische Reich ص 172 وما بعد ها.
(6)
Beitraege: Becker ص 81 وما بعدها
(7)
Papyri: Schott- Reinhardt ، جـ 1، ص 37 وما بعدها.
(8)
Greek papyri in the: H. I. Bell L British Museum Catalogue جـ 4، ص 25 وما بعدها، وما بعدها.
(9)
Annali dell' Islam: Caetani جـ 4، حوادث سنة 21 هجرية، فقرة 35 وما بعدها، جـ 5، حوادث سنة 23، فقرة 562 وما بعدها.
[بيكر C. H. Beckez]
+ جزية: (1) هي ضريبة الرؤوس التي كانت تفرض بمقتضى الفقة الإسلامي المأثور على غير المسلمين في الدول الإسلامية. وتاريخ أصول "الجزية" متشابك غاية التشابك لأسباب ثلاثة مختلفة، الأول: أن الكتاب الذين حاولوا، في العصر العباسى، أن يجمعوا ما بين أيديهم من مواد تتعلق بأداء الجزية والخراج وجدوا أنفسهم
يواجهون نصوصًا استعمل فيها هذان اللفظان بمعان مختلفة: أحيانًا بمعنى واسع، وأحيانا بمعنى اصطلاحى، وحتى هذا المعنى الاصطلاحى كان يختلف، ومن ثم فإنهم جنحوا إلى تفسير الجزية والخراج على ضوء المعنى الذي كان قد أصبح شائعا محددًا خير تحديد في زمنهم حتى يمكنهم ذلك من الخروج بصورة معقولة عنهما! ثانيا: أن ثمة حقيقة لم تقدر حق قدرها وهي أن النظام الذي انبثق من الفتح العربي لم يكن موحد، ، وإنما نجم من سلسلة من الاتفاقات أو الأحكام الشخصية غير المتطابقة؛ وثالثا وأخيرًا أن هذا النظام قد أعقب النظم السابقة ولم يطح بها، وكانت هذه النظم نفسها يختلف الواحد منها عن الآخر، كما أنها كانت- إلى ذلك- في العصر السابق على الإسلام مباشرة، غير مفهومة على الوجه الأكمل ويختلف الناس حولها، وفي مثل هذه الظروف فإن البيان الذي نورده فيما يلي لا يمكن إلا أن يكون دليلا موقوتًا إلى الموضوع.
وكلمة "جزية" -التي ربما كانت ترتبط بأصل آرامى- وقد وردت في القرآن (سورة التوبة، الآية 29) حيث طبقت- حتى في ذلك الوقت- على الرسوم المطلوبة من النصارى واليهود، على أنها - فيما يرجح- كانت- بمعنى مطلق بعض الشيء- تطابق أصل "التعويض"(عن عدم اعتناق الإسلام)، وكانت- على آية حال- ضريبة جماعية لا تختلف عن غيرها من صور الضرائب، كما تركت طبيعة مضمونها غير محققه" (تختلف الشواهد التي ساقتها كتب السيرة اختلافا شديدًا وكانت الجزية تتكيف بالظروف الشخصية لكل جماعة). ومن الجائز أن نجد السوابق، مع التغيرات الضرورية، قائمة في جزيرة العرب أيام الجاهلية خارج النطاق الدينى، نجدها متمثلة في ظروف خضوع الواحات المعمورة لمجموعات من القبائل أقوى منها نظير حماية هذه الواحات. على أن العرب- ورثة النظامين البوزنطى والساسانى- لم يجدوا مناصا من مواجهة مشاكل عملية جديد نتيجة لما فتح الله عليهم من بلاد.
وطبيعى ألا يكون ثمة تردد حول وجوب أن يؤدى أهل الذمة للجماعة الإسلامية ضريبة كانت في نظر الفاتح دليلا ماديًا على خضوعهم، كما كانت في نظر أهل البلاد امتدادًا محسوسًا للضرائب التي كانوا يؤدونها للنظم التي كانت تحكمهم قبل الفتح العربي. وهذه الضريبة يمكن أن تكون على أنواع ثلاثة تتوقف على أمور هي: هل تفرض على أشخاص بصفتهم هذه، أم على الأرض، أم أنها ضريبة جماعية لا ترتبط بأى نوع من التقويم؟ وتدل النصوص في العصر العباسى على قيام فارق نظرى واضح بين ضريبتين: ضريبة على الأرض وهي الخراج، ولايمكن إلغاؤها إلا في حالات خاصة فحسب، ذلك أن الأرض قد فتحت قطعًا لصالح الجماعة الإسلامية الثابتة" وضريبة على الأفراد، ونعنى بها الجزية، وهي من حيث هي تنتهي بدخول الممول في الإسلام، على أن هذه التفرقة أبعد ما يكون عما يحدث، ذلك أنها لم تقم في جميع الأحوال- سواء من حيث الفقه أو من حيث الواقع- في القرن الأول للإسلام، والمشكلة ببساطة هي تحديد ما هي السنة الأولية التي جرت عليها الحال وكيف انتهى الأمر بالتدريج إلى نظام نهائي ثابت.
وقد بدأ فلهوزن ثم بيكر وكيتانى وغيرهم بالحقيقة التي لامرية فيها وهي أن المأخوذ من النصوص القديمة غاية القدم أن كلمة جزية وكلمة خراج قد فهما في جميع الأحوال إما بالمعنى الواسع الذي يفيد الضريبة الجماعية، وإما بمعنى ظاهر أنه أضيق من هذا وإن كان معنى متبادلا (الخراج على الرؤوس والجزية على الأرض وبالعكس)، ثم أقاموا نظاما نسب فيه إلى العرب في زمن الفتوح أنهم فرضوا ضريبة جماعية على المهزومين دون أن يعنّوا أنفسهم بالتفريق بين المصادر المختلفة الممكنة للضريبة، وإنما كانت كثرة الداخلين في الإسلام هي التي أدت، في خاتمة العصر الأموى، وفي خراسان بخاصة، إلى التفريق في الموارد الجماعية بين ضريبتين: الأولى على الرؤوس تبطل في حالة الذمى، والثانية على الأرض بقيت خاضعة للأحكام التي فرضها عليها الفتح. وهذه
النظرية، بصرف النظر عن المسألة التي تحكمها الأهواء وهي أنها تعارض رأى جميع الفقهاء القدماء، إلا أنها تتغلب في الواقع على كثير من الصعاب، وقد جرحت حديثًا تجريحًا شديدًا، وخاصة على يد لوككارد Lokkegaard، بل لقد كان تجريح دنت Dennett لها اقسى وأمرّ، وأصبحت النتائج التي انتهيا إليها في خطوطها العريضة وما توحى به لاتدحض بعد فيما يظهر، وإن كانا هما أيضًا لم يجيبا عن جميع المشاكل التي أثاراها بدورهما. وقد بيّنًا بأجلى بيان أن النصوص، في كثير من الأحوال، تقيم تفرقة حقيقية بين الضريبة على الأرض والضريبة على الأفراد، حتى ولوكانت العبارة الدالة على التفرقة تختلف، وقد نوّها بعدم احتمال قيام إصلاح شمل الدولة الإسلامية كلها وبدأ في ولاية قاصية هي خراسان في الأيام الأخيرة للدولة الأموية الحافلة بالفوضى؛ ثم إن المرء (وخاصة دنت في تحليل منطقى وثيق للموقف في كل إقليم) لا يستطيع أن يتحدث عن قيام نظام موحد عقب الفتح مباشرة، ذلك أن النظم الأولى وظروف الفتح لم تكن واحدة في كل مكان.
وقد كان في الدولة الساسانية نظام مالى يفرق بين ضريبة عامة على الأرض وضريبة على الرؤوس، بفئات تختلف باختلاف مقدار الثروة، ولو أن الطبقة الأرستقراطية كانت معفاة من الضرائب. اما الإمبراطورية الرومانية البوزنطية فكان لديها نظام أكثر تشابكًا لانزال بعد غير متثبتين من كثير من نواحيه: كانت توجد ضريبة على الفرد، ولكنها كانت غير معمول بها إلا فيما ندر، وكانت تطبق على من يستعمرون الأرض الجديدة وغير النصارى. أما الضريبة العامة فلم يكن فيها تفريق، ففي حالة ملْك صغير خاضع ماليًا لحكم الدولة المباشر فإنها كانت تجبى على زراعة الأرض على أساس وحدة قياسية أو مايسمي باسم جوكوم - TU GUM (أي ما يوازى 40 فدانًا) على أنه في حالة الضياع الكبيرة التي تتمتع بشئ من الاستقلال الذاتى كان الأقرب إلى العمل فيما يظهر هو الاعتماد في التقدير على عدد العمال المشتغلين، فإذا
كانت الضريبة تتناسب على هذا النحو وعدد السكان فإنها لاتكون بعد على آية حال ضريبة نوعية على الرؤوس، لأنها لم تكن تضاف إلى ضريبة أخرى من الواضح أنها تقوم على الأرض. وهذه النقطة الدقيقة يجب ألا تغيب عن البال، إذا شئنا أن نفهم التطورات التي حدثت بعد ذلك.
