المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ص: باب: الرجل يصلي الفريضة خلف من يصلي تطوعا - نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار - جـ ٦

[بدر الدين العيني]

الفصل: ‌ص: باب: الرجل يصلي الفريضة خلف من يصلي تطوعا

‌ص: باب: الرجل يصلي الفريضة خلف مَنْ يصلي تطوعًا

ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يصلي الفرض خلف من يصلي التطوع؛ هل يجوز له ذلك أم لا؟

وجه المناسبة بين البابين: أن كلًا منهما مشتمل على بيان صلاة فاسدة؛ أما الأول فلأنه في بيان فساد صلاة الصحيح قاعدًا خلف من يصلي قاعدًا لعجزٍ، وهذا في بيان فساد صلاة المفترض خلف المتنفل.

ص: روى جابر بن عبد الله رضي الله عنه: "أن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان يصلي مع النبي عليه السلام العشاء، ثم يرجع فيصليها بقومه في بني مسلمة". وقد ذكرنا ذلك بإسناده في باب "القراءة في صلاة المغرب".

ش: أخرج الطحاوي هذا الحديث في باب "القراءة في صلاة المغرب" عن أبي بكرة بكار القاضي، عن إبراهيم بن بشار، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر رضي الله عنه قال: "كان معاذ بن جبل رضي الله عنه يصلي مع النبي عليه السلام ثم يرجع فيؤمنا

" الحديث، وقد ذكرنا هناك أن البخاري (1) ومسلمًا (2) وأبا داود (3) والنسائي (4) أخرجوه بألفاظ مختلفة وطرق متباينة.

ص: فذهب قومٌ إلى أن الرجل له أن يصلي النافلة ويأتمّ به مَنْ يصلي الفريضة واحتجوا في ذلك بهذا الأثر.

ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح وطاوسًا والأوزاعيّ وأبا رجاء والشافعي وسليمان بن حرب وأبا ثور وابن المنذر وأبا إسحاق الجوْزجاني وأحمد

(1)"صحيح البخاري"(1/ 248 رقم 669).

(2)

"صحيح مسلم"(1/ 339 رقم 465).

(3)

"سنن أبي داود"(1/ 163 رقم 600).

(4)

"المجتبى"(2/ 102 رقم 835).

ص: 274

في أصح روايتَيْه؛ فإنهم قالوا: تجوز صلاة المفترض خلف المتنفل، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور.

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يجوز لرجل أن يُصلي فريضةً خلف مَنْ يُصلي نافلةً.

ش: أي خالف القوم المذكورين جماعةً آخرون، وأراد بهم: الزهريّ والنخعي وسعيد بن المسيب والحسن البصري ومجاهدًا وأبا حنيفة ومالكًا وأبا يوسف ومحمدًا وأبا قلابة وربيعة بن أبي عبد الرحمن ويحيى بن سعيد الأنصاري وأحمد في رواية ابن الحارث وحنبلٍ؛ فإنهم قالوا: لا تجوز صلاة المفترض خلف المتنفل.

وقال ابن بطال: ولا اختلاف أعظم من اختلاف النيات؛ ولأنه لو جاز بناء المفترض على صلاة المتنفل لما شرعت صلاة الخوف مع كل طائفة بعضها، وارتكاب الأعمال التي لا تصح الصلاة معها في غير الخوف؛ لأنه عليه السلام كان يمكنه أن يصلي مع كل طائفة جميع صلاته وتكون الثانية له نافلة وللطائفة الثانية فريضة.

ص: وقالوا: ليس في حديث معاذ رضي الله عنه هذا إنما كان يُصلي بقومه نافلةً أو فريضةً، فقد يجوز أن يكون كان يصلي مع النبي عليه السلام نافلة ثم يأتي قومَه فيصلي بهم فريضة فإن كان ذلك كذلك فلا حجة لكم في هذا الحديث ويحتمل أن يكون كان يصلي مع النبي عليه السلام فريضة ثم يُصلي بقومه تطوعًا كما ذكرتم، فلما كان الحديث يحتمل الأمرين لم يكن أحدهما أولى من الآخر، ولم يكن لأحد أن يصرفه إلى أحد المعنيين دون المعنى الآخر إلا بدلالةٍ تدل على ذلك.

ش: أي قال الآخرون: ليس في حديث معاذ المذكور ...... إلى آخره.

حاصله: أن هذا له احتمالان كما ذكرهما، فلا يمكن الاحتجاج به متمسكًا بأحد الاحتمالين لعدم دليل يدل على ذلك، فإذًا سقط الاحتجاج به؛ لأن الذهاب إلى أحدهما بدون دليل ترجيح بلا مرجح فهو باطل.

ص: 275

فإن قيل: لا يُظن بمعاذ أنه يترك فضيلة فرضه خلف النبي عليه السلام ويأتي بها مع قومه.

قلت: قال ابن العربي: فضيلة النافلة خلفه لتأدية فريضة لقومه يقوم مقام أداء الفريضة معه، وامتثال أمره عليه السلام في إمامة قومه زيادة طاعة، وهذا الكلام مما يرجح الاحتمال الأول من الاحتمالين الذين ذكرهما الطحاوي، فحينئذٍ لم يبق في الحديث حجة أصلًا لهؤلاء الطائفة.

ص: فقال أهل المقالة الأولى: فإنا قد وجدنا في بعض الآثار أن ما كان يُصلّيه بقومه هو تطوع وأن ما كان يصليه مع النبي عليه السلام هو فريضة، وذكروا في ذلك ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن عمرو، قال: أخبرني جابرٌ: "أن معاذًا كان يُصلّي مع النبي عليه السلام العشاء ثم ينصرف إلى قومه فيصلّي بهم هي له تطوّع ولهم فريضةٌ.

