المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ص: باب: الرجل يدخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب هل ينبغي له أنه يركع أم لا - نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار - جـ ٦

[بدر الدين العيني]

الفصل: ‌ص: باب: الرجل يدخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب هل ينبغي له أنه يركع أم لا

‌ص: باب: الرجل يدخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب هل ينبغي له أنه يركع أم لا

؟

ش: أي هذا باب في بيان الرجل الذي يدخل المسجد يوم الجمعة والحال أن الإِمام يخطب، هل ينبغي له أن يصلي ركعتين أم يتركهما؟ والمناسبة بين البابين: اشتمال كل منهما على حكم تطوع فيه خلاف.

ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر أنه قال:"جاء سُلَيك الغطفاني في يوم الجمعة ورسول الله عليه السلام على المنبر فقعد سُلَيكٌ قبل أن يُصلي، فقال له النبي عليه السلام: أركعتَ ركعتين؟ قال: لا. قال: قم فاركعهما".

ش: إسناده صحيح، وربيع هو ابن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، وراوي أمهات الكتب عنه، وأبو الزبير محمَّد بن مسلم بن تدرس المكي روى له الجماعة البخاري مقرونًا بغيره -وسُليك بضم السين المهملة، وفتح اللام- ابن عمرو الغطفاني.

وهذا الحديث أخرجه الجماعة بأسانيد مختلفة وألفاظ:

فقال البخاري (1): ثنا أبو النعمان، قال: ثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال:"جاء رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم الجمعة فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا. قال: قم فاركع" وفي رواية له: "فصل ركعتين".

وقال مسلم (2): ثنا أبو الربيع الزهراني وقتيبة بن سعيد، قالا: نا حماد وهو ابن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: "بَيْنا النبي عليه السلام

(1)"صحيح البخاري"(1/ 315 رقم 888).

(2)

"صحيح مسلم"(2/ 596 رقم 875).

ص: 20

يخطب يوم جمعة إذْ جاء رجل، فقال له النبي عليه السلام: أصليتَ يا فلان؟ قال: لا، قال: فقم فاركع" وفي لفظ له: "قم فصلّ الركعتين" وفي لفظ: "قال: اركع".

وقال أبو داود (1): ثنا سليمان بن حرب، نا حماد، عن عمرو -هو ابن دينار- عن جابر:"أن رجلًا جاء يوم الجمعة والنبي عليه السلام يخطب فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا. قال: قم فاركع".

وقال أيضًا (2): ثنا محمَّد بن محبوب وإسماعيل بن إبراهيم -المعنى- قالا: نا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر.

وعن أبي صالح، عن أبي هريرة قالا:"جاء سليك الغطفاني ورسول الله عليه السلام يخطب، فقال له: أصليتَ؟ قال: لا. قال: صل ركعتن تجوَّز فيهما".

وقال الترمذي (3): ثنا قتيبة، قال: نا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال:"بينا النبي عليه السلام يخطب يوم الجمعة إذْ جاء رجل فقال النبي عليه السلام: أصليت؟ قال: لا. قال: قم فاركع" قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح.

وقال النسائي (4): أنا قتيبة، قال: ثنا حماد بن زيد

إلى آخره نحو رواية الترمذي.

وقال أيضًا (5): أنا محمَّد بن عبد الله بن يزيد، قال: ثنا سفيان، عن ابن عجلان، عن عياض بن عبد الله، قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: "جاء رجل يوم الجمعة- والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب- بهيئة بذة، فقال له رسول الله عليه السلام أصليت؟ قال: لا. قال: صل ركعتين

" الحديث.

(1)"سنن أبي داود"(1/ 291 رقم 1115).

(2)

"سنن أبي داود"(1/ 291 رقم 1116).

(3)

"جامع الترمذي"(2/ 384 رقم 510).

(4)

"جامع الترمذي"(2/ 384 رقم 510).

(5)

"المجتبى"(3/ 106 رقم 1408).

ص: 21

وقال ابن ماجه (1): ثنا هشام بن عمار، نا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، سمع جابرًا.

ونا أبو الزبير، سمع جابر بن عبد الله قال:"دخل سليك الغطفاني المسجد والنبي عليه السلام يخطب، فقال: أصليت؟ قال: لا. قال: فصل ركعتين".

وأما عمرو فلم يذكر سليكًا.

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا يزيد بن إبراهيم، عن أبي الزبير، عن جابر: "أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة والنبي عليه السلام يخطب

" ثم ذكر مثله.

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول

فذكر مثله.

حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا أحمد بن إشكاب الكوفي، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال:"جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله عليه السلام يخطب، فجلس، فقال له رسول الله عليه السلام: إذا جاء أحدكم الجمعة والإمام يخطب فليصل ركعتين خفيفتين ثم ليجلس".

حدثنا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الأعمش، قال: سمعت أبا صالح يذكر حديث سليك الغطفاني، ثم سمعت أبا سفيان بَعد يقول: سمعت جابرًا يقول: "جاء سليك الغطفاني في يوم جمعة ورسول الله عليه السلام يخطب، فقال له رسول الله عليه السلام: قم يا سليك، فصلِّ ركعتين خفيفتين تجوّز فيهما، ثم قال: إذا جاء أحدكم والإمام يخطب فليصل ركعتين خفيفتين يتجوز فيهما".

حدثنا يزيد بن سنان، ثنا صفوان بن عيسى، قال: ثنا هشام بن حسان، عن الحسن، عن سليك بن هدبة الغطفاني: "أنه جاء والنبي عليه السلام

(1)"سنن ابن ماجه"(1/ 353 رقم 1112).

ص: 22

يخطب على المنبر يوم الجمعة، فقال له: أركعتَ ركعتين؟ قال: لا. قال: صلّ ركعتين وتجوّز فيهما".

ش: هذه خمس طرق أخرى في الحديث المذكور:

الأول: إسناده صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البُرلُّسي، عن سليمان بن حرب شيخ البخاري وأبي داود، عن يزيد بن إبراهيم التُسْتُري البصري، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم، عن جابر بن عبد الله الأنصاري.

وأخرجه أحمد في "مسنده"(1): ثنا عفان، قال: ثنا يزيد بن إبراهيم، نا أبو الزبير، عن جابر قال:"جاء رجل إلى النبي عليه السلام وهو يخطب فقال: صليتَ الركعتين؟ فقال: لا. قال: فصلهما".

الثاني: وهو أيضًا صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن عمرو بن دينار

إلى آخره.

وأخرجه عبد الرزاق (2): عن ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول:"جاء رجل والنبي عليه السلام على المنبر يوم الجمعة يخطب، فقال له النبي عليه السلام: أركعت ركعتين؟ فقال: لا. قال: اركع".

وأخرجه أحمد في "مسنده"(3): عن عبد الرزاق.

الثالث: وهو أيضًا صحيح، عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن أحمد بن إشكاب الحضرمي الكوفي نزيل مصر شيخ البخاري، عن أبي معاوية الضرير محمَّد بن خازم، عن سليمان الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع المكي الإسكاف، عن جابر بن عبد الله

إلي آخره.

(1)"مسند أحمد"(3/ 363 رقم 14949).

(2)

"مسند عبد الرزاق"(3/ 244 رقم 5513).

(3)

"مسند أحمد"(3/ 369 رقم 15009).

ص: 23

وأخرجه الدارقطني في "سننه"(1): ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا علي بن حرب، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال:"جاء سُلَيك الغطفاني ورسول الله عليه السلام يخطب الناسَ، فجلس، فقال النبي عليه السلام: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليصلّ ركعتين خفيفتين ثم ليجلس".

وأخرجه أيضًا أبو داود (2) نحوه.

الرابع: أيضًا صحيح، عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح ذكوان الزيات

إلى آخره.

وأخرجه أبو داود (2): عن محمَّد بن محبوب، وإسماعيل بن إبراهيم كلاهما، عن حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، وقد ذكرناه عن قريب.

الخامس: مرسل، ورجاله ثقات أيضًا، عن يزيد بن سنان القزاز، عن صفوان بن عيسى القرشي البصري القسام، عن هشام بن حسان، عن الحسن البصري، عن سليك بن هُدْبَة -بضم الهاء وسكون الدال وفتح الباء الموحدة- ويقال له أيضًا: سليك بن عمرو كما ذكرناه في أول الباب.

وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه"(3): ثنا هشيم، قال: أنا منصور وأبو حرة ويونس، عن الحسن قال:"جاء سليك الغطفاني والنبي عليه السلام يخطب يوم الجمعة، ولم يكن صلى الركعتين، فأمره النبي عليه السلام أن يصلي ركعتين يتجوز فيهما".

ص: حدثنا محمَّد بن حُمَيد، قال: ثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أنا يحيى بن أيوب، قال: أخبرني ابن عجلان، عن عياض بن عبد الله أخبره، عن أبي سعيد

(1)"سنن الدارقطني"(2/ 13 رقم 2).

(2)

"سنن أبي داود"(1/ 291 رقم 1116).

(3)

"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 51624).

