الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الطهارة
قوله: (ولنا أن هذه الغاية لإسقاط ما وراءها؛ إذ لولاها لاستوعبت الوظيفة الكل، وفي باب الصوم لمد الحكم إليها، إذ الاسم ينطلق على الإمساك ساعة).
رد المصنف بهذا التعليل على زفر -رحمه الله تعالى -. وفيه نظر؛ لأنه لو حلف لا يكلم زيدًا إلى رمضان لا يدخل رمضان في اليمين، مع أنه لولا
الغاية لكانت اليمين متأبدة، ولم يجعل ذكر الغاية مسقطًا لما وراءها.
ويحكى عن جواهر زاده أنه قال: لا وجه ليخرج هذا النقض إلا المنع على رواية الحسن عن أبي حنيفة -رحمه الله تعالى -يعني أن رمضان يدخل على هذه الرواية، فيكون كالمرافق سواء. وذلك أنه لما رأى قوة الإيراد احتال لدفعه بحيلة ضعيفة. ولأن اليد المطلقة في الشرع، والعرف، واللغة -
على خلاف في نقل اللغة -إلى الرسغ؛ فكان ذكر المرافق لمد الحكم إليها لا لإسقاط ما وراءها، بدليل قوله تعالى:{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} ، وإنما تقطع يد السارق من الزند. ولأن السنة للمتوضئ أن يغسل يديه قبل إدخالهما الإناء ثلاثًا، وذاك إلى الرسغ، والأمر به من الشارع مطلق.
ولأن الدية الواجبة في اليد تجب بقطعها من الرسغ ولهذا لو قطعت من نصف الساعد أو من المرفق، أو من الإبط؛ ففي الزائد حكومة عدل. وإنما
تجب دية اليد بقطع أصابعها لأنها هي الأصل فيها، لا لأنها هي اليد، كما في حشفة الذكر وحلمة الثدي.
ولأنه قد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم -مسح يديه في التيمم إلى الرسغ، والأمر به مطلق.
وإنما قال أبو حنيفة رحمه الله: إن المسح فيه إلى المرفقين لما ذكر له من الدليل في باب التيمم.
وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
وفي العرف، إذا قيل: اغسل يديك، أو غسل فلان يديه لا يفهم منه إلا إلى الرسغ.
وفي "المحكم" لابن سيده في اللغة: واليد الكف.
وقال أبو إسحاق: اليد من أطراف الأصابع إلى الكف.
ولأن المغيا هو الغسل لا محله، وهو من أطراف الأصابع إلى المرفق؛/ فمن أين جاء إسقاط ما بين المرفق والإبط؟! وأقوى من هذا الدليل أن الغاية لما كان منها ما لا يدخل كما في نحو:{ثم أتموا الصيام إلى الليل} ، ومنها ما يدخل كما في: قرأت القرآن من أوله إلى آخره، كان حكمها مجملاً
تبينه القرائن. والحكم هنا قد بينه صلى الله عليه وسلم -بفعله، فإنه:"توضأ وأدار الماء على مرفقيه".
وفي حديث آخر: "فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين حتى مس أطراف العضدين".
وحكى أبو هريرة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغسل يديه حتى أشرع في العضدين، ورجليه حتى أشرع في الساقين، رواه مسلم بمعناه. ولم يرو عنه خلاف ذلك.
ولأنه هو الذي فهمه الصحابة رضي الله عنهم، ولم يحك عنهم فيه اختلاف، وإنما حكي الخلاف عمن بعدهم.
ولأن الصلاة وجبت في ذمته، والطهارة شرط سقوطها، ولا تسقط بالشك.
قوله: (والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية، وهو ربع الرأس، لما روى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم -أتى سباطة قوم فبال وتوضأ، ومسح على ناصيته وخفيه").
قال السروجي رحمه الله -في شرحه: عن حذيفة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم -أتى سباطة قوم فبال، وتوضأ ومسح على خفيه"، وليس فيه ذكر المسح على الناصية، أخرجه مسلم.
وفي حديث المغيرة بن شعبة، في بعض طرقه، أنه عليه السلام:"كان في سفر فتوضأ ومسح بناصيته، وعلى العمامة، والخفين". رواه مسلم.
وفي أكثر طرقه: المسح على الخفين دون الناصية، وليس فيه "سباطة
قوم". فهذا الذي ذكره القدوري مركب من حديثين، فقد جعلهما حديثًا واحدًا ونسبه إلى المغيرة. انتهى.
والحديث روي كله عن المغيرة لكن من طريقين، وظاهر كلام المصنف أنه من طريق واحدة. ولم يكمل المصنف أيضًا حديث المغيرة؛ فإنه قال فيه:"وكمل على العمامة"، فلا يدل على الاكتفاء بالناصية. وسيأتي الكلام في
ذلك إن شاء الله تعالى.
