المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ص: باب: من صلى خلف الصف وحده - نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار - جـ ٦

[بدر الدين العيني]

الفصل: ‌ص: باب: من صلى خلف الصف وحده

‌ص: باب: من صلى خلف الصف وحده

ش: أي هذا باب في بيان حكم صلاة من يصلي خلف الصف حال كونه وحده، وجه المناسبة بين البابين: أن كلاًّ منهما مشتمل على حكم صلاة في مكان مخصوص.

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة (ح).

وحدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت هلال بن يَسَاف يُحدِّث، عن عمرو بن راشد، عن وابصة:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يُصلّي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد الصلاة".

حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هُشيم، عن حُصَين، عن هلال بن يَساف، قال:"أخذ بيدي زياد بن أبي الجعد فأقامني على وابصة بن مَعْبد بالرقة فقال: هذا حدثني: أن رجلًا صلى خلف الصف وحده، فأمره رسول الله عليه السلام أن يعيد الصلاة".

ش: هذه ثلاث طرق:

الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن عمرو بن مرة بن عبد الله المرادي الجملي الكوفي الأعمى الفقيه روى له الجماعة، عن هلال بن يَسَاف -بفتح الياء آخر الحروف، وقيل: إساف بالهمزة- الأشجعي أبي الحسن الكوفي روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن عمرو بن راشد الأشجعي الكوفي وثقه ابن حبان وروى له أبو داود والترمذي هذا الحديث، عن وابصة بن مَعْبد الأسديّ.

وأخرجه أبو داود (1): ثنا سليمان بن حرب وحفص بن عمر، قالا: ثنا

(1)"سنن أبي داود"(1/ 182 رقم 682).

ص: 188

شعبة، عن عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة:"أن رسول الله عليه السلام رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد- قال سليمان: الصلاة".

الثاني: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن شعبة

إلى آخره.

وأخرجه البيهقي في "سننه"(1): من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة

إلى آخره نحوه.

الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن حصين بن عبد الرحمن السلمي الكوفي، عن هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد واسم أبي الجعد رافع الأشجعي الكوفي وثقه ابن حبان.

وأخرجه الترمذي (2): ثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن هلال بن يساف قال:"أخذ بيدي زياد بن أبي الجعد ونحن بالرقة، فقام بي على شيخ يقال له: وابصة بن مَعْبد من بني أسد، فقال زياد: حدثني هذا الشيخ أن رجلًا صلى خلف الصف وحده -والشيخ يسمع- فأَمَرهُ النبي عليه السلام أن يعيد الصلاة".

قال أبو عيسى: حديث وابصة حديث حسَنٌ، واختلف أهل العلم فقال بعضهم: حديث عمرو بن مرة أصحّ، وقال بعضهم: حديث حصين أصح، وهو عندي أصحّ من حديث عمرو؛ لأنه روي من غير وجه عن هلال عن زياد، عن وابصة. انتهى.

وقال ابن حبان (3): سمع هذا الخبر هلال، عن عمرو، عن وابصة، وسمعه

(1)"سنن البيهقي الكبرى"(3/ 104 رقم 4988).

(2)

"جامع الترمذي"(1/ 445 رقم 230).

(3)

"صحيح ابن حبان"(5/ 577 رقم 2200).

ص: 189

من زياد عن وابصة، فالطريقان جميعًا محفوظان، وليس هذا الخبر مما تفرد به هلال بن يساف.

ثم أخرجه عن يزيد بن أبي زياد بن أبي الجعد، عن عم عبيد الله بن أبي الجعد، عن أبيه زياد بن أبي الجعد، عن وابصة فذكره.

وذكره البزار في "مسنده" بالأسانيد الثلاثة المذكورة، ثم قال: أما حديث عمرو بن راشد فإن عمرو بن راشد رجل لا نعلم حدَّث إلا بهذا الحديث وليس معروفًا بالعدالة فلا يحتج بحديثه. وأما حديث حصين فإن حصينًا لم يكن بالحافظ فلا يحتج بحديثه في الحكم.

وأما حديث يزيد بن أبي زياد فلا نعلم أحدًا من أهل العلم إلا وهو يضعّف أخباره فلا يحتج بحديثه، وقد روي عن شمْر بن عطية، عن هلال بن يساف، عن وابصة، وهلال لم يَسْمَع من وابصة، فأمسكنا عن ذكره لإرساله. انتهى.

وقال الشافعي: سمعت بعض أهل العلم بالحديث يذكر أن بعض المحدثين يُدْخِل بين هلال ووابصة رجلًا، ومنهم مَنْ يَروْيه عن هلال، عن وابصة سمعه منه.

قلت: كأنه يُوهِّنه بذلك.

وقال البيهقي: لم يخرجاه لما حكاه الشافعي من الاختلاف في سنده.

وقال الشافعي في موضع آخر: لو ثبت الحديث لقلت به.

وقال الحاكم: إنما لم يخرج الشيخان لوابصة في كتابَيْهما لفساد الطريق إليه.

وقال ابن المنذر: ثَبَّتَه أحمد وإسحاق.

وقال أبو عمر: فيه اضطراب ولا يثبتُه جماعة.

وقال الإشبيلي: غيرُ أبي عمر يقول: الحديث صحيح؛ لأن حصينًا ثقة وهلالًا مثله وزيادًا كذلك وقد أسندوه، والاختلاف فيه لا يضره.

ص: 190

وذكر ابن حزم في "المحلى"(1): حديث علي بن شيبان، عن أبيه الآتي ذكره ثم صحح هذا الحديث، ثم قال: ورواية هلال بن يساف حديث وابصة مرة عن زياد بن أبي الجعد ومرةً عن عمرو بن راشد قوةً للخبر، وعمرو بن راشد ثقة وثقه أحمد بن حنبل وغيره.

ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا حبان بن هلال، قال: ثنا ملازم بن عمرو، قال: ثنا عبد الله بن بدر السُّحيمي، عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان السُّحَيمي، عن أبيه -وكان أحد الوَفْد- قال:"صليت خلف رسول الله عليه السلام، فقضى صلاته ورجل فرد يُصلّي خلف الصَفِّ، فقام رسول الله عليه السلام حتى قضي صلاته ثم قال: استقبل صلاتك فلا صلاة لفَرْد خلف الصفِّ".

ش: إسناد صحيح، وحَبّان بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة بن هلال الباهلي أبو حبيب البصري، روى له الجماعة، وملازم بن عمرو بن عبد الله بن بدر السُّحَيْمي الحنفي وثقه أحمد وابن حبان وروى له الأربعة، وعبد الله بن بدر بن عُمَيرة بن الحارث بن شمر الحنفي السُّحَيمي اليمامي جدّ ملازم بن عمرو لأبيه، وقيل: لأمه، وثقه يحيى والعجلي وابن حبان وروى له الأربعة.

وعبد الرحمن بن علي بن شيبان الحنفي السُّحَيْمي وثقه ابن حبان وروى له أبو داود وابن ماجه.