ص: 24

الخدري: "أن رجلًا دخل المسجد ورسول الله عليه السلام على المنبر، فناداه رسول الله عليه السلام، فما زال يقول: ادن. حتى دنا، فأمره فركع ركعتين قبل أن يجلس وعليه خرقة خلَقٌ، ثم صنع مثل ذلك في الثانية فأمره بمثل ذلك، ثم صنع مثل ذلك في الجمعة الثالثة فأمره بمثل ذلك، فقال رسول الله عليه السلام للناس: تصدقوا، فألقوا الثياب، فأمره رسول الله عليه السلام بأخذ ثوبين، فلما كان بعد ذلك أمر الناس أن يتصدقوا، فألقى الرجل أحد ثوبيه، فغضب رسول الله عليه السلام، ثم أمره أن يأخذ ثوبه".

ش: إسناده مصري صحيح، ومحمد بن حميد بن هشام الرعيني وثقه ابن يونس، وسعيد بن أبي مريم شيخ البخاري، ويحيى بن أيوب

الغافقي المصري، وابن عجلان هو محمَّد بن عجلان المدني، وعياض بن عبد الله بن أبي سَرْح.

والحديث أخرجه النسائي (1): أنا محمَّد بن عبد الله بن يزيد، قال: ثنا سفيان، عن ابن عجلان، عن عياض بن عبد الله، قال: سمعت أبا سعيد الخدريَّ رضي الله عنه يقول: "جاء رجل يوم الجمعة والنبي عليه السلام يخطب بهيئة بذّة فقال له رسول الله عليه السلام: أصلّيتَ؟ قال: لا. قال: صلّ ركعتين، وحَثّ الناس على الصدقة فألقوا ثيابًا فأعطاه منها ثوبين، فلما كانت الجمعة الثانية جاء ورسول الله عليه السلام يخطب، فحث الناس على الصدقة، قال: فألقى أحد ثوبَيْه، فقال رسول الله عليه السلام: جاء هذا يوم الجمعة بهيئة بذّة فأمرتُ الناسَ بالصدقة، فألقوا ثيابًا فأمرت له منها بثوبين، ثم جاء الآن، فأمرت الناس بالصدقة فألقى أحدهما؛ فانتهره وقال: خذ ثوبك".

قوله: "وعليه خرقة خلق" الواو للحال، وخَلَق -بفتحتين- صفة للخرقة أي عتيقة.

(1)"المجتبى"(3/ 106 رقم 1408).

ص: 25

قوله: "في الثانية" أي في الجمعة الثانية.

قوله: "بهيئة بذة" يتعلق بقوله: "جاء رجل"، والبذة: بفتح الباء الموحدة وتشديد الذال المعجمة من البذاذة وهي رثاثة الهيئة، يقال: بَذّ الهيئة، وباذّ الهيئة أي رَثُّ اللبسة.

ومما يستفاد منه: كراهة صدقة المحتاج، وأنها لا تستحب إلا عن ظهر غني، واستحباب الصدقة يوم الجمعة على المحتاجين من الكسوة والطعام ونحوهما.

ص: فذهب قوم إلى أن من دخل المسجد يوم الجمعة والإمام على المنبر يخطب فينبغي له أن يركع ركعتين يتجوز فيهما، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.

ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري وابن عيينة ومكحولًا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور وابن المنذر؛ فإنهم ذهبوا إلى أن من دخل المسجد يوم الجمعة والحال أن الإِمام على المنبر يخطب فينبغي له أن يصلي ركعتين خفيفتين، واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة.

وقال ابن حزم في "المحلى": ومن دخل يوم الجمعة والإمام يخطب فليصلّ ركعتين قبل أن يجلس، ثم روى هذه الأحاديث، ثم قال: وهو قول سفيان بن عيينة ومكحول وعبد الله بن يزيد المقرئ، والحميدي، وأبي ثور، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وجمهور أصحاب الحديث، وهو قول للشافعي وأبي سليمان وأصحابهما، وقال الأوزاعي: إن كان صلاهما في بيته جلس، وإن كان لم يصلهما في بيته ركعهما في المسجد والإمام يخطب.

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ينبغي له أن يجلس ولا يركع والإمام يخطب.

ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: شريحًا، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعي، وقتادة، والثوري، وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا، ومالكًا، والليث بن سعد؛ فإنهم قالوا: ينبغي للداخل أن يجلس ولايصلي شيئًا

ص: 26

والحال أن الإِمام يخطب. وهو قول جمهور السلف من الصحابة والتابعين، ويروي ذلك عن عمر وعثمان، وعلي رضي الله عنهم، كذا قاله القاضي عياض.

ص: وكان من الحجة لهم في ذلك أنه قد يجوز أن يكون رسول الله عليه السلام أمر سُلَيكًا بما أمره به من ذلك فقطع خطبته إرادةً منه أن يُعلّم الناس كيف يفعلون إذا دخلوا المسجد، ثم استأنف الخطبة، ويجوز أيضًا أن يكون بني على خطبته، وكان ذلك قبل أن ينسخ الكلام في الصلاة، ثم نسخ الكلام في الصلاة، فنسخ أيضًا في الخطبة.

وقد يجوز أن يكون ما أمره به من ذلك كما قال أهل المقالة الأولى ويكون سنة معمولًا بها.

فنظرنا هَلْ روي شيء يخالف ذلك؟ فإذا بحر بن نصر قد حدثنا، قال: ثنا ابن وهب، قال: سمعت معاوية بن صالح يُحدّث، عن أبي الزاهرية، عن عبد الله بن بسر قال:"كنت جالسًا إلى جنبه يوم الجمعة، فقال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة فقال له رسول الله عليه السلام: اجلسْ فقد آذَيْتَ وآنيت. قال أبو الزاهرية: وكنا نتحدث حتى يخرج الإمام".

أفلا تَرَى أن رسول الله عليه السلام أمر هذا الرجل بالجلوس ولم يأمره بالصلاة، فهذا بخلاف حديث سليك، وفي حديث أبي سعيد الخدري الذي قد رويناه في الفصل الأول ما يدل على أن ذلك كان في حال إباحة الأفعال في الخطبة قبل أن يُنْهى عنها، ألا تراه يقول:"فألقى الناس ثيابهم" وقد أجمع المسلمون أن نزع الرجل ثوبه والإمام يخطب مكروه، وأن مَسّه الحصى والإمام يخطب مكروه، وأن قوله لصاحبه: أنصت والإمام يخطب مكروه، فدل ذلك على أن ما كان أمر به النبي عليه السلام سُليكًا والرجل الذي أمر بالصدقة عليه كان في حالٍ الحكم فيها في ذلك بخلاف الحكم فيما بعد.

ص: 27

ش: أي: وكان من الدليل والبرهان للآخرين فيما ذهبوا إليه "أنه" أي أن الشأن "قد يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر سليكًا الغطفاني بما أمره به" أي بالذي أمره به "من ذلك" أي من أن يصلي ركعتين خفيفتين.

تقرير هذا الجواب: أن حديث سُليك يحتمل ثلاث معانٍ:

الأول: يحتمل أن يكون أمره إياه بذلك بعد قطع خطبته لإرادة تعليمه الناسَ كيف يفعلون إذا دخلوا المسجد، ثم استأنف الخطبة بعد ذلك.

الثاني: يحتمل أن يكون بني على خطبته ولم يستأنفها والحال أن ذلك كان منه قبل أن ينسخ الكلام في الصلاة، ثم لما نسخ في الصلاة نسخ أيضًا في الخطبة؛ لأنها شطر صلاة الجمعة وشرطها.

الثالث: يحتمل أن يكون ما أمر به النبي عليه السلام سُليكًا من الصلاة بركعتين كما قال أهل المقالة الأولى، ويكون سنةً معمولًا بها.

وإذا احتمل هذا الحديث هذه الاحتمالات نحتاج أن ننظر، هل ورد شيءٌ يبيّن أن المراد أحد الاحتمالات المذكورة؟ وهل ورد شيء يخالف صريحًا حديث سليك المذكور؟

فنظرنا في ذلك فوجدنا حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه المذكور عن قريب الذي احتج به أهل المقالة الأولى يبيّن الاحتمال الثاني ويؤكده؛ لأنه ذكر فيه أن رسول الله عليه السلام قال للناس: "تصدقوا" فألقوا ثيابهم، وقد أجمع المسلمون أن نزع الرجل ثوبه في حال خطبة الإِمام مكروه، وكذلك مسَّه الحصى، وقوله لصاحبه: أنصت، فدل ذلك على أن أمر النبي عليه السلام سليكًا بما أمره به إنما كان ذلك في حال إباحة الكلام وسائر الأفعال في الخطبة، ثم لما حرم الكلام وغيره فيها منع من الصلاة أيضًا على ما يجيء إن شاء الله تعالى.

وقد قال بعضهم: إنما كان ذلك قبل شروعه عليه السلام في الخطبة، والدليل عليه أن

ص: 28

النسائي بَوّب في "سننه الكبرى"(1) على حديث سليك فقال: باب الصلاة قبل الخطبة، ثم أخرج عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه قال:"جاء سُليك الغطفاني ورسول الله عليه السلام قاعد على المنبر فقعد سليك قبل أن يصلي، فقال له عليه السلام: أركعت ركعتين؟ قال: لا. قال: قم فاركعهما" انتهى.

