المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ص: باب: الرجل يصلي في رحله ثم يأتي المسجد والناس يصلون - نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار - جـ ٦

[بدر الدين العيني]

الفصل: ‌ص: باب: الرجل يصلي في رحله ثم يأتي المسجد والناس يصلون

‌ص: باب: الرجل يصلي في رحله ثم يأتي المسجد والناس يصلون

ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يصلي الفرض في منزله وبيته، ثم يأتي المسجد فيجد الناس وهم يصلون تلك الصلاة، فهل يدخل معهم أم لا؟ والمناسبة بين البابين: من حيث اشتمال كل منهما على حكم فيه خلاف بين المذاهب.

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: ثنا زيد بن أسلم، عن بشر بن محجن الديلي، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"أنه رآه وقد افتتحت الصلاة، قال: فجلستُ ولم أقم للصلاة، فلما قضى صلاته قال لي: ألست مُسْلمًا؟ قلت: بلى، قال: فما منعك أن تصلي معنا؟ فقلت: قد كنت صليت مع أهلي، فقال: صلّ مع الناس وإن كنت قد صليت مع أهلك".

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يحيى بن صالح الوُحاظي، قال: ثنا سليمان بن بلال، قال: حدثني زبد بن أسلم، عن بُسْر بن مِحْجن الدؤلي، عن أبيه قال: "صليت في بيتي الظهر أو العصر، ثم خرجت إلى المسجد، فوجدت رسول الله عليه السلام جالسًا وحوله أصحابه، ثم أقيمت الصلاة

" ثم ذكر نحوه.

حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفريابيُّ (ح).

وحدثنا فهدٌ، قال: ثنا أبو نعيم، قالا: ثنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن بشر بن محجن الدؤلي، عن أبيه، عن النبي عليه السلام نحوه، غير أنه لم يذكر أي صلاة هي.

حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن زيد ابن أسلم، عن بشر بن محجن الدؤلي، عن أبيه -أو عن عمه- عن رسول الله عليه السلام نحوه.

ص: 5

ش: هذه خمس طرقٍ صحاح:

الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن زيد بن أسلم القرشي المدني، عن بشر -بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة، وقال مالك: بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة- ابن محجن.

قال في "الميزان": بُسْر بن محجن الدُؤَلي، حدث عنه زيد بن أسلم، غير معروف، ولأبيه صحبة.

فإن قلت: على هذا كيف يكون الحديث صحيحًا؟

قلت: ذكره ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل" فقال: بُسْر بن محجن الدِّيَلي، ويقال بشر، وبُسْر أصح، روى عن أبيه، وروى عنه زيد بن أسلم، سمعت أبي يقول ذلك. وسكت عنه، والأصل العدالة، وروى له أبو داود والنسائي وسكتا عنه؛ فسكوتهما يدل على صحة حديثه (1)، وكذا ذكره ابن ماكولا وسكت عنه، وقال: بُسر بن محجن الديلي، عن أبيه، روى عنه زيد بن أسلم، وكان الثوري يقول: عن زيد، عن بشر، ثم رجع عنه، يعني كان يقول بالشين المعجمة ثم رجع عنه إلى السين المهملة، ومالك أيضا اعتمد على حديثه فدل على صحته.

وهو يروي عن أبيه محجن بن أبي مِحْجَن -بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الجيم وفي آخره نون- وله صحبة.

قوله: "الدَّيلي" بكسر الدال وسكون الياء آخر الحروف نِسبةً إلى بني الديل في عبد القيس، وجاء في رواية مالك والنسائي: الدُّؤَلي بضم الدال وفتح الهمزة، وهو نسبة إلى الدُّئِل -بضم الدال وكسر الهمزة- ويقع التغيير في النسبة كما يقال في النسبة إلى نَمِر: نَمَري بالفتح.

(1) في هذا نظر لا يخفى، وقد نبهنا على هذه المسألة مرارًا.

ص: 6

والحديث أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(1): عن ابن جريج وداود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن ابن محجن الديلي، عن أبيه

إلى آخره نحوه.

