المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌المرض الاجتماعي وهكذا الأمر دائماً، فإذا ما تطور مجتمع ما على - ميلاد مجتمع

[مالك بن نبي]

الفصل: ‌ ‌المرض الاجتماعي وهكذا الأمر دائماً، فإذا ما تطور مجتمع ما على

‌المرض الاجتماعي

وهكذا الأمر دائماً، فإذا ما تطور مجتمع ما على أية صورة، فإن هذا التطور مسجل كماً وكيفاً في شبكة علاقاته ..

وعندما يرتخي التوتر في خيوط الشبكة، فتصبح عاجزة عن القيام بالنشاط المشترك بصورة فعالة، فذلك أمارة على أن المجتمع مريض، وأنه ماض إلى نهايته.

أما إذا تفككت الشبكة نهائياً، فذلك إيذان بهلاك المجتمع، وحينئذ لا يبقى منه غير ذكرى مدفونة في كتب التاريخ.

ولقد تحين هذه النهاية والمجتمع متخم بالأشخاص والأفكار والأشياء كما كانت حال المجتمع الإسلامي في الشرق، في نهاية العصر العباسي، وفي الغرب، في نهاية عصر الموحدين.

وربما كانت هذه الحالة من التحلل والتمزق في المجتمع الإسلامي- حين أصبح عاجزاً عن أي نشاط مشترك- هي التي أشار إليها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«يوثك أن تداعى الأمم عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ - قال: لا .. بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من قلوب أعدائكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل وما الوهن يارسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت» .

ولكن هذا ليس خاصاً بالمجتمع الإسلامي، فعندما اختفت الامبراطورية

ص: 40

الآشورية القوية في القرن الخامس قبل الميلاد لم يكن هذا الحدث التاريخي ليعزى إلى صدفة الحرب، ولكن إلى تحلل المجتمع الذي كان يمثل هذه الإمبراطورية، والذي أصبح فجأة عاجزاً عن أي نشاط مشترك. فشبكة علاقته المتمزقة لم تعد تتيح له أن يحافظ على إمبراطورية (آشور بانيبعل) القوية.

ومع ذلك فقبل أن يتحلل المجتمع تحللاً كلياً، يحتل المرض جسده الاجتماعي في هيئة انفصالات في شبكته الاجتماعية، للأسباب التي ذكرناها كماً وكيفاً. وهذه الحالة المرضية قد تستمر قليلاً أو كثيراً، قبل أن تبلغ نهايتها في صورة انحلال تام. وتلك هي مرحلة التحلل البطيء الذي يسري في الجسد الاجتماعي.

بيد أن جميع أسباب هذا التحلل كامنة في شبكة العلاقات، فلقد يبدو المجتمع في ظاهره ميسوراً نامياً، بينما شبكة علاقاته مريضة، ويتجلى هذا المرض الاجتماعي في العلاقات بين الأفراد. وأكبر دليل على وجوده يتمثل فيما يصيب (الأنا) عند الفرد من (تضخم) ينتهي إلى تحلل الجسد الاجتماعي لصالح الفردية، عندما يختفي (الشخص) أو خاصة عندما يسترد (الفرد) استقلاله وسلطته في داخل الجسد الاجتماعي.

فالعلاقات الاجتماعية تكون فاسدة عندما تصاب الذوات بالتضخم فيصبح العمل الجماعي المشترك صعباً أو مستحيلاً، إذ يدور النقاش حينئذ لا لإيجاد حلول للمشكلات، بل للعثور على أدلة وبراهين.

في حالة الصحة يكون تناول المشكلات من أجل علاجها هي، أما في الحالة المرضية فإن تناولها يصبح فرصة لتورم (الذات) وانتفاشها، وحينئذ يكون حلها مستحيلاً، لا لفقر في الأفكار أو في الأشياء، ولكن لأن شبكة العلاقات لم تعد أمورها تجري على طبيعتها.