وقد روي عن أنس ما يبُيّن الاحتمال الأول ويؤكده، وهو ما رواه الدارقطني في "سننه"(2) من حديث عبيد بن محمَّد العبدي، ثنا معتمر، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس قال:"دخل رجل المسجد ورسول الله عليه السلام يخطب، فقال لي النبي عليه السلام: قم فاركع ركعتين، وأمْسَكَ عن الخطبة حتى فرغ من صلاته". ثم قال: أسنده عبيد بن محمَّد ووهم فيه.

ثم أخرجه عن أحمد بن حنبل (3): ثنا معتمر، عن أبيه قال:"جاء رجل والنبي عليه السلام يخطب، فقال: يا فلان، أصليت؟ قال: لا. قال: قم فصل، ثم انتظره حتى صلى".

قال: وهذا المرسل هو الصواب.

وقال ابن أبي شيبة (4): حدثنا هشيم، أنا أبو معشر، عن محمَّد بن قيس:"أن النبي عليه السلام حيث أمره أن يصلي ركعتين أمسك عن الخطبة حتى فرغ من ركعتيه ثم عاد إلى خطبته".

وأما الحديث الذي ورد وهو يخالف حديث سُليك صريحًا فهو ما أخرجه عن بحر بن نصر بن سابق الخولاني، عن عبد الله بن وهب المصري، عن معاوية ابن صالح بن حُدَير الحمصي قاضي الأندلس، عن أبي الزاهرية حُدَير بن

(1)"السنن الكبرى"(1/ 528 رقم 1705).

(2)

"سنن الدارقطني"(2/ 15 رقم 9).

(3)

"سنن الدارقطني"(2/ 16 رقم 10).

(4)

"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 447 رقم 5163).

ص: 29

كريب الحضرمي الحمصي، عن عبد الله بن بُسْر -بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة- الصحابي رضي الله عنه.

وإسناده صحيح، ورجاله رجال "الصحيح" ما خلا بحر بن نصر.

وأخرجه أبو داود (1): ثنا هارون بن معروف، نا بشر بن السَّرِيّ، نا معاوية ابن صالح، عن أبي الزاهرية قال:"كنا مع عبد الله بن بُسْر صاحب النبي عليه السلام يوم الجمعة فجاء رجل يتخطى رقاب الناس، فقال عبد الله بن بُسْر: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي عليه السلام يخطب، فقال له رسول الله عليه السلام: اجلِسْ فقد آذَيْتَ".

وأخرجه النسائي (2)(3) نحوه: عن وهب بن بيان، عن عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح. انتهى.

فهذا يدل على أن الداخل يوم الجمعة والإمام يخطب يقعد ولا يصلي شيئًا؛ لأن رسول الله عليه السلام أمر هذا الرجل بالجلوس ولم يأمره بالصلاة، ولو كانت الصلاة مفعولة في هذا الوقت لأمره بها ونسبه أيضًا إلى الإيذاء حيث قال له:"آذيت" أي آذيت الناس بتخطي رقابهم، ونسبه أيضًا إلى التقصير في فعله هذا حيث قال له:"وآنيت" أي أخّرت المجيء وأبطأت فيه، ومنه قيل للمتمكّث في الأمر: مُتأنٍّ، فدل هذا كله أن ما كان من حديث سليك في حالة كان الحكم فيها في ذلك بخلاف الحكم فيما بعد ذلك وهو معنى "فدل ذلك على أن ما كان

" إلى آخره.

قوله: "في حالٍ الحكمُ فيها" بتنوين "حال"، وقوله:"الحكم" بالرفع مبتدأ وخبره قوله: "بخلاف الحكم".

(1)"سنن أبي داود"(1/ 292 رقم 1118).

(2)

"المجتبى"(3/ 103 رقم 1399).

(3)

كلمة مقطوعة.

ص: 30

فإن قيل: فقد قال ابن حزم: وهذا الحديث لا حجة لهم لوجوهٍ أربعة:

أولها: أنه لا يصح لأنه من طريق معاوية بن صالح، لم يروه غيره، وهو ضعيف.

والثاني: أنه ليس في الحديث أنه لم يكن ركعهما، وقد يمكن أن يكون ركعهما ثم تخطى، ويمكن أن لا يكون ركعهما، فإذْ ليس في الخبر لا أنه ركع ولا أنه لم يركع؛ فلا حجة لهم فيه ولا عليهم.

والثالث: أنه حتى لو صح الخبر وكان فيه أنه لم يكن ركع؛ لكان ممكنًا أن يكون قبل أمر النبي عليه السلام مَنْ جاء والإمام يخطب بالركوع، وممكن أن يكون ركع؛ فإذ ليس فيه بيان بأحد الوجهين فلا حجة لهم ولا عليهم.

والرابع: أنه لو صح الخبر وصح أنه لم يكن ركع، وصح أن ذلك كان بعد أمره عليه السلام مَن جاء والإمام يخطب بأن يركع -وكل ذلك لا يصح منه شيء- لَمَا كانت لهم فيه حجة؛ لأننا لم نقل: إنهما فرض، وإنما قلنا: إنهما سنة يكره تركهما وليس فيه حكم صلاتهما فبطل تعلقهم بهذا الخبر الفاسد جملة.

قلت: كل هذا كلام فاسد ناشئ عن قلة فطانة ويُبس دماغ، وكيف يكون هذا الخبر فاسدًا وقد أخرجه أبو داود وسكت عنه وهو دليل الصحة عنده (1)، وكيف يضعف معاوية بن صالح وقد وثقه يحيى بن معين وأبو زرعة الإمامان في هذا الشأن، ووثقه العجلي والنسائي أيضًا، واحتج به مسلم في "صحيحه"، واحتجت به الأربعة أيضًا، وباقي كلامه خلط لا يستحق الجواب لسقوطه، والله أعلم.

ص: ولقد تواترت الروايات عن رسول الله عليه السلام بأن مَنْ قال لصاحبه: أَنْصت. والإمام يخطبُ يوم الجمعة فقد لغى، حدثنا بذلك يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قال:"إذا قلت لصاحبك: أنصت والإمام يخطب فقد لَغَوْت".

(1) في هذا نظر نبهنا عليه مرارًا.

ص: 31

حدثنا أبو أمية، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا القاسم بن معن، عن ابن جريج، عن ابن شهاب

فذكر بإسناده مثله.

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث، قال: ثنا عُقَيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عمر بن عبد العزيز، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، وعن سعيد بن المسيب أنهما حدثاه، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام أنه سمعه يقول:"إذا قلت لصاحبك: أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت".

فإذا كان قول الرجل لصاحبه والإمام يخطب: أنصت لَغْوًا، كان قول الإمام للرجل: قم فصل لغوًا أيضًا، فثبت بذلك أن الوقت الذي كان فيه من رسول الله عليه السلام الأمر لسُليك بما أمره به إنما كان قبل النهي وكان الحكم فيه في ذلك بخلاف الحكم في الوقت الذي جُعِل مثل ذلك لغوًا.

ش: أي: لقد تكاثرت وتتابعت الروايات عن النبي عليه السلام بأن من قال لصاحبه: أنصت والإمام يخطب فقد لغى. أخرجه عن أبي هريرة من ثلاث طرق صحاح، وأخرج هذا وأمثاله لكونها حجة لأهل المقالة الثانية، ولدلالة ما فيها من كون قول الرجل لصاحبه: أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة لغوًا على كون قول الإِمام أيضًا لغيره: قم فصلّ، لغوًا، فإذا كان كذلك، يكون الوقت الذي أمر النبي عليه السلام فيه سليكًا أن يركع غير الوقت الذي جعل مثل ذلك لغوًا، فكان ذاك حينما كان الكلام مباحًا في الصلاة، ثم نُسخ بعد ذلك كما قد قررناه.

الطريق الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب

إلى آخره.

وأخرجه الجماعة غير الترمذي.

ص: 32

فقال البخاري (1): ثنا يحيى بن بكير، قال: ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة أخبره، أن رسول الله عليه السلام قال:"إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت والإمام يخطب فقد لغوت".

وقال مسلم (2): ثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن رمح بن المهاجر، كلاهما عن الليث، قال ابن رمح: أنا الليث، عن عقيل

إلى آخره نحوه.

وقال أبو داود (3): نا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب

إلى آخره نحوه.

وقال النسائي (4): أنا قتيبة، قال: ثنا الليث، عن عُقيل، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام قال:"مَنْ قال لصاحبه يوم الجمعة والإمام يخطب: أنصت فقد لغى".

وقال ابن ماجه (5): نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا شبابة بن سوَّار، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن النبي عليه السلام قال:"إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت".

الثاني: عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم الطرسوسي، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النَّهْدي شيخ البخاري، عن القاسم بن مَعْن بن عبد الرحمن المسعودي الكوفي، عن عبد الملك بن جريج، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري

إلى آخره.

الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث شيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن عُقيل -بضم العين- بن خالد، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عمر بن عبد العزيز

إلى آخره.

(1)"صحيح البخاري"(1/ 316 رقم 892).

(2)

"صحيح مسلم"(2/ 583 رقم 851).

(3)

"سنن أبي داود"(1/ 290 رقم 1112).

(4)

"المجتبى"(3/ 103 رقم 1401).