الطريق الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يحيى بن صالح الوُحَاظي أحد مشايخ البخاري، ونسبته إلى وُحَاظة بن سَعْد، عن سليمان بن بلال القرشي التيمي روى له الجماعة

إلى آخره.

وأخرجه الطبراني في "الكبير"(2): ثنا علي بن عبد العزيز ومحمد بن يحيى بن المنذر، قالا: ثنا القعنبي، ثنا سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن بُسْر بن محجن، عن أبيه قال:"صليت في بيتي الظهر أو العصر، ثم خرجت إلى المسجد، فوجدت رسول الله عليه السلام جالسًا وحوله ناسٌ فجلست معهم، ثم أقيمت الصلاة فدخل رسول الله عليه السلام فصلى للناس، ثم خرج فوجدني جالسًا في مجلسي الذي عهدني فيه، فقال: ألست رجلًا مسلما؟ فقلت: بل يا رسول الله إني لمسلم. قال: فما منعك أن تدخل فتصلي مع الناس؟ قلت: إني صليت في أهلي، فقال رسول الله عليه السلام: إذا صليت في أهلك ثم جئت إلى المسجد فوجدت الناس يصلون، فصلّ معهم".

الثالث: عن حسين بن نصر، عن محمَّد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، ونسبته إلى فرياب قصبة ببخارى، عن سفيان الثوري، عن زيد بن أسلم

إلى آخره.

وأخرجه أحمد في "مسنده"(3): ثنا عبد الرحمن، ثنا سفيان، نا زيد بن أسلم، عن ابن محجن الديلي، عن أبيه قال: "أتيت النبي عليه السلام فأقيمت الصلاة، فجلست، فلما صلّى قال: ألستَ بمسلم؟ قلت: بلى، قال: فما منعك أن تصلي

(1)"مصنف عبد الرزاق"(2/ 420 رقم 3932).

(2)

"المعجم الكبير"(20/ 295 رقم 700).

(3)

"مسند أحمد"(4/ 34 رقم 16440).

ص: 7

مع الناس؟ قال: قلت: صليت في أهلي، قال: فصلّ مع الناس وإن كنت قد صليت في أهلك".

الرابع: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان، عن زيد

إلى آخره.

وأخرجه الطبراني في "الكبير"(1): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم، نا سفيان

إلى آخره نحو رواية أحمد المذكورة آنفًا.

الخامس: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك

إلى آخره.

وأخرجه النسائي (2): أنا قتيبة، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن رجل من بني الديل يقال له: بسر بن محجن، عن محجن:"أنه كان في مجلس مع رسول الله عليه السلام فأُذِّن بالصلاة، فقام رسول الله عليه السلام، ثم رجع ومحجن في مجلسه، فقال له رسول الله عليه السلام: ما منعك أن تصلي؟ ألست برجل مسلم؟ قال: بلى، ولكني كنت قد صليت في أهلي. قال له رسول الله عليه السلام: إذا جئت فصلّ مع الناس وإن كنت قد صليت".

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب بن جرير.

وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سليمان بن حرب، قالا: ثنا شعبة، عن أبي عمران، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر رضي الله عنه قال:"أوصاني خليلي عليه السلام أن أصلي الصلاة لوقتها، وإن أدركت الإِمام وقد سبقك فقد أجزأتك صلاتك، وإلا فهي نافلة".

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة، قال: ثنا بديل، عن أبي العالية، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر فرفعه، قال: "فضرب فخذي فقال لي: كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن

(1)"المعجم الكبير"(20/ 293 رقم 696).

(2)

"المجتبى"(2/ 112 رقم 857).

ص: 8

وقتها؟ ثم قال لي: صلّ الصلاة لوقتها ثم اخرج، وإن كنت في المسجد فأقيمت الصلاة فصلّ معهم ولا تقل: إني قد صليت فلا أصلي".

ش: هذه ثلاث طرق صحاح:

الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة، عن أبي عمران الجوني عبد الملك بن حبيب الأزدي الكندي البصري، عن عبد الله بن الصامت الغفاري البصري ابن أخي أبي ذر، عن أبي ذر الغفاري واسمه جندب بن جنادة.

