الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تاريخنا هذا ذيلا على عدّة من التواريخ المعتبرة المشتهرة، للسادة الأئمّة المهرة، كتاريخي: قاضي القضاة البدر العيني - طيّب الله ثراه، وجعل الجنّة مأواه وقراه، وتاريخ شيخ الإسلام، حافظ العصر، [ا] بن حجر، تغّمده الله برحمته، ولضريحه نوّره، وتاريخ التقيّ المقريزي رحمه الله رحمة تمنّاها، وغير ذلك من التواريخ التي بمعناها. وإن داخلها في بعض السنين الماضية، فيحسن ذيلا من حيث السنين الآتية، عقب سنيّ التواريخ المذكورة بعد التداخل، على أنّ بها من الزيادة ما يصلح أن يكون ذيلا لتلك السنين المتداخلة فيتمّ التذايل. . . وتوخّيت فيه ما ثبت عندي من نقل السادة المعتمدين الأخيار، أو شاهدته عيانا. أو مستفيضا يقينا من الأخبار. . .».
وفي هذا السياق علينا أن لا ننسى - قبل هذا وذاك - والده المؤرّخ «خليل بن شاهين» المصدر الحيّ والأقرب.
ولقد قرأ المؤلّف أخبار المؤرّخين السابقين، واستوعبها، ثم اختصرها وصاغها بأسلوبه وتعبيره المنطلق على سجيّته، بحيث تتّضح شخصيته من خلال كتابته التي تصل إلى حدّ العامّيّة في بعض الأحيان، مع كثرة الأغلاط والأخطاء اللغوية والنحوية. ولكنّه لم يخلّ في اختصاره للأخبار، بل على العكس من ذلك، إذ ضمّن كتابه أخبارا لم يذكرها «المقريزي» - مثلا - في «السلوك» ولا غيره، وكذلك الحال في الوفيات، إذ اكتفى «المقريزي» بذكر أسماء المتوفين في نهاية كل سنة، دون أيّة ترجمة. بينما أفرد المؤلّف في «نيل الأمل» لكلّ منهم ترجمة مختصرة.
* * *
أهميّته
وتبرز أهمّيّة هذا الكتاب، في كونه يؤرّخ لحقبة طويلة من عصر دولة المماليك في مصر والشام والحجاز واليمن، تمتدّ نحو القرن ونصف القرن، (744 - 896 هـ / 743 - 1491 م) والأهمّ من ذلك، أنّ المؤلّف يؤرّخ أيضا لبلاد المغرب والأندلس كشاهد عيان، بحكم رحلته إلى تلك البلاد وإقامته فيها عدّة سنين، ومعرفته برجالات السياسة فيها، وأهل العلم. فضلا عن أنه يؤرّخ للحقبة المتأخّرة من دولة المماليك، حيث تقلّ مصادرنا عنها بشكل ملحوظ. والكتاب بسنواته الأخيرة يؤسّس لمرحلة العلائق المتوتّرة بين المماليك والعثمانيّين، ويعرض لحيثيّاتها ومجرياتها وتطوّراتها سلما وحربا، ويتناول يوميّات سلاطين المماليك وأخبارهم، وأخبار رجالات الدولة السياسيين، والعسكريّين، والإداريين، والدينيّين، والعلماء، وعامّة الناس، وأخبار العجائب والغرائب والنوادر والطرائف، ويعرض للحياة العمرانية، والاقتصادية، والتجارية، والزراعية، وللمناخ، وأحوال الطبيعة، والزلازل، والفيضانات، والسيول، والحرائق، والنكبات، وحالات الكسوف والخسوف، وتدهور القيمة الشرائية للدراهم والفلوس، وانحباس المطر،
وقوافل الحجّاج، والرياح والعواصف، والأوبئة، والحرّ، والبرد، والشدّة، والرخاء، والفتن والحروب، وأخبار الأعراب، وأهل صعيد مصر، وتبادل السفارات والوفود مع السلاطين العثمانيين، وملوك الفرنج، والاحتفالات، والمواكب، ورسوم السلطنة، والمناصب، والوظائف ومصطلحاتها، ووضع أهل الذمّة من نصارى ويهود في المجتمع الإسلامي، وفتح قبرس، وغزو رودس، والتصدّي لغزوات وغارات الفرنج في البحر، وغير ذلك من معلومات ثرّة، انفرد المؤلّف بذكر كثير منها دون غيره من المؤرّخين، إذ لم أجدها في أيّ مصدر آخر. كما أضاف كمّيّة ضخمة من تراجم الأعلام، وخاصّة أعلام القرن التاسع، ممّن عاصرهم، أو اتّصل بهم والتقاهم، أو وقف على أحوالهم، وهم بالمئات، ولم يذكرهم «السخاوي» في موسوعته المعروفة ب «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع» ، وقد أشرت إلى ذلك في حواشي الكتاب.
