المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ص: باب: الوتر هل يصلى في السفر على الراحلة أم لا - نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار - جـ ٦

[بدر الدين العيني]

الفصل: ‌ص: باب: الوتر هل يصلى في السفر على الراحلة أم لا

‌ص: باب: الوتر هل يُصلّى في السفر على الراحلة أم لا

؟

ش: أي هذا باب في بيان الوتر هل يجوز فعله على الراحلة في السفر أم لا يجوز؟ والراحلة: الناقة التي يصحّ أن ترحّل، وكذلك الرحول، ويقال: الراحلة: المركب من الإبل ذكرًا كان أو أنثى. قاله الجوهري، وقال ابن الأثير: الراحلة من الإبل: البعير القوي على الأسفار والأحمال، والذكر والأنثى فيه سواء، والهاء فيها للمبالغة، وهي التي يختارها الرجل لمركبه ورَحْله على النجابة وتمام الخلق وحسن المنظر، فإذا كانت في جماعة الإبل عُرفت.

والمناسبة بين البابين ظاهرة وهي اشتمال كل منهما على حكم صلاةٍ في السفر.

ص: حدثنا يونس، قال: أخبرني عبد الله بن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال:"كان رسول الله عليه السلام يُصلّي على ظهر الراحلة قِبَل أيّ وَجْهٍ توجّه وهو عليها، غير أنه لا يصلّي عليها المكتوبة".

حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدّثه، عن أبي بكر بن عمر ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن سعيد بن يسار أنه قال:"كنتُ أَسيرُ مع عبد الله بن عمر بطريق مكة، فلما خشيت الصبح نزلتُ فأوترتُ، فقال عبد الله بن عمر: أين كنت؟ فقلتُ: خشيتُ الفجر فنزلتُ فأوترتُ. فقال: أوليس لك في رسول الله عليه السلام أسوة؟ قلتُ: بلى والله. قال: فإن رسول الله عليه السلام كان يوتر على البعير".

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا رَوْح بن عبادة وإبراهيم بن أبي الوزير، قالا: ثنا مالك بن أنس، عن أبي بكر بن عبيد العمري، عن سعيد بن يسار أبي الحباب، عن ابن عمر، عن النبي عليه السلام:"أنه كان يُوتر على راحلته".

ص: 412

قال إبراهيم بن أبي الوزير: وحدثنا أبو معشر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي عليه السلام مثله.

ش: هذه ثلاث طرق صحاح، ورجالها رجال الصحيح ما خلا أبا بكرة وأبا معشر.

الأول: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر.

وأخرجه مسلم (1): حدثني حرملة بن يحيى، قال: أنا ابن وهب، قال: أنا يونس، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال:"كان رسول الله عليه السلام يُسبِّح على الراحلة قِبَل أيّ وجه توجه، ويُوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة".

وأخرجه أبو داود (2): عن أحمد بن صالح، عن عبد الله بن وهب

إلى آخره نحوه.

الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى أيضًا، عن عبد الله بن وهب أيضًا، عن مالك بن أنس

إلى آخره.

وأخرجه البخاري (3): ثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك

إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه:"فأوترت ثم لحقته" و"خشيت الفجر" عوض: "الصبح".

وأخرجه مسلم (4): عن يحيى بن يحيى، عن مالك

إلى آخره نحوه.

(1)"صحيح مسلم"(1/ 487 رقم 700).

(2)

"سنن أبي داود"(2/ 9 رقم 1224).

(3)

"صحيح البخاري"(1/ 339 رقم 954).

(4)

"صحيح مسلم"(1/ 487 رقم 700).

ص: 413

الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن رَوْح بن عبادة، وعن إبراهيم بن عمر بن مطرف، وهو إبراهيم بن أبي الوزير الهاشمي المكي، كلاهما عن مالك بن أنس

إلى آخره.

وأخرجه أحمد في "مسنده"(1): عن إسحاق، عن مالك

إلي آخره.

قوله: "أبي الحبُاب" بضم الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة وفي آخره باء، وهو كنية سعيد بن يسار.

قوله: "قال إبراهيم بن أبي الوزير

" إلى آخره، إشارة إلى طريق آخر عنه، عن أبي معشر اسمه نجيح بن عبد الرحمن السِّنْدي المدني، فيه مقال؛ فعن يحيى: ضعيف. وعنه ليس بشيء. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو زرعة: صدوق في الحديث وليس بالقوي. وروى له الأربعة.

وأخرج البخاري والنسائي من حديث نافع عن ابن عمر.

فقال البخاري (2): ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا جويرية، عن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر قال:"كان النبي عليه السلام يُصلِّي في السفر على راحلته حيث توجهت به يُومئ إيماءً صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته".

وقال النسائي (3): أنا عبد الله بن سعيد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن الأخنس، عن نافع، عن ابن عمر:"أن رسول الله عليه السلام كان يوتر على الراحلة".

ويستفاد من الحديث: جواز التطوع على الراحلة فليس فيه خلاف، قال صاحب "المحيط": الصلاة على الراحلة أنواع ثلاثة: فريضة، وواجب، وتطوع.

(1)"مسند أحمد"(2/ 113 رقم 5936).

(2)

"صحيح البخاري"(1/ 339 رقم 955).

(3)

"المجتبى"(3/ 232 رقم 1686).

ص: 414

أما الفرض: فلا يجوز على الدابة إلا من ضرورة وهو تعذر النزول لخوف زيادة مرض، أو خوف العدو، أو السبع، فيجوز أن يصلي على الراحلة خارج العصر بإيماء ويجعل السجود أخفض من الركوع.

وكذلك الصلاة الواجبة: كصلاة الجنازة، والتطوع الذي وجب قضاؤه بالإفساد، وكالوتر عند أبي حنيفة، وكذلك الصلاة المنذورة، وسجدة التلاوة متى وجبت على الأرض لا تجوز على الدابة؛ لأنها وجبت كاملة فلا تتأدى بما هو ناقص.

وأما التطوع: فيجوز على الدابة خارج العصر مسافرًا كان أو مقيمًا يومئ حيثما توجهت الدابة ولا يمنعه السرج والركابان ونحاسة الدابة مطلقًا، وأما المصر فلا تجوز فيه عند أبي حنيفة، وعند محمد تجوز وتكره، وعند أبي يوسف تجوز ولا تكره، وبه قال أبو سعيد الإصطخري من أصحاب الشافعي، وهو محكي عن أنس بن مالك.

ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: لا بأس أن يصلي المسافر الوتر على راحلته كما يصلي سائر التطوع، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار المروية عن رسول الله عليه السلام وبفعل ابن عمر رضي الله عنهما من بعده.

ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح والحسن البصري وسالم بن عبد الله ونافعًا مولى ابن عمر ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق؛ فإنهم جوّزوا للمسافر أن يصلي الوتر على راحلته واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة وبفعل عبد الله بن عمر من بعد النبي عليه السلام.