وبعد، فإن الفتح -في بعض الحالات- كان يتم بمحض القوة، وفي هذه الحالة يكون النظام القائم خاضعا لتقدير الفاتح، وفي بعض حالات أخرى يكون نتيجة لمعاهدة تسليم، ونجد في هذه الحالة أن السكان الوطنيين إذا احتفظوا باستقلالهم الذاتى المالى فإنه قد يسنَ لهم نظام مالى خاص، أو يفرض عليهم مبلغ يقدر مقدما جزية يؤدونها مع إفساح المجال لاعتبارات التقويم. وفي العراق، وهي الولاية التي يشير إليها معظم الفقهاء العباسيين، تم الفتح- في عمومه- عنوة، أو بهجر المرافق الساسانية الادارية على الأقل. وكان العرب يهيمنون على الموقف وعلى جباية الضرائب بمساعدة مرؤوسيهم من الأهلين، وكانت هذه الجباية تسير على التقليد المتبع، أي أن ضريبة رؤوس كانت لا تزال يفرق بينها وبين ضريبة أرض، ولو أن مقدارها كان قد زاد فيما يرجح (1 ، 2، 4 دنانير = 12، 24، 48 دراهم) ولكن تدرج الثروة قد ثبت. وأراد أفراد الطبقة الأرستقراطية أن يحتفظوا بالأعفاء من هذه الضريبة على فأعلنوا ولاءهم للدين الإسلامي. ولايستطيع المرء أن يقول هل أعفوا في الوقت نفسه من ضريبة الأرض، ولو أنهم خضعوا لها على نحو معدل هو العشور التي تحصل من أملاك المسلمين. وفي معظم بلدان الشام والجزيرة العليا تم الفتح العربي بمعاهدات ميزت هذه البلدان من الضياع الكبيرة المستقلة استقلالا ذاتيا في النظام السابق، مع أنه أبرمت اتفاقات موقوتة في البداية الأولى قررت ضريبة جماعية، وكان النظام الذي أقيم من النظم التي تحقق الإشراف المستقل استقلالا ذاتيا، ولكن الفاتح كان هو الذي يحدد الضريبة، وجرت الحال بأن تحسب (كما حدث في الحيرة بالعراق)
علي أساس مبلغ محدد (بالدينار عادة) على كل رأس، ومن ثم كانت ضريبة تتناسب مع عدد السكان كما كانت الحال من قبل في الضياع الكبيرة. وقد تكون هذه الطريقة نفسها في الحساب قد استمرت في الضياع الكبيرة، ولكنها تخضع للإشراف المباشر للفاتح، وكان يتفق في كثير من الأحيان أن يجد الفاتحون أن المصلحة في تلك الأيام أن يقبلوا من الفلاحين أداء الضريبة عينا. وكانت معظم الجماعات النصرانية في مصر تفرض عليهم ضرائب في ظل نظام يوحد الأداء عينًا، مع فرض ضريبة أرض مقدارها دينار على الفدان الواحد (والفدان وحدة الأرض المزروعة) وضريبة رؤوس خاصة مقدارها ديناران عن كل رأس، على أن هذا الرقم الأخير كان يحسب على أساس المبلغ الذي كان على الجماعة أن تؤديه، بشرط أن يقسم المبلغ الإجمالى آخر الأمر على السكان بنسب عادلة كل العدل (كما تدل أوراق البردى) ..
وهذه الضريبة على الرؤوس لا بد أنها -على عكس المظنون- كانت من حيث العمل عبئا على الجمهور ثقيلا يكاد يبلغ في ثقله مبلغ ضريبة الأرض، ونذكر أخيرًا أن النظام الذي تقرر في الجزء الأكبر من إيران وآسية الوسطى وفي بعض أماكن برقة، كان يقوم على ضريبة يؤديها الحكام المحليون الذين يثبتون في الحكم، من غير تدخل من الفاتحين في إعلان الضريبة أو جبايتها. وفي خراسان بخاصة، ظل الممولون يؤدون الضرائب على أساس النظام الساسانى الثنائى الذي يقوم على ضريبة الأرض وضريبة الرؤوس بصرف النظر عن أبية مسائل تقوم فيما يتصل بالدخول في الدين الجديد أو عدم الدخول فيه. وأيا كانت المسائل التي ظلت مبهمة في النظم الخاصة (وخاصة في الشام على ما يظهر) فسوف يتضح أن ثنائية الضريبة على الأرض والضريبة على الرؤوس كانت قائمة بصفة عامة على مستوى الممول
في مختلف الظروف، بالنسبة للفريق الأكبر من السكان الفلاحين، على حين سيطر من الناحية الأخرى نظام ضريبى واحد على الجزء الأكبر من البلدان الشآمية وعلى الجزيرة العليا، وقد وقف الفاتحون، وخاصة في المشرق، موقف المترفع عن هذه الفروق ما دامت الجزية تؤدى.
على أن المصاعب لم تلبث أن ظهرت، ففي مصر كان الرهبان معفين من ضريبة الرؤوس وقد لاحظ القبط الذين كانوا منذ أيام الرومان أساتذة سابقين في التهرب من الضرائب، أن دافع الضرائب يمكنه أن يهرب من أداء ضريبة الرؤس إذا هو ترك الأقليم الذي سجل اسمه فيه، أو إذا دخل ديرًا، والأمر الثاني افضل. ومن ثم أصبح من الضرورى أن يجعل جميع الرهبان بدورهم خاضعين لضريبة الرؤوس (وهذا تفسير أكثر احتمالا من التفسير الآخر الذي يقتضي الأمر أن يعود المرء إليه إذا هو سلم بان ضريبة الرؤوس لم يكن لها وجود في أوائل نظام الحكم الإسلامي ذلك أننا نجد هذه الضريبة من بعد مفروضة على الرهبان، ويقتضى التدليل أن يكون الظهور الأصلي لهذه الضريبة في صورة ضريبة على الرهبان). وكان من الضروري الحصول على تصريح برفعها، وأن يوسم مؤدو الضريبة بسمة لاتنمحى، ومن ثم نجد جميع تلك الجوازات والأختام وغيرها التي زودنا علماء الآثار بالكثير جدًّا من النماذج التي لا يشك في سلامتها. ولا شك أن ظواهر من هذا القبيل قد وجدت في عدة أماكن، وقد سجلت على سبيل المثال افى الجزيرة العليا وفي العراق أيضًا.
على أن ثمة أمورًا عرضت علينا هناك عرضًا مختلفا بعض الاختلاف، ففي العراق، حقا تفاد للضرائب اتخذ صورة الدخول في الإسلام، فقد رأى الداخل في الإسلام أن حالته الجديدة سوف تعفيه من جميع تلك الشبكة المالية التي تفرض على غير المسلم، ونعنى بذلك ضريبة الأرض وضريبة الرؤوس. والحق أن ما حدث أول الأمر (ولم يكن الحكم الإسلامي ينظر إلى
ذلك نظرة الاستياء) هو أن الداخل في الإسلام كان يترك أرضه إلى غير مسلم يضمن زراعتها وقدرتها المالية بدون تفكير في أنها ستصبح غير خاضعة للخراج وكان هذا الأمر ممكنا مادام لايحدث كثيرًا، وكان بيت المال لا يصيبه من ذلك خوف كبير، ذلك أن نظام الحكم الجديد كان قد ورث عن سلفيه البوزنطى والساسانى، فكرة الأهلية المشتركة لكل مكان في أن يؤدى الضرائب، وظل الذين بقوا من ثم يؤدون الضرائب عن أولئك الذين تركوا ديارهم نظير استغلالهم لأرضهم. على أنه ماوافى الوقت الذي قدم فيه الوالى الحجاج إلى العراق حتى كانت المسألة قد اتخذت أبعادا خطيرة فيما يتعلق بتطور الأرض، ومن ثم هددت أيضًا بيت المال، وهنالك اتخذ بيت المال قرارا صارما بإعادة الفلاحين إلى الأرض لإخضاعهم للضرائب مرة أخرى، بما في ذلك ضريبة الرؤوس، ومنعهم في الواقع من الدخول في الإسلام. وقد نشأت مشكلة من هذا القبيل في خراسان، ولكن الذي حدث هناك أن الأرستقراطية هي التي اضطهدت الفلاحين الذين تثبت عليهم جريمة الدخول في الإسلام، ذلك أن كل دخول فيه يهدد بزيادة عبء الضرائب على غير المسلمين، ويضطر الطبقة الأرستقراطية- في سبيل أن تعوض من جيبها أي نقص في أداء الضرائب- إلى أن تحاول حيثما استطاعت فرض ضرائب أفدح على المسلمين، وبخاصة الأكثر فقرًا منهم، مؤثرة ذلك على فرض ضرائب على غير المسلمين، وهو ظلم معكوس.
ومن الواضح أن هذه المظالم أيضًا لم يكن من الممكن أن تدوم. فقد كان من غير المباح في دولة اسلامية أن يعاقب المرء فعلا على الدخول في الإسلام ، وقد نسب إلى عمر بن عبد العزيز التقى الورع فضل اتخاذ موقف ينافى هذه السياسة على خط مستقيم ويقال إنه ذهب إلى حد تشجيع الدخول في الإسلام برفع جميع شبكة الضرأئب المفروضة على غير المسلمين. على أن أوثق النصوص التي اكتشفت حديثًا - أو فسرت- لاتؤيد مثل تلك النظرة المثالية (rescript: H.A.R Gibb في The {fiscal of Umar II Arabica جـ 2، سنة.