ولم يكن مؤلّفنا مجرّد ناقل ومقتبس من كتب غيره ممّن سبقوه، أو جمّاعة للأخبار فحسب، بل كان مؤرّخا، ناقدا، مناقشا، صاحب رأي فيما ينقله ويدوّنه. وهذا نجده واضحا في تاريخه الكبير «الروض الباسم» ، إذ نراه يعلّق على رواية ذكرها «ابن حجر» في شهر ربيع الآخر سنة 849 هـ. وهي أنّ السلطان الأشرف قايتباي عيّن «يونس البوّاب» الدوادار أن يكون مسفّرا لنائب حلب قانباي البهلوان يحمله إليها من حماه، وخلع على يونس بذلك، فقال المؤلّف «عبد الباسط»؛ «وسهى (كذا) الحافظ ابن حجر رحمه الله لما ذكر هذه القضية فقال: وتوجّه - أعني يونس بنائب حلب بطالا إلى القدس، ولعلّه قصد أن يفصّل ذلك أولا، وما أظنّ إلاّ أنه أشيع، فنقله الحافظ. على الإشاعة، ولم يقع ذلك. وكذا سهى (كذا) في نائب حلب قانباي لما ذكر عزله، فسمّاه جلبان، فإنه قال في تاريخه: وفي هذا الشهر عزل نائب حلب جلبان. ولم يكن إلاّ قانباي هذا. ثم ذكر الحافظ المذكور في تاريخه بعد ذكره هذه القصة باسطر أنه يقال إنّ السلطان قرّر في تقدمة شاد بك دولات باي الدوادار الثاني، وقرّر الشهاب أحمد حفيد إينال اليوسفي في الدوادارية الثانية. وهذا أيضا لم يقع، فيحمل على أنه قيل له ثم رجع عنه إلى ما قلناه، فعلّقه الحافظ في وقته، ثم لم يحرّره، فإنه كان فيما هو بصدده، وكان التاريخ فضلة عنده ولا يتفرّغ لتحريره، رحمه الله تعالى» (1).
وانتقد «ابن تغري بردي» نقدا لاذعا في أكثر من موضع في «الروض الباسم» أيضا، وأتّهمه مرة بالسفالة وقلّة الأدب والحياء وعدم المعرفة، ومرّة بجمود ذهنه، وأخرى بأنه فضوليّ يقول كلاما لا طائل تحته، وأنه يتوهّم بل يكذب.
ففي ترجمته للمؤرّخ «تقيّ الدين المقريزي» نقل أقوال المؤرّخين في نسبه إلى أن
(1) الروض الباسم 1 / ورقة 34 ب (حسب ترقيم المخطوط) و 106 (حسب ترقيمنا)، وقارن بإنباء الغمر 4/ 237.