وقال أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر:"أنه صلى على راحلته فأوتر عليها، وقال: كان النبي عليه السلام يُوتر على راحلته".

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 97 رقم 6920).

ص: 415

ويروى ذلك أيضًا عن علي وابن عباس رضي الله عنهم (1).

وكان مالك يقول: لا يصلى على الراحلة إلا في سفرٍ تقصر فيه الصلاة.

وقال الأوزاعي والشافعي: قصير السفر وطويله في ذلك سواء، يصلي على راحلته.

وقال ابن حزم في "المحلى": ويوتر المرء قائمًا وقاعدًا لغير عذر إن شاء وعلى دابته.

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يجوز لأحد أن يصلي الوتر على الراحلة، ولكنه يُصليه على الأرض كما يُفعل في الفرائض.

ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: محمد بن سيرين وعروة بن الزبير وإبراهيم النخعي وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا فإنهم قالوا: لا يجوز الوتر إلا على الأرض كما في الفرائض، ويروى ذلك عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله في رواية ذكرها ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2).

وقال الثوري: "صَلّ الفرض والوتر بالأرض، وإن أوترت على راحلتك فلا بأس".

ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا حنظلة بن أبي سفيان، عن نافع، عن ابن عمر:"أنه كان يُصلي على راحلته ويوتر بالأرض ويزعم أن رسول الله عليه السلام كذلك كان يفعل".

فهذا خلاف ما احتج به أهل المقالة الأولى لقولهم مما قد رويناه عن ابن عمر عن النبي عليه السلام.

ش: أي احتج الجماعة الآخرون فيما ذهبوا إليه من عدم جواز الوتر راكبًا على الراحلة بحديث ابن عمر رضي الله عنه.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 97 رقم 6921 - 6922).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 97 رقم 6914، 6915).

ص: 416

أخرجه بإسناد صحيح: عن يزيد بن سنان القزاز البصري شيخ النسائي أيضًا، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن حنظلة بن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية القرشي الجمحي المكي روى له الجماعة، عن نافع

إلى آخره.

قوله: "ويزعم" أي ابن عمر "أن رسول الله عليه السلام كذلك كان يفعل" أي كما فعله من الصلاة على الراحلة والإيتار على الأرض كان رسول الله عليه السلام يَفْعله.

قوله: "فهذا" أي هذا الحديث خلاف ما احتج به أهل المقالة الأولى لقولهم بجواز الوتر على الراحلة مما روي عن ابن عمر، عن النبي عليه السلام المذكور فيما مضى، فإذا كان هذا معارضًا لما رووا من ذلك كان استدلالهم به غير تام.

فإن قيل: إذا لم يتم استدلالهم بما رويتم من خلافه فكذلك لا يتم استدلاكم بما رووا هؤلاء من خلاف ما رويتم؛ لأنكم إذا استدللتم بما رويتم استدل هؤلاء أيضًا بما رَوَوْا.

قلت: فليكن كذلك؛ لأن الغرض من إيراد هذا الحديث بيان ما روي من خلاف حديثهم الذي يخرجه عن إقامة الحجة به، على أنا نستدل على ما ذهبنا إليه بالأحاديث التي تنبئ عن وجوب الوتر وإلحاقه بالفرضية في كون حكمه كحكم الفرائض على ما يجيء إن شاء الله تعالى.

ص: ثم روي عن ابن عمر رضي الله عنهما من غير هذا الوجه من فعله ما يُوافق هذا.

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا عثمان بن عمر وبكر بن بكار، قالا: ثنا عمر بن ذَرّ، عن مجاهدٍ:"أن ابن عمر- رضي الله عنهما كان يُصلّي في السفر على بعيره أينما توجّه به، فإذا كان في السحر نزلَ فأوْتر".

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، عن حماد، عن مجاهد قال: "صحبتُ ابن عمر فيما بين مكة والمدينة

" فذكر نحوه.

ص: 417

حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا مكي بن إبراهيم، قال: ثنا عبيد الله بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عمر نحوه.

قالوا: ففيما روينا عن ابن عمر عن النبي عليه السلام، وفيما رويناه عنه من فعله ما يُخالف ما رواه عنه أهل المقالة الأولى.

ش: أراد بذلك تأكيد ما روي عن حنظلة، عن نافع، عن ابن عمر مخالفًا لما رُوي عن ابن عمر فيما مضى، وأراد: من غير هذا الوجه من غير الطريق المذكور فيما رواه حنظلة، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما.

قوله: "مِن فعله" أي من فعل ابن عمر رضي الله عنهما.

وأخرجه من ثلاث وجوه:

الأول: إسناده صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن عثمان بن عمر بن فارس البصري روى له الجماعة، وبكر بن بكار القيسى وثقه أبو عاصم النبيل وابن حبان، كلاهما عن عمر بن ذرّ بن عبد الله بن زرارة الهمداني روى له الجماعة سوى مسلم، عن مجاهد، عن ابن عمر.

وأخرجه أحمد في "مسنده"(1): عن إسماعيل، عن أيوب، عن سعيد بن جُبير:"أن ابن عمر كان يُصلّي على راحلته تطوعًا، فإذا أراد أن يوتر نزل فأوتر على الأرض".

الثاني: إسناده صحيح أيضًا، عن أبي بكرة أيضًا، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن هشام بن أبي عبد الله سنْبَر الدستوائي، عن حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، عن مجاهد

إلى آخره.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): ثنا هشيم، قال: أنا حُصَين، عن

(1)"مسند أحمد"(2/ 4 رقم 4476).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 237 رقم 8518).

ص: 418

مجاهد قال: "صحبت ابن عمر من المدينة إلى مكة، فكان يُصلّي على دابته حيث توجهت به، فإذا كانت الفريضة نزل فصلى" انتهى.

ولما كان الوتر فرضًا دخل تحت قوله: "فإذا كانت الفريضة".

الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن مكي بن إبراهيم بن بشير البلخي شيخ البخاري، عن عبيد الله بن أبي زياد القداح أبي الحصين المكي- فيه مقال؛ فعن يحيى القطان، كان وسطًا، لم يكن بذاك. وقال أحمد: ليس به بأس. وعن يحيى كذلك، وعنه: ضعيف. وعن أبي داود: أحاديثه مناكير. وعن النسائي: ليس بثقة. وعنه: ليس بالقوي. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.

وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): عن معمر، عن حميد، عن بكر:"أن ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا أراد أن يوتر نزل فأوتر بالأرض".

قوله: "قالوا" أي الآخرون "ففيما روينا عن عبد الله بن عمر عن النبي عليه السلام، وفيما رويناه عن" أي: عن ابن عمر أيضًا "من فعله ما يُخالف ما رواه عنه" أي: عن ابن عمر "أهل المقالة الأولى".

