الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
طبيعة العلاقات
لو أننا وجدنا في مكان معين وفي زمن معين، نشاطاً متآلفاً من الناس والأفكار والأشياء دلنا ذلك على أن الحضارة قد بدأت في هذا المجال، وأن تركيبها قد تم فعلاً (في عالم الأشخاص).
إن العمل الأول في طريق التغيير الاجتماعي هو العمل الذي يغير الفرد من كونه (فرداً)(( Individu)) إلى أن يصبح (شخصاً)(( Personne)) وذلك بتغيير صفاته البدائية التي تربطه بالنوع إلى نزعات اجتماعية تربطه بالمجتمع.
هذه العلاقات الخاصة بعالم (الأشخاص) هي التي تقدم الروابط الضرورية بين الأفكار والأشياء، في نطاق النشاط المشترك الذي يقوم به مجتمع ما.
واجتماع الأشخاص في أي ظرف وفي أي مكان، هو التعبير المرئي عن هذه العلاقات في مجال معين من مجالات النشاط الاجتماعي.
وجميع صور هذا الاجتماع- سواء كانت في هيئة تظاهرة أم مدرسة، أم جيش أم مصنع أم نقابة أم سينما .. هي تعبير عن شبكة هذه العلاقات في صور مختلفة.
فالاجتماع الذي يتمثل فيه أول عمل يؤديه مجتمع إبان ميلاده يترجم ترجمة صادقة وقوية عن شبكة علاقاته.
وأصدق ما يدل على ذلك في المجتمع الإسلامي اجتماع المسلمين في المسجد، في صلاة الجمعة مثلاً، فهذا الاجتماع يحمل في مضونه أكبر المعاني التي تذكره بميلاده: فهو رمزه وتذكاره.
هذه القيمة الرمزية والتذكارية لاجتماع الأشخاص موجودة في جميع المجتمعات ذات النموذج العقيدي، وهي متمثلة في المجتمع المسيحي في اجتماعات الأحد، التي تذكر بعهد المغارات الرومانية الأولى. كما أنها موجودة في المجتمع السوفييتي، حيث يتذكر الناس بمشيتهم العسكرية، وأناشيدهم الوطنية، كل عام في الميدان الأحمر، الاجتماعات العمالية الأولى، قبل السابع عشر من تشرين الأول (أكتوبر)1917.
بيد أن جميع العلاقات السائدة بين الناس تعد علاقات ثقافية، أعني أنها خاضعة لأصول ثقافة معينة، على ما ذهبنا إليه في دراسة سابقة، حيث قلنا: إن الثقافة هي المحيط الذي يصوغ كيان الفرد، كما أنها مجموع من القواعد الأخلاقية والجمالية .. إلخ.
فإذا تناولنا مثلاً لوناً من الألوان باعتباره يعطي صبغة معينة في محيط ما، فإنه يعد من هذه الناحية علاقة جمالية.
ومن الأمثلة على ذلك أننا نختار لون ملابسنا كيما ((يروق منظرنا في أعين الآخرين))، أو على الأقل، حتى لا ينفروا منا؛ وبهذا يظهر لنا أن الحديث عما يسمى (اللون المحلي) ليس عديم الجدوى: إذ هو اللون الذي يطبع (المحيط) في وسط معين.
ولو أننا التقطنا صورة جمهور من الناس تعداده مئة ألف مثلاً، فستظهر الصورة لوناً غالباً يشيع خاصة في جو المكان الذي أخذت فيه. فلو كانت الصورة لأحد الأماكن- أينما كان على طول المحور من واشنطن إلى موسكو، فتبدو لعين الناظر قاتمة، لأن السواد هو اللون الخاص بذلك المحيط الثقافي. أما إذا كانت لأحد الأماكن على طول المحور من طنجة إلى جاكرتا- فإنها ولا شك ستكون شاحبة- لأن البياض هو اللون الخاص بذلك المحيط الجديد. وكل ما فعلته الصورة في كلتا الحالين هو أنها أظهرت العلاقة الجمالية الخاصة في وسط معين.
وهناك أيضاً العلاقة الاقتصادية، وهي التي تتجلى في وسط تم فيه تقسيم العمل، نتيجة لاكتمال التركيب العضوي التاريخي لعناصر: الإنسان والتراب والوقت.