وصل إلى ما قاله «ابن تغري بردي» ، فعلّق عليه بجملة طويلة، فقال:«وقال الجمال بن تغري بردي، رحمه الله، في ترجمته: وأملى عليّ نسبه الناصريّ محمد ابن أخيه بعد موته، إلى أن رفعه إلى علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، من طريق الخلفاء الفاطميّين» . انتهى كلامه. أقول: وليس في الانتساب إلى الفاطميين فخر، فإنّ جماعة من كبار علماء الإسلام والمؤرّخين المعتمدين أجمعوا على أنّ بني عبيد ليسوا بفاطميّين، بل وليس أصلهم من المسلمين، وذكر بعضهم أنّ أصلهم من بني ديصان، طائفة من المجوس. وذكر بعض الثقات أنه أثبت ببغداد محضرا فيه خط الشيخ أبو (كذا) الحسن القدوري الحنفي - وناهيك بعلمه ودينه وخيره -، وخط الإسفراييني الشافعي، وناهيك بالآخر وغزير علمه أيضا، أنّ بني عبيد ليسوا بفاطميّين، وأن عبد الله (كذا) الملقّب بالمهديّ ليس من ذرّية النبيّ عليه السلام. وهذا معروف مشهور مسطور مفروغ منه، تكلّم عليه الأساتذة الأقدمين (كذا). وممن ذكر ذلك ابن خلّكان، والذهبيّ، وابن كثير، وغيرهم من المؤرّخين، وتكلّم فيه وصرّح بذلك القاضي أبو بكر الباقلاّني، وغيرهم ممن يعتبر قولهم من الأكابر، وقد أنكر علماء النسب منهم، وما ذكره المقريزي في بعض كتبه من الميل إلى ذلك، بل التصريح به على تلك الطريقة التي ذكرها بعد استيعاب كلام الكثير من الأفراد الطاعنين في ذلك يفوق ما ذكره عنهم، ودخلوه إلى المقصود بحسن عبارة بحيث لا يرد عليه سؤال بكلام مغرض من متعصّب لا طائل تحته، وقد أعيب عليه ذلك وارتكابه إياه من ذلك الوجه الذي دخل إليه به غاية الإعابة، وبكّت عليه بعض العلماء في ذلك، وأنه ولها به بنفسه، ولا فخر في ذلك في الحقيقة اللهمّ إلاّ أن يفتخر بكونهم كانوا طرفا، فيمكن ذلك على أنهم كانوا بين الملوك لخبثهم الظاهر. ولما ترجم شيخ الإسلام البدر العيني، رحمه الله، التقيّ هذا قال في أثناء كلامه في ترجمته: وكان مشتغلا بكتابة التواريخ ويضرب الرمل، تولّى الحسبة بالقاهرة في آخر أيام الظاهر برقوق، ثم عزل بمسطّره، ثم تولّى مرة أخرى في أيام الأمير سودون بن أخت الظاهر برقوق، ثم عزل بمسطّره الدوادار الكبير أيضا عوضا عن مسطّره بحكم أن مسطّره عزل نفسه بسبب ظلم سودون المذكور. انتهى. ولما ذكر [ا] بن تغري بردي ترجمة التقيّ هذا نقل عن العيني صدر هذا الكلام وهو قوله: وكان، إلى قوله: الرمل، ثم قال عقيب ذلك: وكلام الأقران في أقرانهم غير مقبول. انتهى. أقول: وهذا لعلّه كلام مهبول، إذ هو في غاية السفالة وقلّة الأدب والحياء وعدم المعرفة، إذ لا نسلّم أنّ كلام الأقران في أقرانهم غير مقبول، لأنه إن لم يقبل كلام من كان مقارنا للإنسان عارفا بأحواله، فلا يقبل كلام غيره بطريق الأولى. وفي هذا من الفساد ما لا يخفى. وأيضا كلام العيني في المقريزي كلام ليس بطائل حتى لا يقبل بعلمنا قطعا بصدق ما قاله، فإنّ أحدا لا ينكر كون المقريزي كان يكتب التاريخ ويعرف علم الرمل ويضرب، فكيف لا يقبل هذا وليس فيه ما يشين المقريزي ولا ما ينقصه، حتى لو ذكر العيني عن المقريزي ما ينقصه قبلناه لعلمنا بثقته،
فكيف بكلام مقبول عند الكافة يعرف صحّته كل أحد، فلا شك أنّ هذا القول صادر عن غير مسلّمه. والجمال هذا مثل هذا، وأشباهه شيئا كثيرا (كذا) يكاد لا يحدّ ولا يعدّ. وإنّما الموجب لارتكابه عدم التأمّل ومعرفة قواعد التكلّم وما يرد على ذلك» (1).