وعلي بن شيبان الحنفي له صحبة، وقد على النبي عليه السلام.

والحديث أخرجه ابن ماجه (2): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، حدثني عبد الرحمن بن علي بن شيبان، عن أبيه علي بن شيبان -وكان من الوفد- قال: "خرجنا حتى قدمنا على النبي عليه السلام فبايعناه وصلينا خلفه، قال: ثم صلينا وراءه صلاة أخرى فقضى الصلاة، فرأى

(1)"المحلى"(4/ 53 - 54).

(2)

"سنن ابن ماجه"(1/ 320 رقم 1003).

ص: 191

رجلًا فردًا يصلي خلف الصف، قال: فوقف عليه نبي الله عليه السلام حتى انصرف، قال: استقبل صلاتك، لا صلاة للذي خلف الصفِّ".

وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"، (1) والبزار في "مسنده".

وقال البزار: عبد الله بن بدر ليس بالمعروف، إنما حدث عنه ملازم بن عمرو ومحمد بن جابر، فأما ملازم فقد احْتُمِلَ حديثُه وإن لم يُحتج به، وأما محمَّد بن جابر فقد سكت الناس عن حديثه، وعلي بن شيبان لم يحدث عنه إلا ابنه وابنه هذا غير معروف وإنما ترتفع جهالة المجهول إذا روى عنه ثقتان مشهوران، فأما إذا روى عنه من لا يحتج بحديثه لم يكن ذلك الحديث حجةً ولا ارتفعت الجهالة.

ص: فذهب قوم إلى أن من صلى خلف صف منفردًا فصلاته باطلة، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.

ش: أراد بالقوم هؤلاء: حماد بن أبي سليمان وإبراهيم النخعي وابن أبي ليلى ووكيعًا والحكم والحسن بن صالح وأحمد وإسحاق وابن المنذر؛ فإنهم قالوا: صلاة المنفرد خلف الصف باطلة، واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة، وإليه ذهب أهل الظاهر.

وقال ابن حزم في "المحلى": وأيما رجل صلّى خلف الصف بطلت صلاته ولا يضر ذلك المرأة شيئًا. انتهى.

وعن بعض أصحاب أحمد: إذا افتتح صلاته منفردًا خلف الإِمام فلم يلحق به أحد من القوم حتى رفع رأسه من الركوع فإنه لا صلاة له، ومن تلاحق به بعد ذلك فصلاتهم كلهم فاسدة وإن كانوا مائة أو أكثر.

وفي "المغني": ومن صلى خلف الصف وحده أو قام بجنب الإِمام عن يساره أعاد الصلاة.

(1)"صحيح ابن حبان"(5/ 579 رقم 2202).

ص: 192

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: مَنْ فعل ذلك فقد أساء وصلاته مجزئة عنه.

ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري وعبد الله ابن المبارك والحسن البصري والأوزاعي وأبا حنيفة والشافعي ومالكًا وأبا يوسف ومحمدًا رحمهم الله؛ فإنهم قالوا صلاة المنفرد خلف الصف جائزة ولكنه يأثم ، أما الجواز فلأنه متعلق بالأركان وقد وجدت، وأما الإساءة فلوجود النهي عن ذلك وهو قوله عليه السلام:"لا صلاة لفرد خلف الصف". ومعناه: لا صلاة كاملة على ما نقرره إن شاء الله تعالى.

ص: وقالوا: ليس في هله الآثار ما يدل على خلاف ما قلنا؛ وذلك أنكم رويتم أن النبي عليه السلام أمر الذي صلى خلف الصف أن يعيد الصلاة، فقد يجوز أن يكون أمره بذلك لأنه صلى خلف الصف، ويجوز أن يكون أمره بذلك لمعنى آخر كما أمر النبي عليه السلام الذي دخل المسجد فصلى أن يعيد الصلاة، ثم أمره أن يعيدها حتى فعل مرارًا في حديث رفاعة وأبي هريرة رضي الله عنهما، فلم يكن ذلك لأنه دخل المسجد فصلى ولكنه لمعنًى غير ذلك وهو تركه إصابة فرائض الصلاة فيحتمل أيضًا ما رَوْيتم من أمر النبي عليه السلام الرجل الذي صلى خلف الصف أن يعيد الصلاة لا لأنه صلى خلف الصف ولكن لمعنى آخر كان منه في الصلاة، وفي حديث علي بن شيبان معنًى زيادة على المعنى الذي في حديث وابصة، وذلك أنه قال:"صلينا خلف رسول الله عليه السلام، فقضى صلاته ورجل فرد يصلي خلف الصف، فقام عليه نبي عليه السلام حتى قضى صلاته، ثم قال: استقبل فإنه لا صلاة لفرد خلف الصف".

ففي هذا الحديث أنه أمره أن يعيد وقال: "لا صلاة لفرد خلف الصف" فيحتمل أن يكون أَمْرُهُ إياه بإعادة الصلاة كان للمعنى الذي وصفنا في حديث وابصة.

ص: 193

وأما قوله: "لا صلاة لفرد خلف الصف" فيحتمل أن يكون ذلك كقوله: "لا وضوء لمن لم يُسم الله"، وكالحديث الآخر:"لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" وليس ذلك على أنه إذا صلى كذلك كان في حكم من لم يصل، ولكنه قد صلى صلاةً مجزئةً، ولكنها ليست متكاملة الأسباب في الفرائض والسنن؛ لأن من سنة الصلاة مع الإِمام اتصال الصفوف وسدِّ الفرج هكذا ينبغي للمصلي خلف الإِمام أن يفعل، فإن قصر عن ذلك فقد أساء وصلاته مجزئة ولكنها ليست بالصلاة المتكاملة في فرائضها وسننها، فقيل لذلك: لا صلاة له. أي: لا صلاة له متكاملةً كما قال عليه السلام: "ليس المسكين بالذي ترده التمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يُعرف فيُتَصدق عليه ولا يَسْأل الناس". فكان معنى قوله: "ليس المسكين بالذي ترده التمرة والتمرتان" إنما معناه: ليس هو بالمسكين المتكامل في المسكنة؛ إذ هو يَسْأل فُيْعطي ما يقوته ويواري عورته، ولكن المسكين: الذي لا يسأل الناس ولا يعرفونه فيتصدقون عليه، فنفى في هذا الحديث من كان مسكينًا غير متكامل أسباب المسكنة أن يكون مسكينًا، فيحتمل أن يكون أيضًا إنما نفى بقوله:"لا صلاة لمن صلّى خلف الصف وحده" أن يكون مصليًّا؛ لأنه غير متكامل أسباب الصلاة وهو مُصَلٍّ صلاةً تُجزئه.

ش: أي وقال الآخرون في جواب احتجاج أهل المقالة الأولى بالأحاديث المذكورة: ليس في هذه الآثار أي أحاديث وابصة وعلي بن شيبان ما يدل على خلاف ما قلنا من جواز صلاة المنفرد خلف الصف. وأراد أن الأحاديث المذكورة ليست بحجة علينا؛ لأنها تحتمل معنًى آخر غير المعنى الذي تعلق به هؤلاء.