وأخرجه أحمد في "مسنده"(1) بأتم منه: ثنا محمَّد بن جعفر وحجاج، قالا: ثنا شعبة، عن أبي عمران، عن عبد الله بن صامت، عن أبي ذر قال:"أوصاني خليلي عليه السلام بثلاث: اسمَعْ وأَطِعْ ولو لعَبْد مجدع الأطراف، وإذا صنعت مرقة فأكثر ماءها ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منه بمعروف، وصل الصلاة لوقتها، وإذا وجدت الإِمام قد صلى فقد أحرزت صلاتك وإلا فهي نافلة".

الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سليمان بن حرب شيخ البخاري، عن شعبة

إلي آخره.

وأخرجه ابن ماجه (2): ثنا محمَّد بن بشار، نا محمَّد بن جعفر، نا شعبة، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، عن النبي عليه السلام قال:"صلّ الصلوات لوقتها فإن أدركت الإِمام يصلي بهم فصلِّ معهم وقد أحرزت صلاتك، وإلا فهي نافلة لك".

وأخرجه مسلم (3) والترمذي (4) والنسائي (5) وأبو داود (6) بألفاظ مختلفة.

(1)"مسند أحمد"(5/ 161 رقم 21465).

(2)

"سنن ابن ماجه"(1/ 398 رقم 1256).

(3)

"صحيح مسلم"(1/ 448 رقم 648).

(4)

"جامع الترمذي"(1/ 333 رقم 176).

(5)

"المجتبى"(2/ 113 رقم 859).

(6)

"سنن أبي داود"(2/ 655 رقم 4759).

ص: 9

الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة، عن بديل بن ميسرة العُقَيْلي البصري روى له الجماعة سوى البخاري، عن أبي العالية البراء البصري مولى قريش كان يُبْري النبل قيل: اسمه زياد بن فيروز، وقيل: زياد بن أذينة، وقيل: كلثوم، وقيل: أذينة، روى له البخاري ومسلم والنسائي.

وأخرجه النسائي (1): أنا محمَّد بن عبد الأعلى، ومحمد بن إبراهيم -واللفظ له- عن خالد بن الحارث، قال: ثنا شعبة، عن بُدَيل، قال: سمعت أبا العالية يحدث، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر:"قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم وضرب فخذي: كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ قال: ما تأمر؟ قال: صل الصلاة لوقتها ثم اذهب لحاجتك، فإن أقيمت الصلاة وأنت في المسجد فصلّ".

قوله: "لوقتها" أي وقتها المختار المستحب.

قوله: "وإلا فهي نافله" أي: وإن لم يسبقك الإِمام فصلّ معه فهي -أي فصلاتك هذه- نافلة لك؛ لأن الفرض هو الأولى، فتصير الثانية نفلًا، وهذا مذهب الجمهور: أن الرجل إذا صلى الفرض مرتين تكون الأولى فرضًا والثانية نفلًا؛ لأن صريح الحديث يدل على هذا، وعن الشافعي أربعة أقوال الصحيح كمذهب الشافعي.

والثاني: أن الفرض أكملها.

والثالث: كلاهما فرض.

والرابع: الفرض أحدهما على الإبهام يحتسب الله بأيهما شاء.

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني يعلى بن عطاء، قال: سمعت جابر بن يزيد بن الأسود السوائي، عن أبيه قال:

(1)"المجتبى"(2/ 113 رقم 859).

ص: 10

"صلى بنا النبي عليه السلام في مسجد الخيف صلاة الصبح، فلما قضى صلاته إذا رجلان جالسان في مؤخر المسجد، فأتي بهما رسول الله عليه السلام تَرْعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: يا رسول الله، صلينا في رحالنا. قال: فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما الناس وهم يصلون فصلِّيا معهم؛ فإنها لكما نافلة. قال: أو تطوع".

ش: إسناده صحيح، وأبو بكرة بكار القاضي، وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي، وجابر بن يزيد السوائي، وثقه ابن حبان وروى له الأربعة، وأبوه يزيد بن الأسود الصحابي رضي الله عنه.