فكان من حجة الآخرين عليهم أن ابن عُيَيْنة روى هذا الحديث عن عمرو بن دينار كما رواه ابن جريج، وجاء به تامًّا وساقَه أحسن من سياقة ابن جريج، غير أنه لم يقل فيه هذا الذي قاله ابن جريج:"هي له تطوع ولهم فريضة"، فيجوز أن يكون ذاك من قول ابن جريج، ويجوز أن يكون من قول عمرو بن دينار، ويجوز أن يكون من قول جابرٍ رضي الله عنه، فمن أي هؤلاء الثلاثة كان؟ القول فليس فيه شيء دليل على حقيقة فعل معاذ رضي الله عنه أنه كذلك؛ لأنهم لم يحكوا ذلك عن معاذ، إنما قالوا قولًا على أنه عندهم كذلك، وقد يجوز أن يكون في الحقيقة بخلاف ذلك، ولو ثبت ذلك أيضًا عن معاذ لم يكن في ذلك دليل أنه كان بأمر النبي عليه السلام، ولا أن النبي عليه السلام لو أخبره به لأقرّه أو غيّره، وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أخبره رفاعة بن رافع أنهم كانوا يجامعون على عهد النبي عليه السلام ولا يغتسلون حتى يُنْزِلوا، فقال له عمر: أفاخبرتم النبيّ عليه السلام بذلك فَرضِيهُ لكم؟ قال: لا. فلم يجعل ذلك عمر رضي الله عنه حجةً، فكذلك هذا الفعل لو ثبت أن معاذًا فعله في عهد النبي عليه السلام لم يكن في ذلك دليل أنه بأمر النبي عليه السلام.

ص: 276

ش: هذا جواب عن أهل المقالة الأولى عما قاله أهل المقالة الثانية من قولهم: "فلما كان هذا الحديث يحتمل الأمرين ...... " إلى آخره.

بيانه أن يقال: إنكم قلتم إن هذا الحديث لا يتم به الاحتجاج؛ لاحتماله الأمرين اللذين لم يكن أحدهما أولى من الآخر لعدم المرجح، فها نحن قد وجدنا في بعض الأحاديث أن ما كان يصليه معاذ بقومه كان تطوعًا له، وأن ما كان يصليه مع النبي عليه السلام كان فريضة.

وذكروا في ذلك ما أخرجه إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه

إلى آخره

وأخرجه الدارقطني في "سننه"(1): ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا إبراهيم بن مرزوق

إلى آخره نحوه.

وأخرجه الشافعي أيضًا في "مسنده"(2): بسند صحيح، عن عبد المجيد، عن ابن جريج، عن عَمرو.

قال البيهقي: هذا حديث ثابت، لا أعلم حديثًا يُرْوى من طريق واحدة أثبت من هذا ولا أوثق رجالًا.

وأجاب عنه بقوله: فكان من حجة الآخرين عليهم، أي فكان من دليل الجماعة الآخرى وهم أهل المقالة الثانية على أهل المقالة الأولى.

تقريره: أن هذه الزيادة التي ذكرها ابن جريج في روايته وهي قوله: "هي له تطوع ولهم فريضة" يحتمل أن يكون قولًا من رأيه، أو يكون من عمرو بن دينار، أو يكون من جابر بن عبد الله، وأيًّا ما كان فليس فيه دليل على حقيقة فعل معاذ رضي الله عنه؛ لأن النية أمر باطن لا يطلع عليه أحد إلا بإخبار الناوي، فجاز

(1)"سنن الدارقطني"(1/ 274 رقم 1).

(2)

"مسند الشافعي"(1/ 57).

ص: 277

أن تكون نيته مع النبي عليه السلام فرضًا وجاز أن تكون نفلًا، ولم يرد عن معاذ ما يدل على أحدهما، وإنما يُعرف ذلك بإخباره.

وزعم أبو البركات بن تيمية أن الإِمام أحمد ضعف هذه الزيادة، وقال: أخشى ألا تكون محفوظة.

وقال ابن الجوزي: هذه الزيادة لا تصح، ولو صحّت كان ظنًّا من جابر رضي الله عنه.

وكذا ذكره ابن العربي في "العارضة".

وقال الطحاوي: الدليل على عدم صحة هذه الزيادة: أن سفيان بن عيينة روى هذا الحديث عن عمرو بن دينار ولم يذكرها في روايته.

قلت: أخرج حديثه مسلم (1) بدون هذه الزيادة.

حدثني محمد بن عباد، قال: ثنا سفيان، عن عمرو، عن جابر- رضي الله عنه قال:"كان معاذ رضي الله عنه يصلي مع النبي عليه السلام، ثم يأتي فيؤم قومه، فصلى ليلةً مع النبي عليه السلام العشاء، ثم أتى قومه فأمهم فافتتح بسورة البقرة، فانحرف رجلٌ فسلّم، ثم صلى وحده، وانصرف، فقالوا له: أنافقت يا فلان؟ قال: لا والله، ولآتين رسول الله عليه السلام فلأُخبرنّه، فأتى رسول الله عليه السلام فقال: يا رسول الله عليه السلام، إنا أصحاب نواضح نعمل بالنهار، وإن معاذًا صلى معك العشاء ثم أتى فافتتح بسورة البقرة، فأقبل رسول الله عليه السلام على معاذ، فقال: يا معاذ، أفتّانٌ أنت؟ اقرأ بكذا واقرأ بكذا". قال سفيان: فقلت لعمرو: إن أبا الزبير حدثنا، عن جابر أنه قال:"اقرأ {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} (2)، {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} (3)، {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} (4). فقال عَمرو: نحو هذا". انتهى.

(1)"صحيح مسلم"(1/ 339 رقم 465).

(2)

سورة الشمس.

(3)

سورة الضحى.

(4)

سورة الأعلى.

ص: 278

قلت: ورواه أيوب أيضًا، عن عمرو بدون هذه الزيادة.