1955). والظاهر أنه قامت حركة تنحو - بتأثير الفقهاء الذين توسعوا في نظرية الفئ- إلى فكرة إخراج الخراج من شبكة الضرائب المفروضة على- غير المسلمين، وكان الخراج منذ ذلك الوقت أقرب إلى أن يحصل بخاصة على الأرض وليس على الرؤوس ، ومن ثم فإنه كان لا يتمشى مع حالة المسلم. وكان لا مناص من أن تختفى ضريبة الرؤوس بوصفها هذا، على أن بيت المال لم يكن ليخسر بالضرورة من هذا الأمر كما أن دافع الضرائب لم يكسب نتيجة له، ذلك أن الداخل في الإسلام كان لا بد له من أداء الزكاة على دخله. وكان نظام من هذا القبيل هو الذي حاول نصر بن سيار، آخر الولاة الأمويين الكبار، أن يدخله في خراسان. ومن ثم فقد كان هو وراء هذه الحركة لافى طليعتها. وفي قطر كالشام، لم يكن بد من اقتباس نظام أكثر دقة، والظاهر أنه اصطنع منذ عهد يزيد وعبد الملك (أبو يوسف، ص 24، وانظر gaard، ص 133) ليسبغ على ضريبة الرؤوس المأثورة طابعًا شخصيًا حقًّا، علاوة على ضريبة الأرض. ومهما يكن من شيء فإنه من يوم أن فرق بين ضريبة الرؤوس وضريبة الأرض، أصبح من الممكن أيضًا أن يفرق بينهما في الجباية، وأصبحت المسئولية الجماعية للأماكن في مسألة الضرائب خليقة بأن ينتفى عملها في هذا الصدد. ونحن نعلم، في مصر بصفة خاصة، أن انتقال الأشخاص من مكان إلى مكان أصبح مشروعا مادام قد احتفظ بسجل لهم وعلم انتقال الأشخاص المعنيين (انظر Impots du Fayyum: Cl. Cahen وهو الكتاب المذكور بعد، ص 21). ومن ثم فإن المصطلح الذي جرت الحال بأن يطلق على "المهاجرين" (باليونانية: فيكادس) وهو "الجوالى"(جمع جالية) في لغة الإدارة قد اتخذ، من غير آية إضافة أخرى، للدلالة على الجزية بمعنى ضريبة الرؤوس. وطبيعى أن هذا الإجراء المالى لم يحل المشكلة الاقتصادية لهجرة الفلاحين، ثم إن هناك شواهد أخرى على إجبار الفلاحين على العودة إلى حقولهم (انظر Cl. Cahen: : Fiscalite etc في Arabica جـ 1، سنة 1954، ص 146
-147). على أنه قد أصبحت الجماعات الريفية آنئذ قادرة على أن تدخل في الإسلام، فإن المشكلة لم تعد تمس الجزية، ومن الراجح أنها كانت أقل خطورة بالنسبة للجماعات المسيحية المكينة التي ظلت مخلصة لعقيدتها (لبنان، والجزيرة العليا، ومصر نفسها) وحيث كانت المسئولية الجماعية تناهض الهجرة (الكتاب المذكور، ص 151). ولعل عوامل أخرى قد كان لها أثر في تشجيع الارتباط بالأرض، ومناهضة الهجرة إلى المدن، وهي عوامل لايمكن أن نناقشها هنا. والظاهر- على كل حال- أن هذه المشكلة في القرون التالية لم تعد تتمثل في الحدود التي عرفها بها أبناء العرب الفاتحين.
ومن هنا شهد العصر العباسى تخصيص المصطلحات، كما حدث بالنسبة للنظم، في الكتابات الاصطلاحية والفقهية على الأقل (وتتناول كتب الفقه هذا التخصيص ملحقًا للجهاد)، وعلى حين نجد أن الخراج لم يعد يدل على شيء سوى ضريبة الأرض، فإن الجزية إنما طبقت من ثم على ضريبة الرؤوس علي الذميين. وحدث أن فقدت الجزية أهميتها المالية في كل مكان حين لم تعد الجماعات غير الإسلامية متفوقة في العدد. بل إنها حين نقصت على هذا النحو فإنها لم تعد- فيما يظهر- موحدة. ذلك أن الشام وفلسطين ومصر احتفظت بنظامها الخاص حتى القرن الثامن عشر (انظر Gibb- Bowen: جـ 1/ 2، ص 254، النابلسى في Impots du Fayyum: Cl. Cahen في - Arab ca؟ ، جـ 3، سنة 1956، ص 21 - 22) بالرغم من توكيدات اصحاب النظريات (بما فيهم البلاذرى، ويستثنى من ذلك بصفة خاصة مالك والشافعي) في حين أن نظام الضرائب الطبقى المنسوب لعمر ظل يمارس في مصر ومنها انتقل من بعد إلى الولايات غير العربية للإمبراطورية العثمانية. والأهمية العددية له بالنسبة للذميين، كما حدث قبل ذلك في آسية الصغرى السلجوقية، (انظر عن هذه النقطة بصفة خاصة كريم الدين آقسرابى: مسامرات الأخبار، طبعة طوران، ص 153، مع تحليل ف. إشيل طاك ، 1943، 81)
تضفى مرة أخرى أهمية كبيرة على الجزية، ولو أن الكلمة التي كانت تطلق عليه في كثير من الأحيان هي الخراج (كانت ضريبة الأرض في تلك الأيام تحمل أسماء أخرى).
والظاهر أن عددًا معينا من القواعد التي سنت في العصر العباسى كان -بصفة عامة- معمولا به من ذلك الوقت فصاعدًا. وكانت الجزية لاتجبى إلا من الذكور البالغين الأحرار القادرين الأصحاء الجسم ومن ثم استثنى منها الأطفال والشيوخ والنساء والضعفاء، والرقيق، والمرضى والمختلو العقول. وقد أعفى منها الأجانب بشرط ألا يكونوا مقيمين إقامة دائمة في البلاد، أما سكان الثغور الذين يمكن في بعض الأحيان أن ينخرطوا في عداد الحملات العسكرية- وكانوا غير مسلمين (الجراجمة والأرمن وغيرهم) - فقد أعفوا من الجزية عن السنة التي نحن بصددها.
ولما كانت الجزية ضريبة شخصية محددة، فإنها كانت تجبى بحساب السنة القمرية (قبيل أو بعيد بداية السنة بصفة عامة، كما كانت أيام المماليك تجبى أحيانا في رمضان)، وهي تخالف في ذلك الضرائب المرتبطة بالزراعة. ومن ثم كان في الإمكان أن تفصل عن هذه الضرائب في التحصيل والتزامات الإقطاع. وقد اشترط الأداء نقدا، وكان الجارى أن يفرض الأداء به، ولكن الأداء عينا كان جائزا يحكمه معيار رسمي محدد للتسوية بين النقد والعين. ويجب على المرء- بنص القرآن - أن يعطى الجزية "عن يد"، وقد فسرت هذه العبارة منذ ذلك- وربما كان ذلك خطأ- بأنها تعنى "عن يده" أي مسلمًا بيده، أي شخصيا (انظر عن هذه النقطة: Some Minor: Rosenthal problems in the Quran في Starr Memorial Volume نيويورك سنة 1953، ص 68 - 72، co-: cl- cahen 9 - ran IX في Arabia جـ 1، سنة 1962 ص 76 - 79) وإداريًا، وهذا المعنى قد يوحى بالحاجة إلى عدد السكان غير المسلمين، ومن هنا كان- على سبيل المثال- منع أعيان جميع القرى من قبول مبلغ إجمالى عن الجزية من الخاضعين لهم. زد على ذلك
أنه كان من المرغوب فيه أن يعطى كل شخص في هذا الصدد إثبات بحالته من حيث هو خاضع للإسلام، أو- إن شئت مزيدًا من الدقة- من حيث هو فرد من أفراد طبقة اجتماعية دنيا. ويظهر أن هذه الطريقة التي يجب أن نفسر بها هذه القاعدة القرآنية (التي تتبع القاعدة التي ذكرناها آنفا):"وهم صاغرون"(ويعلق أحيانا على العبارة الأخيرة، بأنهم أولئك الذين "أقروا بالصغار") فيما يتصل بالشواهد المعروفة التي أبي فيها الأعيان أو العرب، مع مسيحيتهم، أن يؤدوا "جزية العلوج، ، وهذا التفسير نوْثره على القول بأن هذه العبارة تتضمن الحاجة إلى الإذلال، وهو الزعم الذي ذهب المتشددون من المتأخرين أنهم تبينوه فيها. ومن الواضح أنه عملت إحصاءات فعلية، وخاصة أيام أن كان ثمة تفرقة بين الجزية والخراج (فعل ذلك عبد الملك في الشام، ويزيد الثاني في مصر وغيرهما) يقابل ذلك أن تقدير الدخل الإجمالى من الجزية في مصر أيام صلاح الدين، على سبيل المثال، بمبلغ قدره مائة وثلاثون ألف دينار، بمعدل دينارين لكل شخص في المتوسط، يسمح لنا، بأن نقدر عدد السكان المسيحيين في تلك الأيام بحوالى 65.000 من الأسر.
والجزية- من حيث النظر- مثل الزكاة يجب أن تنفق في المعاشات والمرتبات وأعمال البر. ولكن حدث في كثير من الأحيان أن تذرع بذلك لأدائها للخزانة الخاصة للأمير. ويجيز مالك والشافعي أن تزاد قيمة الضريبة. وقد ظهرت في بعض الأوقات ضرورات تحكمية التمس لها مبررات عقائدية أو لم يلتمس، وذلك في عصر المماليك أثناء الشدائد الاقتصادية وما عرف به هذا العصر من تشدد في الأمور الدينية. على أننا يجب أن ندخل في حسابنا أن ازدياد ندرة الذهب وانخفاض الدرهم قد جعل الجزية- في كثير من الأحيان - تنزل إلى مستوى أدنى مما قضت به الشريعة، زد على ذلك أن الرهبان، في الأديرة الفقيرة على الأقل، قد وجدوا سبيلا إلى إنقاص ما فرض عليهم.
وفي البلاد التي كان يحكمها المغول مباشرة قبل دخولهم في الإسلام، ألغى
النظام المالى الأصلي ضريبة الرؤوس على غير المسلمين. وحين دخلوا في الإسلام سعى عمال غيورون إلى حمل المسيحيين على أداء ماتأخر عليهم (أربعين سنة، انظر الجزرى: تاريخ = Chronique، طبعة، ص 48 رقم 307). وكانت ضريبة الرؤوس على المسلمين واليهود في صقلية بعد غزو النورمان، تسمى جزية.
وقد اختفت الجزية بطبيعة الحال من الدول الإسلامية الحديثة نتيجة للمساواة المتزايدة بين الأديان واستحداث نظام الخدمة العسكرية وإنشاء نظم مالية جديدة.
المصادر:
نجد في كتاب Caetani - المذكور بعدُ - جل المصادر مجتمعة: البلاذرى، وأبا يوسفا، والماوردوي وغيره من الإخباريين ورواة الروايات والفقهاء وغيرهم. ويجب أن نضيف إلى ذلك:
(1)
أبو عبيد بن سلام: كتاب الأموال.
(2)
وانظر عن كتاب الخراج ليحيا ابن آدم الترجمة الإنكليزية ذات التعليقات التي قام بها A.Ben Shemesh. سنة 1958.