والحديث أخرجه أبو داود (1): ثنا حفص بن عمر، ثنا شعبة، أخبرني يعلى ابن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه:"أنه صلى مع رسول الله عليه السلام وهو غلام شاب، فلما صلَّى إذا رجلان لم يصليا في ناحية المسجد، فدعى بهما تَرْعدُ فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصلِّيا معنا؟ فقالا: قد صلينا في رحالنا. فقال: لا تفعلوا، إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإِمام ولم يصل؛ فليصل معه فإنها له نافلة".

وأخرجه الترمذي (2): نا أحمد بن منيع، قال: نا هشيم، قال: أنا يعلى بن عطاء، قال: ثنا جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه، قال:"شهدت مع النبي عليه السلام حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته وانحرف إذا هو برجلين في آخر القوم لم يصلِّيا معه، فقال: عليّ بهما، فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصلِّيا معنا؟ فقالا: يا رسول الله، إنا كنا قد صلينا في رحالنا. فقال: فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم؛ فإنها لكما نافلة".

(1)"سنن أبي داود"(1/ 157 رقم 575).

(2)

"جامع الترمذي"(1/ 424 رقم 219).

ص: 11

وقال أبو عيسى: حديث يزيد بن الأسود حديث حسن صحيح.

وأخرجه النسائي (1) أيضًا.

قوله: "فأتي بهما رسول الله عليه السلام" فيه حذف، والتقدير: فطلبهما رسول الله عليه السلام فأتي بهما.

قوله: "ترعد فرائصهما" حال عن الضمير الذي في "بهما".

و"الفرائص" بالفاء والصاد المهملة جمع الفريصة وهي لحمة وسط الجنب عند منبض القلب، تفترص عند الفزع أي ترتعد، وقال ابن الأثير: الفريصة: اللحمة التي بَيْن جَنْب الدابة وكتفها لا تزال ترعد، وتَرْعُدُ من باب نَصَرَ يَنْصُرُ.

قوله: "في رحالنا" جمع رَحْل، وهو منزل الإنسان ومسكنه.

قوله: "فإنها لكما" أي فإن الصلاة التي تصليانها مع الناس ثانيًا نافلة أي تطوع لكما؛ لأن الفرض قد أُدّي بالأولى.

وقال الخطابي: ظاهر الحديث حجة على من منع عن شيء من الصلوات كلها؛ لأنه لم يستثن صلاة دون صلاة، فأما نهيه عليه السلام عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس فقد تأولوه على وجهين.

أحدهما: أن ذلك على معنى إنشاء الصلاة ابتداءً من غير سبب، فأما إذا كان لها سبب مثل أن يصادف قومًا يصلون جماعةً فإنه يعيدها معهم ليحرز الفضيلة.

والوجه الآخر: أنه منسوخ؛ لأن حديث جابر بن يزيد بن الأسود متأخر؛ لأن في قصته: أنه شهد مع رسول الله عليه السلام حجة الوداع

" ثم ذكر الحديث.

وفي قوله: "فإنها نافلة" دليل على أن صلاة التطوع جائزة بعد الفجر قبل طلوع الشمس إذا كان لها سبب.

(1)"المجتبى"(2/ 112 رقم 858).

ص: 12

قلت: أما قوله: "إن ذلك على معنى إنشاء الصلاة ابتداءً من غير سبب"، فغير مسلم؛ لأنه تخصيص من غير مخصص، وهو باطل، فعامة ما في الباب أنهم احتجوا على ذلك بأنه عليه السلام قضى سنة الظهر بعد العصر، وقاس عليها كل صلاة لها سبب حتى قال النووي: هو عمدة أصحابنا في المسألة، وليس لهم أصح دلالة منه. ولكن يَخْدشُه ما ذكره الماوردي منهم وغيره أن ذلك مخصوص بالنبي عليه السلام.

وقال الخطابي نفسه أيضًا: كان النبي عليه السلام مخصوصًا بهذا دون الخلق.

وقال ابن عقيل: لا وجه له إلا هذا الوجه.

وقال الطبري: فعل ذلك تنبيها لأمته أن نهيه كان على وجه الكراهة لا التحريم.