(5)

"سنن ابن ماجه"(1/ 352 رقم 1110).

ص: 33

وأخرجه النسائي (1): نا عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، عن أبيه، عن جده، قال: حدثني عُقيل، عن ابن شهاب، عن عمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، وعن سعيد بن المسيب، أنهما حدثاه أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله عليه السلام يقول: "إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت" انتهى.

فهذا كما رأيت في رواية الطحاوي: عمر بن عبد العزيز، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، وفي رواية النسائي: عمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ. وذكر ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل" في باب من اسمه إبراهيم فقال: إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، روى عن عمر وعلي وأبي هريرة، روى عنه عمر بن عبد العزيز وسَعْد بن إبراهيم، سمعت أبي يقول ذلك.

وقال في باب "العبادلة": عبد الله بن إبراهيم بن قارظ الزهري روى عن أبي هريرة، روى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمر بن عبد العزيز وأبو أمامة ابن سهل وأبو صالح ذكوان وعبد الكريم أبو أمية، سمعت أبي يقول ذلك.

قلت: كلاهما واحد، وقد قال في "التكميل": إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، ويقال: عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، واسمه خالد بن الحارث الكناني المدني تابعي رأى عمر وعليًّا رضي الله عنهما، انتهى.

وأخرج لإبراهيم بن عبد الله بن قارظ: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وأحمد بن حنبل، والبخاري في كتاب "الأدب"، وأخرج لعبد الله بن إبراهيم بن قارظ: أحمد، ومسلم، والنسائي.

والحاصل: أنه في رواية مسلم والنسائي وأحمد بالوجهين المذكورين، وفي رواية أبي داود والترمذي والبخاري في كتاب "الأدب" بالوجه الأول، وكلاهما واحد كما ذكرنا.

(1)"المجتبى"(3/ 104 رقم 1402).

ص: 34

قوله: "والإمام يخطب" جملة حالية.

قوله: "فقد لغوت" أي: قلت اللغو، وهو الكلام الملغي الساقط الباطل المردود، وقيل: معناه مِلْت عن الصواب، وقيل: تكلمت بما لا ينبغي.

وفي رواية لمسلم: "فقد لغيت" قال أبو الزناد: هي لغة أبي هريرة، وإنما هو:"فقد لغوت".

قال أهل اللغة: لَغَى يَلْغُو لغْوًا، كغزا يغزو غزوًا، ويقال: لَغَى يَلْغِي لَغَى كعمى يعمي لغتان، والأول أفصح، وظاهر القرآن يقتضي الثانية التي هي لغة أبي هريرة قال الله تعالى:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيه} (1) وهذا من لغى يلغي، ولو كان من الأولى لقال: والْغوا -بضم الغين- وقال ابن السكيت وغيره: ومصدر الأول اللغو، ومصدر الثاني لغيٌ.

ثم اعلم: أن في هذا الحديث النهي عن جميع أنواع الكلام حال الخطبة، ونبه بهذا عما سواه؛ لأنه إذا قال: أنصت -وهو في الأصل أمر بمعروف وسماه لغوًا- فغيره من الكلام أولى، وإنما طريقته إذا أراد أن ينهى غيره عن الكلام أن يشير إليه بالسكوت إن فهمه، فإن تعذّر فهمُه فلينبهه بكلام مختصر ولا يزيد على أقل ممكن، واختلفوا فيه، هل هو حرام أم مكروه كراهة تنزيه؟ فهما قولان للشافعي.

قال القاضي: قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وعامة العلماء: يجب الإنصات للخطبة.

وحكي عن النخعي والشعبي وبعض السلف أنه لا يجب إلا إذا تلا فيها آية القرآن.

قال: واختلفوا إذا لم يسمع الإِمام، هل يلزمه الإنصاف كما لو سمعه؟ فقال الجمهور: يلزمه. وقال النخعي وأحمد وهو أحد قولي الشافعي: لا يلزمه. وقال

(1) سورة فصلت، آية:[26].

ص: 35

صاحب "المحيط": وإن كان بعيدًا عن الخطيب لا يستمع، قيل: يقرأ القرآن في نفسه، وقيل: يسكت، وهو الأصح؛ لأنه مأمور بالاستماع والإنصات، فإن عجز عن الاستماع لم يعجز عن الإنصات فيلزمه، والحكم بن زهير كان يناظر في الفقه وهو من كبار أصحابنا (1).

ص: وقد روي عن النبي عليه السلام في مثل ذلك ما قد حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا مكيّ بن إبراهيم، قال: ثنا عبد بن سعيد وهو ابن أبي هند، عن حرب بن قيس، عن أبي الدرداء أنه قال:"جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم جمعة على المنبر يخطب الناس، فتلا آيةً وإلى جنبي أبي بن كعب رضي الله عنه فقلت له: يا أُبيّ، متى أنزلت هذه الآية؟ فأبي أن يكلمني، حتى إذا نزل رسول الله عليه السلام عن المنبر قال: ما لك من جمعتك إلا ما لغوتَ، ثم انصرف رسول الله عليه السلام، فجئته، فأخبرته، فقلت: يا رسول الله، إنك تلوت آيةً وإلى جنبي أبي بن كعب فسألته متى نزلت هذه الآية؟ فأبى أن يكلمني، حتى إذا نزلت زعم أنه ليس لي من جمعتي إلا ما لغوت. فقال: صدق، فإذا سمعت إمامك يتكلم فأنصت حتى ينصرف".

ش: أي: قد روي عن النبي عليه السلام في منع الكلام وقت الخطبة ووجوب الإنصات ولغو المتكلم مثل ما روي عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام.

أخرجه بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي وإبراهيم بن مرزوق، كلاهما عن مكيّ بن إبراهيم بن بشير البلخي شيخ البخاري، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند الفزاري أبي بكر المدني روى له الجماعة، عن حرب بن قيس المدني وثقه ابن حبان.

وأخرجه أحمد في "مسنده"(2): ثنا مكي بن إبراهيم، نا عبد الله بن سعيد، عن حرب بن قيس، عن أبي الدرداء قال: "جلس رسول الله عليه السلام يومًا على المنبر

(1) انظر "بدائع الصنائع"(1/ 592).

(2)

"مسند أحمد"(5/ 198 رقم 21778).

ص: 36

فخطب الناس وتلا آية

" إلى آخره نحو رواية الطحاوي غير أن في لفظه: "فأنصت حتى يفرغ".

وأخرجه البيهقي (1): من حديث محمد بن جعفر، أخبرني شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أبي ذر قال:"دخلت المسجد يوم الجمعة والنبي عليه السلام يخطب، فجلست قريبًا من أبي بن كعب، فقرأ النبي عليه السلام سورة براءة، فقلت لأبيّ: متى نزلت هذه السورة؟ فحُصِر ولم يكلمني، فلما صلى رسول الله عليه السلام صلاته قلت لأبيّ: إني سألتك فبَجَهْتَنِي ولم تكلمني؟ فقال أبي: ما لك من صلاتك إلا ما لغوت، فذهبت إلى النبي عليه السلام فقلت: يا نبي الله، كنت بجنب أبي وأنت تقرأ براءة، فسألته: متى أنزلت هذه السورة؟ فبجهني ولم يكلمني، فقال أُبيّ: ما لك من صلاتك إلا ما لغوت. فقال: صدق أبيّ".

ثم قال البيهقي (2): رواه عبد الله بن جعفر، عن شريك، عن عطاء، فقال: عن أبي الدرداء وأبي بن كعب وجعل القصة بينهما، وكذا رواه حرب بن قيس عن أبي الدرداء، ورواه عيسى بن حارثة عن جابر بن عبد الله فذكر معناه بين ابن مسعود وأبي بن كعب، ورواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس أنها تمت بين رجل وبين ابن مسعود، وجعل المصيب ابن مسعود بدل أُبيّ، وليس في

الباب أصح من الأول.

قلت: لكنه مرسل؛ لأن عطاء بن يسار لم يدرك أبا ذر.

وأخرجه ابن ماجه (3) بوجه آخر: نا محرز بن سلمة العدني، نا عبد العزيز ابن محمَّد الدراوردي، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أبي بن كعب: "أن رسول الله عليه السلام قرأ يوم الجمعة تبارك وهو قائم، فذكر بأيام الله، وأبو الدرداء أو أبو ذر يغمزني فقال: متى أنزلت هذه السورة؟ إني لم

(1)"سنن البيهقي الكبرى"(3/ 219 رقم 5623).

(2)

"سنن البيهقي الكبرى"(3/ 219 رقم 5623).

(3)

"سنن ابن ماجه"(1/ 352 رقم 1111).

ص: 37

أسمعها إلا الآن. فأشار إليه أن اسكت، فلما انصرفوا قال: سألتك متى أنزلت هذه السورة فلم تخبرني؟ فقال أبي: ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت، فذهب إلى رسول الله عليه السلام فذكر له ذلك، وأخبره بالذي قال أُبي، فقال رسول الله عليه السلام: صدق أبي".

ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبيد الله بن محمَّد التَّيْمي، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة:"أن النبي عليه السلام كان يخطبُ يوم الجمعة، فقرأ سورة، فقال أبو ذر لأبيّ بن كعب: متى نزلت هذه السورة؟ فأعرض عنه، فلما قضى رسول الله عليه السلام صلاته، قال أبي لأبي ذر: ما لك من صلاتك إلا ما لغوت، فدخل أبو ذر على النبي عليه السلام فأخبره بذلك فقال رسول الله عليه السلام: صدق أبيّ".

ش: إسناده صحيح، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف.

وأخرجه الطيالسي في "مسنده"(1): ثنا حماد، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة:"بينما رسول الله عليه السلام يخطب يوم الجمعة إذْ قال أبو ذر لأبيّ: متي أنزلت هذه السورة؟ فلم يُجبْه، فلما قضى صلاته قال له: ما لك في صلاتك إلا ما لغوت، فأتى أبو ذر النبي عليه السلام، فذكر ذلك له، فقال: صدق أبي".

وأخرجه البيهقي في "سننه"(2) من حديث الطيالسي نحوه.

وقال أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه"(3): ثنا هشيم، قال: أنا داود بن أبي هند، عن الشعبي: "أن أبا ذر أو الزبير بن العوام سمع أحدهما من النبي عليه السلام أنه يقرأ وهو على المنبر يوم الجمعة، قال: فقال لصاحبه: متي أنزلت هذه

(1)"مسند الطيالسي"(1/ 312 رقم 2365).

(2)

"سنن البيهقي الكبرى"(3/ 220 رقم 5624).

(3)

"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 458 رقم 5304).

ص: 38

الآية؟ قال: فلما قضى صلاته قال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا جمعة لك. فأتى النبي عليه السلام، فذكر ذلك له، قال: فقال: صدق عمر".

ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فقد أمر رسول الله عليه السلام بالإنصات عند الخطبة، وجعل حكمها في ذلك كحكم الصلاة وجعل الكلام فيها لغوًا، فثبت بذلك أن الصلاة فيها مكروهةُ، فإذا كان الناس منهيين عن الكلام ما دام الإِمام يخطب كان كذلك الإمام منهيًّا عن الكلام ما دام يخطب بغير الخطبة.

ألا ترى أن المأمومين ممنوعون عن الكلام في الصلاة، فكذلك الإِمام، فكان ما منع عنه غير الإمام من ذلك فقد منع منه الإمام، فكذلك لما منع غير الإمام من الكلام في الخطبة كان الإِمام قد مُنع بذلك أيضًا من الكلام في الخطبة بما هو من غيرها.

ش: "الباء" في "بغير الخطبة" تتعلق بقوله: "منهيًّا عن الكلام" لا بقوله: "يخطب" فافهم، و"الباء" في "بما هو من غيرها" تتعلق بقوله:"من الكلام" أي بالذي هو من غير الخطبة.

ص: وقد روي عن رسول الله عليه السلام في ذلك أيضًا ما حدثنا ابن مرزوق ومحمد بن سليمان الباغندي، قالا: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن قرثع، عن سَلْمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتدرون ما الجمعة؟ قلت: الله ورسوله أعلم، ثم قال: أتدرون ما الجمعة؟ قلت: الله ورسوله أعلم. ثم قال: أتدرون ما الجمعة؟ قلت: الله ورسوله أعلم. ثم قال: أتدرون ما الجمعة؟ قلت في الثالثة أو الرابعة: هو اليوم الذي جمع فيه أبوك قال: لا، ولكن أخبرك عن الجمعة، ما من أحدٍ يتطهر ثم يمشي إلى الجمعة ثم ينصت حتى يقضي الإِمام صلاته إلا كان كفارةً ما بينه وبين الجمعة التي قبلها ما اجتنبت المقتلة".

حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا الحمّاني، قال: ثنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن أبي مَعْشر، عن إبراهيم، ثم ذكر بإسناده مثله.

ص: 39

ش: أي قد روي عن رسول الله عليه السلام في منع الكلام وقت الخطبة ووجوب الإنصات أيضًا ما حدثنا

إلى آخره.

وأخرجه من طريقين صحيحين:

أحدهما: عن إبراهيم بن مرزوق، ومحمد بن سليمان الباغندي كلاهما، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن أبي عوانة الوضاح ابن عبد الله اليشكري عن مغيرة بن مقسم الضبي، عن إبراهيم النخعي عن علقمة بن قيس النخعي، عن قرثع الضبي الكوفي.

وأخرجه الطبراني في "الكبير"(1): ثنا محمَّد بن محمَّد التمار البصري، نا أبو الوليد الطيالسي، ثنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن زياد بن كليب، عن إبراهيم، عن علقمة، عن قرثع، عن سلمان رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله عليه السلام: "يا سلمان، هل تدري ما يوم الجمعة؟ قلت: هو الذي جمع الله فيه أبويكم. قال: لا، ولكن أحدثك عن يوم الجمعة، ما من مسلم يتطهر ويلبس أحسن ثيابه ويصيب من طيب أهله إن كان لهم طيب وإلا فالماء، ثم يأتي المسجد، فيُنصت حتى يخرج الإِمام، ثم يُصلي، إلا كانت كفارة له بينه وبين الجمعة الأخرى ما اجتنبت المقتلة، وذلك الدهر كله".

وأخرجه النسائي (2) مختصرًا.

والآخر: عن أحمد بن داود المكي، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن أبي عوانة الوضاح، عن مغيرة بن مقسم، عن أبي معشر زياد بن كليب، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن قرثع الضبيّ، عن سلمان

إلى آخره.

وأخرجه أحمد في "مسنده"(3): ثنا عفان، قال: نا أبو عوانة، عن مغيرة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن قرثع الضبي، عن سلمان الفارسيّ

(1)"المعجم الكبير"(6/ 237 رقم 6089).

(2)

"السنن الكبرى"(1/ 518 رقم 1665).

(3)

"مسند أحمد"(5/ 440 رقم 23780).

ص: 40

قال: قال رسول الله عليه السلام أتدري ما يوم الجمعة؟ قلت: الله ورسوله أعلم. ثم قال: أتدري ما يوم الجمعة؟ قلت: الله ورسوله أعلم. ثم قال: أتدري ما يوم الجمعة؟ زعم سأله الرابعة قال: قلت: هو اليوم الذي جُمِع فيه أبوه أو أبوكم. قال النبي عليه السلام: ألا أحدثك عن يوم الجمعة، لا يتطهر رجل مسلم ثم يمشي إلى المسجد ثم ينصت حتى يقضي الإِمام صلاته إلا كان كفارة لما بينها وبن الجمعة التي بعدها ما اجتنبت المقتلة".

قوله: "أتدرون" الهمزة فيه للاستفهام وهو بصيغة الجمع هكذا، وفي رواية أحمد والطبراني كما ذكرناها "أتدري" بصيغة الإفراد، وهذه أصوب.

قوله: "هو اليوم الذي جمع فيه أبوك" أراد أنه اليوم الذي جمع الله فيه بين آدم وحواء عليهما السلام، والدليل عليه ما جاء في رواية الطبراني:"هو الذي جمع الله فيه أبويكم"، وهذا جواب من سلمان عن سبب تسمية يوم الجمعة بالجمعة ولم يكن قصد النبي عليه السلام هذا فلذلك قال:"لا" وإنما كان قصده بيان فضيلة هذا اليوم، وبيان ما يحصل من الأجر والثواب لمنْ يتوجه إليها ويقضي حقوقها، فلذلك قال بالاستدراك "ولكن أخبرك عن الجمعة

" إلى آخره.

قوله: "إلا كان كفارةً ما بينه" أي إلا كان فعله المذكور من التطهر والمشي إلى الجمعة والإنصات إلى قضاء الإِمام صلاته كفارةً أي ساترةً لما يرتكبه من الذنوب فيما بينه وبين الجمعة التي كانت قبل هذه الجمعة.

قوله: "ما اجْتَنَبتَ المقتلة" وفي رواية "ما اجْتُنِبَت المقتلة" بتأنيث الفعل ورفع المقتلة، وهكذا هي في روايتي أحمد والطبراني، والمقتلة -بالميم- مصدر ميمي بمعنى القتل.

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق، عن محمَّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وعن أبي أمامة حدثاه، عن أبي سعيد الخدري، وعن أبي هريرة أن رسول الله عليه السلام قال: "من اغتسل يوم الجمعة واستنّ ومسّ من طيب إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج

ص: 41

وابتكر حتى يأتي المسجد، فلم يتخط رقاب الناس، ثم ركع ما شاء الله أن يركع وأنصت إذا خرج الإِمام، كانت له كفارة ما بينها وبين الجمعة التي قبلها".

حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبيد الله بن محمَّد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه.

ش: هذان إسنادان صحيحان:

أحدهما: عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسيّ، عن أحمد بن خالد بن موسى الوَهبي الكنْدي شيخ البخاري في غير "الصحيح"، عن محمَّد بن إسحاق المدني، عن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التَّيْمي المدني روى له الجماعة، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، وعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف الأنصاري، قيل: اسمه أسعد، وقيل: سعيد، وقيل: اسمه كنيته، والأول هو المشهور، روى له الجماعة، كلاهما عن أبي سعيد الخدري واسمه سعد بن مالك، وعن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر على الصحيح.