(3)
وانظر عن أوراق البردى، علاوة على بيكر وكرومان المذكورين بعد: C. apyri Schott - Rhanhardt: Becker سنة 1906 و Greek papyri in the: H.I. Bell British Museum ، جـ 4، سنة 1910. وكذلك Les papyrus d': R. R 6 mondon Apollonos Ano . سنة 1953 و .. xcavations at Nessana: Kraemer جـ 3، ، Non - Literay papyri سنة 1958.
وليس في الإمكان أن نسوق هنا المصادر المستفيضة الخاصة بضريبة الرؤوس والمشاكل المرتبطة بها في الإمبراطورية الرومانية البوزنطية. ونجد أحدث البيانات المنقحة في مصادر طبعة R. Palanque لكتاب. Histoire du Bas - Empire: Stein التي نشرت بعد وفاة المؤاف وفي - Ka Das Finarizwesen des: rayannopoulos N `1 o A fruehbyzantinischen Staates 1958 ولا تزال عمدة المصادر هي ما كتبه - Pi ganiol و E. Deleage و F . Lot وانظر عن مصر: L. C. West A. Ch. Johnson: Byzantine Egypt سنة 1949.
وانظر عن العالم الإسلامي:
(1)
Wellhausen arabische: J. Das Reich ص 172 وما بعدها؛ الترجمة الإنكليزية، ص 276 وما بعدها.
(3)
C. Becker: : - Beilraege zur Ges ، chichie! Aegyplens ص 81 وما بعدها (في الكراسة الثانية).
(3)
الكاتب نفسه: ، Islamstudien جـ 1، 1924.
(4)
Annali: Caetani جـ 5، ص 280 - 532.
(5)
Problerne der ar-: A. Grohmann PapyrusforschunA abischen في ArO، سنة 1933، ص 276 وما بعدها؛ سنة 1934، ص 125، وما بعدها.
(6)
Islamic taxa-: Fr. Lokkegaard tion، الفصل 6.
(7)
Conversion and: D. C. Dennett the poll - tax in early Islam ، سنة 1951.
(8)
legal des: A. Fattal Le slalul payls d' Islam nonmusulmans en سنة 1958، فصل 7، وهو أكثر تفصيلًا من and their non - Tritton The Calip subiects Musliin، سنة 1930.
(9)
م. ضياء الدين الريس: الخراج في الدولة الإسلامية، القاهرة سنة 1957 وخاصة ص 107 وما بعدها.
(10)
Renaissance: Mez ، فصل 8، 4.
(11)
ومن الدراسات التخصصية: حبيب الزيات: الجزية، في مجلة المشرق، جـ 41 سنة 1947.
(12)
Sicilia: Finocchiaro - Sartoro في - nella Archivio giu Gizyah e Kharaj ridicn جـ (سنة 908).
خورشيد [كاهن Cl. Cahen]
2 -
عند العثمانيين
استعملت كلمة "خراج" على وجه التفضيل بدلا من كلمة جزية قبيل القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادي) ثم استعملت من بعد كلمة "جزية" أو "جزية شرعي" (انظر فهارس أنهكر وخليل إينالجق: قانوننامه سلطانى .... ، أنقرة سنة 1956، طيب كَوك بيلكَلين: باشا لواسى، إستانبول سنة 1952؛ Os. Ur-: F. Kraelitz tuerkischer Sprache kunden in، فينا
سنة 1922، و. ل. برقان: قانونلر، إستانبول سنة 1943) ونجد في الوثائق أحيانًا المصطلح "باش خراجى" للدلالة على الجزية (انظر طيب كوك بيلكين، ص 158؛ B. Lewis في Bulletin of the school of Oriental and Af- Studies rican جـ 14، سنة 1952، ص 553، 559) للتمييز بينها وبين خراج الأرض. وكان يطلق على محصل الجزية في العصر الأول خراجى أو خراججى وفي العصر المتأخر جزية دار.
وكان أداء الجزية يتوقف في بعض الأحيان على الأرض المملوكة: فعلى كل شخص، مسلم أو غير مسلم، يمتلك "باشتينه" أي أرضًا مسجلة في ملك "ذمى"("جفتلك") أن يؤدى الجزية (انظر لائحة أوخرى المؤرخة سنة 1022 هـ (1613 م) في و. ل. برقان، ص 295، وانظر لائحة أولونية في صورت دفتر سنجق أروانيد، طبعة خليل إينالجق، أنقرة سنة 1954، ص 124) والسبب الذي ذكر لذلك هو عناية بيت المال بحماية موارد الجزية.
وقد اتبع العثمانيون سياسة محافظة في الأراضي المفتوحة، فجعلوا بعض ضرائب الرؤوس السابقة لعهدهم جزية، واستجابوا لالتماس رعاياهم الجدد في المجر (برقان، ص 304) فقبلوا الضريبة القديمة وقدرها فلورى ذهب واحد التي كانت تؤديها كل أسرة لملوك المجر قبل الفتح العثمانى على اعتبار أنها جزية (انظر برقان، ص 303 ، 320). على أن العثمانيين كانوا قد أدخلوا من قبل في البلقان، ضريبة رؤوس وطنية الراجح أنها هي وضريبة الفلورى الواحد المجرية من أصل واحد، وذلك في نظام ضرائبهم باعتبارها ضريبة رؤوس عرفية تحمل اسم "إسبنجه" (خليل إينالجق: عثمانلى لرده رعيت رسومى في بلّتن، جـ 92، ص 602 - 608)، وقضوا بأن يؤدى كل فرد خاضع للجزية الإسبنجه (بلتتن، جـ 92، ص 602). ولكن الإسبنجه كانت في العادة داخلة في التيمارات.
ويجوز لنا أن نفترض أن العثمانيين وجدوا في البلقان والمجر، كما وجد الفاتحون المسلمون الأولون لمصر
والشام، ضريبة رؤوس من قطعة واحدة من الذهب لعل لها أصلا رومانيًا مشتركًا (Islamic laxa-: F. Lokkegaard tion، كوبنهاغن سنة 1950، ص 134 - 135). واستند العثمانيون إلى "النص" و "الاجتهاد"، كما قرر في الفرمانات، فكانت الجزية في نظرهم ضريبة دينية يجب أن يعني عناية خاصة بجمعها وإنفاقها، وكانت -بصفة عامة- تحصل مباشرة لصالح خزانة الدولة على يد قولات السلطان وكان من قبيل الاستثناء أن تمنح موارد الجزية باعتبارها "تيمارًا أو "ملكًا". كذلك وكانت تحصل على سبيل الالتزام في حالات خاصة فحسب (انظر انهكر وإينالجق، ص 39). ولما كانت الضريبة الشرعية (شرعي) تتبع بيت مال المسلمين فإن إدارتها وضعت تحت إشراف القضاة، وكان تحصيلها الفعلى -في حالات ليست بالقليلة- يتم على يدهم (انظر كوك بيلكين، ص 158).
وكانت موارد الجزية تنفق في أغراض حربية أو تخصص للإنفاق المنتظم على وحدة عسكرية من حيث هي "أوجاقلق". وقد رفع محمود الثاني فئات الجزية وخصصها للإنفاق على جيشه المصلَح المسمى "عساكر منصوره" زاعما أن ذلك إنفاق دينى في سبيل الغزو (انظر حاجى بكيج: جزيه إيلى خراج في Prilozi، جـ 5، سنة 1954 - 1955، وثيقة 19، 78 - 79). وقد جرت الحال بأن يكون الإعفاء من الجزية نظير خدمات حربية تؤدى، كما حدث في حالة الوينوق، والمرطولو، والأفلاق.
وإذا قدر لأرض مفتوحة أن تنتظم في عداد الولايات العثمانية أجرى إحصاء لأهلها الذين يخضعون للجزية بمعرفة القاضي المقام فيها، ويمسك سجل يعرف باسم "دفتر جزيه كبران" (وانظر شاهدا على ذلك عمل بعد الفتح "دفتر بودا، وبست" في Fekete .L: Die Siyagatschrifl in der luerkischen Finazver wallung، بودابست سنة 1955، جـ 1 وثيقة 8، 20، ص 176 - 198، 350 - 355، جـ 2، صور طبق الأصل، اللوحتين 11، 26. ويشار إلى هذا السجل أيضًا فيقال "أصل دفتر" أي
الدفتر الأصلي، ويعمل من نسختين، نسخة للخزانة الرئيسية ونسخة للإدارة الإقليمية، ويجدد الإحصاء. ولكننا نستبين من قراءة "نشان" جمادى الآخرة سنة 1102 (23 مارس سنة 1691) أن مثل هذه الإحصاءأت ظلت بلا تجديد مدد، طويلة، ولم تكن هذه السجلات تعكس الموقف الحقيقي نتيجة للوفيات والمواليد وهروب الأشخاص والدخول في الدين. وفي عهد محمد الثاني كان نصف الجزية المطلوبة من المهاجرين من قرية من القرى يسوى بمعرفة أصحاب التيمار، والنصف الآخر بمعرفة مؤدى الجزية (آنهكر وإينالجق، ص 76). فلما انهار نظام التيمار في أوأخر القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادي) وقع العبء كله على كاهل مؤدى الجزية. ثم حدث آخر الأمر أنه ما إن حل إصلاح سنة 1102 هـ (1691 م) حتى أصبح كل مؤد للجزية مسئولا بشخصه عن الجزية الخاصة به، ويعطى نظير أدائه لها شهادة تسمى "كاغد" أو "ورق". على أن المهاجرين كانوا يطاردون، كما كان يحدث أحيانا أن تحاول السلطات إعادتهم إلى موطنهم واعدة إياهم بإنقاص قيمة الجزية، وهذا حدث على سبيل المثال لإعادة تعمير القرى المهجورة في ولاية مناستير سنة 1117 هـ (1705) وكانت القاعدة تقتضي كل ثلاث سنوات (تعرف بـ "نويافته ييلى") بأن يجرى تفتيش عام تشطب به أسماء المتوفين (مرده) وإضافة يافته جديدة (نويافته) أي زيادة أولئك الذين حذفت أسماؤهم من السجل لسبب أو لآخر، ومن بينهم البالغون الذين أصبحوا قبيل التفتيش صالحين لأداء الجزية شرعًا. ولكن المفتشين نبهوا بأن يقوموا بهذه المهمة بشرط ألا يقل عدد مؤدى الجزية. وكان الأجانب والعابرون الذين يوجدون في ناحية خاضعين لأداء الجزية في الحال، كما تنص الفرمانات التي صدرت بعد إصلاح عام 1102 هـ (1691 م انظر حاجى بكيج، الوثيقة 5، في مجلد 3 - 4، ص 111).