وأما قوله: "فإنه منسوخ" فغير صحيح؛ لأن عمر رضي الله عنه ما برح مع النبي عليه السلام إلى أن توفي، ولو كان منسوخا لعمل بناسخه مع أنه كان يضرب على الركعتين بعد العصر بمحضر من الصحابة من غير نكير، فدل هذا على أن النهي ليس بمنسوخ، وأن الركعتين بعد العصر مخصوصة به دون أمته، بل الظاهر أن حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه "أن النبي عليه السلام نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس وبعد العصر حتى تغرب" هو الناسخ لكل ما ورد على خلافه.

وأما قوله: "دليل على أن صلاة التطوع جائزة بعد الفجر قبل طلوع الشمس"، فترده الأحاديث الصحيحة منها:"لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس"(1)، وغير ذلك من الأحاديث التي وردت في هذا الباب، على أن حديث جابر بن يزيد المذكور حكى البيهقي (2) عن الشافعي فيه أنه قال: إسناده مجهول. ثم قال البييقي: وإنما قال ذلك لأن يزيد بن الأسود ليس له راو غير ابنه جابر ولا لجابرٍ راوٍ غير يعلى بن عطاء.

(1) تقدم.

(2)

"السنن الكبرى"(2/ 301 رقم 3462).

ص: 13

فإن قيل: قد صححه الترمذي كما ذكرناه وذكره ابن منده في "معرفة الصحابة"، ورواه بقية، عن إبراهيم بن يزيد بن ذي حماية، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه. فهذا راوٍ آخر لجابر غير يعلى ابن عطاء وهو ابن عمير.

قلت: لو كان ما كان فلا يساوي حديث عمر رضي الله عنه، ويعارض كلام ابن منده ما قاله علي بن المديني: روى عن جابر بن يزيد بن الأسود يعلى بن عطاء، ولم يرو عنه غيره. كما ذكرناه في ترجمته، والنفي مقدم على الإثبات، فيكون يعلى متفردًا بهذه الرواية ، فلا يتابع عليها.

ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قوم إلى هذه الآثار ، فقالوا: إذا صلى الرجل في بيته صلاة مكتوبة -أيّ صلاة كانت- ثم جاء إلى المسجد فوجد الناس وهم يصلون؛ صلاها معهم.

ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري والزهري والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا: إذا صلى الرجل في بيته صلاته الفرض ثم جاء إلى المسجد فوجد الناس يصلون؛ يدخل معهم في صلاتهم أي صلاة كانت.

وقال الأوزاعي والنخعي: لا يصلي في المغرب والصبح ويصلي في غيرهما.

وقال مالك: لا يصلي في المغرب فقط. وهو قول الثوري في رواية.

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: كل صلاة يجوز التطوع بعدها فلا بأس بان يفعل فيها ما ذكرتم من صلاته إياها مع الإِمام على أنها نافلة، غير المغرب فإنهم كرهوا أن تُعاد؛ لأنها إن أُعيدت كان تطوعًا، والتطوع لا يكون وترًا إنما يكون شفعًا، وكل صلاة لا يجوز التطوع بعدها فلا ينبغي أن يُعيدها مع الإِمام؛ لأنها لا تكون تطوعًا في وقت لا يجوز التطوع فيه.

ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا قلابة وأبا مجلز ومسروقًا وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا؛ فإنهم قالوا: كل صلاة يجوز التطوع بعدها كالظهر والعشاء فإنه يصليهما مع الإِمام أيضًا، وكل صلاة يكره

ص: 14

التطوع بعدها كالعصر والصبح فإنه لا يفعلها، وأما المغرب فإنه استثناها عن حكم الصلاة التي يتطوع بعدها لكونها إذا أعيدت تصير تطوعًا، والتطوع لا يكون وترا ، ولكن ذكر جماعة من الحنفية أنه إذا أراد أن يصليها فينبغي أن يضم إليها ركعةً رابعةً لورود النهي عن التنفل بالبتيراء.

