الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شبكة العلاقات الاجتماعية والاستعمار
بينا فيما سبق أن شبكة العلاقات الاجتماعية هي التي تؤمن بقاء المجتمع، وتحفط له شخصيته، وأنها هي التي تنظم طاقته الحيوية لتتيح له أن يؤدي نشاطه المشترك في التايخ.
وبديهي أننا لا نستطيع أن نفترض أن الاستعمار يجهل أهمية هذه العوامل في بلد مستعمَر، فهو يطبق بصددها سياسة مناسبة.
هذه السياسة تتجلى في ألف صورة، وحسبنا فيما أعتقد، أن نصرب لها مثلاً تلك القصة الصغيرة التي حكاها لي أبي الموظف بأحد المراكز جنوب شرقي الجزائر، حيث كان يعمل في إحدى الوظائف المتواضعة، فقد كان المدير الفرنسي لهذا المركز رجلاً عالماً (1)، ينظم سلوكه وفقاً لما يمليه ضميره، أكثر من أن يكون وفقاً لتقديرات الإدارة العليا.
وكانت في هذا المركز عائلتان جزائريتان كبيرتان، ظلتا في شجار دائم، على أثر خلاف نشب بينهما منذ أمد بعيد. ولكن المدير الفرنسي أفلح في إقرار المصالحة يينهما. ولما كان سعيداً بمأثرته في إقرار السلام بين الأسرتين، فقد حكى قصته أمام جمهور كبير لأحد رؤسائه الإداريين، أثناء التفتيش في المنطقة.
وانحدرت القصة إلي من طريق أبي. قال:
لقد استشاط الرئيس الأعلى غضباً، حتى إنه لم يتمالك أن صاح بأعلى صوته قائلاً للعالم التائه بين دواليب الإدارة الاستعمارية:
(1) هو البروفسور ريجاس Reygass المعروف في الميدان العلمي للأبحاث، المتصلة بعصر ما قبل التاريخ في الشمال الأفريقي، وهو أستاذ هذا الكرسي في جامعة الجزائر.
سيدي المدير: إننا لم نرسلك هنا قاضي مصالحات، لتهدئة المعارك، التي قد تفيد أحياناً مصلحتنا العليا ..
هذه القصة الصغيرة كافية فيما أعتقد لترينا أن الاستعمار يطبق في سياسته إزاء البلد المستعمَر روح الحكمة القائلة: ((فرق تسد)). بيد أنه ينبغي أن ندرك ماذا يعني هذا في الأحداث اليومية لهذه السياسة.
ونحن نحمل في كياننا بكل أسف (النظارة) التي تحدد بصورة شاذة مدى بصرنا في هذا الميدان.
فنحن ندرك جيداً النشاط الاستعماري عندما يكون مرئياً واضحاً، كأنه لعبة أطفال. ولكنا لا ندرك مجال هذا النشاط ولا وسائله منذ اللحظة التي يصبح فيها دقيقاً
…
كلعبة الشيطان.
نحن ندرك مثلاً وسائله التي استخدمها لقتل الثورة الجزائرية، كالدبابة والطائرة، وقنابل النابالم
…
فذلك شيء مرئي واضح، وهو بهذه الوسائل قد قتل مليوناً من الجزائريين، أعني أنه قضى على جانب كبير من الطاقة الحيوية في بلادنا، وهذا أيضاً شيء مرئي واضح.
وقد ندرك أيضاً نشاط الاستعمار في هذا البلد، عندما نجح الشعب الجزائري- في إحدى المراحل الحاسمة من تاريخه- في أن يجمع طاقته الحيوية كلها لخدمة فكرة معينة، وتبلورت هذه الطاقة في شبكة علاقات اجتماعية هائلة، تجلت في أجلى صورها عام 1936، في المؤتمر الشعبي الجزائري.
إن الاستعمار هذه المرة لم يخرج فرقه العسكرية لتحطيم الطاقة الحيوية في الشعب الجزائري، وهدم شبكة علاقاته الاجتماعية. فقد كان بحسبه أن يغتال رجلاً واحداً حتى يبث الفوضى والاضطراب
…
وقد فعل!!
ثم إنه ألقى ببعض المال في ضمير أحد الزعماء السياسيين، الذين كانت تتجسد فيهم في فترة معينة طاقة البلاد الحيوية، وفكرة نضالها.