أما حديث وابصة فإنه يحتمل أن يكون معناه كمعنى حديث رفاعة بن رافع الذي أخرجه الأربعة (1) حيث قال عليه السلام لذلك الرجل الذي كالبدوي صلى

(1) أبو داود (1/ 288 رقم 857)، والترمذي (2/ 100 رقم 302)، والنسائي (2/ 193 رقم 1053)، وابن ماجه (1/ 156 رقم 460).

ص: 194

فأخف صلاته ثم انصرف فسلَّم على النبي عليه السلام فقال عليه السلام: "وعليك، فارجع فصلّ فإنك لم تُصَلّ"، وحديث أبي هريرة الذي أخرجه الجماعة (1) حيث قال عليه السلام لذلك الرجل الذي دخل المسجد ثم جاء فسلّم على رسول الله عليه السلام فقال:"ارجع فصل فإنك لم تُصلِّ" فإن أمره عليه السلام لم يكن لكونه دخل المسجد فصلّى وحده وإنما كان لتركه إصابة فرض من فرائض الصلاة.

وأما حديث علي بن شيبان فإنه أيضًا يحتمل أن معناه كالذي ذكرناه في حديث وابصة ويكون معنى قوله: "لا صلاة لفرد خلف الصف" معنى قوله عليه السلام: "لا وضوء لمن لم يُسم الله"(2) و"لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"(2)، وهو أن يكون محمولًا على نفي الفضيلة والكمال، فيكون معناه: لا صلاة كاملةً لفرد خلف الصف ومثل هذا شائع سائغ في الكلام.

فإن قيل: ما الدليل على صحة هذا الحمل؟

قلت: هو أنه قد أتى بأركان الصلاة التي يتعلق بها الجواز، فدل أن صلاته جائزة وإنما دخلها النقص بارتكابه المنهيِّ، فتكون صلاته صلاة غير كاملة، ولهذا قلنا: يستحب إعادته، وقد حقق هذا الكلام مرةً في باب:"التسمية على الوضوء".

وقال بعضهم: إن أمره عليه السلام إياه بالإعادة للاستحباب لا للإيجاب، والدليل عليه: حديث المرأة المصلية خلفه في حديث أنس منفردةً، وحكم الرجل والمرأة في هذا واحد.

وروى الطبراني في الأوسط (3) من حديث يونس بن عبيد، عن ثابت، عن

(1) البخاري (5/ 2307 رقم 5897)، ومسلم (1/ 298 رقم 397)، وأبو داود (1/ 287 رقم 856)، والترمذي (2/ 103 رقم 303)، والنسائي (2/ 124 رقم 884)، وابن ماجه (1/ 336 رقم 1060).

(2)

تقدم.

(3)

"المعجم الأوسط"(3/ 134 رقم 2711).

ص: 195

أنس: "أنه صلى خلف النبي عليه السلام وحده ووراءه امرأة حتى جاء الناس" وقال: تفرد به إسماعيل.

ص: فإن قال قائل: فهل تجدون عن النبي عليه السلام في هذا شيئًا يدل على ما قلتم؟ قيل له: نعم.

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: أنا حماد بن سلمة، أن زيادًا الأعلمَ أخبرهم، عن الحسن، عن أبي بكرة قال:"جئتُ ورسول الله عليه السلام راكعٌ وقد حفزني النفَس، فركعت دون الصف، ثم مشيت إلى الصف، فلما قضى رسول الله عليه السلام الصلاة قال: أيكم الذي ركع دون الصف؟ قال أبو بكرة: أنا. قال: زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ".

حدثنا الحسين بن الحكم الحِبَريُّ، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة، فذكر بإسناده مثله.

حدثنا فهدٌ، قال: ثنا الحمانيُّ، قال: ثنا يزيد بن زُرَيع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن زيادٍ الأعلمِ، قال: ثنا الحسن: "أن أبا بكرة ركع دون الصف فقال له النبي عليه السلام زادك الله حرصا ولا تعد".

ففي هذا الحديث أنه ركع دون الصف فلم يأمره رسول الله عليه السلام بإعادة الصلاة، فلو كان من صلّى خلف الصف لا تجزئه صلاتُه لكان مَنْ دخل في الصلاة خلف الصف لا يكون داخلًا فيها، ألا ترى أن من صلّى على مكان قَذرٍ أن صلاته فاسدة، ومن افتتح الصلاة على مكان قذر ثم صار إلى مكان نظيف أن صلاته فاسدة، فكان كل من افتتح الصلاة في مَوْطنٍ لا يجوز له فيه أن يأتي الصلاة فيه بكمالها لم يكن داخلًا في الصلاة، فلما كان دخول أبي بكرة في الصلاة دون الصف دخولًا صحيحًا كانت صلاة المُصلّي كلها دون الصفّ صلاةً صحيحة.

ش: تقرير السؤال أن يقال: هل ورد شيء في الحديث يدل على ما قلتم من التأويل المذكور في الحديث المذكور لتصح صلاة المنفرد خلف الصف؟ فأجاب

ص: 196

بقوله: نعم، وَرَدَ حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه، فإنه ركع دون الصف فلم يأمره عليه السلام بإعادة الصلاة.

ثم بيّن ذلك مشروحًا بقوله: "فلو كان مَنْ صلى

" إلى آخره، وهو ظاهر.

ثم إنه أخرج حديث أبي بكرة من ثلاث طرق صحاح:

الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عمر حفص بن عمر الضرير شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن زياد بن حسان بن قرة الباهلي البصري وهو زيادٌ الأعلم نسيب عبد الله بن عون، قال أحمد: ثقة ثقة. روى له البخاري وأبو داود والنسائي.

عن الحسن البصري، عن أبي بكرة نفيع

إلى آخره.

وأخرجه البخاري (1): ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا همام، عن الأعلم -وهو زياد- عن الحسن، عن أبي بكرة:"أنه انتهى إلى النبي عليه السلام وهو راكع فركع قبل أن يَصِلَ إلى الصف، فذكر ذلك للنبي عليه السلام فقال: زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ".

الثاني: عن الحُسَيْن بن الحكم بن مسلم الحبَرِيّ بكسر الحاء وفتح الباء الموحدة بعدها راء مهملة نسبة إلى بيع الحِبَر جمع حِبَرة، والحِبَرة مثل العِنَبة: برد يماني، وهو من أهل الكوفة يروي عن عفان بن مسلم الصفار، عن حماد بن سلمة

إلى آخره.

وأخرجه أبو داود (2): ثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا زياد الأعلم، عن الحسن:"أن أبا بكرة جاء ورسول الله عليه السلام راكع، فركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف، فلما قضى النبي عليه السلام صلاته قال: أيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف؟ فقال أبو بكرة: أنا، فقال النبي عليه السلام: زادك الله حرصًا ولا تعد".

(1)"صحيح البخاري"(1/ 271 رقم 750).

(2)

"سنن أبي داود"(1/ 182 رقم 684).

ص: 197

الثالث: عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة

إلى آخره.