وقال ابن أبي شيبة (1): ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن جابر، عن سعيد بن عبيد، عن صلة بن زفر قال:"أعدت الصلوات كلها مع حذيفة، وشفع في المغرب بركعة".

ثنا وكيع (2)، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال:"إذا صلى المغرب وحده ثم صلى في جماعة؛ شفع بركعة".

ثنا أبو معاوية (3)، عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي رضي الله عنه قال:"يشفع بركعة إذا أعاد المغرب".

ص: واحتجوا في ذلك بما قد تواترت به الروايات عن رسول الله عليه السلام في نهيه عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، وقد ذكرنا ذلك بأسانيده في غير هذا الموضع من كتابنا هذا، وذلك عندهم ناسخ لما رويناه في أول هذا الباب، وقالوا: إنه لما بيّن في بعض الأحاديث الأول فقال: "فصلوها فإنها لكم نافلة" أو قال: "تطوع" ونهى عن التطوع في هذه الآثار الأخر وأُجمع على استعمالها؛ كان ذلك داخلًا فيها ناسخًا لما قد تقدمه مما قد خالفه، ومن تلك الآثار ما لم يُقل فيه "فإنهما لكم تطوع"، فذلك يحتمل أن يكون معناه معنى هذا الذي بيَّن فيه فقال:"فإنها لكم تطوع" ويحتمل أن يكون ذلك كان في وقت كانوا يصلون فيه الفريضة مرتين فتكونا

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 76 رقم 6653).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 76 رقم 6655).

(3)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 76 رقم 6659).

ص: 15

جميعًا فريضتين، ثم نُهوا عن ذلك، فعلى أي الأمرين كان فإنه قد نسخه ما قد ذكرنا، وممن قال بأنه لا يعاد من الصلوات إلا الظهر أو العشاء الآخرة: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله.

ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله عليه السلام، وهذا مما قد تواترت -أي تتابعت وتكاثرت- به الروايات حيث أخرجه أصحاب الصحاح والحسان وهو ما رووه عن ابن عباس أنه قال:"شهد عندي رجال مَرضيّون وأرضاهم عندي عمر أن النبي عليه السلام نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس وبعد العصر حتى تغرب" ذكره مسندًا في باب (1) أشار إليه بقوله: "وقد ذكرنا ذلك بأسانيده في غير هذا الموضع من كتابنا هذا".

وقال ابن بطال: تواترت الأخبار والأحاديث عن النبي عليه السلام أنه نهى عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر، وهذا بعمومه يتناول الصورة التي فيها النزاع، وقد روي عن أبي طلحة: أن المراد بذلك كل صلاة.

قوله: "وذلك" أي الحديث المذكور الذي رواه ابن عباس "عندهم" أي عند هؤلاء الآخرين "ناسخ لما رويناه في أول هذا الباب" وهو حديث محجن الديلي وأبي ذر الغفاري ويزيد بن الأسود السوائي، ثم بيَّن ذلك بقوله:"وقالوا: إنه" أي: وقال هؤلاء الآخرون أن التبيان لما بين في بعض الأحاديث الأُوَل وهي أحاديث هؤلاء الثلاثة من الصحابة.

والباقي ظاهر غني عن مزيد من البيان وقد أشبعنا الكلام فيه عن قريب.

ص: وقد روي في ذلك عن جماعة من المتقدمين ما قد حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن

(1) بيض له المؤلف في "الأصل". والحديث أخرجه الطحاوي في باب: "الركعتين بعد العصر"(1/ 303).

ص: 16

ناعم بن أُجَيْل مولى أم سلمة رضي الله عنها قال: "كنت أَدخُل المسجد لصلاة المغرب فأرى رجالًا من أصحاب رسول الله عليه السلام جلوسًا في آخر المسجد والناس يصلون فيه؛ قد صلوا في بيوتهم".

فهؤلاء من أصحاب النبي عليه السلام كانوا لا يصلون المغرب في المسجد لما كانوا قد صلّوها في بيوتهم ولا ينكر ذلك عليهم غيرهم من أصحاب النبي عليه السلام أيضًا؛ فذلك دليل عندنا على نسخ ما قد كان تقدمه من قول النبي عليه السلام؛ لأنه لا يجوز أن يكون مثل ذلك من قول رسول الله عليه السلام قد ذهب عليهم جميعًا حتى يكونوا على خلافه، ولكن كان ذلك منهم لما قد ثبت عندهم فيه نسخ ذلك القول.