وتكفلت الأحزاب السياسية ببقية العمل، كل منها يريد أن يرث المؤتمر الشعبي الجزائري، وأن يحول لمصلحته الشخصية شبكة العلاقات الاجتماعية، التي تمثلت للمرة الأولى على مستوى قومي.
هذا عمل دقيق نوعا ما، ولكنه أيضاً مرئي واضح بقدر كاف.
إن عمل الاستعمار يتلاحق كل يوم في صورة أكثر دقة وخفاء، تلاحقاً لا يعود معه في مقدورنا أن ندرك منه شيئاً، فإن لنا أوضاعاً عقلية تحول بيننا وبين أن نتتبع اللعب حين لا يكون مرئياً أو واضحاً، وحين تكون الوسائل المستخدمة في قدر حبات الرمل. ذلك أن حبة رمل واحدة كافية أحياناً لإيقاف محرك، إذا ما تسربت إلى أحد أجهزته. وبعبارة أخرى: قد تكفي لذعة إبرة في مكان مناسب ليحل الشلل بشبكة العلاقات الاجتماعية في بلد مستعمر، كما يكفي (لا شيء) لشل الجهاز العصبي في مكان حي أحياناً.
ذلك فن دقيق شبيه بفن زرع اللآلئ الذي أتاح لليابان أن تحقق أرقى طرق الزراعة، زراعة الجواهر.
وإنا لندرك جيداً أن الاختصاصيين الذين يعملون لحساب الاستعمار أساتذة في ذلك الفن المطبق على الشبكات الاجتماعية، وعلى الطاقة الحيوية التي يملكها شعب، مستعمر فعلاً، أو مهدد بمؤامرات الاستعمار.
ولا ريب أن الأمثلة السابقة ترينا كيف يعمل هؤلاء الفنانون في بلد عربي كالجزائر، لتمزيق شبكة علاقاته السياسية في لحظة معينة، ولشتيت طاقته الحيوية المنظمة، والمتمثلة آنذاك في المؤتمر الشعبي.
ولسوف نبين في الفصل التالي أيضاً كيف يستخدم الاستعمار نوعاً من القوارض المجازة، التي ربيت بعناية في بؤره الثقافية لمهاجمة شبكة العلاقات الثقافية والأخلاقية في بلد معين، وهم أنفسهم الذين يدعون أنهم يمثلون ثقافته.
وحسبنا أن ننظر حوالينا لنرى هؤلاء القوارض يعملون في بلادنا، وكيف أنهم مدفوعون دائماً إلى المسرح بيد خفية، ولقد يكون صرحاً دولياً، أعني حيثما وجدت قيم صالحة للقرض يمكن أن تتحول إلى لاقيم.
ولا جدوى من القول في كيفية توصل الاستعمار إلى هذا الضرب من المخاتلة: فربما احتجنا أن نقول أشياء تبدو لنا غير محتملة، فإننا بعيدون عن الواقع
…
عن واقعنا.
ولكن لنذكر بعض الأمثلة في تحفظ:
لنفترض أن رجلاً مشهوراً- له مواقف واضحة في توجيه الصراع الفكري، في البلاد العربية هذة الأيام- يريد أن يبرهن على عطفه تجاه مثقف يشترك في هذا الصراع، وهذا المثقف يضطر في بعض الظروف الخاصة أن يستريح بعيداً، في عزلة ضرورية تمليها تلك الظروف.
ولنفترض أن هذا الرجل المشهور منحه إقامة شهر في أي مكان على نفقته الخاصة، وأنه أعطاه من أجل ذلك إذناً مطلقاً فيما يتعلق بالنفقات.
هذه حالة تعبر طبعاً عن علاقة اجتماعية معينة من الجانبين الأخلاقي والثقافي معاً. وهي تهم أيضاً من هذين الجانبين مجموعة الفنانين الذين نتحدث عنهم.
ولا حاجة بنا إلى القول إنهم سوف يحاولون جهدهم أولاً أن يجعلوا الإقامة كريهة ما أمكنهم، فتفقد جدواها من الناحية النفسية والطبية معاً. فنحن هنا نريد أن نظهر الأشياء من زاوية الفاعلية المتوافرة لحبة الرمل فحسب.