وبذلك نستطيع أن نقرر عامة أن كل ما يكون صلة من أي نوع في نطاق العوالم الثلاثة: عوالم الأشخاص والأفكار والأشياء، أو بينها، هو في الحقيقة علاقة مشروطة بوجود ثقافة، وبالتالى تكون جميع أشكال الاتصال الفكري، كالفن أو اللغة- من باب أولى- علاقة اجتماعية.
وجدير بالملاحظة أن نذكر أن المدرسة الماركسية ترجع الشبكة الاجتماعية بأكملها إلى المخطط الاقتصادي، وهي تجعل العلاقات الاقتصادية في المجتمع، أساساً يقوم عليه نشاطه المشترك.
ولا ريب أنه ينبغي أن تدور مناقشة النظرية الماركسية في هذه النقطة، في الاتجاه الذي سلكناه في كتابنا (مشكلة الثقافة)(1).
والواقع أن هناك نقطة مشتركة بيننا وبين المصطلحات الماركسية. فلقد قررنا فيما يتعلق بمفهوم كلمة (ثقافة) أن النظرية الماركسية ليست مخطئة، ولكنها ناقصة بالنسبة إلينا، لأنها بهذه الصورة لا تسمح لنا أن نحقق بناء نموذج الثقافة الخاصة بنا على هذا التعريف.
وليس لدينا- على هذا- فيما يتعلق بالتعريف الماركسي أية مقدرة على التفسير، إلا في حدود تعبير النظرية نفسه، التي تظل بالنسبة إلينا، وفي حدود هذا التعبير، غير مفهومة وغير قابلة للتطبيق، على حين أنها بعكس ذلك تماماً، فهي مفهومة وصالحة للتطبيق بالنسبة للماركسي، على ما تؤكد له تجربته اليومية ذاتها، إذ هو يجد في ذهنه العناصر التي تكمل التعريف، وتمنحه فاعليته عند التطبيق في وسطه.
(1) انظر كتابنا (مشكلة الثقافة).
وتلك مع ذلك حالة خاصة لمشكلة عامة، وهي تترجم عن الفرق بين الفكرة المعروضة، ذات الطابع الشخصي الذي ينسبها إلى واضعها، بوصفها كانت نتاج عقله، وصورة خاصة لرؤيته الأشياء، وبين الفكرة المفروضة، ذات الطابع غير الشخصي، لأنها تنبثق عن اتجاه في الفلسفة خاص بوسط اجتماعي بأكمله، انبثاقاً يمكننا معه تعريفه بأنه صورة الفكر العام في هذا الوسط، أو بحسب تعبير (والترشوبارت Walter Shubart) روحه الموهوبة التي تنتسب إلى الخلود.
هذا الروح الماركسي لا يظهر في براهين الماركسية، وإن كانت هي التي تجعلها مفهومة قابلة للتطيق في المجتمع الماركسي.
فإذا قال ماركسي: إن من الممكن تطوير مجتمع معين بالتأثير في ظروفه الاقتصادية، كانت هذه العبارة كاملة في عقله، صادقة في تجربته اليومية.
أما بالنسبة لنا فهي عبارة جوفاء، لا تثبت تجربتنا الشخصية أو الاجتماعية منها شيئاً.
وأنا أرى مثلاً تأثير عامل اقتصادي قوي كالبترول، على تطور بعض البلاد العربية، منذ ربع قرن، وأراني مضطراً في ضوء هذه التجربة وغيرها إلى رفض الفكرة الماركسية: فإن البترول لم يعجز عن رفع المستوى الاجتماعي في هذه البلاد فحسب، بل لقد هبط بهذا المستوى، بما في ذلك القيم الأخلاقية. حتى إنه في بلد يعتمد على البترول كالعربية السعودية، دوى فيه منذ حوالى ثلاثين عاماً نفير الفكرة الوهابية، وهي التي كان جيلنا ينظر إليها على أنها خميرة البعث العربي والنهضة الإسلامية، في مثل هذا البلد لم يكن للبترول- من وجهة نظر التاريخ- سوى نتيجة واحدة هي: أنه أحرق الفكرة الوهابية (1).