وأخرجه البخاري (1) ومسلم (2) أيضًا: من حديث أيوب، عن عمرو، عن جابر:"أن معاذًا كان يصلي مع النبي عليه السلام ثم يأتي قومه فيصلّي بهم".

ورواه شعبة أيضًا، عن عمرو.

وأخرجه البخاري (3) أيضًا: عنه، عن عمرو، عن جابر:"أن معاذًا كان يصلي مع النبي عليه السلام، ثم يرجع فيؤم قومه".

ورواه منصور بن زاذان أيضًا عن عمرو.

وأخرجه مسلم (2) أيضًا: عنه، عن عمرو، عن جابر نحوه.

قوله: "ولو ثبت ذلك أيضًا

" إلى آخره، جواب بطريق التسليم، بيانه أن يقال: سلمنا أن ما ذكرتم من الزيادة ثبتت في حديث معاذ رضي الله عنه، ولكن لا نُسلَّم أن فيه دليلًا على أنه كان ذلك عن معاذ بأمر النبي عليه السلام، فإذا لم يقم دليل على أن هذا كان بأمر النبي عليه السلام لم تقم به حجة على المدّعى، ولا فيه دليل على أنه لو أخبر ذلك للنبي عليه السلام؛ لكان أقرّه أو غيّره.

ونظير ذلك قضية رفاعة بن رافع رضي الله عنه فإنه أخبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه "أنهم كانوا يجامعون على عهد النبي عليه السلام ولا يغتسلون إلا عند الإنزال، فقال له عمر رضي الله عنه: أفأخبرتم النبي عليه السلام بذلك فَرَضِيَه لكم؟ قال رفاعة: لا".

فلم يجعل عمر رضي الله عنه ذلك حجة في ترك الغسل بالإيلاج من غير إنزال، فكذلك فعل معاذ -لو سلمنا أنه فعلهُ- في عهد النبي عليه السلام، ولكن ليس فيه دليل على أنه كان بأمر النبي عليه السلام فلا تقوم به حجة.

على أنه قد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: "الإِمام ضامن".

(1)"صحيح البخاري"(1/ 250 رقم 679).

(2)

"صحيح مسلم"(1/ 340 رقم 465).

(3)

"صحيح البخاري"(1/ 248 رقم 668).

ص: 279

أخرجه ابن حبان في "صحيحه"(1)، يعني: يضمن الصلاة صحةً وفسادًا، والفرض ليس مضمونًا في النفل، وقد يجاب بأن معاذًا رضي الله عنه كان يصلّي مع النبي عليه السلام صلاة النهار ومع قومه صلاة الليل، فأخبر الراوي في قوله:"فهي لهم فريضة وله نافلة" بحال معاذ في وقتين لا في وقت واحد، والله أعلم.

ص: وقد روينا عن النبي عليه السلام ما يدلّ على خلاف ذلك:

حدثنا فهدٌ، قال: ثنا يحيى بن صالح الوُحَاظيّ (ح).

وحدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن مَسْلمَة بن قَعْنب، قالا: ثنا سليمان بن بلال، قال: ثنا عمرو بن يحيى المازني، عن معاذ بن رفاعة الزُّرَقيّ:"أن رجلًا من بني سلمة يقال له سُلَيْم أتى النبي عليه السلام فقال له: إنا نظَلّ في أعمالنا، فنأتي حين نُمْسِي فنُصلّي، فيأتي معاذ بن جبل رضي الله عنه فينادي بالصلاة، فَنأتيه فيُطوَّلُ علَيْنا. فقال النبي عليه السلام: يا معاذ، لا تكن فتانًا، إما أَنْ تصلّي معي، وإما أن تُخفّف على قومك".

فقول النبي عليه السلام هذا لمعاذ يدلّ على أنه عند رسول الله عليه السلام كان يَفْعَلُ أحدَ الأَمرين؛ إما الصلاة معه وإما الصلاة لقومه، وأنه لم يكن يجمعها؛ لأنه قال:"إما أن تُصلّي معي" أي ولا تصلي مع قومك "وإما أن تخفّف بقومك" أي ولا تصلي معي.

فلما لم يكن في الآثار الأُوَل من قول النبي عليه السلام شيءٌ، وكان في هذا الأثر ما ذكرنا، ثبت بهذا الأمر أنه لم يكن من النبي عليه السلام في ذلك المعنى شيء مُتقدمٌ، ولا علمنا أنه كان في ذلك أيضًا منه شيء متأخرٌ فَتَجبُ به الحجةُ عَليْنَا، ولو كان في ذلك من رسول الله عليه السلام أمرٌ كما قال أهل المقالة الأولى لاحتملَ أن يكون ذلك من رسول الله عليه السلام في وقت ما كان الفريضة تُصلّى مرتين، فإن ذلك قد كان

(1)"صحيح ابن حبان"(4/ 559 رقم 1671).

ص: 280

يُفعلُ في أول الإِسلام حتى نهى عنه النبي عليه السلام، وقد ذكرنا ذلك بأسانيده في باب صلاة الخوف.

ففعل معاذ الذي ذكرنا يحتمل أن يكون كان قبل النهي عن ذلك، ثم كان النهي لنسخه، ويحتمل أن يكون بعد ذلك، فليس لأحد أن يجعله في أحد الوقتين إلا كان لمخالفه أن يجعله في الوقت الآخر، فهذا حكم هذا الباب من طريق معاني الآثار.

ش: أي وقد روينا عن النبي عليه السلام في حديث معاذ رضي الله عنه ما يدلّ على خلاف ما روينا عنه من حديثه الذي مضى فيما سلف.