والظاهر أن الرهبان (كشيش) كانوا معفين من الجزية في العصر الأول (انظر عن إعفاء مطران في عهد محمد
الثاني: آنهكر وإينالجق، ص 66). على أن نشان الإصلاح الذي صدر في سنة 1102 هـ (1691 م) أخضع جميع رجال الكنيسة للجزية ما عدا أولئك الذين يعانون فعلا من عجز. وفي سنة 1103 هـ (1692 م) رفع الرهبان ملتمسًا للسلطان ذكروا فيه رأيًا شرعيًا عن إعفاء الرهبان الذين اعتزلوا ولم يستطيعوا كسب معاشهم (انظر الدرر، ص 213، موقوفاتى، جـ 1، ص 351)، على أن هذا الملتمس رفض على أساس رأى معارض للإمام يوسف. وما وافى عام 1255 هـ (1839 م) حتى أعفى رهبان جبل أتوس من جميع الضرائب إلا الجزية.
على أن الحكومة العثمانية عملت بنص حكم الشريعة فأعفت من الجزية في جميع الأحوال الأطفال، والنساء والعاجزين والعميان والفقراء الذين لا عمل لهم. وإنما الأرامل (بيوه) اللائى ورثن أرض أزواجهن المتوفين هن اللائى يخضعن للجزية.
وتفرق رسائل الفقه (الدرر، ص 212، موقوفاتى، جـ 1، ص 350) بين نوعين من الجزية: النوع الأول هو الذي يحدده الصلح أو التعاهد ولا يمكن تغيير مقداره، والنوع الثاني هو الذي يجبى من الأشخاص وهو "الجزية على الرؤوس". وتسمى الجزية الأولى في المصطلح الرسص العثمانى "جزيه بروجه مقطوع، أو "مقطوع" فحسب، وهي تطبق على نطاق واسع جدًّا في ميدانين مختلفين بالإمبراطورية العثمانية: (أ) خضوع تابع لأمير نصرانى يقتضي دائمًا أداء جزية سنوية متفق عليها مهما صغر مقدارها. وهنالك يعامل السلطان غير المسلمين التابعين للأمير معاملته لرعاياه هو من حيث أداء الخراج (انظر مادة "بغدان" و"راغوسه") ويعد الجزية السنوية التي تؤدى عادة سنويا بالقطع الذهبية "خراج مقطوع" "دار العهد": (ب) وفي بعض الأحوال كان يسمح للذميين الخاضعين لحكم السلطان المباشر، بأداء جزيتهم مبلغًا محددًا "بروجه مقطوع" بوصفهم جماعة: وكان الرعايا الذميون (ذمى رعايا) يطلبون تطبيق ذلك عليهم، وكان معظم السبب الذي حملهم على ذلك هو الخلاص من
مساوئ جباة الجزية وكان طلبهم تجيبه الحكومة ضمانًا لأدائهم ما عليهم، وإلا فهم في كثير من الأحيان يهددون بهجر قراهم والفرار: على أن قبائل كليمنتى الجبلية الألبانية التي كانت تعيش في خمس قرى قد سمح لها أن تؤدى مبلغًا اسميًا محددًا قدره ألف آقجه أداء للجزية التي عليهم سنة 902 هـ (1497 م) ووعدوا لقاء ذلك أن يحرسوا الطريق العام المار بمنطقتهم. وقد حدث أيضًا في قورولش من أعمال ألبانيًا أن اتفقت سبع عشرة قرية متمردة على الخضوع بشرط أن تؤدي جزيها بطريقة "جزيه بر مقطوع" مبلغا محددًا قدره 3301 غرشًا أسديًا سنة 1106 هـ (1695 م). ونحن نستبين في هذه الشواهد أن الحكومة قد اضطرت بعض الاضطرار إلى الاتفاق مع الرعايا الذميين. وكانت الجزية المقطوعة يتفق عليها في بعض الأحيان بين جباة الجزية والقوجه باشية، أي أعيان النصارى الذين استطاعوا بذلك أن يوزعوا الجزية في جماعاتهم أنفسهم ومن ثم انتظروا أن تعطى لهم بعض الامتيازات مثل التخفيف من نصيبهم هم كما ذكر فعلًا في وثيقة من الوثائق. ولكن هذه العادة أنكرتها الحكومة.
وقد أتاح نظام "المقطوع" للجماعة اليهودية في صفد الفرصة لإعفاء أحبارهم من أداء الجزية (B. Lewis: Notes and documents / 3 from the Turkish Archives ، بيت المقدس سنة 1952، ص 11؛ Ouoman documents on: U. Heyd Palesline، أوكسفورد سنة 1960، ص 121، انظر المصدر نفسه عن سجلات الجزية في فلسطين في lerucnlem جـ 4، سنة 1952، ص 173 - 184 [بالعبرية مع وثائق تركية]).
على أن الحكومة أدخلت في اعتبارها أنها في صفتها الأساسية ضريبة على الرؤوس، فأصرت في كثير من الأحيان على أدائها شخصيًا. على أن الجزية المقطوعة، أي أداء مبلغ محدد جزية على جماعة، ربما أصبحت شاقة كل المشقة، حين ينقص العدد لسبب أو لآخر في مثل هذه الجماعة. وفي هذه الأحوال كان ينادى في كثير من الأحوال بإجراء إحصاء جديد، لإنقاص
مقدار الجزية أو العودة إلى أدائها بمعرفة الأفراد.
على أن نظام "المقطوع" في الجزية أصبحت رقعة تطبيقه تزداد اتساعًا في عصر الاضمحلال الذي فقدت فيه الحكومة المركزية شيئًا فشيئًا الهيمنة على جباية الضرائب في الولايات. وهنالك أخذ القوجة باشية، والجورباجية والـ "كنز" على عاتقهم تحصيل الضرائب في جماعاتهم، كما فعل الأعيان بين السكان المسلمين، ومهد هذا الطريق لارتفاعهم إلى طبقة أرستقراطية محلية في البلقان في القرن الثاني عشر الهجرى (الثامن عشر الميلادي) ورأى مبدعو "التنظيمات" أن نظام المقطوع مناسب للرعايا"، فعمموا هذا النظام (منشور 25 محرم سنة 1257 هـ = 17 مارس سنة 1841، في مهمّه رقم 13663 مالية "يكى سلسلة" باشوكالت أرشيوى) بل أيدوه بفتوى.
وكانت مسؤولية السلطان أن يعلن كل عام جديد عن فئات الجزية التي تحصل بناء على فتوى يصدرها شيخ الإسلام الذي يحددها وفقا للمعيار الشرعي. وكانت الجزية ترتب في مصطلح العثمانيين كما يلي: أعلى وأوسط وأدنى، وهي تقابل "ظاهر الغنى مُكْثر"، و "متوسط الحال" و "فقير مُعْتَمَل" ويؤدون بالترتيب المبالغ الآتية: 48، 24، 12 "درهم شرعي""درهم" من الفضة الخالصة، أو أربعة دنانير ودينارين ودينارًا واحدًا من القطع الذهبية على التوالى. ونحن نجد الجزية في وثيقة تاريخها 6 جمادى الآخرة سنة 896 (16 أبريل سنة 1491؛ انظر كوك بيلكين، ص 159) تطبق وفقا للمعيار الشرعي. على أننا نجد في فرمان تاريخه سنة 880 هـ (1475 م) أن الجابى قد أمر بأن يقبل الأداء بفئات ثابتة (آنهكر وإينالجق، ص 78).
ويمكن أداء الجزية بالعملة الفضية أو الذهبية المتداولة، وقلما كانت الفئات تبين أيضًا بالعملة النحاسية المتداولة. وفي رجب سنة 1101 (أبريل سنة
1690) حددت فئة الدرجة بقطعة ذهبية واحد هي "شريفى آلتون"، أو 25، 2 أسدى (بندقى) غروش أو 90 يارة أو منغير نحاسى. ولكن أداء الجزية كان في أغلبه بالآقجه الفضية حتى أواخر القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادي) ثم بالقروش أو الياره في العصور المتأخرة عن ذلك. على أن إنقاص قيمة العملة وتخفيضها المتواتر (انظ خليل إينالجق في بلتن، ص 676 - 684، حاجى بكيعج في - Pri Lozi ، جـ 5، ص 51 - 56) ألزمت الحكومة العثمانية بأن تعلن في الفرمانات بأداء الجزية كل سنة (انظر الشواهد في حاجى بكيج: الوثائق رقم 1، 2، 4، 5، 6، 10، 12، 14، 19، 22، 25) جدولا بالفئات الرسمية للعملة المتداولة: على أن الفروق بين الفئات الرسمية والفئات المتداولة أثارت في كثير من الأحيان أسباب النزاع بين مؤدى الجزية وجباتها، كما أن بيت المال كان يفضل أحيانًا قبول القطع الذهبية فحسب .. وكان الجباة يعمدون من تلقاء أنفسهم في أحيان أخرى إلى إجبار على آداء الجزية بالقطع الذهبية دون سواها بقصد إبدالها بعد ذلك لنفعهم الخاص. وأراد السلطان أن يتفادى ذلك فكان يضطر في كثير من الأحيان إلى أن يبعث للجباة أوامر خاصة بأن يقبلوا العملات الفضية أيضًا (ولا شك أن "أحكام دفتر لرى" في باشوكالت أرشيوى، إستانبول، حافل بمثل هذه الأوامر). وقد جرت فئات الجزية بالعملة الفضية العثمانية منذ سنة 1102 هـ (1691 م) حتى سنة 1249 هـ (1834 م) على النحو المبين في الجدول الآتي (حاجى بكيج في Pri lozi، جـ 5، ص 102).