وأشار بذلك إلى أن أحاديثهم معارضة هذه الأحاديث فلا يتبقى لهم حجة، ولا سيما الراوي إذا فعل بخلاف ما روى فإنه يدل على سقوط ما روى، والله أعلم.

ص: فكان من الحجة لأهل المقالة الأولى أنهم لا يعارضون الزهري بحنظلة، وأما ما رواه عن ابن عمر من وتره على الأرض، فقد يجوز يكون فعل ذلك وله أن يوتر على الراحلة كما يصلي تطوعًا على الأرض وله أن يصليه على الراحلة، فصلاته إياه على الراحلة وصلاته إياه على الأرض لا تنفي أن يكون له أن يصليه على الراحلة.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 97 رقم 6915).

ص: 419

وقد حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن محمد بن إسحاق، عن نافع قال:"كان ابن عمر يوتر على راحلته وربما نزل فأوتر على الأرض".

فقد يجوز أن يكون مجاهد رآه يوتر على الأرض ولم يعلم كيف كان مذهبه في الوتر على الراحلة، فأخبر بما رأى منه من وتره على الأرض، وهذا مما لا ينفي أن يكون قد كان يوتر على الراحلة، ثم جاء سالم ونافع وأبو الحباب فأخبروا عنه أنه كان يوتر على راحلته.

ش: لما احتج أهل المقالة الثانية لما ذهبوا إليه بما رواه حنظلة بن أبي سفيان، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي عليه السلام مخالفًا لما رواه الزهري، عن سالم، عن عبد الله بن عمر، عن النبي عليه السلام، وبما رووه أيضًا من فعل ابن عمر مخالفًا لما روى هؤلاء؛ عارضهم أهل المقالة الأولى بأن قالوا: ما روينا عن ابن عمر عن النبي عليه السلام من جواز الوتر على الأرض من طريق محمد بن مسلم الزهري، وما رويتم من خلاف ذلك من طريق حنظلة بن أبي سفيان وحنظلة لا يقاوم الزهري ولا يعادله وإن كان حنظلة ثقة روى له الجماعة، فحينئذٍ لا يعارض حديث الزهري بحديثه.

وقالوا أيضًا: ما رواه حنظلة، عن ابن عمر من وتره على الأرض لا ينافي ما ذهبنا إليه؛ لأنه يجوز أن يكون فعل ذلك والحال أن له أن يوتر على الراحلة، وذلك كما كان له أن يصلي تطوعًا على الأرض كان له أن يصليه على الراحلة، وحاصله أن صلاته الوتر على الأرض لا يستلزم عدم جوازه عنده على الراحلة ولا دلّ دليل على أنه لا يجوز على الراحلة عنده فحينئذٍ لا يتم الاستدلال بما رواه

حنظلة من أنه كان يصلي على راحلته ويوتر بالأرض.

ثم أكد ما ذكروه من ذلك بما رواه عن فهد بن سليمان، عن علي بن مَعْبد بن شداد، عن عبيد الله بن عمرو، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر:"كان يوتر على راحلته وربما نزل فأوتر على الأرض".

ص: 420

فهذا يخبر أنه تارة كان يوتر على الراحلة وتارة على الأرض، فدلّ أن ما رواه حنظلة كان يصلي على راحلته ويوتر بالأرض لا ينافي جواز وتره على الراحلة.

قوله: "فقد يجوز أن يكون مجاهد

" إلى آخره، جواب عما احتج به أهل المقالة الثانية بما رواه مجاهد، عن ابن عمر: "أنه كان يصلي في السفر على بعيره أينما توجه به، فإذا كان في السَّحَر نزل فأوتر".

بيان ذلك أن ما رواه مجاهد لا يدل على عدم جواز الوتر على الراحلة؛ لأنه يجوز أن يكون رآه يوتر على الأرض والحال أنه لم يعلم كيف كان مذهب ابن عمر في الوتر على الراحلة هل يجوز عنده أم لا؟

فغاية ما في الباب أنه أخبر بما شاهد منه من وتره على الأرض، وذلك لا يستلزم نفي جوازه على الراحلة عنده، ومع هذا روى سالم ونافع وأبو الحباب سعيد بن يسار:"أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يوتر على راحلته" فكما أن رواية هؤلاء لا تستلزم عدم جوازه على الأرض فكذلك رواية مجاهد لا تستلزم عدم جوازه على الراحلة، فظهر أن كلا الأمرين جائز، وأن ما شاهده أحد من الرواة من فعل لا يستلزم نفي صحة ما شاهده غيره من الفعل الآخر إلا بدليل يدلّ عليه، والله أعلم.

ص: والوجه عندنا في ذلك: أنه قد يجوز أن يكون رسول الله عليه السلام كان يوتر على الراحلة قبل أن يحكم الوتر ويغلظ أمره ثم أحكم من بعد ولم يُرخِّصْ في تركه فروي عنه ما حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي عبد الله بن وهب، قال: حدثني موسى بن أيوب الغافقي، عن عمه إياس بن عامر، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه:"أن رسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل وعائشة معترضة بين يديه، فإذا أراد أن يوتر أوْمأ إليها أن تَنَحّي، وقال: هذه صلاة زدتموها".

ص: 421

حدثنا عبد الرحمن بن الجارود، قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: ثنا موسى بن أيوب

فذكر بإسناده مثله.

حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا ابن لهيعة والليث، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن عبد الله بن راشد، عن عبد الله بن أبي قرة، عن خارجة بن حذافة العدوي، أنه قال: سمعت رسول الله عليه السلام يقول: "إن الله قد أمدَّكم صلاة هي خير لكم من حمر النعم -ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر- الوتر الوتر؛ مرتين".

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب

فذكر بإسناده مثله.

حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: ثنا ابن لهيعة، أن أبا تميم عبد الله بن مالك الجَيْشاني أخبره، أنه سمع عمرو بن العاص رضي الله عنه يقول: أخبرني رجل من أصحاب النبي عليه السلام أنه سمع رسول الله عليه السلام يقول: "إن الله قد زادكم صلاةً فصلوها فيما بين العشاء إلى صلاة الصبح، الوتر الوتر.

ألا وإنه أبو بَصْرة الغفاريّ، قال أبو تميم: فكنتُ أنا وأبو ذر قاعدَين؛ فأخذ أبو ذر بيدي فانطلقنا إلى أبي بَصرة فوجدناه عند الباب الذي يلي دار عمرو بن العاص، فقال له أبو ذر: يا أبا بَصْرة أنت سمعتَ رسول الله عليه السلام يقول: إن الله قد زادكم صلاة فصلوها فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر، الوتر الوتر. فقال أبو بصرة: نعم. فقال: أنت سمعته يقوله: قال: نعم. قال: أنت سمعته

يقوله؟ قال: نعم".