كيف سيمضي هؤلاء الفنانون في عملهم .. ؟
…
إن لهم ولا ريب ألف طريقة، ولكن ها هي ذي واحدة من بينها:
ففي نهاية الإقامة يطلب الرجل أن يرى قائمة حسابه قبل مغادرة الفندق.
وهنا يلاحظ أن جانباً من النفقات قد حمل على بند (بار) .. بينما هو لم يضع رجله في بار الفندق مرة واحدة.
وربما كان لدينا من الأسباب ما يدعو إلى الاعتقاد بأن كلمة (بار) هي حبة الرمل الصغيرة المخصصة لتحطيم علاقة ما، في شبكة الصراع الفكري.
ولا شك أن الموظف المختص قد وضع كلمة (بار)، حين لم يستطع أن يضع مباشرة كلمة (ويسكي) أو (كونياك)، لأن الكلمتين كلتيهما تلفتا النظر أكثر من كلمة (بار)، وهو يعلم مقدماً أن النزيل سيوقع على القائمة قبل الرحيل.
وطبيعي أن يعتذر الموظف وأن يصحح الخطأ، واضعاً مثلاً كلمة (كوكا كولا) مكان كلمة (بار) لو أن النزيل اكتشف الأمر كما حدث فعلاً.
ولكن لنفترض أن هذه الكلمة بقيت في القائمة .. فكيف يمكنه استخدامها كحبة الرمل .. ؟
الأمر بكل بساطة هو أن تمضي القائمة إلى هدفها، بطريقة أو بأخرى، حيث يلفت اهتمام رجل الخير إلى كلمة (بار) مع ما تيسر من تعليق موجز.
ومن الممكن أن نتخيل حينئذ تأثير هذه الكلمة على مشاعر الرجل الطيب، لا سيما إذا كان التعليق عليها لبقاً.
ولقد يتخذ هؤلاء الفنانون في حالة أخرى، الموقف نفسه بطريقة مختلفة. إذ ينفخون في ميزانية الإقامة حتى تتورم بمصروفات عديمة الجدوى، تورّماً تضر معه الضيافة بمن أفاد منها، وبمن أذن بها.
بيد أن المشكلة التي نواجهها في هاتين الحالتين تكمن في أننا لا نكترث بهذه الألاعيب، لدرجة أنها لا تثير اهتمامنا، على حين تشغل آثارها في خسائرنا الاجتماعية اليومية جانباً كبيراً.
ولسنا نستطيع، بكل أسف، وبتأثير أوضاعنا العقلية، أن نفهم عمل الاستعمار إلا ريثما يثير ضجيجاً، كضجيج الدبابة والمدفع والطائرة.
أما حين يكون من تدبير فنان، أو من عمل قارض فإنه يغيب عن وعينا، لسبب واحد، هو أنه لا يثير ضجيجاً.
ولعل أشق الأمور على النفس أن خيرة مثقفينا أنفسهم ليسوا بكل أسى، بريئين من هذا النقص، الذي يعزى- فيما أعتقد- إلى تطور مجتمعنا العام، مجتمعنا الذي لم يكوّن بعد مقاييسه في هذا المجال، أو هو يصوغها على الأقل طبقاً لأصول الأشياء، لا طبقاً لأصول الأفكار.
وأوضاعنا العقلية التي نلتزمها لا تقعد بنا عن متابعة عمل الاستعمار فحسب، عمله الذي يمزق به شبكة مجتمنا، بل إنها تستخدم أحياناً معطفاً يختفي تحته استهتارنا وعدم اكتراثنا.
لي صديق أعده أكثر من أخ، وهو طيب كبير، ويعد واحداً من خيرة مثقفينا الذين أعرفهم بالجزائر.
كنت أتفق معه حين كنا نفكر سوياً، لأن أفكارنا كانت دائماً متماثلة، ولكني كنت أختلف معه وأفترق عنه كلما حتمت الظروف أن نعمل معاً.
فتجاربنا تختلف اختلافاً كلياً، فحيثما أريد أن أتخذ بعض الاحتياطات في كفاحنا ضد الاستعمار- وهي احتياطات تعد من وجهة نظر أحد المثقفين الأوربيين مثلاً غير كافية- إذا بصديقي يراها مفرطة إلى درجة الغلو.
حتى إن الاستعمار يجد خير حليف في أوضاعنا العقلية ذاتها.