وهو ما أخرجه من طريقين رجالهما ثقات، ولكن معاوية بن رفاعة لم يدرك سُلَيْمان، فيكون الحديث مُرسلًا وسُلَيم هو ابن الحارث بن ثعلبة رضي الله عنه

الطريق الأول: عن فهد بن سليمان الكوفي نزيل مصر، عن يحيى بن صالح الوُحَاظِي الدمشقي شيخ البخاري، عن سليمان بن بلال القرشي المدني روى له الجماعة، عن عمرو بن يحيى المازني المدني روى له الجماعة، عن معاذ بن رفاعة ابن رافع الأنصاري الزُرَقي المدني روى له الجماعة غير مسلم وابن ماجه.

وأخرجه أحمد في "مسنده"(1): عن عَفّان، عن وُهَيْب، عن عمرو بن يحيى

إلى آخره نحوه.

الثاني: عن علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة الكوفي، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ البخاري وأبي داود ومسلم، عن سليمان بن بلال

إلى آخره.

وأخرجه الطبراني في "الكبير"(2): ثنا محمد بن علي الصائغ المكي، ثنا القعنبي، ثنا سليمان بن بلال، عن عمرو بن يحيى، عن معاذ بن رفاعة الزُّرَقي: "أن

(1)"مسند أحمد"(5/ 74 رقم 20718).

(2)

"المعجم الكبير"(7/ 67 رقم 6391).

ص: 281

رجلًا من بني سلمة يُقال له: سُلَيم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إنا نَظَلُّ في أعمالنا، فنمشي حين نُمسي، فيأتي معاذ بن جبل فينادي بالصلاة، فنأتيه، فيطوّل علينا. فقال رسول الله عليه السلام: يا معاذ، لا تكن فتانا، إما أن تصلي معي وإما أن تخفف عن قومك. ثم قال: يا سُليم، ما معك من القرآن؟ قال: معي أن أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، والله ما أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ -قال رسول الله عليه السلام: وهل دندنتي ودندنة معاذ إلا أن نسأل الله الجنة ونعوذ به من النار- ولكن سترون غدًا إذا لقينا القوم -والناس يتجهزون إلى أُحد- فخرج الرجل فاستُشْهد".

قوله: "من بني سلِمة" بكسر اللام.

قوله: "إنا نظلّ" من ظَلِلْتُ أَعمل -كذا بالكسر- ظُلُولًا إذا عملته بالنهار دون الليل، ومنه قوله تعالى {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} (1) وهو من شواذ التخفيف.

قوله: "فينادي بالصلاة" أراد فيؤذن لها؛ لأن النداء إلى الصلاة هو الأذان.

قوله: "لا تكن فتَّانًا" فعَّال -بالتشديد- مبالغة فاتن، وأراد به: لا تكن سببًا لتفريق الجماعة بتطويل الصلاة.

قوله: "ما أُحسن دندنتك" الدندنة: أن يتكلم الرجل بالكلام تُسْمع نغمتَه ولا يُفهم، وهو أرفع من الهَينمة قليلًا.

قوله: "فقول النبي عليه السلام هذا لمعاذ" إشارة إلى قوله عليه السلام: "معاذ لا تكن فتّانًا، إما أن تصلي معي وإما أن تخفف على قومك"، وهذا دليل على أن معاذًا رضي الله عنه كان يفعلُ أحد الأمرين، إما الصلاة مع النبي عليه السلام، وإما الصلاة لقومه، وأنه لم يكن يجمع بين الأمرين؛ لأن معنى قوله:"إما أن تصلي معي": لا تُصلّ مع قومك، ومعنى قوله:"إما أن تخفف بقومك": لا تُصلّ معي، وهذا المعنى لم يكن في الأحاديث الأولى، فإذا كان الأمر كذلك ثبت أنه لم يكن من النبي عليه السلام في

(1) سورة الواقعة، آية:[65].

ص: 282

ذلك المعنى شيء متقدم، وأراد بـ"ذلك المعنى" هو قوله:"لم يكن في ذلك دليل أنه كان بأمر النبي عليه السلام ولا أن النبي عليه السلام لو أخبره به لأقره أو غيَّره"، فحاصل الكلام: ظهر من هذا الحديث أنه لم يكن من النبي عليه السلام شيء دل على أن معاذًا لو أخبر النبي عليه السلام بصلاته مع النبي عليه السلام على نيّة الفرض ومع قومه على نية التطوع له

أنه قرّره على ذلك، ولا شيء دلّ على أنه قد غيَّر ذلك في المستقبل فحينئذٍ لا تجب به الحجة علينا، وإنما كان تجب به الحجة علينا أن لو كان قرره على ذلك بعد إخباره إليه.

قوله: "ولو كان في ذلك من رسول الله عليه السلام أمرٌ

" إلى آخره، جواب بطريق التسليم، تقريره أن يقال: ولئن سلمنا أنه كان من النبي عليه السلام شيء يدل على ما يدعيه أهل المقالة الأولى من جواز صلاة المفترض خلف المتنفل بالحديث المذكور، ولكن لا نسلم أنه كان مستمر الحكم إلى آخر الوقت، بل إنما كان في ذلك الوقت الذي كان الفريضة تصل فيه مرتين، فإن هذا كان يفعل في ابتداء الإِسلام ثم نهى النبي عليه السلام عن ذلك، فإذا كان الأمر كذلك يكون ما ذكروه من جواز صلاة المفترض خلف المتنفل منسوخًا.

فإن قيل: هذا الذي ذكره الطحاوي احتمال، وإثبات النسخ بالاحتمال لا يجوز.

قلت: هذا واقع، وأدل الدليل على ما ذكره من النسخ هو أن إسلام معاذ بن جبل رضي الله عنه متقدّم، وقد صلى النبي عليه السلام بعد سنتين من الهجرة صلاة الخوف غير مرةٍ من وجه وقع فيه مخالفة ظاهرة بالأفعال المنافية للصلاة، فلو جازت صلاة المفترض خلف المتنفل لأمكن إيقاع الصلاة مرتين على وجه لا تقع فيه المنافاة والمفسدات في غير هذه الحالة، وحيث صُلَّيتْ على هذا الوجه مع إمكان دفع المفسدات على تقدير جواز اقتداء المفترض بالمتنفل دل على أنه لا يجوز ذلك، وقد يقال: يحتمل أن يكون حديث معاذ كان في أول الإِسلام وقت عدم القرّاء

ص: 283

ووقت لا عوض للقوم عن معاذ، فكانت حال ضرورة فلا تجعل أصلًا يُقاس عليه، والله أعلم.