ص: 41

وفي هذه المرحلة أيضاً لا يهتم أحد بالمشكلات الواقعية، كما كان يفعل أئمة الفقه الإسلامي، بل يكون الاهمام منصباً على مشكلات خيالية، على ما كان عليه فقهاء (عصر الانحطاط)، حيث لم يعودوا يكبون على المشكلات التي يثيرها نمو المجتمع، بل على حالات (خيالية محضة) كالبحث في جنس الملائكة، أو كالتوضؤ من وطء البهيمة.

وبوسعنا أن نتخيل ما كان يمكن أن يحدث- في مجتمع مريض- لو أن خليفة من طراز عمر بن الخطاب أراد أن يعزل رجلاً كخالد بن الوليد من قيادة جيش الشام!! إن محاولة كهذه كانت كفيلة بزلزلة العالم الإسلامي لو أنها حدثت بعد ذلك بقرنين أو ثلاثة قرون فحسب.

ولكن (الأنا) الإسلامية كانت في العهد الأول سليمة سوية، فكان (فعل) عمر دون عقدة، وكان (رد فعل) خالد دون عقدة أيضاً. لأن علاقاتهما كانت علاقات سوية منزهة.

ومن الوقت الذي تظهر فيه العقد النفسية على صفحة (الأنا) في مجتمع معين، يغدو عمله الجماعي صعباً أو مستحيلاً. وهنا يحق لنا أن نطلق على هذه الحالة (مأساة اجتماعية Socio-drame) على ما ذهب إليه (مورينو) (1). وهي مأساة اجتماعية في مستوى: ن (ن - س) من علاقات اجتماعية.

وعلى هذا، فإذا ما درسنا أمراض مجتمع معين، من مختلف جوانبه الاقتصادية والسياسية والفنية .. الخ .. فإننا ندرس في الواقع أمراض (الأنا) في هذا المجتمع، وهي الأمراض التي تتجلى في لا فاعملية شبكته الاجتماعية.

وعندما ننسى أو نغفل هذا الاعتبار النفسي فإن حكمنا يكون على ظواهر الأشياء لا على جواهرها.

(1) عالم نفسي يعد مؤسساً للمدرسة الأميركية التي ترى أن العقد النفسية توجد بين الأفراد، على حين ترى مدرسة فرويد أنها موجودة داخل الأفراد.

ص: 42

وهكذا نجد بعض الساسة في بعض البلدان الافريقية والآسيوية يحاولون في الميدان الاقتصادي تطبيق حلول فنية يقترحها بعض الاختصاصيين الأوربيين، على الرغم من أن هذه الحلول قد تكون عديمة الجدوى في تلك البلاد، لأنها لا تتفق مع عناصر (الأنا) فيها، كما سبق أن بينت ذلك في كتابي (فكرة الإفريقية الآسيوية).

فالحلول الفنية ينبغي إذن أن تتكيف مع نفسية البلد الذي تطبق فيه ومع مرحلة تطوره، كما أن (الأنا) ينبغي أن تتكيف طبقاً للحلول الفنية التي يحاول تطبيقها.

ففي الحالة الأولى يكون تناولنا للأشياء من وجهة نظر مرضية، وفي الحالة الثانية يكون تناولنا لها من وجهة علاجية. والجانبان كلاها ينبغي ألا ينفك أحدهما عن الآخر، إذا ما أريد علاج حالة مجتمع يقاسي لوناً من ألوان الاضطراب في شبكة علاقاته الاجتماعية.

وتلك حالة تستوجب أقصى ما يمكن من الاهتمام والعناية، لأن كل علاقة فاسدة بين الأفراد تولد فيما بينهم عقداً كفيلة بأن تحبط أعمالهم الجماعية، إما بتصعيبها أو بإحالتها.

فالعلاقة الفاسدة في (عالم الأشخاص) لها نتائجها السريعة في (عالم الأفكار) وفي (عالم الأشياء). والسقوط الاجتماعي الذي يصيب (عالم الأشخاص) يمتد لا محالة إلى الأفكار وإلى الأشياء، في صورة افتقار وفاقة. فهناك أفكار رأت النور في المجتمع الإسلامي في القرن الرابع عشر الميلادي، كفكرة الدورة الدموية، ومع ذلك ظلت غائبة عن (عالم الأفكار) لأدق شبكة علاقاته كانت قد تمزقت.