ثم وصفه بعد قليل بالوهم، وهو يؤرّخ لوفاة المقريزي، فقال:«وذكر شيخ الإسلام العيني وفاته يوم الجمعة وقال: تاسع عشر شعبان، وهو سهو منه في العدّة، ولعلّه سبق قلم في الشهر، أراد أن يكتب رمضان، فسبقه القلم، فكتب: شعبان، وبقي كذلك. وأمّا وهمه في اليوم فلكونه دفن فيه فظنّه يوم وفاته. قال ابن تغري بردي إنه توفي يوم الخميس سادس عشر رمضان، ثم ذكر ما قاله العيني ووهّمه، والحال إنه هو الواهم، فإنّ أول رمضان في هذه السنة كان الأحد أو السبت على ما وقع فيه من الخلاف» (2).
وفي ترجمة «تنبك الجقمقي» المتوفّى سنة 849 هـ. نعت «ابن تغري بردي» بالجهل، وشكّك في وفاة «تنبك» هذه السنة، وذكر ما يؤيّد جواز كتابة:«تنبك» و «تاني بك» ومثل ذلك: «جانبك» و «جاني بك» فقال: «وقد غلّطه ابن تغري بردي» في هذه - أعني جانبك - حيث لم يجوّز كتابتها بالياء، وأمعن في ذلك في كتابه الذي سمّاه «مورد اللطافة» ، ونسب الناس إلى الجهل، وهو الواقع فيه، على أنه كان يعرف اللغة التركية، لكن لجمود ذهنه يقف عند ما يقع في نفسه في أول وهلة فلا ينتقل إلى غيره، بل ولا يخطر بباله» (3).
وعندما ذكر «ابن تغري بردي» ولاية «شمس الدين القاياتي» في سنة 849 هـ. قال: «وظنّ كل أحد أنه يسير في القضاء على قاعدة السلف لما عهدوا منه قال: فوقع بخلاف ما كان في الظن، ومال في المنصب وراعى الأكابر، وأكثر من النواب، وظهر منه الميل الكلّي إلى الوظيفة حتى لو عزل منها لمات أسفا عليها. انتهى كلامه» . فعلّق المؤلّف بقوله: «هو كلام في غاية الفضول وقلّة الأدب والحياء لا طائل تحته، إذ علم القاياتي وخيره ودينه وتقشّفه وعفّته ظاهر لكل أحد، وليس مقام ابن تغري بردي أن يذكر مثل هذه الكلمات عن ذلك الرجل» (4).
وفي حوادث شهر رمضان سنة 865 هـ. قال المؤلّف: «وخرج شهر رمضان هذا ولم يقع فيه بعد يوم الإثنين هذا حادث يؤرّخ من كبير أمر، وما ذكره الجمال يوسف بن تغري بردي في تاريخه من أنّ في يوم الثلاثاء ثامن عشرينه توجّه القاضي محبّ الدين بن الشحنة كاتب السرّ إلى خانقاه سرياقوس لتحليف جانم نائب الشام، فلم نعلم به، ولم
(1) الروض الباسم 1 / ورقة 51 ب، 52 أ (حسب ترقيم المخطوط: وص 46، 47 (حسب ترقيمنا).
(2)
الروض الباسم 1 / ورقة 52 أ (ص 47).
(3)
الروض الباسم 1 / ورقة 53 أ (ص 49).