ص: وأما حكمه من طريق النظر: فإنا قد رأينا صلاة المأمومين مُتَضمَّنةً لصلاة إمامهم في صحتها وفسادها، من ذلك: أنا رأينا الإمام إذا سهَا وجب على مَنْ خلفه بسهوه ما وجب عليه، وإن سَهَوْا هم ولم يَسْهُ هو لم يجب عليهم ما يجب على الإمام إذا سها فيها، فلما ثبت أن المأمومين يجب عليهم حكم السهو بسَهْو الإِمام ويَنتفي عنهم حكم السهو بانتفائه عن الإِمام؛ ثبت أن حكمهم في صلاتهم حكم الإمام في صلاته، وأن صلاتهم مُضمّنة لصلاته، ولما كانت صلاتهم مضمنة لصلاته لم يجزن تكون صلاتهم خلاف صلاته، فثبت بذلك أن المأموم لا يجوز أن تكون صلاته خلاف صلاة إمامه.

ش: أي: وأما حكم هذا الباب من طريق النظر والقياس، فإنا قد رأينا

إلى آخره.

تقريره أن يُقال: لا شك أن الإمام ضامن لما ذكرنا من قوله عليه السلام: "الإِمام ضامن".

أخرجه ابن حبان في "صحيحه".

ثم معنى الضمان أنه يضمن صلاة المأمومين صحةً وفسادًا، فتكون صلاتهم مضمنة لصلاته؛ ولهذا إذا سها الإِمام يجب على القوم ما يجب عليه بسهوه، فإذا كان كذلك لم يجز أن تكون صلاتهم خلاف صلاته؛ لأن الإِمام إذا كان متنفلًا لم تكن تحريمته منعقدةً لما يبني عليه المقتدي وزيادة لصلاة الفرض.

والفرضية وإن لم تكن صفة زائدة على ذات الفعل فليست راجعةً إلى الذات أيضًا بل هي من الأوصاف الإضافية، فحينئذٍ لا يصح البناء من المقتدي بخلاف اقتداء المتنفل بالمفترض؛ لأن النفلية ليست من باب الصفة؛ إذْ النفل عبارة عن أصل لا وصف له فكانت تحريمة الإِمام منعقدة لما يبني عليه المقتدي وزيادة، فيصح البناء.

ص: 284

قوله: "مُضمَّنة" بفتح "الميم" الثانية.

قوله: "فثبت بذلك أن المأموم

" إلى آخره، نتيجة المقدمتين المذكورتين.

ص: فإن قال قائل: فإنا قد رأيناهم لم يختلفوا أن للرجل أن يصلي تطوعًا خلف من يصلي فريضةً فكما كان للمصلي تطوعًا يجوز أن يأتم بمن يُصلي فريضةً كان كذلك يجوز للمُصلّي فريضةً أن يُصلّيها خلف من يصلّي تطوعًا.

قيل له: إن سبب التطوع هو سبب بعض الفريضة؛ وذلك أن الذي يدخل في الصلاة ولا يريد شيئًا عن ذلك من نافلة ولا فريضة يكون ذلك داخلًا في نافلة، وإذا نوى الدخول في الصلاة ونوى الفريضة كان بذلك داخلًا في الفريضة فصار يكون داخلًا في الفريضة بالسبب الذي به دخل في النافلة، وبسبب آخر، فلما كان ذلك كذلك كان الذي يصلي تطوعًا وهو يأتم بمن يُصلّي فريضة هو في صلاة له في كلها إمام، والذي يُصلّي فريضةً ويأتم بمن يُصلّي نافلة هو في صلاةٍ له في بعض سببها الذي يدخل فيها إمام، وليس له في بقيته إمام، فلم يجز ذلك.

ش: هذا السؤال وارد على النتيجة المذكورة وهي قوله: "فثبت بذلك أن المأموم لا يجوز أن يكون في صلاته خلاف صلاة إمامه".

تقريره أن يقال: صلاة المتنفل خلف المفترض جائزة إجماعًا، ومع هذا بَيْن صلاتيهما مغايرة، فعلى هذا ينبغي أن تجوز أيضًا صلاة المفترض خلف المتنفل.

وتقرير الجواب أن يقال: إن المتطوع يُريد مطلق الصلاة لله تعالى؛ لأنه ليس لصلاة التطوع صفَة زائدة على أصل الصلاة ليحتاج إلى أن ينويها، والمفترِض يريدُ صلاة مخصوصةً؛ لأن الفريضة صفة زائدة على أصل الصلاة ولهذا لا تكفيه نية مطلق الصلاة، حتى قالوا: لا يكفيه مطلق نية الفرض أيضًا بل ينوي فرض الوقت أو طهر الوقت مثلًا؛ لأن غيرها من الصلوات المفروضة مشروعة في

ص: 285

الوقت ولا بد من التعيين، فظهر من ذلك أن الذي يدخل الفريضة يَصيرُ داخلًا بشيئين:

الأول: هو الذي يدخل به في النافلة.

والثاني: هو القدر الزائد عليه، والذي يدخل في النفل يصير داخلًا بشيء واحد: وهو إرادته مطلق الصلاة، ومطلق الصلاة نفل، فإذا كان كذلك يكون المتنفل خلف المفترض داخلًا في صلاة له في كلها إمام، والمفترض خلف المتنفل يكون داخلًا في صلاة له ليس في كلها إمام، بل هو إمام في بعضها وهو بعض سبب الفريضة وليس بإمام في بقيته، فلا يجوز ذلك، والله أعلم.