ولنفرض مثلاً أنه يريد أن يعطل بعض المشروعات في إدارة معينة، هنالك يكفيه أن يخلق في أجهزتها فراغاً مؤقتاً، أعني عورة مادية لما أطلقنا عليه من قبل (الفراغ الاجتماعي)، موظف صغير يتغيب في اليوم نفسه، وهنا يتوقف التنفيذ.
هذا منهج، ولكن ما يهمنا معرفته هو رد الفعل الصادر عنا إزاء ما يحدث.
ولكي تعرف رد الفعل .. اسأل واحداً من رؤساء هذه الإدارة: لماذا توقف التنفيذ؟ .. ولسوف يجيبك:
- لأن السيد فلاناً .. الموظف المكلف عمل كذا- غائب.
ولو أنك قلت لهم:
- السيد فلان .. ؟! ولكن الموظف بإحدى الإدارات إذا غاب أو مات فإن الوظيفة تستمر، وإلا حكمتكم تفاهة أحد الموظفين.
ولسوف ترى علائم الاستغراب ترتسم في الحال على وجه محدثك، لأنه يجهل أن هذا الموظف الصغير يمكن أن يؤدي بمهارة دور حبة الرمل التي توقف آلة بأكملها عن الدوران.
وفي حالة أخرى، تتحدث مثلاً مع رجل من الطيبين المثقفين تشرح له نقائص المجتمع الإسلامي، طبقاً لمقاييس اهتممت بتمحيصها خلال تجربة طويلة، أعني أنها مستقاة من واقع الأشياء ذاته.
لكن محدثك يقاطعك في لحظة معينة قائلاً:
- سيدي .. إن أفكارك عظيمة ولكن ينبغي أن نعود إلى الواقع.
وعندئذ اسأله:
- ما هو هذا الواقع .. أرجوك أن تذكره لي .. ؟!
ولسوف تلاحظ أن الرجل يطلق (الواقع) لا على ما يراه مثلك بعينيه، بل على ما يفكر فيه دون الرجوع لأي مقياس من التاريخ أو الاجتماع، فتكوينه العقلي يمنعه من أن يرى ما هو أمام عينيه بلحمه وعظمه، كما أن هذا التكوين هو الذي يمنع الموظف الكبير في الإدارة من أن يدرك الفرق الضروري بين تفاهة الموظف وضرورات الوظيفة.
بيد أن مشكلة الأوضاع العقلية تتصل، عامة، بأمن شبكة العلاقات الاجتماعية، في المجتمع الإسلامي، في بلد مستعمر أو مهدد بمؤامرات الاستعمار.
فهذه الشبكة معرضة لضرباته؛ لأن المسلمين لم يطبقوا نظاماً واقعياً فعالاً ضد هذه الضربات، التي تأتي خاصة من القوارض الذين يعدهم لتحقيق هدفه، كما تأتي بوجه عام من جميع أنواع القوارض، التي تُعمِل أسنانها في العلاقات الاجتماعية بالمجتمع الإسلامي.
وبعكس ذلك نرى كيف أن المجتمع السوفييتي دافع عن علاقاته ضد كل القوارض، حين اتخذ إجراءات جريئة ضد ما أطلق عليه:(المواطنة العالمية COSMOPOLISME)، كما يدافع عن وحدته الثقافية، وضد ما أطلق عليه:(الانحرافية DEVIATIONNISME) كيما يدافع عن علاقاته الفكرية (الايديولوجية)، وضد ما أطلق عليه (التروتسكية TROTSKYSME) كما يدافع عن علاقاته السياسية.
وقد رأينا أخيراً كيف أن خروشوف أنذر نوعاً من القوارض المنبثين في صفوف الشعب، واعداً إياهم بإرسالهم إلى حيث يستروحون هواء سيبيريا، حتى يحول بينهم وبين أن يلتهموا شبكة العلاقات الأخلاقية اولثقافية في المجتمع السوفييتي.
فهذا الموقف إزاء مشكلة اجتماعية معينة، لم تزل بعد وليدة، جدير أن يلفت انتباهنا من جانبين، إذ أنه يرينا، في حالة مسحة سرعة الإدراك الواعي
لدى المسؤولين السوفييت إزاء هذه المشكلة التي مازالت في مهدها، كما يرينا الإجراءات الرادعة التي أزمعوا اتخاذها منذ البداية، حتى يعطوا المشكلة حلاً فعالاً.