(بغروش أسدية)
السنة
…
أعلى
…
أوسط
…
أدنى
1102 هـ / 1691 م
…
9
…
4.50
…
2.25
1108 هـ / 1696 م
…
10
…
5
…
2.25
1156 هـ / 1744 م
…
11
…
5.50
…
2.75
1218 هـ / 1804 م
…
12
…
6
…
3
1231 هـ / 1816 م
…
16
…
8
…
4
1239 هـ / 1824 م
…
24
…
12
…
6
1242 هـ / 1827 م
…
36
…
18
…
9
1244 هـ / 1829 م
…
48
…
24
…
12
1249 هـ / 1834 م
…
60
…
30
…
15
وقد أكد محمود الثاني في فرماناته أن الزيادات (ضمائم) لم تكن ضرائب قدرت من جديد (محدثات). وإنما كانت ببساطة نتيجة للتسوية اللازمة لمقادير الفضة الشرعية المحددة التي يجب أداؤها جزية بعمله اليوم الحاضر (انظر حاجى بكيج، جـ 5، ص 69، 79). ولكن هذه الزيادات، وإن لم تكن حقيقية في قيمتها، فإنها أثارت سخطًا عامًّا بين الذميين في الإمبراطورية العثمانية.
ويجب أن نذكر أن الذي حدث حتى إدخال التغييرات الجذرية في المالية العثمانية في القرن الحادي عشر الهجرى (السابع عشر الميلادي)، هو أن الجزية كانت تجبى في بعض المناطق الكبيرة للإمبراطورية بفئة واحدة فحسب (انظر لوائح السناجق في برقان، ص 83، 201، 226، 316) بالنسبة للذميين الخاضعين للجزية بجميع طبقاتهم، وقدر هذه الفئة 25 آقجه في ولاية يكى إيلى في عهد سليمان، و 40 آقجه سنة 991 هـ (1583 م) و 35 آقجه في بعض المناطق، و 55 في غيرها من ولاية بدليس، 30 في جزيرة طاشوز، و 46 في ولاية الموصل في القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادي). وكانت الجزية 80 آقجة في البلاد التي أخذت من المماليك ونعنى بها ولايات آطنه، ودمشق، وصفد، وكانت فئات الجزية هناك، إلا في صفد، أقل من أدنى معدل مألوف (كانت القطعة الذهبية الواحدة ما بين 60 و 70 آقجه في تلك الأيام). وكان السبب الذي بررت به هذه المعاملة الخاصة في ولايات شرقي الأناضول هو الفقر الذي عزى إلى الظروف الطبيعية لهذه المنطقة. أما بخصوص الجزر فإن ظروفًا من هذا القبيل مضافًا إليها المسئوليات الخاصة بالدفاع التي فرضت على سكان المنطقة كانت هي السبب في ذلك، بل إن الذميين قى جزيرة إيمبروس قد أعفوا إعفاءً تامًّا من الجزية (برقان، ص 237). ويظهر أن الفئة الوأحدة التي مقدارها 80 آقجة في الشام وفلسطين كانت أثرًا من آثار المرحلة الأخيرة لعصر المماليك الذي كانت فيه الجزية بالنسبة لجميع الطبقات قطعة من الذهب مضافًا
إليها كسرًا لتغطية مصاريف جبايتها (Notes: B. Lewis، ص 11). وقد اعتبرت هذه الفئات أدنى بكثير من الفئات الشرعية، ومن ثم فقد زيدت هذه الفئات المحددة في تقويم الجزية عند ارتقاء سلطان للعرش (عند ارتقاء السلطان سليم الثاني العرش زيدت على الجزية زيادة قدرها عشرة آقجات؛ (انظر برقان، ص 318).
وقد قدرت الجزية على أساس الأسرة في المجر وفلسطين في القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادي، انظر Notes: B. Lewis، ص 10، الكاتب نفسه: Studies in the Ottoman Archives في Bulletin of the School of Oriental and African Studies، جـ 16/ 3، سنة 1954، ص 484 - 485) في ولاية سلانيك وفي كثير غيرها من أماكن البلقان (انظر كوك بيلكين، ص 155 - 175) قبل النشان الإصلاحى المؤرخ في سنة 1102 هـ- (1691 م).
وقد حدث كذلك في العصر الأول أن كانت هناك طوائف بعينها أعفيت من الجزية. والحق، من حيث النظر، أن الإعفاء من الجزية كان يعد فقدا المورد خاص بـ "بيت مال المسلمين" ومن ثم فإنه كان يعمل في ظروف استثنائية فحسب، وإذا حدث فإنه كان نظير خدمات عسكرية. ومن ثم فإن السكان الذميين لقلعة مهددة (انظر برقان، ص 204، ولكن سكان آقجه حصار من أعمال) ألبانيا قد أعفوا سنة 835 هـ = 1431 م من جميع الضرائب إلا الجزية. انظر: صورت دفتر سنجق أروانيد، ص 104)، والذميين المسئولين عن حراسة ممر جبلى (انظر خليل إينالجق: فاتح دورى، جـ 1، أنقرة سنة 1954، وثيقة 1) وأقارب الأطفال الذين يجندون للانخراط في صفوف الإنكشارية، والذميين الذين كانوا يزودون بالكبريت مصانع البارود في سلانيك (دفتر، ك قبه جى تصنينى رقم 3510، باشوكالت، أرشيوى) كانوا معفين من الجزية وكان الجنود النصارى الذين كانوا في عداد الجيش المقاتل العثمانى في القرن التاسع الهجرى (الخامس عشر الميلادي) ونعنى بهم أصحاب التيمارات والوينوق والمارطولو
والأفلاق، كانوا يتمتعون بالإعفاء الكامل من الجزية (انظر خليل إينالجق: فاتح دورى، جـ 1، ص 176 - 179). وكان أبناء الوينوق وإخوتهم يخضعون فحسب لـ "بدل جزية" بفئة محددة قدرها 30 آقجه، وكانت تساوى نصف أدنى فئة من الجزية قبيل سنة 922 هـ (1516 م، انظر برقان، ص 396، 398) ولما فقدت هذه الطوائف أهميتها العسكرية في القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادي) أدخل أغلبهم في عداد الرعايا الذميين وأخضعوا للجزية. وهؤلاء الذين أخضعوا قدرت عليهم فئة محددة مخفضة.
وكانت الحكومة العثمانية في جميع الأوقات تمنح إعفاء جزئيًا من الجزية للذميين الذين لهم حالة خاصة، ذلك أن الذميين الذين كانوا يعيشون في ولايات الثغور (الحدود) مثل صربيا والبوسنة والهرسك والجبل الأسود، كانوا إنما يؤدون الجزية بأدنى الفئات، وكان الذميون الذين يعيشون أيام الحرب أقرب ما يكون لميادين القتال وعلى الطرق الحربية يؤدون نصف الجزية (حاجى بكيج في Prilozi جـ 3، وثيقة 2، 102، جـ 5، 5، ص 102). وكان الذميون الذين يضطرون إلى هجر أوطانهم بسبب غزو العدو يعفون من الجزية أجلا محدودًا.
وكان الذميون العاملون في بعض الأقاليم يؤدون الجزية بفئة مخفضة جدًّا (6 آقجه فحسب في سلستره في منتصف القرن السادس عشر، انظر خليل إينالجق: عثمانلى لرده رعيت رسوم، في بلّتن، جـ 92، ص 608، تعليق 173). وفي تاريخ متأخر يرجع إلى سنة 1170 هـ (1757 م) كان ذميو 21 قرية بخيوس من المشتغلين بإنتاج المصطكى يؤدون الجزية جميعًا على قدم المساواة بأدنى الفئات.
وكان التراجمة الذميون الملحقون بالسفارات الأجنبية يتمتعون بالإعفاء من الجزية في ظل الامتيازات. على أن كثيرًا من الذميين سعوا إلى الحصول على "براءات التراجمة" بأساليب ملتوية تهربًا من أداء الجزية. وإذا مدّ "مستأمن" إقامته في الأملاك العثمانية أكثر من عام واحد عومل معاملة
الذميين وأخضع للجزية ولا يمكنه أن يغادر البلاد إلى "دار الحرب"(انظر الدرر، ص 207). ونحن نجد في سجلات قاضى بروسة قضايا تشهد بتطبيق هذه القاعدة، فلا شك أن ثمة سبلأ كانت تلتمس للسماح للتجار الأجانب بالإقامة على اعتبار أنهم "مستأمنون" أطول في المراكز التجارية الكبرى في عهد متقدم يرجع إلى القرن التاسع الهجرى (الخامس عشر الميلادي، انظر الوثائق الواردة في بلّتن، جـ 93، ص 67 - 96). وحدث من بعد، في ظل الامتيازات، أن ازدادت الحكومة العثمانية سماحة رويدًا رويدًا في هذه المسألة (انظر امتياز سنة 1153 هـ = 1740 م الممنوح لفرنسا، مادة 63). وكان أرمن بلاد فارس "أرامين عجم" الذين يزورون الأراضي العثمانية تجارًا في العادة، خاضعين أيضًا للجزية (انظر نشان سنة 1102 هـ = 1691 م، حاجى بكيج، وثيقة: 4، 10، ص 107، 125).
وقد نص نشان سنة 1102 هـ (1691 م) على أن الجزية تجبى بالرأس على جميع الذميين الخاضعين للجزية على أساس المعيار الشرعي، ومن ثم ألغى نظام "المقطوع" والإعفاءات (انظر فندقللى محمد أغا: سلاحدار تاريخي، جـ، طبعة أ. رفيق، إستانبول سنة 1928، ص 559). على أن كثيرًا من السنن القديمة والإعفاءات بقيت، ولم تلغ مثل هذه الإعفاءات والامتيازات إلا سنة 1255 هـ (1839 م) مع إعلان المساواة في أداء الضرائب.