ص: فإن قال قائل: فإنا قد روينا عن عمر رضي الله عنه: "أنه صلى بالناس جُنبًا وأعاد ولم يعيدوا"، فدل ذلك أن صلاتهم لم تكن مضمنةً لصلاته.

فقال مخالفهم: إنما فعل ذلك لأنه لم يشعر بأن الجنابة كانت من قبل الصلاة فأخذ لنفسه بالحَوْطة، فأعاد ولم يأمر غيرَه بإعادةٍ، فقد ذكروا في ذلك ما حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء الغداني، قال: ثنا زائدة بن قدامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زُيَيْد بن الصلت قال، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"قد احتلمتُ وما شعرتُ، وصليتُ وما اغتسلتُ، ثم قال: أغسِلُ ما رأيتُ وأنضح ما لم أَرَ، ثم قام وصلّى متمكنًا وقد ارتفع الضحى".

حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زُيَيْد بن الصَلْت أنه قال:"خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فنظر فإذا هو قد احتلم فصلى ولم يغتسل، فقال: والله ما أدري إلا وقد احتلمت وما شعرت وصليت وما اغتسلت قال: فاغتسل وغسل ما رأى في ثوبه ونضح ما لم يَرَ، فأذن فأقام الصلاة، ثم صلى بعد ما ارتفع الضحى متمكنًا".

فدل هذا على أن عمر رضي الله عنه لم يكن تيقن بالحدث الجنابة كانت منه قبل الصلاة.

ص: 286

ش: هذا اعتراض أورده أهلُ المقالة الأولى على ما قاله أهل المقالة الثانية من قولهم: إنا قد رأينا صلاة المأمومين مضمنة لصلاة إمامهم في صحتها وفسادها.

تقريره أن يقال: ما ذكرتم من قولكم: إن صلاة المأمومين مضمنةً لصلاة إمامهم غير صحيح؛ وذلك لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلى بالناس جنبًا ثم أعاد صلاته والقوم لم يُعيدوا، فلو كانت صلاتهم مضمنةً لصلاته لأمرهم بالإعادة، فحيث لم يعيدوا دل على أن صلاتهم لم تكن مضمنةً لصلاته.

وتقرير الجواب أن يُقال: إنما فعل عمر ذلك لأنه لم يعلم ولم يتيقن بأن الجنابة كانت منه قبل الصلاة فاحتاط في ذلك وأخذ بالحزم فأعاد صلاته، وهو معنى قوله:"فأخذ لنفسه بالحَوْطة فأعاد" أي بالاحتياط ولم يأمر غيره بالإعادة لعدم التيقن بكونها قبل الصلاة، والدليل على ذلك ما رواه زُبَيْد بن الصلت عنه أنه قال:"أراني قد احتلمتُ وما شعرتُ، وصليتُ وما اغتسلتُ" أي أظن أني قد احتلمتُ، فهذا يدل على أنه لم يكن متيقنًا بالجنابة قبل الصلاة.

وأخرجه من طريقين صحيحين:

أحدهما: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن عبد الله بن رجاء الغداني شيخ البخاريّ ونسبته إلى غُدَّانة -بضم الغين المعجمة- بن يربوع بن حنظلة، عن زائدة بن قدامة الكوفي، روى له الجماعة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام، عن زُيَيْد بضم الزاي المعجمة وباليائين آخر الحروف أولاهما مفتوحة والأخرى ساكنة- ابن الصلت بن معاوية أبي كثير الكِنْدي، يقال: إنه وُلد في عهد النبي عليه السلام، وذكره ابن حبان في "الثقات" من التابعين.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1) مختصرًا وقال: ثنا وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن زُيَيْد بن الصلت:"أن عمر رضي الله عنه غسل ما رأى في ثوبه ونضح ما لم يَرَ، وأعاد بعد ما ارتفع الضحى متمكنًا"

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 345 رقم 3971).

ص: 287

الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس إلى آخره.

وأخرجه مالك في "موطئه"(1).

قوله: "أراني" أي أرى نفسي، والمعنى: أظن أني قد احتلمتُ وما شعرت أي وما علمتُ.

قوله: "أغسل ما رأيت" أي أغسل من ثوبي الموضع الذي رأيت فيه الجنابة.

قوله: "وأنضح ما لم أَرَ" أي أرش الماء على الموضع الذي لا أرى فيه شيئًا من الجنابة.

قوله: "وقد ارتفع الضحى" جمله حاليةٌ.

وجواب آخر: أن هذا يعارضه ما رُويَ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، رواه أبو يوسف في "الأمالي" عنه:"أنه صلى بأصحابه يومًا ثم علم أنه كان جُنبًا، فأمر مؤذنه يُنادي: ألا إن أمير المؤمنين كان جنبًا فأعيدوا صلاتكم".

ولأن معنى الاقتداء وهو البناء هنا لا يتحقق لعدم تصور التحريمة مع قيام الحدث والجنابة، والله أعلم.

ص: والدليل على أن عمر رضي الله عنه قد كان يرى أن صلاة المأموم تَفسدُ بفساد صلاة الإمام أن محمد بن نعمان السقطي حدثنا،، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا أبو معاوية، قال: ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث:"أن عمر رضي الله عنه نسِيَ القراءة في المغرب، فأعاد بهم الصلاة".

فلما أعاد بهم الصلاة لتركه القراءة -وفي فساد الصلاة بترك القراءة في المغرب اختلاف- كان إذا صلى جنبًا أَحْرى أن يُعيد بهم الصلاة.

(1)"موطأ مالك"(1/ 49 رقم 111).