فأكد في هذه الآثار أمر الوتر ولم يرخص لأحد في تركه، وقد كان قبل ذلك ليس من التأكيد كذلك، فيجوز أن يكون ما روى ابن عمر عن رسول الله عليه السلام من وتره على الراحلة كان ذلك من قِبَل تأكيده إياه، ثم أكده من بعد ذلك نسخ.

ص: 422

ش: هذا جواب عما قاله أهل المقالة الأولى وهو الذي ذكره عنهم بقوله: "فكان من الحجة لأهل المقالة الأولى

" إلى آخره، تقريره أن يقال: إن الذي ذكرتموه ولئن سلمنا أنه كذلك، ولكن يجوز أن يكون وتر النبي عليه السلام على الراحلة قبل أن يحكم أمر الوتر ويغلظ شأنه؛ وذلك لأنه كان أولًا كسائر التطوعات فلذلك كانوا يصلونها على الراحلة، فلما أحكم أمره وشُدّد فصار كالفرض منع من ذلك كالفرض، ولمّا صار كالفرض صار حكمه حكم الفرض، وقد أجمعوا أن الفرض لا يجوز على الراحلة عند القدرة على النزول فكذلك الوتر.

ثم أخرج عن ثلاثة من الصحابة ما يدلّ على وجوب الوتر، وهم: عليّ وخارجة بن حذافة وأبو بَصْرة الغفاري رضي الله عنهم.

أما حديث عليّ رضي الله عنه فأخرجه من طريقين صحيحين:

أحدهما: عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب المصري بَحْشل شيخ مسلم وأبي حاتم والطبريّ أيضًا، عن عمّه عبد الله بن وهب المصري، عن موسى بن أيوب بن عامر الغافقي المصري وثقه أحمد وأبو داود وروى له، وابن ماجه والنسائي في مسند علي رضي الله عنه، عن عمه إياس بن عامر الغافقي المصري، وثقه ابن حبان وروى له هؤلاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

والآخر: عن عبد الرحمن بن جارود بن عبد الله أبي بشر الكوفي، ثم البغدادي، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ شيخ البخاري، عن موسى بن أيوب الغافقي، عن عمّه إياس بن عامر، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

ويستفاد منه: جواز الصلاة إلى المرأة وجوازها إلى نائم، وأن المرأة لا تقطع الصلاة، وأن الإشارة في الصلاة لا تُفسدها، واستحباب صلاة الليل، ووجوب صلاة الوتر بقوله عليه السلام:"هذه صلاة زدتموها" وأشار بـ"هذه" إلى صلاة الوتر.

وقوله: "زدتموها" بكسر الزاي من زاد، وهو يتعدّى ولا يَتعدّى، وها هنا مُتعدّ إلى مفعولين: أحدهما: الضمير الذي في زدتم الذي هو ضمير منصوب

ص: 423

ولكنه ناب عن الفاعل، والثاني: الهاء التي ترجع إلى صلاة الوتر، وينبغي أن تعلم أن لفظة:"زدتم" ها هنا صيغة مجهول وإن كان مثل هذه اللفظة تستوي فيها صيغة المعلوم والمجهول، والفرق بالقرينة، فافهم.

وأما حديث خارجة بن حذافة فأخرجه أيضًا من طريقين صحيحين:

الأول: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب المصري، عن عبد الله بن لهيعة المصري والليث بن سعد المصري كلاهما، عن يزيد بن أبي حبيب سُوَيد المصري روى له الجماعة، عن عبد الله بن راشد الزَّوفي أبي الضحاك المصري -وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه- عن عبد الله ابن أبي مرة الزَّوْفي المصري -وثقه ابن حبان وروى له هؤلاء- عن خارجة بن حذافة العدوي القرشي الصحابي المصري له هذا الحديث.

وأخرجه ابن ماجه (1): ثنا محمد بن رمح المصري، أنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب

إلى آخره نحوه.

وأخرجه الترمذي (2) أيضًا: ثنا قتيبة، قال: ثنا الليث بن سَعْد، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن عبد الله بن راشد الزَّوْفي، عن عبد الله بن أبي مرة الزَّوْفي، عن خارجة بن حذافة قال:"خرج علينا رسول الله عليه السلام فقال: إن الله أمدّكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم: الوتر، جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر".

وقال أبو عيسى: حديث خارجة بن حذافة حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي حبيب، وقد وهم بعض المحدثين في هذا الحديث فقال: عبد الله بن راشد الزرقي، وهو وهم.

(1)"سنن ابن ماجه"(1/ 3 رقم 1168).

(2)

"جامع الترمذي"(2/ 314 رقم 452).

ص: 424

وأخرجه البيهقي (1) أيضًا: من حديث الليث وابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب

إلى آخره نحو رواية الطحاوي.

وقال: ورواه ابن إسحاق عن يزيد فقال: عبد الله بن مرة.

وقال الذهبي في "مختصر سنن البيهقي": وهو عند ابن لهيعة عن رزين بن عبد الله الزَّوفي، عن عبد الله بن أبي مرة الزَّوفي.

ورواه أيضًا أحمد في "مسنده"(2)، والدارقطني في "سننه"(3)، والطبراني في "معجمه"(4)، وابن عدي في "كامله"(5)، وأخرجه الحاكم في "مستدركه"(6)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه لتفرد التابعي في الصحابي.

قلت: كأنه يشير إلى أن خارجة تفرد عنه ابن أبي مرة، وليس كذلك؛ لما ذكره أبو عبيد الله محمد بن الربيع الجيزي في كتاب "الصحابة" بالبينة، روى عنه أيضًا عبد الرحمن بن جبير قال: ولم يرو عنه غير أهل مصر.

وقال أبو زيد في كتاب "الأسرار": هو حديث مشهور.

ولما أخرجه أبو داود سكت عنه، ومن عادته إذا سكت عن حديث أخرجه يدل على صحته عنده ورضاه به (7).

(1)"سنن البيهقي الكبرى"(2/ 469 رقم 4249).

(2)

"مسند أحمد"(6/ 397 رقم 27272).

(3)

"سنن الدارقطني"(2/ 30 رقم 1).

(4)

"سنن الدارقطني"(2/ 30 رقم 1).

(5)

"الكامل في ضعفاء الرجال"(3/ 50).

(6)

"المستدرك على الصحيحين"(1/ 448 رقم 1148).

(7)

في هذا نظر موضعه كتب مصطلح الحديث، وقد نبهنا عليه مرارًا. وغاية ما في الأمر أن أبا داود قال في رسالته إلى أهل مكة في وصفه لكتابه "السنن": ما فيه ضعف شديد بينته، وما سكت عنه فهو صالح. اهـ. وهذا يؤخذ منه أنه يسكت عما فيه ضعف غير شديد، وهذا مشاهد معاين لمن له دربة بكتابه.

ص: 425

فإن قيل: أعلّ ابن الجوزي في التحقيق هذا الحديث بعبد الله بن راشد، ونقل عن الدارقطني أنه ضعّفه.