(4)
الروض الباسم 1 / ورقة 32 ب (ص 103).
يكن له حقيقة. ثم إنني رأيت خط المحبّ وقد وقف على هذا المحلّ من تاريخ يوسف المذكور، فكتب بخطه بإزاء ذلك المحلّ ما جرى ذلك، وما علمت من أين أخذ ذلك، وتوهّمه، على أنه ليس بوهم، بل كذب محض» (1)!
وعلّق المؤلّف طويلا على ما كتبه «ابن تغري بردي» بحقّ السلطان الأشرف إينال في ترجمته ووفاته في سنة 865 هـ. حول كتابة «إينال» العلامة على المناشير وأنه لم يهتد إلى ذلك، فأكّد المؤلّف أنه كان يكتب له بالقلم الرفيع العلامة وهو يعيد على ذلك بقلم العلامة الغليظ، وأن «ما ذكره بعض المؤرّخين - ويعني ابن تغري بردي - من أنه كان ينقّط له ثم يعيد هو على النقط فوهم، بل كان يكتب له كما ذكرناه، وكذا ما ذكره أنه لم يهتد إلى ذلك مدّة سلطنته، بل اهتدى على ما بيّناه في المراسيم، ولم يعدها بخلاف المناشير، فإنّ العلامة فيها: «الله أملي» ، فكأنها كانت بعيدة عن ذهنه، ولأنها كانت قليلة الكتابة بخلاف المراسيم، فإنها متكرّرة كثيرا. وذكر هذا المؤرّخ أيضا عنه أنه لم يكن عفيفا عن الفروج، بل قال عنه إنه ربّما اتّهم بحبّ المرد، وإنه كانت أحكامه غالبة مناقضة للشريعة (. . .)، وهذه عبارته بعينها وحروفها، وأنت تدري ما فيها من الخلل، بل كان السكات عمّا ذكره أجمل، إذ العفّة من غالب هؤلاء الأتراك، وإن ظهرت فالغالب في الباطن بخلافها، على أنّ من ذكر هذا المؤرّخ عنه العفّة منهم كان إينال هذا عندي أعفّ منه، ومن نظر بعين الإنصاف مع تركه الاعتساف والغرض في سير هؤلاء وأحوالهم علم ما أقوله بشرط إمعان النظر، والتوسّم الموافق لصحّة الخبر حتى به يزن ما يرد عليه ويسمعه. ثم قال هذا المؤرّخ بعد ذلك: ووقع من مماليكه في أيام دولته من الأذى والتشويش البالغ والفحش وما لا يمكن شرحه، وهو راض به مع قدرته على إزالته. ثم قال: وكان يرضى بظلم الظالمين، بل ربّما شكرهم على ظلمهم وألبسهم الخلع والتشاريف. قال: وكان الخلق في آخر أمره تبغضه بغضا شديدا عظيما، وتمنّوا زوال ملكه لما ساموه لا سيما من شدّة وطأة ولده أحمد، وزوجته، وصهره برد بك الدوادار. انتهى كلامه. أقول: ليت شعري من ذا الذي لم يتّصف بهذه الصفات بعده من السلاطين، وكذا قبله من جنسه حتى ينكر هذا المؤرّخ على ذاك، أعني صاحب الترجمة. وكذا من ذا الذي سلم من هذه الآفات، لكن الأغراض توقع صاحبها فيما أراده (2). . .».
ولا يترك المؤلّف فرصة سانحة إلاّ ويغتنمها للنيل من «ابن تغري بردي» ، ويجدها هذه المرة في ما كتبه عن سلطنة تمربغا وتفضيله على كل السلاطين الذين سبقوه؛ بما فيهم صلاح الدين الأيوبيّ. فقال عن «تمربغا»: «ولما ترجمه بعض المؤرّخين ممن يجازف في كلامه ويعرّض فيما يقول، قال: لا نعلم في ملوك مصر من ولي تخت مصر
(1) الروض الباسم 2 / ورقة 22 أ.