ص: 288

ش: ذكر هذا تأكيدا لصحة ما ذكره من أن صلاة المأمومين مضّمنة لصلاة الإِمام وأنّ ما رُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تأويله على أنه لم يتقن كما ذكرناه، بيان ذلك: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أعاد بالقوم الصلاة حين نسي القراءة في صلاة المغرب مع اختلاف العلماء في فساد الصلاة بترك القراءة، فإعادتها مع القوم حين صلاها وهو جنب أولى وأحرى؛ لكون هذه الحالة أشد تأثيرًا في فساد الصلاة من تلك الحالة وهي حالة ترك القراءة؛ وذلك أن الصلاة قط لا تجوز بدون الطهارة سواء كانت طهارة حقيقية أو طهارة حكمية، وأما بدون القراءة فقد تجوز في بعض الصُوَر، كالأمي الذي لا يقدر على تعلم القراءة، والأخرس الذي لا يقدر على تحريك لسانه بحروف القرآن.

ثم إسناد أثر عمر رضي الله عنه صحيح، ويحيى بن يحيى النيسابوري شيخ مسلم، وأبو معاوية الضرير محمد بن خازم، والأعمش هو سليمان بن مهران، وإبراهيم هو النخعي، وهمام بن الحارث النخغي الكوفي، روى له الجماعة.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1) بأتم منه: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام قال:"صلى عمر- رضي الله عنه المغرب فلم يقرأ فيها، فلما انصرف قالوا له: يا أمير المؤمنين، إنك لم تقرأ. فقال: إني قد حدثت نفسي وأنا في الصلاة بعير وجهتها من المدينة فلم أزل أجهزها حتى دخلت الشام. قال: ثم أعاد الصلاة والقراءة".

ص: فإن قال قائل: فقد روي عن عمر رضي الله عنه خلاف ذلك فذكر ما حدثنا بكر بن إدريس، قال: ثنا أدم بن أبي إياس، قال: ثنا شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، أن عمر رضي الله عنه قال له رجل:"إني صليت صلاةً لم أقرأ فيها شيئًا؟ فقال له عمر- رضي الله عنه: أليس قد أتممتَ الركوع والسجود؟ قال: بلى. قال: تمت صلاتك" قال شعبةُ: فحدثني عبد الله بن عمر العُمري

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 349 رقم 4012).

ص: 289

قال: قلت لمحمد بن إبراهيم: مِمّن سمعتَ هذا الحديث؟ فقال: من أبي سلمة عن عمر.

قيل لهم: فقد روي هذا عن عمر رضي الله عنه من حيث ذكرتم ولكن الذي رويناه عنه فيما بدأنا بذكره متصل الإسناد عن عُمرَ وهمامٌ حاضرٌ ذلك منه، فما اتصل إسناده عنه فهو أصلى أن يقبل عنه مما خالفه.

ش: تقرير السؤال أن يقال: قد رُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما يخالف ما رويتم من أنه أعاد الصلاة لتركه القراءة فيها، وهو ما رواه بكر بن إدريس بن الحجاج الأزدي، عن آدم بن أبي إياس شيخ البخاري، عن شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي المدني روى له الجماعة: "أن عمر رضي الله عنه قال له رجلٌ

" إلى آخره.

فإنه حكم بتمام صَلَاةِ مَنْ ترك القراءة فيها.

وجوابه ظاهر وهو: أن ما روينا إسناده متصل؛ لأن همام بن الحارث كان حاضرًا عند عمر رضي الله عنه وقت سؤال الرجل، وما رويتم غير متصل الإسناد؛ لأن محمد بن إبراهيم المذكور لم يسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولم يكن حاضرًا عنده حين قال له رجل: إني صليتُ صلاةً لم أقرأ فيها شيئًا.

فما كان متصل الإسناد هو أولى بالعمل وأحق بالقبول.

فإن قلتَ: أليس قال شعبة: قلت لمحمد بن إبراهيم: ممن سمعت هذا الحديث؟ فقال: من أبي سلمة عن عمر رضي الله عنه؟

فهذا أيضًا متصل ورجاله ثقات فما الترجيح بين الحديثين؟

قلتُ: رواية همام أرجح من وجه آخر وهو أنه يحكي ما شاهده من فعل عمر رضي الله عنه، وأما أبو سلمة فإنه يحكي عن إفتاء عمر رضي الله عنه لذلك الرجل، وفعله أقوى من إفتائه، فافهم.

ص: 290

فإن قلتَ: قد أخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1) ما فيه حكايته عن فعل عمر رضي الله عنه فقال: ثنا عبد الله بن نمير، عن عبد الله بن عمر، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة قال:"صلى عمر رضي الله عنه المغرب فلم يقرأ، فلما انصرف قال له الناس: إنك لم تقرأ. قال: فكيف كان الركوع والسجود؟ تامٌ هو؟ قالوا: نعم. فقال: لا بأس، إني حدثت نفسي بعيرٍ جهّزتُها بأقتابها وحقائبها".

قلت: هذه الرواية تدل على أنه لم يُعد صلاته لتركه القراءة، وتلك الرواية تدل على أنه قد أعادها لأجل ترك القراءة، فالإثبات أولى من النفي ها هنا؛ لموافقته النَصّ الدالّ على فرضيّة القراءة في الصلاة، وقد علم أن بترك فرض من فروض الصلاة تفسد الصلاة.

ص: وهذا أيضًا مما يدلُّ عليه النظرُ؛ وذلك أنهم أجمعوا أن رجلًا لو صلى خلف جنب وهو يعلمُ بذلك أن صلاته باطلة، وجعلوا صلاته مضمنةً لصلاة إمامه، فلما كان ذلك كذلك إذا كان يَعلمُ بفساد صلاة إمامه كان كذلك هو في النظر إذا كان لَا يَعلمُ بها، ألا ترى أن المأموم لو صلى وهو جنب وهو يَعلَمُ أو لا يَعلمُ كانَتْ صلاتُه باطلةً فكان ما يُفسدُ صلاته في حال علمه هو الذي يُفسِدُ صلاته في حال جَهْله به، وكان علمه بفساد صلاة إمامِه يُفْسِدُ صلاته، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك جَهْلهُ بفساد صلاة إمامه، فهذا هو النظر، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله.