وقال البخاري: لا يعرف لإسناد هذا الحديث سماع بعضهم من بعض.

قلت: عبد الله بن راشد وثقه ابن حبان والحاكم. والدارقطني (1) أخرج حديثه هذا ولم يتعرض إليه بشيء، وإنما تعرض إلى الحديث الذي أخرجه عن ابن عباس فقال: ثنا الحسين بن إسماعيل، نا محمد بن خلف المقرئ، نا أبو يحيى الحماني عبد الحميد، ثنا النضر أبو عمر، عن عكرمة، عن ابن عباس:"أن رسول الله عليه السلام خرج عليهم يُرى البِشْر أو السُّرورُ في وجهه، فقال: إن الله قد أمدكم بصلاة وهي الوتر".

النضر أبو عمر الخزاز ضعيف، وهذا الحديث مما يقوي حديث خارجة المذكور ويزيده قوةً في صحته، فافهم.

الطريق الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري وأبي داود، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب

إلى آخره نحوه.

وأخرجه أبو داود (2): ثنا أبو الوليد الطيالسي وقتيبة بن سعيد المعنى، قالا: ثنا ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن راشد الزَّوفي، عن عبد الله بن أبي مرة الزَّوفي، عن خارجة بن حذافة، قال أبو الوليد:"خرج علينا رسول الله عليه السلام فقال: "قد أمدّكم الله بصلاة وهي خير لكم من حمر النعم وهي الوتر، فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر".

قوله: "أمدكم" من الإمداد، يقال: مدّ الله في عمرك وأمدَّ السلطان الجيش يعني بزيادةٍ تلحقهم، ونسب النبي عليه السلام زيادة الوتر إلى الله تعالى بأمره وإيجابه،

(1)"سنن الدارقطني"(2/ 30 رقم 2).

(2)

"سنن أبي داود"(2/ 61 رقم 1418).

ص: 426

ولو لم يكن واجبًا لكان بمنزلة التروايح والسنن التي واظب عليها ولم يجعلها زيادة في الفرائض.

فإن قيل: فقد قال الأعرابي لسيدنا رسول الله عليه السلام حين سأله عن الصلوات: "هل عليّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع"، وقال لمعاذ رضي الله عنه إذ أرسله إلى اليمن:"أخبرهم أن الله تعالى افترض عليهم خمس صلوات".

قلت: في قوله: "زادكم" إشارة إلى أنها متأخرة عن وجوب الخمس، وأيضًا لم يقل أحدُ بفرضيته والوجوب غير الفريضة.

فإن قيل: لو كان واجبًا لما صلاه عليه السلام على الراحلة إذ الفرائض لا تؤدى على الراحلة إلا بشروط.

قلت: أنتم تقولون بفرضيته على النبي عليه السلام على ما هو الصحيح عندكم، وقال ابن عقيل: صح أن الوتر كان واجبًا عليه.

فإن قالوا: قال القرافي في "الذخيرة ": الوتر في السفر ليس واجبًا عليه، وصلاته إياه على الراحلة كانت في السفر.

يقال لهم: يكفي في هذا أنه قول بغير استناد إلى سنة صحيحة ولا ضعيفة، هذا ابن عمر- رضي الله عنه يروي عنه الطحاوي أنه كان يصلي على راحلته ويوتر بالأرض ويزعم أن رسول الله كان يفعل ذلك.

وقال الدارقطني (1): ثنا عبد الله بن سليمان، ثنا عيسى بن حماد، ثنا الليث، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر:"أن رسول الله كان لا يوتر على راحلته".

وسنده صحيح على شرط مسلم.

فإن قيل: قال الخطابي: قوله: "أمدكم بصلاة " يدل على أنها غير لازمة لهم،

(1)"سنن الدارقطني"(2/ 36 رقم 22).

ص: 427

ولو كانت واجبة لخرج الكلام فيه على صيغة لفظ الإلزام فيقول: ألزمكم أو فرض عليكم أو نحو ذلك من الكلام.

وقد رُوي أيضًا في هذا الحديث: "إن الله قد زادكم صلاة"، ومعناه الزيادة في النوافل؛ وذلك أن نوافل الصلوات شفع لا وتر فيها فقيل: أمدكم بصلاة وزادكم صلاةً لم تكونوا تصلونها قبل ذلك على تلك الصورة والهيئة وهي الوتر.

وفيه: دليل على أن الوتر لا يقضى بعد طلوع الفجر، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد، وهو قول عطاء، وقال سفيان الثوري وأصحابه: يقضي الوتر وإن كان قد صلى الفجر. وكذلك قال الأوزاعي.

قلت: لا نسلم أن قوله: "أمدكم بصلاة" يدل على أنها غير لازمة؛ بل يدل على أنها لازمة؛ وذلك لأنه نسب ذلك إلى الله تعالى، فلا يكون ذلك إلا واجبًا، وتعين العبارة ليس بشرط في الوجوب، وقوله:"ومعناه الزيادة في النوافل" غير صحيح؛ لأن الزيادة من الله لا تكون نفلًا وإنما يكون ذلك إذا كان من النبي عليه السلام بشرط عدم المواظبة؛ فحينئذٍ سقط قوله أيضًا: وفيه دليل على أن الوتر لا يقض بعد طلوع الفجر، بل الأحاديث التي تدل على وجوبه تدل على أنه يُقضى، وهو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، وعن أبي يوسف: لا قضاء عليه، وعن محمد: أحبّ إليّ أن يقضيه، وعن الشافعي: لا يجب عليه القضاء، وعن أحمد وأبي مصعب واللخمي المالكي: لا يقضي بعد الفجر.

فإن قيل: لم يقل بوجوب الوتر غير أبي حنيفة؟ حتى قال القاضي أبو الطيب: إن العلماء كافة قالت إن الوتر سنة حتى أبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة وحده: هو واجب.

وقال أبو حامد في "تعليقه": الوتر سنة مؤكدة ليس بفرض ولا واجب، وبه قالت الأمة كلها إلا أبا حنيفة.

ص: 428

قلت: لا نسلم انفراد أبي حنيفة بهذا القول.

هذا القاضي أبو بكر بن العربي ذكر عن سحنون وأصبغ بن الفرج وجوبه، وحكى ابن حزم أن مالكًا قال: من تركه أُدِّب وكانت حرجة في شهادته.

وفي "المصنف"(1) بسند صحيح: عن مجاهد: "هو واجب ولم يكتب".

وحكى ابن بطال وجوبه عن يوسف بن خالد السَّمْتي شيخ الشافعي، ووجوبه على أهل القرآن عن ابن مسعود وحذيفة وإبراهيم النخعي.

وحكاه ابن أبي شيبة أيضًا: عن ابن المسيب (2) وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود (3) والضحاك (4).

وفي "المغني": قال أحمد: من ترك الوتر عمدًا فهو رجل سوء ولا ينبغي أن تقبل له شهادة.