وكان على مؤدى الجزية في جميع الأحوال أن يؤدوا الرسوم الإضافية، وهي ال "معيشت" أو ال "معاش" نظير نفقات المعاش لجابى الجزية وكذلك "رسم كتابت" (ويسمى أيضًا:"رسم حساب" و "أجرت كتابت" و "خرج محاسبة" أو "قَلَميَّه") لقاء الخدمات التي تؤديها مصلحة الجزية الرئيسية. (انظر حاجى بكيج، جـ 3، ص 112). والواقع أن هذه كانت رسومًا متبعة قائمة في جميع المصالح المالية العثمانية. ونجد في الفرمان المؤرخ سنة 880 هـ (1475 م) والخاص بجمع
الجزية (آنهكر وإينالجق، ص 77 - 78) رسما قدره 2 آقجه على كل أسرة يسمى "رسم كتابت"، ورسما قدره آقجه واحدة كان يحصل من قبل بمعرفة الإيل كتخداوات. وكان الجابى والكاتب الذي يصحبه يتقاضى كل منهما لنفسه آقجه واحدة في القرن العاشر الهجرى، السادس عشر الميلاد انظر برقان، ص 180، وكانت تحصل في المجر علاوة على ذلك آقجه واحدة "رسم خانه"، انظر برقان، ص 316). وفي سنة 1102 هـ (1691 هـ) كان رسم المعيشة (معيشت) 12 باره للفئة الأعلى، و 6 بارات للفئة الوسطى، و 3 بارات للفئة الدنيا، ورسم قدره باره واحد يؤد جرت كتابت" بالنسبة للفئات الثلاث على قدم المساواة. وبعد أربع سنوات أضيف رسم جديد لمعيشة القاضي قدره 9 بارات للفئة الأعلى و 4 بارات للفئة الوسطى، و 5، 0 باره للفئة الأدنى. وأرادت الدولة أن تتحاشى المساوئ التي تقترن بتحصيل هذه الرسوم فبينت أن الجباة يجب أن يحصلوها لحساب بيت المال لا لحسابهم، وأن المكافآت ستؤدى لهم بمعرفة بيت المال من موارد الجزية التي تحصلها مصلحة الجزية المركزية (حاجى بكيج، جـ 3 - 4، وثيقة 4، 5، 10، 11، ص 107، 112، 125، 131). وقد بلغ المبلغ الإجمالى لهذه الرسوم القانونية 1/ 25 من الجزية نفسها، وقد ارتفعت فئاتها بالزيادات في الجزية. ونحن نتبين من هذه الفرمانات نفسها أن الجباة كانوا يخالفون القانون فيخضعون مؤدى الجزية إلى بعض ابتزازات وسميت بأسماء: ذخيره، وكاتبيه، وصرافيه، وقولجى آقجه سى، وخرج محكمه (حاجى بكيح، جـ 3 - 4، ص 113، 127) وموم آقجه سى بويرويلدى عوائدى وغير ذلك من الأسماء.
فلما أعلنت "التنظيمات" عام 1255 هـ (1839 م) عينت الدولة محصلين يتقاضون مرتباتهم من الخزانة، ولم يسمح لهم بأن يتقاضوا من الممولين إلا أقل قدر من الإعاشة لأنفسهم ولدوابهم (حاجى بكيج: - Pri Iozi جـ 5، وثيقة 25، 93). ولكن أفدح عبء ألقى على كاهل مؤدى
الجزية هو التكفل بتعويض جزية الذميين المهاجرين "كوريختا"(بالتركية: كوريخته)، والأموات "مردا"(بالتركية مرده) الذين كانوا في بعض الأحيان يتسببون في إقفار قرية بأسرها وخرابها، وشاهد ذلك ما يتبين من نشان سنة 1102 هـ (1691 م) من أن الحى الباقي من السكان في بعض القرى قد أجبر على أداء الجزية عن الثلاثة الأحياء الأخرى التي خلت من سكانها. على أن الجباة كانوا يتعاونون أحيانًا مع القضاة المحليين فيحاولون، دون إذن رسمى، أن يجبوا الجزية من "اليافته" الجديدة (نويافته) وهم أولئك الذين لم تسجل أسماؤهم ضمن مؤدى الجزية في الدفاتر الرسمية. وكانوا كذلك يحصلون "بدل آقجه سى" مبلغًا إجماليًا عن تلك الأسماء الواردة في الدفتر التي لا يمكن التحقق من أشخاصها. وكانت الحكومة تناضل دائما في سبيل منع مثل هذه المساوئ، وانتهى بها الأمر إلى فرض ضريبة جديدة محددة تعرف باسم "كوريخته" تجبى بالتساوى من كل مؤد للجزية. ويتبين هذا في حسابات الجزية عن سنة 1102 هـ (1691 م) وكانت الفئة في ذلك الوقت 40 آقجه عن كل رأس، وهو مبلغ يساوى 1/ 8 الجزية نفسها تقريبًا. نحن نجد أيضًا ضريبة من هذا القبيل تسمى "نويافته آقجه سى" حتى في عهد سابق لذلك. وقد ثبت أن هاتين الضريبتين ما هما إلا عبء جديد ألقى على كاهل "الرعايا" ما دام الجباة قد دأبوا على أعمال الابتزاز التي كانوا يمارسونها وفقًا للعادة المألوفة. وفي سنة 1102 هـ (1691 م) سنت طريقة جمع الجزية بتوزيع شهادات دفع شخصية، فبذل جباة الجزية محاولة لاستخدام جميع الشهادات التي سلمت إليهم من الخزانة، وفرضوا على الناس غير الخاضعين للجزية أن يقبلوا هذه الشهادات أو فرضوا شهادات ذات فئات أعلى على أولئك الخاضعين لفئات دنيا. وقد رمى بعض الجباة بشبهة أنهم قبلوا الرشوة من الأغنياء نظير إعفائهم من الشهادات ذات الفئات العالية ومن ثم فرضوا على الفقراء قبولها. ويجب أن نضيف إلى ذلك كله
الشكوى العامة من أن الرعايا كان عليهم أن يسدوا حاجة حاشية الجباة من القولجوات والأوصياء وغير ذلك من الابتزازات الكثيرة التي كانت شائعة في جباية الضرائب في عصر الانحلال ومن الواضح أن الجباة أنفسهم قد تصرفوا حيال مؤدى الجزية تصرفًا أكثر بطشًا، اعتمادا على أن الفرمانات كانت تنص بمقتضى الشريعة على أن الذميين عليهم أن يؤدوا الجزية بكل خضوع (حاجى بكيج، وثيقة 5 و 10 وص 112، 126). وكل هذا باو شك كان في معظمه السبب في سخط الرعايا الذين كانوا يتعاملون مع الغزاة الأجانب منذ أواخر القرن الحادي عشر الهجرى (السابع عشر الميلادي). ولم تتحسن الحالة نتيجة لتدابير الإصلاح التئ اتخذت سنة 1102 هـ (1691 م) وما بعد ذلك، ويمكننا أن نقول دون أن نخشى الزلل بأن إلغاء الإعفاءات، وخاصة إعفاءات الرهبان في ظل النظام الجديد، قد أدى إلى انقاوب بعض الجماعات ذات النفوذ بين غير المسلمين، على الحكم العثمانى.
المصادر:
كانت الدولة العثمانية تتبع المذهب الحنفي في تطبيق الجزية، انظر (1) ملّا خسرو: الدرر في شرح الغرر الأحكام، إستانبول سنة 1258 هـ ص 195 - 216، ثم الترجمة التي قام بها من بعد موقوفاتى لكتاب ملتقى الاخيار، إستانبول سنة 1318، ص 349 - 351، وقد أصبح هذان الكتابان عمدة المصادر التي اعتمد عليها العلماء العثمانيون ورجال الإدارة في هذه المسائل.
(2)
وانظر بيان المبادئ الشرعية في لائحة عثمانية رسمية برقان: قانونلر، ص 351.
(3)
وأقدم فرمان بلغنا عن جباية الجزية تاريخه 880 هـ = 1475 - 1476 م في آنهكر وإينالجق قانوننامه سلطانى بر موجب عرفى عثمانى، أنقره سنة 1956، ص 76 - 78؛ وثمة نسخة طبق الأصل من هذا الفرمان وردت في Sultanische Ur-: Babinger
kunden zur Geschichle der osmanischen -Wirischuft and Staatsverwaltung am Aus gang' der Herrschaft Meheineds II، des Erobrer جـ 1، ميونخ سنة 1956، ص 270 - 280، وهناك تلخيص فرنسى لهذا الفرمان في - N. Bel Sultans: diceaun premiers Les Actes des باريس- لاهاى سنة 1960 سنة 1960، ص 148، 150.
(4)
حاجى بكيج في مقاله الرئيسى عن الجزية في الإمبراطورية العثمانية بعنوان Dzliizia ili harac في prilozi- جـ 3 - 4، ص 55 - 135، جـ 5، ص 43 - 102، وقد نشر في هذا المقال سبعا وعشرين وثيقة من سجلات قضاة البوسنة ومقدونيا.
(5)
وثمة براءتان تاريخهما 5 رمضان سنة 1111 هـ = 24 فبراير سنة 1700 وأول شعبان سنة 1121 = 6 أكتوبر سنة 1709، نشرههما. B. C Nedkov في her Sammlung orientalisc Arbeiter جـ 11، ليبسك سنة 1942، وأعيد نشرهما في بلتن، جـ 32، ص 641 - 649، وقد ورد فيهما في الحالتين بعض الأخطاء في الرسم.
(6)
أما "جزيه محاسبه دفتر لرى" و "ماليه أحكام دفتر لرى" و "مقاطعات دفتر لرى" في مجموعات "ماليه" و "كامل كبه جى" و"يكى سلسلة" وفي باشوكالت، أرشيوى فهي مورد من المصادر في الموضوع لا ينفد. وأقدم دفاتر في هذه السلاسل هي: دفتر مقاطعات عهد محمد الفاتح، يكى سلسلة، رقم 176، 6242، 7387 و "دفتر توزيع جزيه كبران ولايت روملى وأناطولى" المؤرخ سنة 958 هـ = 1551 م، مكتبة فيخ جى رقم 3523 و"دفتر أحكام مالية" المؤرخ سنة 973 هـ = 1565 م، ماليه يكى سرى، رقم 2775 ومجموعة "دفتر محاسبه جزيه"، وهو أشمل المصادر عن الجزية، يبدأ سنة 1101 هـ = 1690، مكتبة قبه جى، رقم 3508 - 3799.