ش: أي قد روي فيما ذكرنا من انتساخ الأحاديث التي احتجت بها أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه عن جماعة من التابعين منهم ما رواه مولى أم سلمة ناعم بن أُجَيْل الهمداني المصري أبي عبد الله روى له مسلم والنسائي.

أخرجه الطحاوي: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن يوسف التنيسي المصري شيخ البخاري، عن عبد الله بن لهيعة المصري، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري روى له الجماعة، عن ناعم المذكور أنه قال:"كنت أدخل المسجد".

فقد أخبر في حديثه هذا أن جماعة من الصحابة كانوا لا يصلون المغرب في المسجد لأجل كونهم قد صلوها في بيوتهم، ولم ينكر عليهم ذلك غيرهم من الصحابة؛ فهذا دليل على نسخ أحاديث أهل المقالة الأولى؛ لأنه لا يجوز أن تفوت عنهم هذه الأحاديث ثم يعملون بخلافها وإنما كان ذلك منهم لأجل ما قد ثبت عندهم انتساخ الأحاديث المذكورة.

فإن قيل: كيف يُستدل بهذا الحديث وفي سنده ابن لهيعة وفيه مقال؟

قلت: قد بينت لك غير مرة أن أحمد والطحاوي وآخرين قد وثقوه، ولئن سلمنا تضعيفه ولكن إنما ذكر حديثه متابعَّاَ ومؤيدًا لما ذكره من الحديث المجمع على صحته.

ص: 17

فإن قيل: هذا يدل أيضًا على أن المغرب لا يُعادُ، وكيف قال من قال من الحنفية أنه يعيدها مع الإِمام ثم يضم إليها ركعةً رابعةً؟

قلت: قد ذكرنا عن ابن أبي شيبة أنه قد أخرج عن جماعة منهم حذيفة رضي الله عنه مثل ما ذكر هؤلاء.

ص: وقد روي في ذلك أيضًا عن ابن عمر وغيره رضي الله عنهم ما قد حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع، أن ابن عمر قال:"إن صليت في أهلك ثم أدركت الصلاة فصلها؛ إلا الصبح والمغرب فإنهما لا تعادان في اليوم".

ش: أي: قد روي أيضًا فيما ذهب إليه أهل المقالة الثانية عن عبد الله بن عمر.

أخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك بن جريج، عن نافع

إلى آخره.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا ابن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، أن ابن عمر قال:"إذا صلى الرجل في بيته ثم أدرك جماعةَّ صلى معهم؛ إلا المغرب والفجر".

قلت: وبه قالت طائفة من أهل العلم منهم الأوزاعي؛ فإنهم قالوا: تعاد الصلوات إلا المغرب والفجر، وقالت أصحابنا: لا يعاد الصبح والعصر، وأما المغرب فيه اختلاف الرواية كما ذكرناه.

ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن مغيرة، عن إبراهيم:"أنه كان يكره أن تعاد المغرب إلا أن يخشى رجل سلطانًا؛ فيصليها ثم يشفع بركعة".

ش: هذا بيان ما روي عن غير ابن عمر من المتقدمين كما أشار إليه بقوله: "وغيره" أي وغير ابن عمر، وهو إبراهيم النخعي.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 76 رقم 6663).

ص: 18

أخرجه بإسناد صحيح: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الحنفي الكوفي، عن مغيرة بن مقسم الضبي، عن إبراهيم النخعي.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا هشيم، قال: أنا مغيرة، عن إبراهيم أنه كان يقول:"يُعيد الصلاة كلها إلا المغرب، فإن خاف سلطانًا فليصل معه، فإذا فرغ فليشفع بركعة".

حدثثا وكيع (2)، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال:"إذا صلى المغرب وحده ثم صلى في جماعة؛ شفع بركعة".

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 77 رقم 6666).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 76 رقم 6655).

ص: 19