وذكر في بعض شروح "الهداية": لو اجتمع أهل قرية على ترك الوتر أدّبهم الإِمام وحبسهم، فإن امتنعوا قاتلهم.

قوله: "من حمر النَّعَم" النَّعَم -بفتحتين-: واحد الأنعام وهي المال الراعية، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل.

قال الفراء: هو ذكر لا يؤنث، يقولون: هذا نعم وارد، ويجمع على نعمان مثل حَمَل وحُملان، والأنعام يذكر ويؤنث.

"والحُمْر" بضم الحاء وسكون الميم: جمع أحمر، ولما كانت الإبل الحُمْر أعز الأموال عند العرب ذكر ذلك عليه السلام.

قوله: "ما بين صلاة العشاء" خبر مبتدأ محذوف، أي: هي ما بين صلاة

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 92 رقم 6860).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 93 رقم 6865).

(3)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 93 رقم 6866).

(4)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 93 رقم 6867).

ص: 429

العشاء، وأراد: وقتها ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وعن هذا قال أصحابنا: لو صلى الوتر قبل صلاة العشاء لا يجوز وعليه أن يعيده بعد أن يصلي العشاء.

وفي "المغني" لابن قدامة: فلو أوتر قبل العشاء لم يصح وتره.

وقال الثوري وأبو حنيفة: إن صلاه قبل العشاء ناسيًا لم يُعده، وخالفاه صاحباه فقالا: يعيد، وكذلك قال مالك والشافعي.

وفي بعض شروح البخاري: اختلف الناس في أول وقت الوتر، فالصحيح المشهور أنه يدخل بفراغه من فريضة العشاء، سواء صلى بينه وبين العشاء نافلة أم لا، وسواء أوتر بركعة أو بأكثر، فإن أوتر قبل فعل العشاء لم يصح وتره.

قال النووي في "شرح المهذب"(1): سواء تعمده أو سها.

الثاني: يدخل وقت الوتر بدخول وقت العشاء.

قال إمام الحرمين وغيره وقطع به أبو الطيب، وله أن يصليه قبلها، قالوا: سواء تعمده أم سها.

الثالث: أنه إن أوتر بأكثر من ركعة دخل وقته بفعل العشاء وإن أوتر بركعة فشرط صحتها أن يتقدمها نافلة بعد فريضة العشاء، فإن أوتر بركعة قبل أن يتقدمها نفل لم يصح وتره.

قال إمام الحرمين: ويكون تطوعًا.

(1) هذا الكلام وما قبله فيه خلط وسقط، والذي في "المجموع" (4/ 13): فرع في وقت الوتر، أما أوله ففيه ثلاثة أوجه:

الصحيح المشهور: الذي قطع به المصنف والجمهور: أنه يدخل بفراغه من فريضة العشاء، سواء صلى بينه وبين العشاء نافلة أم لا، أوتر بركعة أم أكثر، فإن أوتر قبل فعل العشاء لم يصح وتره، سواء تعمده أم سها

إلخ ..

والكلام قبله يشبهه، فلعله انتقال نظر أو سقط، والله أعلم.

ص: 430

وقال أصحابنا: أول وقته عندهما بعد العشاء، وعند الإمام إذا غاب الشفق.

وفي "مختصر الطحاوي": وقته وقت العشاء فمَنْ صلاّه في أول الوقت أو آخره يكون مؤدّيًا لا قاضيًا.

وأما آخر وقته: فذكر ابن المنذر إجماع أهل العلم على أن ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر وقت للوتر.

وزعم ابن التين أن أول وقته انقضاء صلاة العشاء، فإن ذكر الوتر وهو في صلاة الصبح فهل يقطعها؟

فقيل: يقطع مطلقا سواء كان إمامًا أو مأمومًا أو فذًّا، وقيل: لا يقطع مطلقًا، وقيل: يقطع الإِمام والفذّ، وقيل: يقطع الفذ خاصةً، وقيل: إن تذكر قبل أن يعقد ركعة قطع وإلا فلا.

قوله: "الوترُ الوترُ" مرفوع؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هي الوتر، ويجوز الجر على أنه بدلًا من قوله:"بصلاة" وكرر "الوتر" للتأكيد، فافهم.

وأما حديث أبي نضرة: فأخرجه عن علي بن شيبة بن الصلت السَّدُوسي، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ شيخ البخاري، عن عبد الله بن لهيعة، فهو وإن كان فيه مقال ولكنه ثقة عند أحمد والطحاوي، عن أبي تميم عبد الله بن مالك الجَيشاني الرعيني المصري، روى له الجماعة سوى البخاري، أبو داود في "القدر".

والجيشاني -بفتح الجيم وسكون الياء آخر الحروف وبالشين المعجمة- نسبة إلى جَيْشان بن عَيْدان بن حجر بن ذي رُعَيْن، عن عمرو بن العاص رضي الله عنه، عن أبي بصرة -بفتح الباء الموحدة وسكون الصاد المهملة- واسمه حُمَيل بن بصرة -بضم الحاء المهملة وفتح الميم- وهو الصواب، وقيل: جَميل -بفتح الجيم وكسر الميم- وقال الترمذي: لا يصح.

ص: 431

وأخرجه الطبراني في "الكبير"(1): ثنا المقدام بن داود، ثنا أسد بن موسى، نا ابن لهيعة، أن أبا تميم الجيشاني عبد الله بن مالك أخبره، أنه سمع عمرو بن العاص يقول: أخبرني رجل من أصحاب رسول الله عليه السلام، أنه سمع رسول الله عليه السلام يقول: "إن الله عز وجل قد زادكم صلاة فصلُّوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح، الوتر الوتر

" إلي آخره نحو رواية الطحاوي سواء.

قوله: "زادكم صلاة" يدل على وجوب الوتر؛ لأن الزيادة والإمداد يكونان من جنس اللاحق به كما قلنا فيما مضى: إنه يقال: أمدّ السلطان الجيش إذا زادهم من جيشهم.

قوله: "الوتر، الوتر" بالتكرار للتأكيد، يجوز فيه الرفع والنصب كما ذكرنا أن الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وأن النصب على أنه بدل من قوله "صلاة".

قوله: "ألا وإنه" كلمة "ألا" للتنبيه، كأنه ينبّه السامع على ما يأتي ليكون على أُهبْة من تحفّظه، والضمير في "وأنه" يرجع إلى الرجل في قوله:"أخبرني رجل من أصحاب النبي عليه السلام".

واعلم أن الترمذي (2) لما أخرج حديث خارجة بن حذافة في الوتر قال: وفي الباب عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو، وبُرَيدة وأبي بصرة الغفاري.

قلت: وفي الباب عن ابن عباس وعائشة وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر ومعاذ بن جبل وأبي برزة الأسلمي وعلي بن أبي طالب وأبي أيوب الأنصاري، وسليمان بن ورد وعقبة بن عامر وعمرو بن العاص وعبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهم.