ش: أشار بهذا إلى ما ذكره من فساد صلاة المأموم بفساد صلاة الإِمام.

قوله: "وذلك" إشارة إلى وجه النظر والقياس، والباقي ظاهر.

قوله: "ألا ترى" توضيح لما ذكره من قياس فساد صلاة المأموم عند جهله بفساد صلاة إمامه على فساد صلاته مع علمه بفساد صلاة الإِمام، فتساوى

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 348 رقم 4006).

ص: 291

العلم والجهل ها هنا في حكم الفساد كما تساويا فيما إذا صلى وهو جنب في حكم الفساد، فافهم.

ص: وقد قال بذلك طاوس ومجاهد.

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، عن جابر الجُعْفي، عن طاوس ومجاهد "في إمام صلى بقوم وهو على غير وضوء، قالا: يُعيدُون جميعًا".

ش: أي وقد قال بما ذكرنا من فساد صلاة المأموم بفساد صلاة الإِمام مطلقًا: طاوس بن كيْسان اليماني ومجاهد بن جبر المكي.

أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم، عن هشيم بن بشير، عن جابر الجعفي، عنهما.

فإن قيل: جابر قد تُكلّم فيه.

قلت: وثقه جماعة، ولئن سلمنا ضعفه مطلقًا فإنه قد أخرجه استشهادًا للذي يقتضيه النظر الصحيح والقياس.

ص: وقد رُوي عن جماعة من المتقدمين ما يُوافِقُ ما ذهَبْنا إليه في اختلاف صلاة الإمام والمأمومين، فمن ذلك: ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم:"في الرجل يُصلّي بقَوْمٍ هي له الظهر ولهم العصر، قال: يُعيدُون ولا يُعيد".

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: سمعتُ يونسَ بن عبيد يَقولُ: "جاء عبادٌ الناجي إلى المسجد في يوم مطرٍ فَوجَدهم يصلون العصر، فصلى معهم وهو يَظنُّ أنهما الظهر، ولم يكن صلى الظهر، فلمّا صلّوا فإذا هى العصر، فأتى الحسن، فسأله عن ذلك فأمره أن يصليهما جميعًا".

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، قال: كان الحسن وابن سيرين يقولان: "يصليهما جميعًا"

ص: 292

قال: وحدثنا أبو مَعْشر، عن النخعي قال:"يصليهما جميعًا".

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيدٌ، قال: عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال:"يصلي الظهر ثم يُصَلّي العصر".

ش: أي: قد رُوي عن جماعة من الصحابة والتابعين ما يوافق ما ذهبنا إليه في اختلاف صلاة الإِمام والمأمومين وفساد صلاة المأمومين عند الاختلاف.

فأخرج من الصحابة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، ومن التابعين عن إبراهيم النخعي والحسن البصري ومحمد بن سيرين.

أما أثر النخعي فأخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المُعتمر، عن إبراهيم النخعي.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا أبو بكر بن عياش، عن مغيرة، عن إبراهيم "في رجل يصلي بقوم الظهر وهي له العصر، قال: تمت صلاته ويعيد من خلفه".

وأما أثر الحسن البصري فأخرجه من طريقين:

أحدهما: عن إبراهيم بن مرزوق، عن سعيد بن عامر الضُّبعَي، عن يونس ابن عُبَيد، عن عباد بن منصور الناجي -بالنون والجيم نسبة إلى ناجية بن سامة قبيلة كبيرة- أبي سلمة البصريّ، فعن يحيى: ليس بشيء وكان يُرمى بالقدر.

وقال أبو حاتم: كان ضعيف الحديث. وقال النسائي: ضعيف وليس بحجة استشهد به البُخاري وروى له الأربعة.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): ثنا ابن علية، عن عبّاد بن منصور

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 414 رقم 4766).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 414 رقم 4768).

ص: 293

قال: "انتهيت إلى المسجد الجامع وأنا أرى أنهم لم يصلوا الظهر، فقمتُ أتطوّعُ حتى أقيمت الصلاةُ، فلما صلّوا إذا هي العصرُ، فقمتُ فصليتُ معهم الظهر ثم صليت العصر، ثم أتيت الحسن، فذكرتُ ذلك له، فأمرني بمثل الذي صَنعْتُ".

والآخر: فيه عن ابن سيرين أيضًا، عن إبراهيم بن مرزوق، عن سعيد بن عامر الضُّبعي، عن سعيد بن أبي عروبة

إلى آخره.

وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): عن أبي أسامة، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب والحسن قالا:"في رجل دخل مع قوم في صلاة العصر وهو يَحْسبهم في صلاة الظهر فإذا هم في صلاة العصر، قالا: يستقبل الصلاتين جميعًا".

قوله: "كان يصليهما" أي الظهر والعصر جميعًا، أراد أنه إذا صلى الظهر وراء من يصلي العصر يعيدهما جميعًا.

قوله: "وحدثنا أبو معشر" وهو زياد بن كليب أحد مشايخ أبي حنيفة ثقة كبير روى له مسلم وأبو داود والنسائي.

وأما أثر عبد الله بن عمر فأخرجه بإسناد حسن، عن إبراهيم بن مرزوق، عن سعيد بن عامر الضُّبعي، عن عبد الله بن عمر بن حَفْص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبي عبد الرحمن القرشي العَدوي العمري المدني. وعن أحمد: لا بأس به يُكتب حديثه. وعن ابن معين: صُويلح، روى له مسلم مقرونًا بغيره، والأربعة.

قوله: "يُصلّي الظهر ثم يُصلّي العصر" أراد أنه إذا صلى الظهر وراء من يصلّي العصر فإنه يعيد الظهر والعصر جميعًا، والله أعلم.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 415 رقم 4773).

ص: 294