قوله: (والكتاب مجمل فالتحق بيانًا له).
دعوى الإجمال مشكلة، ولم يدع الإجمال من الأصحاب إلا من رجح أن المفروض مقدار الناصية، وأما من رجح أن المفروض قدر ثلاثة أصابع، وقالوا: لأنه أكثر ما هو الأصل في آلة المسح، وهو رواية هشام عن أبي حنيفة رحمه الله، قالوا: وهو ظاهر الرواية.
ومن رجح أنه مقدر بالربع وقالوا: إن الربع يقوم مقام الكل فليس الكتاب عندهم مجملاً، وهم أكثر الأصحاب، أو كثير منهم.
ومن قال بوجوب مسح الرأس كله كما هو المشهور عن مالك، وأحمد -رحمهما الله -، أو مسح أكثره ويعفى عن القليل منه كما روي عنهما أيضًا، قال: قوله: {وامسحوا برءوسكم} نظير قوله في التيمم: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} . لفظ المسح في الموضعين، وحرف الباء فيهما، وإذا كانت آية التيمم لا تدل على مسح البعض مع أنه بدل عن الموضوع، وهو مسح بالتراب، فكيف يدل على ذلك آية الوضوء مع كون الوضوء هو الأصل، والمسح فيه بالماء؟.
وما قرر به دعوى الإجمال من أن العلماء اختلفوا في مقدار الممسوح
من الرأس، فاختلافهم فيه يدل على إجماله لا يصح؛ لأن ما قاله الشافعي رحمه الله -لم يكن على وجه التقدير؛ بل لأن هذا أدنى ما ينطلق عليه اسم المسح، كما في تقدير الركوع والسجود عندكم، وإن كان الشافعي وغيره قد قدروهما بقدر تسبيحة ونحو ذلك، ولم تجعلوا الأمر بالركوع والسجود مجملاً.
والعكس أولى؛ لأن محل المسح وهو الرأس له نهاية، ولا كذلك طول الركوع والسجود. وإذا كان الأقل غير مراد يصار إلى تعميم الرأس بالمسح، وإلى تقدير الركوع والسجود لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم،
وعدم ثبوت الاقتصار على مسح/ الناصية أو أقل منه، أو الأقل في الركوع والسجود. ولو كان ذلك مجزئًا لفعله النبي صلى الله عليه وسلم -ولو مرة تبيينًا للجواز.
ولأنه إذا سلم وجوب الاستيعاب في مسح التيمم، أو العفو عن ترك القليل فيه كان في مسح الوضوء أولى.
ولا يقال: التيمم وجب فيه الاستيعاب لأنه بدل عن غسل الوجه واليدين، والاستيعاب فيه واجب؛ لأن البدل إنما يقوم مقام المبدل في حكمه لا في وصفه. ألا ترى أن المسح على الخفين بدل عن غسل الرجلين، ولا يجب فيه الاستيعاب مع وجوبه في الرجلين. وأيضًا فالسنة المستفيضة من عمل
النبي صلى الله عليه وسلم -الاستيعاب، وأما حديث المغيرة ففيه:"وكمل على العمامة".
وعند الإمام أحمد وغيره من فقهاء الحديث يجوز المسح على العمامة للأحاديث الصحيحة الثابتة في ذلك؛ فمن توضأ ومسح بناصيته وكمل على العمامة أجزأه بذلك من غير عذر.
وعند مالك لا يجزئه ذلك إلا من عذر. ومن فعل ما جاءت به السنة من المسح بناصيته وعمامته أجزأه مع العذر بلا نزاع، وأجزأه بدون العذر
عند الثلاثة. ولم يصح عنه صلى الله عليه وسلم -أنه اقتصر على بعض رأسه فقط.
وأما حديث أنس رضي الله عنه -الذي رواه أبو داود: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم -يتوضأ وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده تحت العمامة فمسح مقدم رأسه، ولم ينقض العمامة"؛ فليس إسناده بالقوي.
ومقصود أنس أنه لم ينقض العمامة حتى يستوعب رأسه بالمس، ولم ينف التكميل على العمامة، وفي حديث المغيرة أثبت التكميل على العمامة، وهو أصح من حيث أنس.
قوله: (وهو حجة على الشافعي رحمه الله -في التقدير بثلاث شعرات).
إنما يكون حديث المسح على الناصية حجة على الشافعي على الوجه الذي ذكره المصنف إذا سلمت دعوى الإجمال، ولم تثبت، وإلا فله أن يقول: ورد عنه صلى الله عليه وسلم -المسح بالناصية، وورد عنه المسح على كل رأسه، فإذا لم يكن مسح كل رأسه حجة عليكم في الاكتفاء بما دونه، فكذلك لا يكون مسح الناصية حجة علي في الاكتفاء بما دونه.