(1)"المعجم الكبير"(2/ 279 رقم 2167).

(2)

"جامع الترمذي"(2/ 314 رقم 452).

ص: 432

أما حديث أبي هريرة: فأخرجه أحمد في ["مسنده" (1)](2) بسند جيد: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه السلام: "من لم يوتر فليس منّا".

وأما حديث عبد الله بن عمرو: فأخرجه أحمد أيضًا في "مسنده"(3): من رواية المثنى بن الصباح وفيه ضعف، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله عليه السلام قال:"إن الله تعالى زادكم صلاةً فحافظوا عليها وهي الوتر". فكان عمرو بن شعيب يَري أن يُعَاد الوتر ولو بعد شهر.

وأما حديث أبي بُرَيدة: فأخرجه أبو داود (4): ثنا محمد بن المثنى، نا أبو إسحاق الطالقاني، نا الفضل بن موسى، عن عبيد الله بن عبد الله العتكي، عن عبد الله ابن بريدة، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله عليه السلام يقول: "الوتر حق فمَنْ لم يُوتر فليس منا، الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا، الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا".

وأخرجه الحاكم في "مستدركه"(5): وقال: هذا حديث صحيح.

فإن قيل: كيف يكون صحيحًا وفي إسناده أبو المنيب عبيد الله بن عبد الله وقد تكلم فيه البخاري وغيره؟!

قلت: قال الحاكم: هو ثقة. وكذا قال ابن مَعين، وقال أبو حاتم: هو صالح الحديث، وأنكر على البخاري إدخاله في الضعفاء.

وأخرج أبو بكر الرازي هذا الحديث، ولفظه:"الوتر حق واجب".

قوله: "حق" أي: واجب ثابت، والدليل على هذا المعنى قوله: "فمن لم يوتر

(1)"مسند أحمد"(2/ 443 رقم 9715).

(2)

سقطت من "الأصل، ك" والسياق يقتضيها.

(3)

"مسند أحمد"(2/ 205 رقم 6919).

(4)

"سنن أبي داود"(2/ 62 رقم 1419).

(5)

"المستدرك على الصحيحين"(1/ 448 رقم 1146).

ص: 433

فليس منا" وهذا وعيد شديد، ولا يقال مثل هذا إلا في حق تارك فرض أو واجب ولا سيما وقد تأكد ذلك بالتكرار ثلاث مرات، ومثل هذا الكلام بهذه التأكيدات لم يأت في حق السنن.

وأما حديث ابن عباس: فأخرجه الدارقطني (1) بإسناده عنه: "أن النبي عليه السلام خرج عليهم يُرى البِشْر أو السرور في وجهه، فقال: إن الله قد أمدكم بصلاة وهي الوتر"، وقد ذكرناه عن قريب.

وأما حديث عائشة رضي الله عنها: فأخرجه أبو زيد الدبوسي في كتاب "الأسرار" أنها قالت: قال النبي عليه السلام: "أوتروا يا أهل القرآن، فمَنْ لم يوتر فليس منا".

وأما حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: فأخرجه الحاكم في "مستدركه"(2)

بإسناده إلى أبي سعيد، قال: قال رسول الله: "مَن نام عن وتره أو نَسِيَه فليصلِّه إذا أصبح أو ذكره".

قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ونقل تصحيحه ابن الحصار أيضًا عن شيخه.

وأخرجه الترمذي (3) أيضًا.

وأما حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: فأخرجه ابن ماجه (4): من حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن النبي عليه السلام أنه قال:"إن الله وتر يحب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن. فقال أعرابي: ما تقول؟ فقال: ليس لك ولا لأصحابك".

(1)"سنن الدارقطني"(2/ 30 رقم 2).

(2)

"المستدرك على الصحيحين"(1/ 443 رقم 1127).

(3)

"جامع الترمذي"(2/ 330 رقم 465).

(4)

"سنن ابن ماجه"(1/ 370 رقم 1170).

ص: 434

وأخرجه أبو داود (1) أيضًا.

وأما حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: فأخرجه البخاري (2) ومسلم (3) وأبو داود (4) والنسائي (5): أن النبي عليه السلام قال: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا".

فقد أمر بجعل الوتر، والأمر للوجوب.

وأما حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه: فأخرجه أحمد في "مسنده"(6): من رواية عبيد الله بن زحر، عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي قاضي إفريقية:"أن معاذ بن جبل قدم الشام وأهل الشام لا يوترون، [فقال لمعاوية: ما لي أرى أهل الشام لا يوترون؟!] (7) فقال معاوية: وواجبٌ ذلك عليهم؟ قال: نعم، سمعتُ رسول الله عليه السلام يقول: زادني ربي عز وجل صلاةً وهي الوتر فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر".

قلت: عبد الله بن زحر ضعيف جدًّا، ومعاوية لم يتأمَّر في حياة معاذ رضي الله عنه، فافهم.

وأما حديث أي بَرْزة: فأخرجه أبو عمر في "الاستذكار"(8): أن رسول الله قال: "الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا".

وأما حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: فأخرجه أبو داود (9): ثنا إبراهيم بن موسى، أنا عيسى، عن زكرياء، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي رضي الله عنه

(1)"سنن أبي داود"(2/ 61 رقم 1417).

(2)

"صحيح البخاري"(1/ 339 رقم 953).

(3)

"صحيح مسلم"(1/ 517 رقم 751).

(4)

"سنن أبي داود"(2/ 67 رقم 1438).

(5)

"المجتبى"(3/ 230 رقم 1682).

(6)

"مسند أحمد"(5/ 242 رقم 22148).

(7)

ليس في "الأصل، ك" والمثبت من "مسند أحمد".

(8)

"الاستذكار"(2/ 112) ولكن عن حديث بريدة الأسلمي.

(9)

"سنن أبي داود"(2/ 61 رقم 1416).

ص: 435

قال: قال رسول الله عليه السلام: "يا أهل القرآن أوتروا، فإن الله وتر يحب الوتر".

وأخرجه الترمذي (1) وقال: حديث حسن.

وأخرجه النسائي (2) وابن ماجه (3) أيضًا.

وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"(4) والحاكم في "مستدركه"(5) وصححه أيضًا أبو محمد الإشبيلي، وحسّنه الطوسي.

فإن قيل: قال الخطابي: تخصيصه أهل القرآن بالأمر فيه يدل على أن الوتر غير واجب، ولو كان واجبًا لكان عامًّا، وأهل القرآن في عرف الناس هم القراء والحفاظ دون العَوَامّ.

قلت: أهل القرآن بحسب اللغة يتناول كل من معه شيء من القرآن ولو كان آية، فيدخل فيه الحفاظ وغيرهم، على أن القرآن كان في زمنه عليه السلام مفرقًا بين الصحابة، وبهذا التأويل الفاسد لا يبطل مقتضى الأمر الدالّ على الوجوب.