وأخرجه أحمد في "مسنده"(1): ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن محمَّد بن إسحاق، حدثني محمَّد بن إبراهيم بن الحارث التَّيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اغتسل يوم الجمعة واستاك ومسّ من طيبٍ إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج حتى يأتي المسجد فلم يتخط رقاب الناس، ثم ركع ما شاء الله أن يركع، ثم أنصت إذا خرج الإِمام فلم يتكلم حتى يفرغ من صلاته، كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها".

والآخر: عن أحمد بن داود المكي، عن عبيد الله بن محمَّد التيمي المعروف بالعَيْشي شيخ أحمد وأبي داود، عن حماد بن سلمة

إلى آخره.

(1)"مسند أحمد"(3/ 81 رقم 11785).

ص: 42

وأخرجه الطيالسي في "مسنده"(1): ثنا حماد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمَّد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله عليه السلام قال:"من اغتسل يوم الجمعة، واستاك، ولبس أحسن ثيابه، وتطيب من طيب أهله، ثم أتى المسجد فلم يتخط رقاب الناس، وصلى، فإذا خرج الإِمام أنصت، كان له كفارة ما بينها وبين الجمعة الأخرى".

وأخرجه البيهقي في "سننه"(2) من طريق الطيالسي نحوه.

قوله: "واستنّ" أي: استاك من الاستياك، وهو استعمال السواك، وهو افتعال من الاستنان، أراد أنه يُمِرّ السواك عليها.

واشتمل هذا الحديث على فوائد لا تخفى على مَنْ يستخرجها.

ص: حدثنا إبراهيم بن مُنقذٍ، قال: ثنا ابن وَهْب، عن أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو، عن النبي عليه السلام أنه قال:"من اغتسل يوم الجمعة ثم مسّ من طيب امرأته، ولبس أصلح ثيابه، ولم يتخط رقاب الناس، ولم يلغُ عند الموعظة، كانت كفارة لما بينهما".

ش: رجاله ثقات، وابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري.

وأخرجه البيهقي في "سننه"(3): من حديث أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب

إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه:"من طيب امرأته إن كان لها، ولبس من صالح ثيابه" وبعد قوله: "لما بينهما": "ومن لغى وتخطى رقاب الناس كانت له طهرًا".

وأخرجه أبو داود (4) أيضًا.

(1)"مسند الطيالسي"(1/ 312 رقم 2364).

(2)

"سنن البيهقي الكبرى"(3/ 231 رقم5680).

(3)

"سنن البيهقي الكبرى"(3/ 231 رقم 5679).

(4)

"سنن أبي داود"(1/ 95 رقم 347).

ص: 43

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو مُسْهر، قال: ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن يحيى بن الحارث الذماري، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله عليه السلام: "من غسَّل واغتسل، وغدا وابتكر، ودنا من الإمام، فإنصت ولم يلغ، كان له مكان كل خطوة عمل سنة، صيامها وقيامها".

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عبد الله بن عيسى، عن يحيى بن الحارث، فذكر بإسناده مثله.

ش: هذان إسنادان رجالهما ثقات:

الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن أبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغسّاني الدمشقي روى له الجماعة، عن سعيد بن عبد العزيز بن أبي يحيى التنوخي الدمشقي فقيه الشام بعد الأوزاعي، روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، عن يحيى بن الحارث الذماري أبي عمرو الدمشقي قارئ أهل الشام وإمام جامع دمشق، وثقه يحيى وغيره، وروى له الأربعة، ونسبته إلى ذِمار بكسر الذال المعجمة وقيل بالفتح، وهي مدينة باليمن على مرحلتين من صنعاء، عن أبي الأشعث الصنعاني واسمه شراحيل بن آدة روى له الجماعة، البخاري في غير "الصحيح"، عن أوْس بن أوس الثقفي الصحابي رضي الله عنه.

وأخرجه النسائي (1): أنا محمود بن خالد، قال: حدثني عمر بن عبد الواحد، قال: سمعت يحيى بن الحارث يحدث، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس ابن أوس الثقفي، عن رسول الله عليه السلام قال: "من غسَّل

" إلى آخره نحوه.

الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي أحمد محمَّد بن عبد الله بن الزبير الكوفي، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الكوفي، عن يحيى بن الحارث الذماري

إلى آخره.

(1)"المجتبى"(3/ 102 رقم 1398).

ص: 44

وأخرجه الترمذي (1): ثنا محمود بن غيلان، قال: أنا وكيع، عن سفيان وأبي جناب يحيى بن أبي حبيب، عن عبد الله بن عيسى، عن يحيى بن الحارث، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اغتسل يوم الجمعة وغسَّل، وبكر وابتكر، ودنا واستمع وأنصت، كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة؛ صيامها وقيامها".

قال أبو عيسى: حديث أوس بن أوس حديث حسن.

قوله: "من غسّل" قال ابن الأثير في "النهاية": ذهب كثير من الناس أن غسّل أراد به المجامعة قبل الخروج إلى الصلاة؛ لأن ذلك يجمع غضّ الطرف في الطريق، يقال: غسَّل الرجل امرأته -بالتشديد والتخفيف- إذا جامعها وقد روي مخففًا، وقيل: أراد غسّل غيره واغتسل هو؛ لأنه إذا جامع زوجته أحوجها إلى الغسل، وقيل: أراد بغسّل غسّل أعضائه للوضوء ثم يغتسل للجمعة، وقيل: هما بمعنى واحد كرره للمبالغة.

قوله: "وغدا" بالغين المعجمة من الغدو وهو سير أول النهار نقيض الرواح وقد غَدَا يَغْدُو غدوًّا، والغُدوة -بالضم- ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس.

قوله: "وابتكر" وقد وقع في بعض الروايات، "وبكر وابتكر" كما في رواية الترمذي، أما بَكَّر -بالتشديد- فمعناه أتى الصلاة في أول وقتها، وكل من أسرع إلى شيءٌ فقد بكّر إليه، وأما ابتكر فمعناه أدرك أول الخطبة، وأول كل شيء باكورته، وقيل: معنى اللفظتين واحد فعل وافتعل، وإنما كرر في بعض ألفاظ الحديث لأجل المبالغة.

قوله: "ودنا من الإمام" أي قرب منه، من الدنوّ.

قوله: "فأنصت" أي أصغى واستمع.

قوله: "ولم يلغ" أي ولم يتكلم باللغو.

(1)"جامع الترمذي"(2/ 367 رقم 496).

ص: 45

قوله: "صيامُها وقيامُها" بالرفع فيهما كلاهما على البدلية من "عملُ سَنَةٍ"، فافهم.

ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا أسدٌ، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، قال: أخبرني أبي، عن عبد الله بن وديعة، عن سلمان الخير، أن النبي عليه السلام قال:"لا يغتسل الرجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ثم ادّهن من دهنٍ أو مسّ من طيب بيته، ثم راح فلم يفرق بين اثنين وصلّى ما كُتِب له، ثم يُنصت إذا تكلم الإِمام إلا غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى".

ش: إسناده صحيح، ورجاله ثقات، وابن أبي ذئب هو محمَّد بن الحارث بن أبي ذئب، وسعيد هو ابن أبي سعيد المقبري، ونسبته إلى مقبرة لسكناه بها، وأبوه كيْسان المقبري، وسلمان الخير هو سلمان الفارسي رضي الله عنه.

وأخرجه البخاري (1): ثنا عبدان، قال: أنا عبد الله، قال: أنا ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن ابن وديعة، عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اغتسل يوم الجمعة وتطهر بما استطاع من طهر، ثم ادّهن أو مسّ من طيبٍ، ثم راح، فلم يفرق بين اثنين، فصلى ما كتب له، ثم إذا خرج الإِمام أنصت، غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى".

وأخرجه أحمد أيضًا في "مسنده"(2).

وابن ماجه (3) أيضًا بهذا الإسناد ولكن عن أبي ذر رضي الله عنه.

قوله: "ويتطهر ما استطاع" أي قدر طاقته واستطاعته، من الطهارة الصغرى أو الكبرى.

قوله: "ثم راح" معناه: ثم مشى إلى الصلاة وذهب إليها، ولم يُرد رواح آخر النهار، يقال: راح القوم وتروّحوا إذا ساروا أيّ وقت كان.

قوله: "ما بينه" أي ما بين يومه ذلك وبين يوم الجمعة الأخرى، والمراد

(1)"صحيح البخاري"(1/ 308 رقم 868).

(2)

"مسند أحمد"(5/ 177 رقم 21579).

(3)

"سنن ابن ماجه"(1/ 349 رقم 1097).

ص: 46

الذنوب التي لا مُطالب لها من جهة العباد، والله أعلم.

ص: ففي هذه الآثار أيضًا الأمر بالإنصات إذا تكلم الإمام، فذلك دليل أن موضع كلام الإمام ليس بموضع صلاة، فهذا حكم هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار.