وأخرجه النسائي (1): أنا حميد بن مسعدة، عن يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن زياد الأعلم، قال: ثنا الحسن، أن أبا بكرة حدثه:"أنه دخل المسجد والنبي عليه السلام راكع فركع دون الصف، فقال النبي عليه السلام: زادك الله حرصًا ولا تعد".

قوله: "ورسول الله عليه السلام راكع" جملة اسمية وقعت حالًا ، وكذلك قوله:"وقد حفزني النفَس" جملة حالية، وحَفَزَني من الحَفْز وهو الحثّ والإعجال.

وقال الجوهري: حَفَزَه أي: دَفَعَه من خلفه يَحْفِزُه حَفْزًا، والمعنى ها هنا النَّفَس الشديد المتنابع الذي كأنه يُحْفَزُ أي: يُدْفعَ من سياق والليل يحفز النهار أي يسوقه، وحفزته بالرمح أي طعنته، ومادته:"حاء مهملة، وفاء، وزاي معجمة".

قوله: "دون الصف" أي وراءه.

قوله: "زادك الله حرصًا" أي في الخير والمبادرة إليه؛ لأنه استعجل في الركوع قبل أن يتساوى مع من في الصف.

قوله: "ولا تعد" إرشاد له في المستقبل إلى ما هو الأفضل.

ويستفاد منه أحكام وهي:

أن المشي إلى الصف بعد الشروع في الصلاة غير مفسد ولكنه مقدر، فقدره بعض أصحابنا بخطوة حتى لو مشى خطوتين أو أكثر فسدت صلاته، وقدره بعضهم بموضع سجوده، كذا في "المحيط".

وأن الصلاة خلف الصف وحده تكره وإن كانت جائزة، وعن أبي حنيفة: إذا لم يجد فرجةً في الصف ينتظر حتى يجيء آخر فيقوم معه، فإن لم يجد أحدًا حتى

(1)"المجتبى"(2/ 118 رقم 871).

ص: 198

أراد الإِمام الركوع يجذب واحدًا من الصف فيقوم معه لئلا يصير مرتكبًا للمنهي عنه، وإن كان في الصحراء، قيل: يكبر أولًا ثم يجذب أحدًا من الصف حتى تأخذ تلك البقعة حرمة الصلاة فلا تفسد صلاة المجذوب.

وقيل: وإن لم يُكَبِّر لا تفسد صلاته لأنه متى أراد الصلاة فقد أخذت تلك البقعة حرمة الصلاة فلا تفسد صلاة المجذوب، وقيل: وإن لم يكبر لا تفسد صلاته؛ لأنه متى أراد الصلاة فقد أخذت تلك البقعة حرمة الصلاة.

وأن صلاة المنفرد خلف الصف جائزة؛ لأن جزءًا من الصلاة إذا جاز في حال الانفراد جاز سائر أجزائها، ولو لم تكن جائزة لأمره عليه السلام بالإعادة، فعلم أن الأمر بالإعادة في حديث وابصة على الاستحباب دون الوجوب، والله أعلم.

ص: فإن قال قائل: فما معنى قوله: "ولا تَعُدْ"؟

قيل له: ذلك عندنا يحتمل مَعْنَيين: يحتمل ولا تَعُد أن تركع دون الصف حتى تقوم في الصف كما قد روى عنه أبو هريرة.

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المُقدّميُّ، قال: ثنا عمر بن علي، قال: حدثني ابن عجلان، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أتى أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف حتى يأخد مكانه من الصف".

ويحتمل قوله: "ولا تَعُدْ" أي ولا تَعُد أن تسعى إلى الصف سعيًا يحفزك فيه النفس كما جاء عنه في غير هذا الحديث.

حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمّي، قال: حدثني إبراهيم بن سعد، عن أبيه (ح).

وحدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهبٌ، قال: ثنا شعبة، عن سَعْد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا أُقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تَسْعون وائتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصَلّوا، وما فاتكم فأَتِمُّوا".

ص: 199

حدثنا محمَّد بن خزيمة وفهدٌ، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا الليث، عن ابن الهاد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة

فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال:"فاقضوا".

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا محمَّد بن عبد الله الأنصاري، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة

فذكر بإسناده مثله.

حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام مثله.

حدثنا إسماعيل بن يحيى، قال: ثنا محمَّد بن إدريس، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول عليه السلام مثله.

حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخَصِيبُ، قال: ثنا همامٌ، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام مثله.

حدثنا ربيعٌ المؤذن، قال: ثنا أسدٌ، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن محمَّد

فذكر بإسناده مثله.

حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا القَعْنبي، قال: ثنا مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه السلام: "إذا ثُوِّبَ بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تَسْعون وائتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا".

حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن العلاء، عن أبيه، وعن إسحاق بن عبد الله، أنهما سمعا أبا هريرة يقول: قال رسول الله عليه السلام

ثم ذكر مثله، وزاد:"فإن أحدكم في صلاة ما كان يَعْمِدُ إلى الصلاة".

ش: تقرير السؤال أن يقال: لو كانت صلاة المنفرد خلف الصفّ صحيحةً بهذا الحديث لما كان لقوله: "ولا تعد" معنى.

ص: 200

وتقرير الجواب: أن قوله: "ولا تعد" يحتمل معنيين:

أحدهما: أن يكون معناه: ولا تعد أن تركع دون الصف حتى تقوم في الصف، فيكون هذا الكلام إرشادًا له في المستقبل إلى ما هو الأفضل.

والدليل عليه: حديث أبي هريرة الذي أخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم ابن داود البرلسي، عن محمد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدّمي البصري شيخ البخاري ومسلم، عن محمَّد بن عجلان المدني، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه السلام: "إذا أتى أحدكم الصلاة

" الحديث.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): عن يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان

إلى آخره.

وكذا قال ابن أبي شيبة في معنى هذا الحديث: وإليه ذهب إبراهيم النخعي والحسن البصري.

وعن الزهري (2): " أنه يركع قبل أن يصل إلى الصف، ثم يمشي راكعًا" وهكذا روى أبو أمامة عن زيد بن ثابت رضي الله عنه.

والمعنى الآخر: أن يكون معناه ولا تعد أن تسعى إلى الصف بحيث أن يحفزك النفس ويتوالى عليك مع النفخ.

والدليل عليه حديث أبي هريرة أيضًا الذي أخرجه من عشر طرق صحاح:

الأول: عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب أبي عبد الله المصري بَحْشَل بن أخي عبد الله بن وهب، وثقه عبد الله بن عبد الحكم، عن عمه عبد الله بن وهب، عن إبراهيم بن سَعْد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي المدني

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 230 رقم 2636).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 229 رقم 2624).

ص: 201

روى له الجماعة، عن أبيه سعد بن إبراهيم روى له الجماعة، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة.

وأخرجه الطيالسي في "مسنده"(1): من حديث سعد بن إبراهيم، قال: سمعت أبا سلمة يحدث، عن أبي هريرة، أن النبي عليه السلام قال:"ائتوا وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما سُبقتم فاقضوا".

الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم

إلى آخره.

وأخرجه أحمد في "مسنده"(2): ثنا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، سمعت أبا سلمة يحدث، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام أنه قال:"ائتوا الصلاة وعليكم السكينة فصلوا ما أدركتم واقضوا ما سُبِقْتُم".

قوله: "وأنتم تسعون" جملة اسمية حالية من الضمير المرفوع الذي في "فلا تأتوها" وكذلك "تمشون" حال، والمعنى: لا تأتوا الصلاة حال كونكم ساعين يعني جارين، وائتوها حال كونكم ماشين مستكنين يقال: سعيت في كذا وإلى كذا: إذا ذهبت إليه وعملت فيه، ومنه قوله تعالى:{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} (3) وفي "الصحاح": سَعَى الرجل يَسْعَى سعيًا أي عمدًا، والحكمة في إتيانها بسكينة والنهي عن السعي: أن الذاهب إلى الصلاة عامل في تحصيلها ومتوصل إليها، فينبغي أن يكون متأدبًا بآدابها، ويكون على أكمل الأحوال.

قوله: "عليكم السكينة" أي التأني والوقار، ومعنى "عليكم": الزموا.

الثالث: عن محمَّد بن خزيمة وفهد بن سليمان، كلاهما عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي سلمة

إلى آخره.

(1)"مسند الطيالسي"(1/ 308 رقم 2350).

(2)

"مسند أحمد"(2/ 382 رقم 8951).

(3)

سورة النجم، آية:[39].

ص: 202

وأخرجه أحمد (1): عن ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة:"وما فاتكم فاقضوا".

وأخرج (2) من حديث ليث، عن يزيد بن الهاد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة:"وما فاتكم فأتموا".

وقال أبو داود (3): قال الزُبَيدي وابن أبي ذئب وإبراهيم بن سعد ومعمر وشعيب بن أبي حمزة، عن الزهري:"وما فاتكم فأتموا".

وقال ابن عيينة عن الزهري وحده: "فاقضوا".

وفي رواية أبي نعيم الأصبهاني: "وما فاتكم فاقضوا"، وكذا ذكره الإسماعيلي من حديث سيار، عن يحيى.

فإن قيل: حكى البيهقي، عن مسلم أنه قال: لا أعلم هذه اللفظة رواها عن الزهري غير ابن عيينة وأخطأ.

قلت: تابعه ابن أبي ذئب فرواها عن الزهري كذلك، وكذا أخرج هذا الحديث أبو نعيم في "المستخرج على الصحيحين"، وفي مسند أبي قرة: عن ابن جريج، أُخبرت عن أبي سلمة، عن أبيه، عنه بلفظ:"وليقض ما سبقه"، وكذا في رواية مسلم:"واقض ما سبقك".

الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن محمَّد بن عبد الله الأنصاري

إلى آخره.

وأخرجه أبو داود مُعلقًا؛ وقال: قال محمَّد بن عمرو: عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.

وجعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة:"فأتموا".

(1)"مسند أحمد"(2/ 238 رقم 7249).

(2)

"مسند أحمد"(2/ 270 رقم 7650).

(3)

"سنن أبي داود"(1/ 156 رقم 572).

ص: 203

وابن مسعود، عن النبي عليه السلام.

وأبو قتادة وأنس عن النبي عليه السلام كلهم: "فأتموا".

الخامس: عن محمَّد بن خزيمة، عن سعيد بن منصور الخراساني، عن سفيان ابن عيينة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام نحوه.

وأخرجه النسائي (1): أنا عبد الله بن محمَّد بن عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، أبنا الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه السلام: "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها تسعون، وائتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا".

السادس: عن إسماعيل بن يحيى المزني، عن محمَّد بن إدريس الشافعي، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب المدني، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام.

وأخرجه البخاري (2): ثنا آدم، قال: ثنا ابن أبي ذئب، قال: ثنا الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام.

وعن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام قال:"إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا".

السابع: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن الخصيب بن ناصح، عن همام بن يحيى، عن هشام بن حسان، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام.

(1)"المجتبى"(2/ 114 رقم 861).

(2)

"صحيح البخاري"(1/ 228 رقم 610).

ص: 204

وأخرجه مسلم (1): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا الفضيل -يعني ابن عياض- عن هشام (ح).

وحدثني زهير بن حرب -واللفظ له- قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: نا هشام بن حسان، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ثُوِّب بالصلاة فلا يَسْعى إليها أحدكم، ولكن ليمش وعليه السكينة والوقار، صلّ ما أدركت واقض ما سبقك".

الثامن: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام.

وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا الحسين بن مهدي، قال: أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن أيوب، عن محمَّد بن سيرين، قال: قال رسول الله عليه السلام: "إذا أتى أحدكم -يعني الصلاة- فلا يَسْعَ إليها ، وليمشِ عليه السكينة والوقار، فليصل ما أدرك، وليقض ما سبقه".

التاسع: عن صالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن مسلمة القعنبي شيخ البخاري وأبي داود، عن مالك بن أنس، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه عبد الرحمن بن يعقوب الحُرَقي، عن أبي هريرة

إلى آخره.

وأخرجه مالك في "موطئه"(2).

قوله: "إذا ثوّب" من التثويب وهو إقامة الصلاة، والأصل في التثويب: أن يجيء الرجل مستصرخًا فيلوّح بثوبه ليرى ويَشْتهر فسُمّي الدعاء تثويبًا لذلك، وكل داع مثوِّب.

(1)"صحيح مسلم"(1/ 421 رقم 602).

(2)

"موطأ مالك"(1/ 68 رقم 150).

ص: 205

وقيل: إنما سُمِّي تثويبًا من ثَابَ يَثُوب إذا رجع، فهو رجوع إلى الأمر بالمبادرة إلى الصلاة، فإن المؤذن إذا قال: حيّ على الصلاة. فقد دعاهم إليها، فإذا قال بعده: الصلاة خير من النوم. فقد رجع إلى كلام معناه المبادرة إليها.

العاشر: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك

إلى آخره.

وأخرجه أحمد (1): ثنا عبد الله بن عمير، أنا مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله عليه السلام قال:"إذا ثُوّب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وائتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتمّوا، فإن أحدكم في صلاة ما كان يَعْمد إلى الصلاة".

وأخرجه مسلم (2): ثنا يحيى بن [أيوب](3)، وقتيبة بن سعيد وابن حُجْر، عن إسماعيل بن جعفر -قال ابن أيوب: نا إسماعيل- قال: أخبرني العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة

إلى آخره نحوه.

قوله: "ما كان يعمد" أي يقصد إلى الصلاة.

ويستفاد منه أحكام:

استحباب السكينة والتأني عند التوجه إلى الصلاة، وترك الجري والعدْو.

جواز قول الرجل: فاتتنا الصلاة، وأنه لا كراهة فيه عند جمهور العلماء، وكرهه ابن سيرين وقال: يقال: إنما لم ندركها، والحديث حجة عليه.