(2)
الروض الباسم 2 / ورقة 28 أ.
من الدولة التركية أفضل منه، ولا أجمع للفنون والفضائل، مع علمي من ولي مصر قديما وحديثا من يوم افتتحها عمرو بن العاص إلى يوم تاريخه، ولو شئت لقلت: ولا من بني أيوب! ثم أخذ بعد ذلك يذكر كلاما طويلا لا طائل تحته، ولا يصدر عن من له أدنى مسألة في معرفة نقد الناس والوقوف على سيرهم وأحوالهم وأخبارهم إمّا بالمشاهدة والعيان، أو بالخبر والبرهان. ورأيت هذا المسكين في غاية الجهل بمراتب الناس ومعرفة ذلك وما لهم من المقامات الذاتية والعرفية مع ما عرفته من ترجمتنا لتمربغا هذا وإيصالنا له إلى حقّه، لكن بحيث يصل الإنسان في الإطراء إلى مثل قول هذا القائل فلعلّ هذا المقال يؤدّي إلى الهبال، وما جميع من ملك مصر مع بني أيوب لا سيما السلطان السيد الشهيد الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب إلاّ كما قال الشاعر:
نزلوا بمكة في قبائل نوفل
…
ونزلت بالبيداء أبعد منزل
وكذا (مع الصالح نجم الدين أيوب، ووالده الكامل محمد، بل ووالده العادل أبو بكر بن أيوب)(1)، فليس من الإنصاف، بل ولا من الدين، لا سيما لمن يدّعي أنه مع علمه بكذا وكذا، وأنّ له علما أن يقول مثل هذا المقال، اللهمّ إلاّ أن يكون به الخبال، فانظر بعين الإنصاف وتجنّب الاعتساف. وعلى تقدير تسليم ما قاله، كيف يدّعي لصاحب مدّة قصيرة لم تظهر له ثمرات في تصرّفاته، بل ونحن نعرف ما كان عليه قبل وصوله إلى ما وصل إليه، بل وآل أمره عن قريب إلى ما آل أن ينسب إلى كونه أفضل من أولئك الملوك الأقيال، فنعوذ بالله من الضلال» (2).
وبقدر ما امتدح «ابن تغري بردي» السلطان تمربغا، ذمّ السلطان الظاهر يلباي، والإثنان لم يلبثا في السلطنة إلا وقتا قصيرا، فردّ عليه المؤلّف بكلام عنيف، وفيه: «ولما ذكر الجمال بن تغري بردي هذا الأمر وهذه القضية بسبب العجز والتقصير للظاهر يلباي هذا فقال: وما ذاك إلا لعدم تقدّمه وسوء سيرته وعجزه عن تدبير الأمور وبتّ القضايا وتنفيذ الأحكام وأحوال الدولة، وقلّة عقله بأنه كان في القديم لا يعرف إلا بيلباي تلي أي مجنون، فهذه شهرته قديما وحديثا في أيام شبيبته، فما بالك به وقد شاخ وكبر سنّه، وذهل عقله، وقلّ سمعه ونظره. هذا ما قاله، وهو كلام في غاية التخابل والاعتساف وقلّة الأدب والإنصاف، بل في غاية السفالة والغسالة، وعدم معرفة الأحوال والحدس الثاقب، على أنّ قائله كان يدّعي معرفة أحوال الترك على ما هم عليه على ما ينبغي، فليت شعري، كيف لم يكن تمربغا مساو (كذا) لهذا في ذلك، حتى لما ترجمه جعله أفضل من بني أيوب. . . وما لقّب [يلباي] بالمجنون إلا لشجاعته وإقدامه وقوله الحق وعدم مداهنته، وإلا فلو كان مجنونا بالمعنى الذي قاله هذا المؤرّخ لما جازت بيعته
(1) ما بين القوسين كتب على هامش المخطوط.
(2)
الروض الباسم 3 / ورقة 60 أ.