ومن المسلم به أن هذا الحل لم يخرج عن أن يكون مخططاً في صيغة إنذار لخروشوف، الذي يفكر دون شك تفكيراً هادئاً في وسائل أكثر فاعلية من مجرد إرسال القوارض ضد الاجتماعية إلى سيبيريا، إذ أن المشكلة قد طرحت منذئذ على بساط البحث في المجلس السوفييتي الأعلى، شأنها شأن أية مشكلة ذات أهمية بالغة الخطورة.
ولكم نتمنى أن يكون لدينا في المجتمع الإسلامي هذا الوعي لمشكلتنا، وأن يطبق عليها الإجراءات التي تناسبها.
هذا وإننا لم نفعل في هذا الفصل أكثر من رسمنا الخطوط العامة للمشكلة، كيما ندل على وجودها. وبديهي أن طرق الاستعمار شديدة التنوع في هذا المجال، حيث يقتضيه الأمر أن ينشئ في مجتمعنا أعظم قدر من الفراغ الاجتماعي، مستخدماً جميع الوسائل الاقتصادية والسياسية والثقافية والنفسية.
والاستعمار لا يطبق سياسة دون أن يقدر آثارها السلبية التي يمكن أن تنشأ عنها بالنسبة لمصلحته، وهو في هذا المجال يتخذ الاحتياطات التي يمليها الفن العسكري، أعني أنه عندما يعد خطة هجوم يجب أن يقدر مقدماً احتمال الانسحاب، وهو يقتضي دفاعاً عن خطوط الرجعة.
وربما كان إحداث تخريب في شبكة العلاقات الاجتماعية في قطاع من قطاعات الحياة في بلد ما، كفيلاً بإثارة اهتمام الدولة أو بعض الأفراد، ففي هذه الحالة يجد الاستعمار في أنفسنا ما وضعه للدفاع عن خطته، فهو يجده، في صورة مجموعة من التقاليد ضد الاجتماعية، تؤثر على ضمير الشعب الذي يواجه
الهجوم، فهذه التقاليد هي التي تقدم تفسير الهجوم، بل تمنحه صفة الشرعية، حتى كأنه أمر عادي تماماً، فتؤكد أنه لا يوجد ثمة هجوم، وإنما مجرد وهم وخيال.
وهكذا يتم تمويه الإحساس النقدي بالمعركة، وينتهي الموقف بتأثير نوع من التيه العقلي الذي يدعى أنه سعة في العقل وتسامح، ينتهي بالتغاضي عن كل شيء، وبالتفريط في كل شيء، لأن التقاليد ضد الاجتماعية تشلنا من النواحي العقلية والقانونية والإدارية.
ومن الواضح مثلاً أن أية رسائل ذات أهمية معينة سياسية أو ثقافية، هي بسبب هذا جزء لا يمكن إهماله من شبكة العلاقات الاجتماعية في بلد ما.
وينتج عن هذا أن مثل هذه الرسائل تهم الاستعمار. فلنفترض الآن أنك أبديت دهشتك ذات يوم، سواء لأن بريدك لم يصل إلى من أرسل إليهم أم لأن أي بريد لم يعد يصلك.
أتدهش من ذلك؟ .. ، هذا أمر لا يجوز .. وها هو ذا أحدهم يتطوع ليشرح لك أن الأمور تجري بصورة عادية، وأن غير العادي هو أنت!! لأنك تدهش!!
ولسوف يتخذ أحد التقاليد ضد الاجتماعية شاهداً على ما يقول، سيقول لك مثلاً: إن شخصية كبيرة معينة لم تتسلم ذات مرة برقية مرسلة إليها، فعادت إلى المرسل مع ذكر أن (العنوان مجهول).
ويقول لك إن الصحافة ذكرت هذا. ولسوف تتذكر فجأة أنك قرأته فعلاً في إحدى الصحف الكبرى، فلن تجرؤ بعد ذلك على أن تقول شيئاً. وبهذا لا يكونون قد صادروا بريدك فحسب، بل يكونون قد ألغوا في الوقت ذاته إحساسك النقدي بتفصيل من تفاصيل الحياة اليومية، وهو جدير أن يبحث في ضوء آخر، في نطاق مشروع التخريب الاستعماري.