وأما وجهه من طريق النظر: فإنا رأيناهم لا يختلفون أن من كان في المسجد قبل أن يخطب الإمام، فإن خطبة الإِمام تمنعه من الصلاة، فيصير بها في غير موضع صلاة؛ فالنظر على ذلك أن يكون كذلك داخل المسجد والإمام يخطب داخلًا له في غير موضع صلاة، فلا ينبغي أن يصلي، وقد رأينا الأصل المتفق عليه أن الأوقات التي تمنع من الصلوات يستوي فيها من كان قبلها في المسجد ومن دخل فيها المسجد في منعها إياهما من الصلاة، فلما كانت الخطبة تمنع مَن كان قبلها في المسجد من الصلاة كانت كذلك أيضًا تمنع من دخل المسجد بعد دخول الإمام فيها من الصلاة، فهذا وجه النظر في ذلك، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله.

ش: أراد بهذه الآثار الأحاديث التي رواها عن سلمان وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص وأوس بن أوس.

قوله: "فذلك" أي الأمر بالإنصات.

قوله: "من طريق النظر" أي القياس.

قوله: "فإنا رأيناهم" أي أهل المقالة الأولى وأهل المقالة الثانية.

قوله: "ومن دخل فيها المسجد" أي في الأوقات التي تمنع من الصلوات.

وقوله: "المسجد" منصوب؛ لأنه مفعول "دخل". وقوله: "فيها" حال، وهو من قبيل دخلت الدار، وكان القياس أن يؤتى بكلمة "في" ولكنهم تركها توسعًا.

ص: 47

قوله: "في منعها" أي في منع الأوقات المذكورة.

قوله: "إياهما" يرجع إلى قوله: "مَن كان" وقوله: "ومَن دخل".

قوله: "بعد دخول الإمام فيها" أي في الخطبة.

قوله: "من الصلاة" يتعلق بقوله: "يمنع".

ص: وقد رويت في ذلك آثار عن جماعة من المتقدمين.

ثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وَهبٌ، قال: ثنا شعبة، عن تَوْبة العنبري، قال:"قال لي الشعبيُّ: أرأيت الحسن حين يجيء وقد خرج الإمام فيصلي، عمّن أخذا هذا؟ لقد رأيت شريحًا إذا جاء وقد خرج الإِمام لم يصل".

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث، قال: أخبرني عقيل، عن ابن شهاب:"في الرجل يدخل المسجد يوم الجمعة والإِمام يخطبُ قال: يجلس ولا يُسبِّح".

حدثنا أحمد بن الحسن، قال: ثنا علي بن عاصم، عن خالد الحذاء:"أن أبا قلابة الجَزميّ جاء يوم الجمعة والإمام يخطب فجلس ولم يُصل".

حدثنا روح بن الفرج رحمه الله، قال: ثنا عبد الله بن محمَّد الفهمي، قال: أنا ابن لهيعة، عن ابن هُبَيْرة، عن أبي المُصْعَب، عن عقبة بن عامر قال:"الصلاة والإمام على المنبر معصية".

حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني ثعلبة بن أبي مالك القرظي: "أن جلوس الإمام على المنبر يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام، وقال: إنهم كانوا يتحدثون حين يجلس عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر حتى يسكت المؤذن، فإذا قام عمر رضي الله عنه على المنبر لم يتكلم أحد حتى يقضي خطبتيه كلتيهما، ثم إذا نزل عمر رضي الله عنه عن المنبر وقضى خطبتيه تكلموا".

ص: 48

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا إسماعيل بن الخليل، قال: ثنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة قال:"رأيت عبد الله بن صفوان بن أمية دخل المسجدَ يوم الجمعة، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما يخطبُ على المنبر، وعليه إزار ورداء ونعلان وهو معتمّ بعمامة، فاستلم الركن، ثم قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، ثم جلس ولم يركع".

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم قال:"قيل لعلقمة: أتتكلم والإمام يخطب أو قد خرج الإمام؟ قال: لا. قال: فقال له رجل: أقرأ حزبي والإمام يخطب؟ قال: عسى أن يضرك ولعلك أن لا يضرك".

حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبد الله بن محمَّد، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا عطاء قال: "كان ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم يكرهان الكلام والصلاة إذا خرج الإمام يوم الجمعة".

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد:"أنه كره أن يُصلَّى والإمام يخطب".

فقد روينا في هذه الآثار أن خروج الإمام يقطع الصلاة، وأن عبد الله بن صفوان جاء وعبد الله بن الزبير يخطب فجلس فلم يركع، فلم ينكر عليه عبد الله بن الزبير ولا مَن كان بحضرته من أصحاب رسول الله عليه السلام وتابعيهم، ثم قد كان شريح يفعل ذلك، ورواه الشعبي واحتج به على من خالفه، وشدَّ ذلك من الرواية عن رسول الله عليه السلام ما قدمنا ذكره، ثم النظر الصحيح ما قد وصفنا، فلا ينبغي ترك ما قد ثبت كذلك إلى غيره.

ش: أي قد رويت في منع الصلاة للداخل والإمام يخطب آثار عن جماعة من المتقدمين من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم.

ص: 49

فمن الصحابة: عقبة بن عامر الجهني، وثعلبة بن أبي مالك القرظي حليف الأنصار أبو يحيى المدني إمام مسجد بني قريظة له رؤيةُ من النبي عليه السلام، وعبد الله ابن صفوان بن أمية المكي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس.

ومن التابعين: عامر بن شراحيل الشعبي، عن شريح القاضي، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وأبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي أحد الأئمة الأعلام الثقات، وعلقمة ومجاهد بن جبر المكي.

أما أثر عقبة بن عامر: فأخرجه عن روح بن الفرج القطان، عن عبد الله بن محمَّد بن إسحاق بن عبيد الفهمي المعروف بالبيطاري المصري، عن عبد الله بن لهيعة المصري -فيه مقال- عن عبد الله بن هبيرة الشيباني أبي هبيرة المصري روى له الجماعة سوى البخاري، عن أبي المُصعب واسمه مشرح بن هاعان المعافري المصري وثقه يحيى، عن عقبة بن عامر.

قوله: "الصلاة" مبتدأ وخبره قوله: "معصية".

وقوله: "والإمام على المنبر" جملة حالية معترضة، وإنما أطلق على هذه الصلاة معصيةً مبالغةً، وجه ذلك أن الصلاة في هذا الوقت تخلُّ بالإنصات المأمور به فيكون فيها تاركًا للأمر، وتارك الأمر يُسمّى عاصيًا، وفعله يُسمّى معصية.

وأما أثر ثعلبة بن أبي مالك فأخرجه بإسناد صحيح: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب المصري، عن يونس بن يزيد الأيلي المصري، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن ثعلبة بن أبي مالك

إلى آخره.

وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا عبّاد بن العوام، عن يحيى بن سعيد، عن يزيد بن عبد الله، عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال:"أدركت عمر وعثمان رضي الله عنه، فكان الإِمام إذا خرج يوم الجمعة تركنا الصلاة، فإذا تكلم تركنا الكلام".

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 458 رقم 5296).

ص: 50

وأما أثر عبد الله بن صفوان: فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن إسماعيل بن الخليل الكوفي شيخ البخاري ومسلم، عن علي بن مسهر عن هشام بن عروة

إلى آخره.

قوله: "وعبد الله بن الزبير يخطب" جملة اسمية وقعت حالًا، وكذا قوله:"وعليه إزار ورداء"، وكذا قوله:"وهو معتم بعمامة"، فافهم.

وأما أثر عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم: فأخرجه عن أحمد بن داود المكي، عن عبد الله بن محمَّد بن علي النُفيلي الحراني شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الواحد بن زياد، عن الحجاج بن أرطاة، عن عطاء بن أبي رباح

إلى آخره.

وهؤلاء ثقات، ولكن تُكلم في الحجاج.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا ابن نمير، عن حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس وابن عمر:"أنهما كانا يكرهان الكلام والصلاة يوم الجمعة بعد خروج الإِمام".

وأما أثر الشعبي عن شريح: فأخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن توبة بن أبي الأسد العَنْبري، عن الشعبي وهو عامر بن شراحيل.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): ثنا ابن نمير، قال: ثنا سفيان، عن توبة، عن الشعبي قال:"كان شريح إذا أتى الجمعة، فإن لم يكن خرج الإِمام صلى ركعتين، وإن كان خرج جلس واحتبى واستقبل الإِمام، فلم يلتفت يمينًا ولا شمالًا".

وأما أثر الزهري: فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 448 رقم 5175).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 448 رقم 5176).

ص: 51

البرلسي، عن أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد، عن الليث، عن عُقيل -بضم العين- بن خالد، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري "في الرجل يجيء يوم الجمعة والإمام يخطب: يجلس ولا يصلي".

قوله: "ولا يُسبِّح" أي: ولا يصلي، من السُّبحة وهي الصلاة النافلة.

وأما أثر أبي قلابة: فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن أحمد بن الحسن بن القاسم الكوفي

إلى آخره.

وأما أثر علقمة فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن شعبة، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم قال:"قلت لعلقمة: متى يكره الكلام يوم الجمعة؟ قال: إذا صعد الإِمام المنبر، وإذا خطب الإِمام، وإذا تكلم الإِمام".

وقال (3): ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، قال:"قلت لعلقمة: أقرأُ في نفسي؟ قال: لعل ذلك أن لا يكون به بأس".