قوله: (وفي بعض الروايات قدره أصحابنا بثلاث أصابع من أصابع اليد؛ لأنها أكثر ما هو الأصل في آلة المسح).
يرد على هذه الرواية أيضًا المسح في التيمم؛ فإن المذكور في مسح الرأس في الوضوء، وفي مسح الوجه واليدين في التيمم لفظ "المسح" وحرف "الباء"، فكيف ساغ التفريق بين الحكمين بما ذكر من غير نص؟.
قوله: (لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا وضوء لمن لم يسم").
قال الأثرم: سمعت أحمد يقول: ليس في هذا حديث يثبت. وقال:
أنا لا آمره بالإعادة، وأرجو أن يجزئه الوضوء؛ لأ [نه] ليس فيه حديث أحكم به. ذكر ذلك عنه أبو الفرج ابن الجوزي -رحمه الله تعالى -.
قوله في السواك: (والأصح أنه مستحب) مشكل!.
بل الأصح أنه سنة مؤكدة؛ لحث النبي عليه السلام عليه -، ومواظبته عليه، وترغيبه فيه، وندبه إليه، وتسميته إياه من الفطرة، حتى إنه صلى الله عليه وسلم -قال:"أكثرت عليكم في السواك"، أخرجه البخاري. وقال:"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، رواه الجماعة.
والعجب من المصنف كيف يقول ذلك، وهو يقول قبله: وعند فقده يعالج بالإصبع؛ لأنه عليه الصلاة والسلام -فعل ذلك. وهذا يدل على المواظبة من غير ترك؛ لأنه انتقل عند فقده إلى بدل، وهو الإصبع، وذلك يفيد الوجوب؛ فلا أقل من كونه سنة.
مع أنه لم يرد أنه كان عليه السلام يعالج بالإصبع عند فقد السواك، وإنما ورد أنه عليه السلام -قال:"يجزئ في السواك الأصابع"، رواه البيهقي من طرق، وقال: هو حديث ضعيف.
ولهذا اختلف في الاستياك بالإصبع؛ هل فاعله مصيب للسنة أم لا؟ على أقوال:
ثالثها: يصيب من السنة بقدر ما يحصل من الإنقاء.
رابعها: يصيب السنة إن لم يجد عودًا.
خامسها: إنه لا يصيب السنة مع وجود خرقة، فلا يجزئه مع وجود عود.
سادسها: إن كانت الإصبع خشنة أصاب السنة، وإلا فلا.
قوله: (وكيفيته أن يمضمض ثلاثًا، يأخذ لكل مرة ماءً جديدًا ثم يستنشق. كذلك هو المحكيّ من وضوئه عليه الصلاة والسلام).
هذه الكيفية لم تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثابت في كيفية المضمضة والاستنشاق ما في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم -تمضمض واستنشق من كف واحدة، فعل ذلك ثلاثًا".
وفي لفظ: "مضمض واستنشق، واستنثر ثلاثًا بثلاث غرفات".
ولم يجيء الفصل بين المضمضة والاستنشاق إلا في حديث/ طلحة بن
مصرف عن أبيه عن جده: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم -يفصل بين المضمضة والاستنشاق". خرجه أبو داود، ولكن لا يدرى من طلحة عن أبيه عن جده؟!. ولم يثبت لجده صحبة. وينبغي أن يقال في المضمضة
والاستنشاق بأنهما سنة مؤكدة، أو واجب في الوضوء؛ لأن النبي عليه السلام -واظب عليهما من غير ترك؛ ولهذا قال الإمام أحمد بفرضيتهما فيه.
قوله: (لقوله عليه الصلاة والسلام: "الأذنان من الرأس"، والمراد بيان الحكم دون الخلقة).
في استدلاله بهذا الحديث على الشافعي في أنه يأخذ لأذنيه ماء جديدًا نظر؛ فإن الحديث إنما يدل على أنهما ممسوحتان، وبه يقول الشافعي، ولا يدل على أنه لا يأخذ لهما ماء جديدًا.
قال الشافعي: وقد ورد أنه عليه الصلاة والسلام -أخذ لأذنيه ماء جديدًا، فقلت به.
قوله: (وتخليل اللحية لأن النبي صلى الله عليه وسلم -أمره جبريل بذلك).
عن أنس بن مالك رضي الله عنه: "أنه عليه السلام -أخذ كفًا من ماء
فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته الكريمة، ثم قال: هكذا أمرني ربي". رواه أبو داود، وليس فيه ذكر جبريل.
قال أبو عمر بن عبد البر: روي عنه عليه السلام -أنه خلل لحيته في الوضوء من وجوه كلها ضعاف. وقال الإمام أحمد وأبو زرعة: لم يثبت في تخليله اللحية حديث.