ففي هذا الضوء الآخر، وفي هذا النطاق، يمكن أن يأخذ هذا العمل تفسيراً مختلفاً: إذ يمكن أن يحدث عمداً، بوساطة موظف ضعيف تختفي المؤامرة وراء ضعفه، أو يكون هو ذاته شريكاً فيها، وكل هذا من أجل خلق تقليد معادٍ للمجتمع، أعني أساساً لتفسير يخلع صفة الشرعية على جميع ضروب التخريب المستقبلية.
وفي هذه الحالة، يتمثل التقليد المعادي للمجتمع في سابقة، مجرد تفصيل يومي، يرتفع إلى مستوى مفتاح للتفسير، إذ هو يمثل لنا هذه الألاعيب على أنها أمور عادية كثيرة الوقوع (1).
وفي حالات أخرى تستخدم أوضاعنا العقلية مفتاحاً لهذا التفسير، فلو فرضنا مثلاً أن إجراء عاماً لحماية القطن لم ينفذ، فلسوف يفسرون ذلك بكل بساطة على أن مرده إلى (الروتين)، أعني إلى تقليد معادٍ للمجتمع، تقليد مستورد، وأسيء استيراده، إذ أن هذه الكلمة في موطنها تعني من الوجهة الاشتقاقية أن يوضع شيء في (الطريق ROUTE) ، والطريق الإداري العادي يمكن في الواقع أن يشتمل على بعض أشكال البطء، وهو مع هذا يبقى في نطاق توقيت مقدر وإن طال.
اما في بلادنا فقد تغير معنى الكلمة، فأصبح مرادفاً لعبارة (الطريق المسدود)، أي الوضع الذي تتجمد فيه الحركة الإدارية تجمداً لا تصبح معه المسألة مسألة توقيت قصير الأجل، أو طويل الأجل.
(1) واجهت أنا نفسي ذات يوم هذا الموقف، فقد وجدتني مضطراً أن أوجه بياناً إلى أربع صحف مختلفة راجياً إياها نشره، لأنه يتعلق بالدفاع عن شبكة العلاقات الثقافية ضد التخريب الاستعماري، ولكن البيان لم ينشر، ولم يكن أمامي سوى فرضين:
1 -
إذا لم يكن البيان قد وصل إلى الصحف فتلك كارثة.
2 -
إذا لم تكن الصحف قد أرادت نشره، فذلك ادهى وأمر.
هذا التقليد المعادي للمجتمع يسبب عجزاً اجتاعياً هائلاً كل عام، دون أن يحاول المسؤولون التخلص منه.
فأنت تبدي دهشتك مثلاً لأحد الرؤساء الإداريين، لأن إجراء ذا طابع ثقافي- قد يهمك شخصياً- لم ينفذ منذ خمسة أشهر، فيرفع الرجل عينيه ويديه إلى السماء ويقول لك:
- سيدي .. هذا هو الروتين.
ثم يخفض ذراعيه ليدعك مشلولاً في عملك الشخصي، مادام الأجر الذي تطلبه متصلاً بعمله، قليلاً أو كثيراً. ولكنك لا تستطيع أن تقول له وخاصة إذا كان رجلاً أميناً ذا همة:
- لا يا سيدي .. ليس السبب هو الروتين ولكنه التخزين، تخزين العلاقات الاجتماعية في حوزة موظف، سواء أكان عاجزاً وضع قصداً هناك لتجميد الحركة بضعفه وخموده، أم كان متآمراً يقوم عن عمد بدور السدادة ليوقف الحركة.
والحق أننا لا ندعي أن جميع التقاليد المعادية للمجتمع من عمل الاستعمار، على الرغم من أن أغلبها من صنعه، ولكننا نقول إن جميع التقاليد تخدم عمله الهدام، وتولد في نشاطنا عجزاً اجتماعياً سنوياً هائلاً.
ومهما يكن أمر الوسائل المستخدمة، فإن الهدف المقصود دائماً، تحطيم العلاقات الاجتماعية، ونشر العفونة في الطاقة الحيوية، بقدر ما يبلغه جهد الا ستعمار.
والاستعمار فنان في هذا الميدان، فهو يعرف كيف يطلق الغرائز غير الاجتماعية لدى القوارض من كل نوع، يستخدمها جميعاً في هدم شبكة العلاقات الاجتماعية، التي تتيح لمجتعنا أن يؤدي نشاطه المشترك في التاريخ.
***