وأن الإتمام والقضاء المذكور في قوله: "أتموا واقضوا" هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين؟ وترتب على ذلك خلاف فيما يدركه الداخل مع الإِمام هل هو أول صلاته أو آخرها على أربعة أقوال:

(1)"مسند أحمد"(2/ 529 رقم 10859).

(2)

"صحيح مسلم"(1/ 421 رقم 602).

(3)

في "الأصل، ك""يحيى"، وهو وهم أو سبق قلم، والمثبت من "صحيح مسلم".

ص: 206

أحدها: أنه أول صلاته، وأنه يكون بانيًا عليه في الأفعال والأقوال، وهو قول الشافعي وإسحاق والأوزاعي وهو مرويّ عن علي وابن المسيب والحسن وعطاء ومكحول ورواية عن مالك وأحمد، واستدلوا بقوله:"وما فاتكم فأتموا"؛ لأن لفظ الإتمام واقع على باقٍ من شيء قد تقدم سائره.

وروى البيهقي (1): من حديث عبد الوهاب بن عطاء، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي رضي الله عنه:"ما أدركت فهو أول صلاتك".

وعن ابن عمر رضي الله عنهما بسند جيد مثله (1).

الثاني: أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال فيبني عليها، وآخرها بالنسبة إلى الأقوال فيقضيها، وهو قول مالك.

قال ابن بطال عنه: ما أدرك فهو أول صلاته إلا أنه يقضي مثل الذي فاته من القراءة بأم القرآن وسورة.

وقال سحنون: هذا الذي لم نعرف خلافه، دليله: ما رواه البيهقي (2) من حديث قتادة، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: قال: "ما أدركت مع الإِمام فهو أول صلاتك، واقض ما سبقك به من القرآن".

الثالث: أن ما أدرك فهو أول صلاته إلا أنه يقرأ فيها بالحمد وسورة مع الإِمام، وإذا قام للقضاء قضى بالحمد وحدها؛ لأنه آخر صلاته. وهو قول المزني وإسحاق وأهل الظاهر.

الرابع: أنه آخر صلاته وأنه يكون قاضيا في الأفعال والأقوال، وهو قول أبي حنيفة وأحمد في رواية ، وسفيان ومجاهد وابن سيرين.

وقال ابن الجوزي: الأشبه بمذهبنا ومذهب أبي حنيفة أنه آخر صلاته.

(1)"سنن البيهقي الكبرى"(2/ 298 رقم 3447).

(2)

"سنن البيهقي الكبرى"(2/ 298 رقم 3448).

ص: 207

قال ابن بطال: روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وإبراهيم النخعي والشعبي وأبي قلابة، ورواه القاسم عن مالك، وهو قول أشهب وابن الماجشون واختاره ابن حبيب، واستدلوا على ذلك بقوله عليه السلام:"وما فاتكم فاقضوا".

ورواه ابن أبي شيبة (1) بسند صحيح عن أبي ذر.

وابن حزم (2) بسند مثله عن أبي هريرة.

والبيهقي (3) بسند لا بأس به على رأي جماعة عن معاذ بن جبل رضي الله عنه.

والجواب عما استدل به الشافعي ومن معه وهو قوله: "فأتموا" أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإِمام، فحمل قوله:"فأتموا" على أَنَّ من قضى ما فاته فقد أتم؛ لأن الصلاة تنقص بما فات، فقضاؤه إتمام لما نقص.

وقال الشيخ محيي الدين: وحجة الجمهور أن أكثر الروايات "وما فاتكم فأتموا"، وأجابوا عن رواية "فاقض ما سبقك" أن المراد بالقضاء الفعل لا القضاء المصطلح عليه عند الفقهاء، وقد كثر استعمال القضاء بمعنى الفعل، فمنه قوله تعالي:{فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} (4) وقوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} (5)، و {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ} (6)، ويقال: قضيت حق فلان، ومعنى الجميع الفعل.

قلنا: أما الجواب عن قوله: "فأتموا" فقد ذكرناه آنفًا.

وأما قوله: المراد بالقضاء الفعل فمشترك الدلالة؛ لأن الفعل يطلق على الأداء والقضاء جميعًا، ومعنى {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ}: قدرهنّ، ومعنى

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 138 رقم 7402).

(2)

"المحلى"(5/ 74).

(3)

"السنن الكبرى"(2/ 296 رقم 3433).

(4)

سورة فصلت، آية:[12].

(5)

سورة البقرة، آية:[200].

(6)

سورة الجمعة، آية:[10].

ص: 208

{قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} : فرغتم عنها، وكذا معنى قوله:{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ} ، ومعنى قضيت حق فلان: أنهيتُ إليه حقه، ولئن سلمنا أن القضاء بمعنى الأداء فيكون مجازا، والحقيقة أولى من المجاز ولا سيما على أصلهم: المجاز ضروري لا يصار إليه إلا عند الضرورة والتعذر.

ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: أنا حُميد الطويل، عن أنس، عن النبي عليه السلام أنه قال:"إذا جاء أحدكم -يعني إلى الصلاة- فليمش علي هينةٍ، فليصلِّ ما أدرك وليقض ما سُبِق به منها".

ش: إسناده صحيح، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف العجلي البصري روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"(1).

والحديث أخرجه أحمد في "مسنده"(2) بأتم منه: ثنا ابن أبي عدي وسهل بن يوسف، عن حميد، عن أنس قال:"أقيمت الصلاة، فجاء رجل يسْعى وقد حَفَزه النَفسُ أو انتهر، فلما انتهى إلى الصف قال: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. فلما قضى رسول الله عليه السلام صلاته قال: أيكم المتكلم؟ فسكت القوم، فقال: أيكم المتكلم فإنه قال خيرًا أو لم يقل بأسًا؟ قال الرجل: يا رسول الله، أنا أسرعت المشي فانتهيت إلى الصف فقلت الذي قلت. فقال: لقد رأيت اثني عشر ملكًا يبتدرون بها أيهم يرفعها، ثم قال: إذا جاء أحدكم إلى الصلاة فليمش على هينته، فليصل ما أدرك وليقض ما سبقه".

ص: فالنظر عندنا يدلُّ على أن من صلّى خلف الصفّ فصلاته جائزة؛ وذلك أنهم لا يختلفون في رجل كان يصلي وراء الإمام في صف فخلا موضع رجل أمامه أنه ينبغي له أن يمشي إليه حتى يقوم فيه، وكذلك روي عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنها.

(1) ضعفه البخاري والنسائي والعقيلي وغيرهم ووثقه ابن معين.

(2)

"مسند أحمد"(3/ 106 رقم 12053).

ص: 209

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا عمرو بن مرة، قال: سمعتُ خيثمة بن عبد الرحمن يقول: "صليت إلى جنب ابن عمر رضي الله عنها، فرأى في الصَفِّ خللًا، فجعل يَغمزني أن أتقدم إليه وجَعلتُ إنما يَمْنَعني أن أتقدم الضِّنُ بمكاني إذا جلس أن أَبعُدَ منه، فلما أن رأى ذلك تقدَّم هو".