(1) هذه النظرة تعود إلى تاريخ وضع الكتاب عام 1962، وهي بالطبع لا تعكس أي رأي للمؤلف يتعلق بتطور العربية السعودية في السنوات العشر الأخيرة. ((الناشر)).
اللهم إلا إذا قررنا أن للحركة الرجعية والحركة التقدمية في نظرة الماركسي المعنى نفسه، فنحن مضطرون إلى القول أخيراً: إن المجتمع لا يخضع في تطوره لحكم العوامل الاقتصادية وحدها.
بيد أننا نبادر إلى القول: إن البرهان الماركسي صحيح، مؤكد لفاعليته في واقع الحياة العملية، لأنه مكمل في هذا الواقع بالروح الذي يحرك الأشخاص والأفكار والأشياء، وهي العناصر التي تؤدي (النشاط المشترك) في البلاد الشيوعية وغيرها.
ولا شك أن هذا (الروح) الماركسي هو الذي يخلق بين الأشخاص العلاقات الفردية التي تدفعهم إلى المشاركة في هذا النشاط.
فإذا حدث في لحظة معينة أن زادت فاعملية هذا النشاط المشترك- صانع التاريخ- أو نقصت فإن المؤرخ يستطيع أن يعبر بطرق كثيرة عن هذه الظاهرة الاجتماعية، فمثلاً يمكنه أن يعزوها إلى تغيير في الظروف الاقتصادية، حين ينظر إلى الأمور من وجهة النظر الماركسية.
ويمكن أيضاً أن يعزوها إلى تغيير في الظروف الثقافية عامة، حين ينظر إليها من وجهة نظر مادية دون أن يبالغ في هذه المادية.
فهذان التحديدان مختلفان متقابلان، يعبر كل منهما عن جانب خاص من الظاهرة، وما لا يتضمنان تعبيراً عن التغيير الأساسي في (الروح)، الذي يعد كل تغييرآخر بالنسبة إليه مظهراً جزئياً من مظاهره، وعرضاً من أعراضه.
وهكذا يترجح لدينا أن نعزو الظاهرة المذكورة إلى تغيير في (شبكة العلاقات الاجتماعية). وبهذه الطريقة نتناول التغيير في مجموعه حين نعبر عنه تعبيراً جذرياً فنقول إن: (شبكة العلاقات الاجتماعية) تغيرت، فكانت هذه هي النتيجة الأولى الرئيسية لـ (روح) المجتمع.
وإن الطبيعة لتمدنا في هذا الصدد بمثال رائع، فهي لا تجري التغييرات الحيوية في الكائن الحي، تلك التغييرات التي تحفظ حياته، حين تقدم إليه المنتجات العضوية، في صورة كميات من المادة، إذ الواقع أن هذه المادة لا تتغير طبيعتها خلال العمليات الحيوية، فالإيدروجين يظل كما هو عند تمثيل عناصر الغذاء في خلايا الجسم، والكربون يظل كربوناً.
فليست العناصر إذن- أعني المادة- هي التي تتغير في عملية التمثيل، ولكنها العلاقات الكائنة بين هذه العناصر وحدها.
والحياة الحيوانية والنباتية هي الأخرى خاضعة لهذه العلاقات، فضلاً عن مادة العناصر العضوية ذاتها، وبذلك يمكننا أن نرى في النظام الحيوي (البيولوجي)، أعني في عمل الطبيعة ذي الأهمية البالغة، كيف يجري تغيير الطاقة إلى مادة، بواسطة الكائن الحي، تماماً كما يحدث في نطاق النظام الطبيعي، طبقاً لنظرية (انشتين).
كذلك الأمر في الحياة الاجتماعية: فإن التغييرات التي تتم فيها لا يصح أن تعزى ابتداء إلى (المادة الاجتماعية) أعني: الاقتصاد وكل ما يتصل بالعمل الحسي، وإنما تعزى إلى (العلاقات) التي تحول الشروط السابقة للظاهرة الاقتصادية ذاتها، حين توحد عناصرها في خلق حياة إنسانية منظمة، من أجل الاضطلاع ببعض الوظائف الاجتماعية، في نطاق (العمل المشترك) الذي يصنع التاريخ.
***