خورشيد [خليل إينالجق Halil Inalcik]
(3)
الهند
أثارت مسألة جباية الجزية في الهند من الانفعال أكثر مما أثارت من الدرس العلمي، وقد زعم أن هذه المسألة في الهند كانت وثيقة الصلة من حيث العمل بمبادئ الفقه، أو مذاهب العلماء الهنود المسلمين، أو السياسات التي جرى عليها آل عثمان. والقول الذي أخذ به في هذه البلاد من أن الجزية لم تكن في العادة تجبى في ظل سلطنة دهلى على اعتبارأنها ضريبة دينية مميزة قول يمكن أن ينازع فيه والشاهد على هذا القول قد ذكر فيما يلي.
ويذكر أقدم مصدر انتهى إلينا عن الفتح العربي للسند، وهو البلاذرى (فتوح البلدان، ص 439) أن محمد بن القاسم أخذ يجبى الخراج على اعتبار أنه ضريبة على القوم الذين فتح بلادهم. ويتحدث كتاب "جج نامه" الذي يقال إنه ترجمة فارسية (حوالي سنة 613 هـ = 1216 - 1217 م) لوصف عربي أقدم لهذا الفتح، عن أهل السند (مكتبة وزارة الهند، مخطوط، 435، 268) فيقول إنهم عوملوا معاملة الذميين وأنه قد فرض على أهل براهمن آباد ضريبة رؤوس متدرجة يؤدى الطبقات الثلاث بمقتضاها فئات شرعية هي 48، 24، 12 درهما على التوالى (المخطوط ص 261 - 262). على أن هذا الوصف قد يبدو صدى لسنة متأخرة عن حوادث عام 94 هـ (712 م) تسبق التمييز بين الخراج من حيث هو ضريبة أرض. والجزية من حيث هي ضريبة رؤوس، وهو التمييز الذي حدث في عهد الأمويين المتأخرين وأصبح قاعدة في تعاليم الفقه.
وفي ظل سلطنة دهلى فإن الظروف السياسية، ونعنى بها استمرار قيام زعماء من الهنود المسلمين في المناطق الريفية وانطباع المدة من 801 إلى 932 هـ (1399/ 1398 - 1526 م) بسمات خاصة، لم تكن فيما طهر مواتية لإقامة ضريبة جديدة متميزة تفوضها أقلية على أغلبية. ولم يشر القاضي منهاج الدين السراج الجوزجانى إلى جزية كانت تجبى في المدة المنتهية بسنة 658 هـ (1260 م). ويستعمل أمير خسرو في كتابه "قران السعدين" (عليكره، طبع على الحجر
سنة 1918، ص 35) كلمة جزية للدلالة على إتاوة تحصل من الملوك الهنود. وفي العصر الخلجى وأوائل العصر التغلقى تقرن الشواهد بين الجزية والخراج بلا تمييز للدلالة على ضريبة الأرض (انظر على سبيل المثال ضياء الدين البرنى، تاريخ فيروز شاهى، المكتبة الهندية، ص 291، 574، ويذكر البرنى أيضًا [فتاواى جهانكيرى، مكتبة وزارة الهند، مخطوط رقم 1149، ورقة 119 أ] أن الرايات والرانات الهنود كانوا يجبون الخراج والجزية من رعاياهم الهنود). وتتحدث حكاية وردت في أمير حسن السجزى (فوائد الفؤاد [سنة 707 - 722 هـ = 1307 - 1322 م] طبع حجر سنة 1865، 76) عن درويش مسلم طلب منه أداء الجزية، ويدل النص الوارد فيه ذلك على أن المقصود هو الضريبة بالمعنى العام.
على أنه ورد في عهد فيروز شاه تغلق عدد من الإشارات، خاصة في كتب المناقب، تذكر أن هذا السلطان كان يجبى الجزية. ويزعم كتاب "سيرة فيروز شاهى"(سنة 722 هـ = 1370 - 1371 م) المجهول المؤلف (مكتبة وزارة الهند، وقد طبع بالروتوغرافور، رقم 34 من مخطوط بانكيبور، ورقة رقم 61 ب) أن فيروز شاه تغلق قد أمر بألا تجبى إلا الضرائب الشرعية، وقد تردد هذا الؤعم في كتاب "فتوحات فيروز شاهى"، طبعة الشيخ عبد الرشيد (عليكره سنة 1954، ص 6). ويروى شمس الدين سراج عفيف (طبعة المكتبة الهندية، ص 382 - 384) أن فيروز هذا حصل على فتوى بأن الجزية يجب أن تجبى من البراهمة، فأمر بجبايتها، ولكنه خفض بدايتها بعد احتجاج من براهمة دلهى وملتمس من غيرهم من الهنود فأنقصها من فئاتها التي كانت 40، 20، 10 تنكات إلى 10 تنكات من ذات الخمسين جيتالا. وكذلك تذكر مجموعة الرسائل المنمقة المعاصرة "إنشاى مهرو"(طبعة الشيخ عبد الرشيد، عليكره من غير تاريخ، ص 41، 53، 54) أن الجزية كانت تجبى،
ولو أن النص الأخير يوحى بأنه لم يكن ثمة تمييز بين الجزية وضريبة الأرض.
وفي العصر الساداتى واللودى لا نسمع شيئًا عن جباية الجزية. ونستبين من الأسلوب الذي يتحدث به مؤرخو عهد أكبر أنه قد ألغاها، بل إن الإشارات إلى ذلك في عهد تغلق قد تكون في معظمها مدائح، ومع ذلك فإنه ليس ثمة اتفاق بينهم على تاريخ إلغاء الجزية؛ ويجعل أبو الفضل في كتابه "أكبر نامه"(المكتبة الهندية، جـ 2، ص 203) هذا الإلغاء سنة 971 هـ (1564 م)، وبجسعله بداءونى سنة 987 هـ (1579 م)؛ انظر كتاب "منتخب التواريخ"، المكتبة الهندية، جـ 2، ص 276) والبداءونى نفسه- الذي يبادر فيما عدا ذلك إلى ذم أكبر لأى انحراف منه عن مذهب أهل السنة- يذكر حادثة الإلغاء بلا تعليق. ولا يشير نظام الدين أحمد إلى الجزية، ولكنه يذكر إلغاء "زكاة" سنة 989 هـ (1581 م).
وقد اتخذ أورنكزيب عدة إجراءات حيال غير المسلمين تقوم على التفرقة، ثم فرض جزية سنة 1090 هـ (1679 م) يذكر كتاب "مرآت أحمدى"(جـ 1، ص 269 - 298) أن هذا الفرض جاء بعد ملتمس رفعه إليه العلماء والفقهاء. وقد عجل بهذا الحكم بلأ شك الضائقة المالية ورغبة أورنكزيب الشخصية، ولو أن ذلك لا يفسر، بطبيعة الحال، ما كانت عليه هذه الضريبة من تفرقة. ويذكر إيسرَداس في كتابه "فتوحات عالمكيرى"(المتحف البريطانى، الإضافات رقم 23884، ورقة 74 أ - 74 ب) أن موظفى الحكومة قد أعفوا منها وأن هذه الضريبة كانت ثلاث فئات: أصحاب الأملاك التي تقدر ب 2.500 روبية عليهم 16 روبية، وأصحاب الأملاك التي تقدر ب 250 روبية، عليهم 6 روبيات و 8 أنّات، وأصحاب الأملاك التي تقدر بـ 52 روبية عليهم 3 روبيات و 4 أنّات؛ أما العميان، والمشلولون، والمعدمون فقد أعفوا منها. وقد أدى استحداث هذه الضريبة إلى مقاومة من الناس
ومعارضه من دوائر بلاط دلهى، ولكن هذه المقاومة أخمدت. ويذكر كتاب "مرآت أحمدي" أن الجزية أتت بموارد قدرها 500.000 روبية من ولاية كجرات.
ولم تبق الجزية طويلا بعد وفاة أوركزيب سنة 1118 هـ (1707 م): إذا يقال إن بهادر شاه وجهاندار شاه، وفرخسيار، ومحمد شاه قد ألغوها جميعًا، ولو أن فرخسيار كان قد سك في وقت من الأوقات "درهمًا شرعيًا" لتيسير أداء الجزية بالفئات الشرعية (انظر "دار الضرب").
وقد حاول نظام الملك آصف جاه أن يعيد الجزية سنة 1135 هـ (1723 م) ، وأعادها محمد شاه اسميًا سنة 1137 - (1725 م) ولكن هذه الإعادة لم توضع موضع التنفيذ قط.
المصادر:
علاوة على ما ذكر في صلب المادة:
(1)
على محمد خان: مرآت أحمدى، جـ 1، برودة سنة 1928، ص 296 - 298.
(3)
محمد ساقى مستعد خان: مآثر عالمكيرى، كلكته سنة 1807 - 1873، ص 174.
(3)
خليل خان: منتخب اللُباب، كلكتة سنة 1860 - 1874، الفهرس، مادة جزية.
(4)
Scoria do Mogor: N. Manucci، طبعة وترجمة M. Irvine جـ 3، لندن سنة 1907، ص 288 - 289.
(5)
Religious policy: S. R. Sharma of the Mughal Emperors، كلكته سنة 1940 ، الفهرس مادة Jizya.
(6)
Later Mughals: W. Irvine، في مجلدين، كلكتة سنة 1921 - 1922، الفهرس مادة. Jizya
(7)
Jizyah in the post-: Satish Sandra Aurangzeb period في proc. 9 th Indian History Congress، سنة 194.
خورشيد [هاردى P.Hardy]