والذي يتقدم من صَفٍّ إلى صفٍّ على ما ذكرنا هو فيما بين الصفين في غير صف فلم يضره ذلك ولم يخرجه من الصلاة، فلو كانت الصلاة لا تجوز إلا لقائم في صف لفسدت على هذا صلاته لما صار في غير صفٍّ، وإن كان ذلك أقل القليل، كما أن من وقف على مكان نجس وهو يصلي أقل القليل أفْسَدَ ذلك عليه صلاته، فلما أجمعوا أنهم يأمرون هذا الرجل بالتقدم إلى ما قد خلا أمامه من الصفّ ولا يُفسُد عليه صلاته كونه فيما بين الصفين في غير صف؛ دلّ ذلك أن مَنْ صلّى دون الصف أن صلاته مجزئة عنه.

ش: تقرير وجه النظر: أن الأخصام كلهم اتفقوا على أن الرجل الذي يصلي وراء الإِمام في صف إذا رأى موضع رجل قد خلا من بين يديه ينبغي له أن يتقدم إلى ذلك الموضع ويقف فيه، ويسدُّ ذلك الخلل، فهذا بالاتفاق لا يضره ذلك ولا يفسد صلاته، فهذا في حالة تقدمه يكون بين الصَّفّين لا في صفّ بعيْنه، ومع هذا لا تفسد صلاته، فلو كانت الصلاة لا تجوز إلا لمن يقوم في صف؛ لكان ينبغي أن تفسد صلاة هذا الرجل حين صار في غير صف في حالة تقدمه، وإن كان ذلك في مدة يسيرة لما كان تفسد صلاة من وقف على مكان نجس وإن كان وقوفه عليه في مدة يسيرة، فلما أجمعوا أن هذا الرجل متقدم إلى الموضع الذي خلا بين يديْه، وأن كونه بين الصفّين في حال تقدّمه لا يفسد عليه صلاته لكونه صار في غير صف، دل ذلك أن من صلى دون الصف أن صلاته لا تفسد وإن كان في غير صفّ قياسًا على ما ذكرنا.

قوله: "أمامه" بفتح الهمزة بمعنى قدامه.

ص: 210

قوله: "ينبغي له أن يمشي إليه" عام يتناول الخطوة والخطوتين وأكثر، ولكن قَدَّره بعض أصحابنا بخطوة حتى لو مشى خطوتين أو أكثر فسدت صلاته، وقدره بعضهم بموضع السجود، كذا في "المحيط" ، ولكن كلام الطحاوي يدل على أن صلاته لا تفسد وإن كان بين الصفّين أكثر من خطوة مطلقًا.

قوله: "وكذلك روي" أي كما ذكرنا أن المصلي إذا رأى موضعًا خاليًا بين يديه ينبغي له أن يتقدم؛ روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنها.

أخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن شعبة، عن عمرو بن مرة المرادي الجملي الكوفي الأعمى روى له الجماعة، عن خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرة الكوفي، لأبيه صحبة ولجدّه أيضًا روى له الجماعة.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا وكيع، عن الأعمش، عن خيثمة قال:"صليت إلى [جنب] (2) ابن عمر رضي الله عنهما فرأى في الصف فرجةً، فأومأ إليّ فلم أتقدم، قال: فتقدم هو فَسدَّها".

قوله: "خللًا" أي فرجةً في الصف، وأصل الخلل: من التخلل بين الشيئين وهي الفرجة والثُّلْمة التي بينهما، وخلال الشيء: وسَطه.

قوله: "يَغْمزني" من غمزت الشيء بيدي وغمزته بَعيْني، والغمز الإشارة.

قوله: "أن أتقدم" مفعول لقوله: "إنما يمنعني" و"أن" مصدرية.

وقوله: "الضِّنُّ" مرفوع؛ لأنه فاعل لقوله: "يَمْنعني"، والمعنى إنما يمنعني الضِّنُّ التقدمَ، والضِّنّ -بكسر الضاد المعجمة- يقال: ضَنَنْتُ بالشيء أَضِنُّ به ضِنًّا وضنانةً إذا بخلتَ به، وهو ضَنِين به من باب عَلِمَ يَعْلَمُ، قال الفراء: ضَنَنْت بالفتح أَضِنُّ لغة يعني من باب ضرب يضرب.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 333 رقم 3822).

(2)

ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "مصنف ابن أبي شيبة".

ص: 211

قوله: "أن أبعد منه" أي لأن أبعد منه، أي لأجل البُعْد.

ص: وقد روي عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم ركعوا دون الصف ثم مشوا إلى الصفّ، واعتدُّوا بتلك الركعة التي ركعوها دون الصف، فمن ذلك ما حدثنا محمَّد بن عمرو بن يونس، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن سفيان، عن منصور، عن زيد بن وهب قال:"دخلتُ المسجد أنا وابن مسعود، فأدركنا الإِمام وهو راكع فركعنا، ثم مشينا حتى استوينا بالصفّ، فلما قضى الإِمام الصلاة قمت لأقضي، فقال عبد الله: قد أدركت الصلاة".

حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا بشير بن سليمان، قال: حدثني سيَّار أبو الحكم، عن طارق قال:"كنا مع ابن مسعود رضي الله عنه جلوسًا، فجاء آذنه فقال: قد قامت الصلاة، فقام وقمنا، فدخلنا المسجد، فرأى الناس ركوعًا في مقدم المسجد فكبّر وركع ومشى، ففعلنا مثل ما فعل به".

ش: أشار بهذا إلى أن المشي إلى الصف بعد الشروع في الصلاة غير مفسد، وأن الركعة التي يركعها الرجل دون الصفّ ثم يدخل في الصف مُعْتد بها، وأنه يدل على أن الانفراد دون الصف غير مفسد للصلاة.

وأخرج في ذلك عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من طريقين صحيحين:

أحدهما: عن محمَّد بن عمرو بن يونس، عن يحيى بن عيسى بن عبد الرحمن النهشلي أبي زكرياء الكوفي الجزار روى له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن زيد بن وهب الجهني أبي سليمان الكوفي رحل إلى النبي عليه السلام فقبض وهو في الطريق.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن زيد بن وهب قال: "خرجت مع عبد الله من داره إلى المسجد، فلما توسطنا المسجد ركع الإِمام فكبر عبد الله، ثم ركع وركعت معه، ثم مشينا راكعين حتى

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 229 رقم 2622).

ص: 212

انتهينا إلى الصف، حتى رفع القوم رءوسهم، قال: فلما قضى الإِمام الصلاة قمتُ وأنا أرى أني لم أدرك، فأخذ بيدي عبد الله فأجلسني وقال: إنك أدركت".

والطريق الآخر: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن بَشِير -بفتح الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة بعدها الياء آخر الحروف- بن سَلْمان -بفتح السين- أبي إسماعيل النَّهْدي الكوفي والد الحكم، روى له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه، عن سَيّار -بفتح السين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف- أبي الحكم العنزي الواسطي، ويقال البصري، روى له الجماعة، عن طارق بن عبد الرحمن البجلي الكوفي روى له الجماعة.