قوله: "عسى أن يضرك" أراد به: إذا قرأ حزبه بغير إخفاء في نفسه، وأراد بقوله:"ولعلك أن لا يضرك" إذا قرأه في نفسه كما صرح به في رواية ابن أبي شيبة.

وأما أثر مجاهد: فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن سفيان الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 447 رقم 5171).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 457 رقم 5293).

(3)

"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 456 رقم 5280).

ص: 52

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا وكيع، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، وعن سفيان، عن أبي إسحاق عن الحارث، عن علي، وعن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء:"أنهم كرهوا الصلاة والإمام يخطب يوم الجمعة".

وهي الآثار المذكورة عن جماعة من المتقدمين.

قوله: "واحتج به على من خالفه" أراد به أن الشعبي احتج بما فعله شريح من تركه الصلاة والإمام يخطب يوم الجمعة على من خالفه وهو الحسن البصري، فافهم.

ص: فإن قال قائل: فقد روي عن رسول الله عليه السلام أنه قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين" فذكر في ذلك ما حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن عثمان بن أبي سليمان، سمع عامر بن عبد الله بن الزبير يخبر، عن عمرو بن سُلَيم، عن أبي قتادة، أن رسول الله عليه السلام قال:"إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس".

حدثنا ربيع الجيزيُّ، قال: ثنا أبو الأسود، قال: أخبرني بكر بن مضر، عن ابن عجلان، عن عامر بن عبد الله

فدكر بإسناده مثله.

حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: حدثني القعنبي، قال: ثنا مالك، عن عامر بن عبد الله

فذكر بإسناده مثله.

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو إسحاق الضرير -يعني إبراهيم بن زكرياء- قال: ثنا حماد بن سلمة، عن سهيل بن أبي صالح، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن جابر بن عبد الله، عن النبي عليه السلام مثله.

قال: فهذا يدل على أنه ينبغي لمن دخل المسجد والإمام يخطب أن لا يجلس حتى يصلي ركعتين.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 447 رقم 5167).

ص: 53

قيل له: ما في هذا دليل على ما ذكرت، إنما هذا على من دخل المسجد في حالٍ تحلُّ فيها الصلاة، وليس على من دخل المسجد في حالٍ لا تحل فيها الصلاة، ألا ترى أن من دخل المسجد عند طلوع الشمس، أو عند غروبها، أو في وقت من هذه الأوقات المنهي عن الصلاة فيها أنه لا ينبغي له أن يُصلّى، وأنه ليس ممن أمره النبي عليه السلام أن يصلي ركعتين لدخوله المسجد؛ لأنه قد نهي عن الصلاة حينئذٍ، فكذلك الذي دخل المسجد والإمام يخطب ليس له أن يصلي، وليس ممن أمره النبي عليه السلام بذلك، وإنما يدخل في أمر رسول الله عليه السلام الذي ذكرت كل مَن لو كان في المسجد قبل ذلك، فآثر أن يصلي كان ذلك له، وأما مَن لو كان في المسجد قبل ذلك لم يكن له أن يصلي حينئذٍ فليس بداخل في ذلك، وليس له أن يصلي؛ قياسًا على ما ذكرنا من حكم الأوقات المنهي عن الصلاة فيها التي وصفنا.

ش: تقرير السؤال: أن قوله عليه السلام: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين" عام يتناول كل داخلٍ في المسجد سواء كان يوم الجمعة والإمام يخطب أو غيره، فإذا كان كذلك ينبغي لمن دخل المسجد والإمام يخطب أن لا يجلس حتى يركع ركعتين.

وتقرير الجواب: أن هذا الحديث مخصوص بحال من دخل المسجد في وقت تحلُّ له فيه الصلاة، وليس بمطلق، وذلك كالأحاديث التي فيها النهي عن الصلاة في أوقات مخصوصة نحو طلوع الشمس وغروبها واستوائها في الظهيرة، فإنه ليس لأحد أن يصلي تحية المسجد إذا دخله في وقت من هذه الأوقات، فلا يكون الداخل في المسجد في هذه الأوقات داخلًا تحت الأمر، وكذلك الداخل في حالة خطبة الإِمام ليس بداخل تحت هذا الأمر؛ لكون هذا الوقت غير صالح للصلاة كالأوقات المكروهة، وباقي الكلام ظاهر.

قوله: "فآثر" بالمد أي اختار أن يصلي.

ثم الحديث المذكور أخرجه من حديث أبي قتادة الحارث بن ربعي، ومن حديث جابر بن عبد الله الأنصاري.

ص: 54

أما حديث أبي قتادة فأخرجه من ثلاث طرق صحاح:

الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عُيَيْنة، عن عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم المكي، روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، والترمذي في "الشمائل".

وهو يروي عن عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي المدني روى له الجماعة غير الترمذي، عن عمرو بن سليم بن عمرو الأنصاري المدني روى له الجماعة، عن أبي قتادة رضي الله عنه.

الثاني: عن ربيع بن سليمان الجيزي الأعرج، عن أبي الأسود النضر بن عبد الجبار المصري، عن بكر بن مضر، عن محمَّد بن عجلان، عن عامر بن عبد الله، عن عمرو بن سليم، عن أبي قتادة.

وأخرجه أحمد في "مسنده"(1): ثنا سفيان، عن عثمان بن أبي سليمان وابن عجلان، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سُلَيْم، عن أبي قتادة، عن النبي عليه السلام قال:"إذا دخل أحدكم المسجد فليصل ركعتين من قبل أن يجلس".

الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسلمة بن قَعْنب القعنبي، عن مالك بن أنس، عن عامر بن عبد الله، عن عمرو بن سُلَيم، عن أبي قتادة.

وأخرجه البخاري (2): عن عبد الله بن يوسف، قال: أنا مالك، عن عامر ابن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سُلَيْم الزرقي، عن أبي قتادة السُّلَمي، أن رسول الله عليه السلام قال:"إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس".

(1)"مسند أحمد"(5/ 269 رقم 22582).

(2)

"صحيح البخاري"(1/ 170 رقم 433).

ص: 55

وأخرجه مسلم (1): عن القعنبي وقتيبة بن سعيد، كلاهما عن مالك

إلى آخره نحوه.

وأبو داود (2): عن القعنبي أيضًا، عن مالك.

والترمذي (3): عن قتيبة، عن مالك.

والنسائي (4) أيضًا: عن قتيبة، عن مالك.

وابن ماجه (5): عن العباس بن عثمان، عن الوليد بن مسلم، عن مالك

إلى آخره.

وأخرجه الدارقطني (6) أيضًا والطبراني (7) وابن أبي شيبة (8)، وله زيادة حسنة بإسنادٍ جَيّدٍ:"أعطوا المساجد حقها، قيل: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: ركعتين قبل أن يجلس".

وزاد أبو أحمد الجرجاني: "وإذا دخل بيته فلا يجلس حتى يركع ركعتين، فإن الله عز وجل جاعل له من ركعتيه خيرًا" وإسناده منكر، وقال البخاري: هذه الزيادة لا أصل لها، وأنكر ذلك أيضًا ابن القطان.

وأما حديث جابر بن عبد الله: فأخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي إسحاق الضرير إبراهيم بن زكرياء المعلم، فيه مقال كثير، فقال أبو حاتم: حديثه منكر. وقال ابن عدي: حدّث بالبواطيل. وقال الدارقطني: ضعيف.

(1)"صحيح مسلم"(1/ 495 رقم 714).

(2)

"سنن أبي داود"(1/ 127 رقم 467).

(3)

"جامع الترمذي"(2/ 129 رقم 316).

(4)

"المجتبى"(2/ 53 رقم 735).

(5)

"سنن ابن ماجه"(1/ 324 رقم 1013).

(6)

"سنن الدارقطني"(2/ 13 رقم 2).

(7)

"المعجم الكبير"(3/ 241 رقم 3281).

(8)

"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 299 رقم 3422).

ص: 56

وهو يروي عن حماد بن سلمة، عن سهيل بن أبي صالح ذكوان، عن عامر ابن عبد الله بن الزبير

إلى آخره.

وأخرجه الترمذي (1) معلقا، وقال: روى سُهيل بن أبي صالح هذا الحديث عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم، عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا حديث غير محفوظ، والصحيح حديث أبي قتادة.

ثم اعلم أن ركعتي المسجد سنة بإجماع المسلمين إلا ما روي عن داود وأصحابه وجوبها بظاهر الأمر.

وليس كذلك؛ لأن الأمر محمول على الاستحباب والندب لقوله عليه السلام للذي سأله عن الصلوات: "هل عليَّ غيرُها؟ قال: لا، إلا أن تطوَّع" وغير ذلك من الأحاديث، ولو قلنا بوجوبهما لحرم على المحدث الحدث الأصغر دخول المسجد حتى يتوضأ، ولا قائل به، فإذا جاز دخول المسجد على غير وضوء لزم منه أن لا يجب عليه سجودهما عند دخوله، ثم إنه يصليهما إلا في وقت النهي عند أبي حنيفة وأصحابه وهو قول الأوزاعي والليث، وحكي ذلك أيضًا عن الشافعي، ومذهبه الصحيح أنه يصليهما في كل وقت، وهو قول أحمد وإسحاق والحسن ومكحول، والله أعلم.

(1)"جامع الترمذي"(2/ 130).

ص: 57