وهناك أشياء بسيطة كانت تمد جزءاً من (عالم الأشياء) مثل ما كان يطلق

ص: 43

عليه اسم (الجوَّال) في بغداد، في القرن العاشر الميلادي، لقد اختفى هذا (الشيء) من العاصمة العباسية بعد قرنين من الزمان (1).

تلك هي أمارة (الافتقار) في (عالم الأشياء) في المجتمع الإسلامي، إبان تلك الحقبة.

وطبيعي أن يمتد تأثير هذا الافتقار إلى تكاليف الحياة، كما تدلنا عليه قائمة الأسعار الخاصة بذلك العهد، وسنجد فيها إشارات مفيدة وهامة عن حياة المسلمين اليومية في العصور الوسطى. وقد نقلنا هذه القائمة عن كتاب الأستاذ (علي مزاهيري) الذي استقاها بدوره من الكتاب القيم الذي وضعه (مسيو هنري سوفير) في هذا الموضوع. وحسبنا أن نقبس منها الإشارات التالية الخاصة بسعر الكيلو جرام من الخبز في أسواق بغداد، وقد حسب المسيو (هنري سوفير) هذا السعر بالفرنك الذهبي:

السنة .............................. كمية الخبز ................... السعر

813 .

............................ 1كيلو ........................ 0،1

945 .

............................ " .............................. 0،31

992 .

............................ " ............................. 0،59

1152 .

.......................... " ............................. 7،50

فنحن نرى أن سعر الخبز قد تغير خلال ثلاثة قرون بنسبة 1 - 75. ولو أننا فسرنا هذه الظاهرة في ضوء قانون العرض والطلب فمعنى ذلك أن المنتج قد قل في سوق بغداد، وهذه القلة لا تأتي إلا من الإنتاج- أي إنها في جوهرها عائدة إلى الأرض والتوزيع- لكن صفات الأرض الطبيعية فيما بين دجلة والفرات لم

(1) كان (الجوال) سلة صغيرة من نسيج معدني مزودة بسلسلة صغيرة. ويوضع فيه كمية ضئيلة من الفحم والخشب وقطعة قماش مشحمة ثم تدار السلة بسرعة فيتولد عن ذلك جمرات توقد منها النار المطلوبة.

ص: 44

يعترها تغير منذ آلاف السنين، فإذا كان الإنتاح قد تغير فما ذلك إلا لأسباب اجتماعية تتصل بتنسيق الأعمال الزراعية والتوزيع، أعني: لاضطراب في شبكة العلاقات.

وطبيعي أن يصيب السقوط الاجتماعي أيضاً (عالم الأفكار) كما قررنا من قبل، وكما نلاحظ خاصة فيما يتصل بتراث ابن خلدون الذي ظل حروفاً ميتة في المجتمع الإسلامي حتى نهاية القرن التاسع عشر.

ومع ذلك فينبغي أن نعلم أنه إذا كان لقائمة أسعار الخبز مثلاً أن تكشف عن سير هذا الانحطاط والتدهور في القرن التاسع حتى القرن الحادي عشر، فإن قائمة من القيم الخلقية المتفشية آنذاك ستكشف لنا من باب أولى عن درجة هذا الانحطاط!! .. فكلا الأمرين يفسر الآخر على حٍّ سواء.

إن فن خداع المشتري قد يعود في تاريخه إلى ذلك العصر، فلقد شهد القرن الثالث عشر الميلادي بداية ظهور حرفة المحاكاة أو تقليد السلع، وذلك قبل أن تعرفها ألمانيا لأغراض أخرى بستة قرون.

والواقع أنه إذا كانت ألمانيا قد اخترعتها كيما تستعيض بمواد صناعية عن المواد الأولية التي لا تجدها في زمن الحرب، فإن العصر العباسي قد لجأ إلى استخدام البدل من أجل خداع المشترين، فكان لديهم سكر بديل، بل لحم بديل. كما وضعت كتب لترشد (الهواة) إلى أسرار هذه التراكيب الكيماوية.

***

ص: 45