وأما حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه: فأخرجه الدارقطني في "سننه"(6):

ثنا إسماعيل بن العباس الوراق، نا محمد بن حسان الأزرق، نا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي أيوب، عن النبي عليه السلام قال:"الوتر حق واجب، فمن شاء أن يوتر بثلاث فليوتر، ومن شاء أن يوتر بواحدة فليوتر بواحدة".

قوله: "واجب" ليس بمحفوظ، لا أعلم تابع ابن حسان عليه أحدٌ.

(1)"جامع الترمذي"(2/ 316 رقم 453).

(2)

"المجتبى"(3/ 228 رقم 1675).

(3)

"سنن ابن ماجه"(1/ 370 رقم 1169).

(4)

"صحيح ابن خزيمة"(2/ 136 رقم 1567).

(5)

"المستدرك على الصحيحين"(1/ 441 رقم 1118).

(6)

"سنن الدارقطني"(2/ 22 رقم 1).

ص: 436

وأما حديث سليمان بن صُرَد رضي الله عنه: فأخرجه الطبراني في "الأوسط"(1): من رواية إسماعيل بن عمرو الحلبي، عن الحسن بن صالح، عن موسى بن أبي عائشة، عن سليمان بن ورد قال: قال النبي عليه السلام: "استاكوا وتنظفوا وأوتروا فإن الله وتر يحب الوتر".

وإسماعيل بن عمرو وثقه ابن حبان وضعفه الدارقطني وابن عدي.

وأما حديثا عقبة بن عامر وعمرو بن العاص: فأخرجهما الطبراني في "الكبير" و "الأوسط"(2) من حديث يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني، عن عمرو بن العاص وعقبة بن عامر الجهني، عن رسول الله عليه السلام قال:"إن الله زادكم صلاة خيرٌ لكم من حمر النعم، الوتر، وهي فيما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر".

وأما حديث عبد الله بن أبي أوفى: فأخرجه البيهقي في "الخلافيات": من رواية أحمد بن مصعب، ثنا الفضل بن موسى، ثنا أبو حنيفة، عن أبي يعفور، عن عبد الله بن أبي أوفى، عن النبي عليه السلام:"إن الله زادكم صلاةً وهي الوتر".

ص: وقد رأينا الأصل المجتمع عليه أن الصلاة المفروضة ليس للرجل أن يصليها قاعدًا وهو يُطيق القيام، وليس له أن يُصلّيها على راحلته في سفره وهو يطيق النزول، ورأيناه يصلي التطوع على الأرض قاعدًا وهو يطيق القيام، ويصليه في سفره على راحلته، فكان الذي يصليه قاعدًا وهو يطيق القيام هو الذي يصليه في السفر على راحلته، والذي لا يُصليه قاعدًا وهو يطيق القيام هو الذي لا يصليه في السفر على راحلته، هكذا الأصول المتفق عليها، ثم كان الوتر باتفاقهم لا يصليه الرجل على الأرض قاعدًا وهو يطيق القيام؛ فالنظر على ذلك أن لا يصليه في السفر على راحلته وهو يطيق النزول، فمن هذه

(1)"المعجم الأوسط"(7/ 259 رقم 7442).

(2)

"المعجم الأوسط"(8/ 64 رقم 7975).

ص: 437

الجهة -عندي- ثبت نسخ الوتر على الراحلة، وليس في هذا دليل على أنه فريضة أو تطوع.

وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله.

ش: هذه إشارة إلى بيان وجه النظر والقياس، بيانه: أنا الصلاة المفروضة لا يجوز أداؤها قاعدًا مع القدرة على القيام، فكذا لا يجوز أداؤها في السفر على الراحلة عند القدرة على النزول، والصلاة التطوع يجوز أداؤها قاعدًا مع القدرة على القيام، فكذا يجوز أداؤها في السفر على الراحلة مع القدرة على النزول، هذا أصلُ مجمع عليده، ثم الوتر لا يجوز أداؤه قاعدًا على الأرض مع القدرة على القيام بلا خلاف، فالقياس على ذلك أن لا يُصلَّي في السفر على الراحلة مع القدرة على النزول؛ لأن كل ما له أن يصل قاعدًا مع القدرة على القيام كان له أن يصليه في السفر على الراحلة، وكل ما ليس له أن يصليه قاعدًا مع القدرة على القيام ليس له أن يصليه في السفر على الراحلة، فافهم.

قوله: "فمن هذه الجهة" أشار به إلى جهة النظر الذي ذكره.

فإن قيل: ما حقيقة وجه نسخ الوتر على الراحلة حتى قال: فمن هذه الجهة عندي ثبت نسخ الوتر على الراحلة.

قلت: وجه ذلك أن يكون بدلالة التاريخ وهو أن يكون أحد النصين موجبًا للمنع والآخر موجبًا للإباحة، فإن التعارض بينهما ثابت من حيث الظاهر، ثم ينتفي ذلك بالمصير إلى دلالة التاريخ وهو أن النص الموجب للمنع يكون متأخرًا عن الموجب للإباحة، فكان الأخذ به أولى وأحق.

بيان ذلك: أن الآثار التي احتجت بها أهل المقالة الأولى توجب إباحة الوتر على الراحلة، والآثار التي احتجت بها أهل المقالة الثانية توجب منع ذلك، وذلك لأنها تخبر عن وجوب الوتر وإلحاقه بالفرائض، وكان الحكم في الفرائض أن لا تُصلّى على الراحلة عند القدرة على النزول، فكذلك يكون حكم ما أُلحق

ص: 438

بها، فتكون الآثار المذكورة دالة على انتساخ ما رُوي من جوازه على الراحلة من هذه الجهة، وهو تحقيق ما ذكره الطحاوي.

فإن قيل: كيف يكون النسخ وقد صح عن ابن عمر أنه كان يوتر على راحلته بعد النبي عليه السلام ويقول: "كان رسول الله يفعل ذلك".

قلت: يجوز أن يكون الوتر عنده كالتطوع، فحينئذٍ له أن يصلي على الراحلة إن شاء وإن شاء على الأرض كما في التطوع.

على أن مجاهدًا قد رُوي عنه أنه كان ينزل للوتر، فعلى هذا يجوز أن يكون ما فعله من وتره على الراحلة قبل علمه بالنسخ ثم لمّا علمه رجع إليه وترك الوتر على الراحلة، فافهم.

قوله: "وليس في هذا دليل على أنه

" أي أن الوتر فريضة أو تطوع، وأشار بذلك إلى أن الوتر له منزلة بين المنزلتين وهو أنه ليس بفرض قطعيّ كسائر الفرائض القطعية ولا هو يقصو عن السنن المؤكدة ولهذا يجب قضاؤه أبدًا ولا يكفر جاحده.

وعن هذا قال أبو حنيفة: الوتر فرض عملًا -واجبٌ علمًا- سُنّةُ سببًا، والله أعلم.

ص: 439