وأخرجه الطبراني (1): عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود نحوه.

ص: فإن اعتل في هذا معتل أن عبد الله إنما فعل ذلك لأنه صار هو وأصحابه صفًّا.

قيل له: ففد روي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه في ذلك ما حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل قال:"رأيت زيد بن ثابت دخل المسجد والناس ركوع، فمشى حتى إذا أمكنه أن يصل الصف وهو راكع كبَّر فركع، ثم دبَّ وهو راكع حتى وصل الصف".

حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني مالك وابن أبي ذئب، عن ابن شهاب

فذكر بإسناده مثله.

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا ابن أبي الزناد، قال: أخبرني أبي، عن خارجة بن زيد بن ثابت:"أن زيد بن ثابت كان يركع على عتبة المسجد ووجهه إلى القبلة، ثم يمشي معترضًا على شقه الأَيْمن، ثم يَعْتد بها إن وصل إلى الصف أو لم يَصِلْ".

(1)"المعجم الكبير"(9/ 271 رقم 9353).

ص: 213

ش: أي: فإن اعتل في ما روي من أثر ابن مسعود معتل أن عبد الله بن مسعود إنما فعل ذلك أي ما روي عنه من ركوعه دون الصف ثم مشيه إلى الصف واعتداده بتلك الركعة التي وقعت دون الصف؛ لأنه صار هو أي عبد الله وأصحابه صفًّا واحدًا.

بيانه: أن ما رويتم من ذلك لا يصلح حجةً لما ذهبتم إليه؛ لأن عبد الله بنمسعود وأصحابه كانوا صفًّا واحدًا، فيكون ركوعهم في صفٍّ، وهذا خلاف ما ذهبتم إليه.

والمعتل ها هنا اسم فاعل من اعتل، وأصله مُعْتلل -بكسر اللام وبفتحها- يكون اسم مفعول، فأدغمت اللام في اللام للموجب لذلك، ولا يفرق بين الفاعل والمفعول في مثل ذلك لفظًا ويفرق بالقرينة، فافهم.

وأجاب عنه بقوله: "قيل له" أي لهذا المعتل: "فقد روي عن زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه في ذلك" أي فيما ذكرنا.

وأخرجه من ثلاث طرق صحاح:

الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف الأنصاري من كبار التابعين روى له الجماعة، واسمه سعد، وقيل: سعيد، وقيل: اسمه كنيته.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا ابن عيينة، عن الزهري، عن أبي أمامة:"أن زيد ابن ثابت ركع قبل أن يصل إلى الصف ثم مشى راكعًا".

الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري

إلى آخره.

وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(2): عن معمر، عن الزهري، عن أبي أمامة

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 229 رقم 2624).

(2)

"مصنف عبد الرزاق"(؟؟؟).

ص: 214

ابن سهل بن حنيف قال: "رأيت زيد بن ثابت دخل المسجد والإمام راكع، فاستقبل، ثم ركع ثم دَبّ راكعًا حتى وصل إلى الصف".

الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه أبي الزناد -بالنون- اسمه عبد الله بن ذكوان، عن خارجة بن زيد بن ثابت: "أن زيد بن ثابت

" إلى آخره.

وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): عن وكيع، عن عبد الله بن عبد الرحمن ابن موهب، عن كثير بن أفلح، عن زيد بن ثابت:"أنه دخل والقوم ركوع فركع دون الصف، ثم دخل في الصف".

قوله: "ثم يَعتدّ بها" أي بتلك الركعة التي ركعها على عتبة المسجد سواء وصل إلى الصف أو لم يصل.

ص: فإن قال قائل: فأنتم تخالفون ما رويتموه عن ابن مسعود وزيد بن ثابت رضي الله عنهما وتقولون: لا ينبغي لأحد أن يركع دون الصف، قيل له: نعم، ولكن احتججنا بذلك عليك لِنُعْلِمَ أن أصحاب النبي عليه السلام كلهم لا يبطلون صلاة مَنْ دخل في الصلاة قبل وصوله إلى الصفِّ.

فإن قال قائل: فما الذي ذهبتم إليه حتى خالفتم عبد الله وزيدًا رضي الله عنهما؟

قيل له: ما قد رويناه في هذا الباب من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "لا يركع أحدكم دون الصف حتى يأخذ مكانه من الصف".

وقد قال بذلك الحسن رضي الله عنه: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا القواريريُّ، قال: حدثني يحيى بن سعيد، عن أشعث، عن الحسن:"أنه كره أن يركع دون الصف".

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 229 رقم 2625).

ص: 215

وكل ما بيّنا في هذا الباب من هذا من إجازة صلاة مَنْ صَلّى خلف الصفّ هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله.

ش: تقرير السؤال أن يقال من جهة الخصم: إنكم قد رويتم أثرَيْ عبد الله وزيد بن ثابت المذكورين آنفًا، ثم قد خالفتم حكمهما، فإنهما يدلان على جواز الركوع دون الصف من غير كراهة وأنتم قلتم: لا ينبغي لأحد أن يركع دون الصف.

وتقرير الجواب أن يقال: إنما نحن روينا أثرَيْ عبد الله وزيد لأجل الإعلام بأن الصحابة رضي الله عنهم كلهم لا يبطلون صلاة من دخل في الصلاة قبل وصوله إلى الصف فالمصلي خلف الصف وحده كذلك، فلا تبطل (1) صلاته، وهذه هي صورة النزاع.

ولكن ذهبنا فيما قلنا من كراهة الركوع دون الصفّ إلى ما روي عن أبي هريرة الذي مرّ ذكره في هذا الباب، وهو قوله عليه السلام:"إذا أتي أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه"، وهو مذهب الحسن البصري أيضًا.

أخرجه عنه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن عبيد الله ابن عمر بن مَيْسرة القواريري البصري شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن يحيى بن سعيد القطان، عن أشعث بن عبد الملك الحُمْراني، عن الحسن البصري.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): عن معمر، عن أبي العلاء قال:"سئل الحسن عن الرجل يركع قبل أن يصل إلى الصف، فقال: لا يركع".

وإليه ذهب إبراهيم النخعي أيضًا.

(1) حدث خلط في ترتيب المخطوط فكان [ق 168 - أ] مع [ق 169 - ب] والعكس.

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 230 رقم 2634).

ص: 216

فقال ابن أبي شيبة (1): ثنا جرير، عن مغيرة قال:"قلت لإبراهيم: إذا دخلتُ المسجد والإمام راكع أأركع قبل أن أنتهي إلى الصفِّ؟ قال: أنت لا تفعل ذلك".

وهو مذهب أبي هريرة أيضًا، وقد قدمنا أن ذلك رُويَ عنه مرفوعًا وموقوفًا: فالمرفوع أخرجه الطحاوي، والموقوف أخرجه ابن أبي شيبة (2)، والله أعلم.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 230 رقم 2635).

(2)

تقدم.

ص: 217