قوله: (وقيل: هو سنة عند أبي يوسف، جائز عندهما؛ لأن السنة
إكمال الفرض في محله، والداخل ليس بمحل له).
في تعليله نظر؛ لأن السنة لا يلزم أن تكون لإكمال الفرض في محله، كما في المضمضة، والاستنشاق، والسواك، والتسمية، وكم سنة منفصلة عن الفرض!.
قوله: (وتخليل الأصابع لقوله عليه الصلاة والسلام: "خللوا أصابعكم قبل أن تخللها نار جهنم").
رواه الدارقطني بمعناه وضعفه.
قوله: (وتكرار الغسل إلى الثلاث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم -توضأ مرة مرة وقال: "هذا وضوء لا تقبل الصلاة إلا به"، وتوضأ مرتين مرتين وقال: "هذا
وضوء من يضاعف له الأجر مرتين"، وتوضأ ثلاثًا ثلاثًا. وقال: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي، فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى وظلم").
ذكره السروجي في شرحه من حديث عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه إلى قوله:"ووضوء الأنبياء من قبلي". ثم قال أبو حاتم: عبد الرحيم متروك الحديث، وأبو [هـ] زيد العمي ضعيف، ولا يصح هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال أبو زرعة: هو حديث واه ضعيف.
وقال يحيى بن معين: ليس بشيء. ثم قال بعد ذلك بأسطر: وثبت في الصحيحين أنه عليه السلام -قال: " [إن] أمتي يأتون غرًا محجلين من آثار الوضوء".
وقال أبو محمد الأصلي: هذا الحديث الثابت يدل على أن هذه الأمة مخصوصة بالوضوء من [بين] سائر الأمم؛ فلا يثبت أنه عليه السلام -توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وقال:"وهذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي". وهو حديث لا يصح كما تقدم.
ثم قال بعد ذلك بأسطر: وحديث زيد العمي ليس فيه: "فقد تعدى وظلم". وحديث عمرو بن شعيب فيه: "فقد تعدى وظلم"، وليس
فيه "مرة مرة، ومرتين مرتين"، فالذي ذكره في الكتاب مركب من حديثين كما ترى. انتهى.
ولكن حديث عمرو بن شعيب فيه: "فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم"، هكذا في رواية أحمد، والنسائي، وابن ماجه، [وابن خزيمة].
وهو في رواية أبي داود: "فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم، أو ظلم وأساء". وليس في رواية أحد ممن رواه: "أو نقص" غير أبي داود، وقد تكلم فيه مسلم وغيره.
ووضوء النبي صلى الله عليه وسلم -مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا ومختلفًا بعضه مرتين وبعضه ثلاثًا كله ثابت في الصحيحن.
قوله: (والوعيد بعدم رؤيته سنة).
يعني قوله: "فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى وظلم".
وقد اختلف في تأويل قوله -صلى/ الله عليه وسلم -: "فقد تعدى وظلم"، على أقوال: هذا أحدها، وهو ضعيف؛ لأن من زاد على الثلاث متعدِّ وإن
الثلاث سنة، فإن الإتباع كما يكون في الفعل يكون في الترك، فالفعل سنة والترك سنة. وكما أن فعل المرة الثانية والثالثة سنة فترك الرابعة والخامسة سنة.
وكان الصحابة رضي الله عنهم -يحتجون بتركه، ويعتدون به كما يحتجون
بفعله ويعتدون به.
وما يذكره الأصحاب في كتب الفقه "أن الوضوء على الوضوء نور على نور" لم يذكر في كتب الحديث، وإنما روى عن ابن عمر رضي الله عنه -أنه صلى الله عليه وسلم -كان يقول:"من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات". رواه أبو داود، وابن ماجه، والبيهقي، والترمذي وضعفه هو وغيره؛ لأنه من رواية عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وهو ضعيف.
ولعله اشتبه عليهم بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم -توضأ مرتين مرتين، وقال:"هو نور على نور" أخرجه رزين.
قوله: (ولنا أنه لا يقع قربة بدون النية، لكنه يقع مفتاحًا للصلاة لوقوعه طهارة باستعمال المطهر بخلاف التيمم؛ لأن التراب غير مطهر إلا في حال إرادة الصلاة، أو هو ينبئ عن القصد).
للمخالف أن يمنع هذا الاستدلال ويقول: الوضوء الشرعي هو الذي يثاب فاعله كما في قوله عليه السلام: "إذا توضأ العبد المسلم خرجت خطاياه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء"، وأمثال ذلك. والثواب لا يكون
إلا مع النية، فالوضوء لا يكون إلا مع النية.
فإن قلتم: الطهارة شرط من شروط الصلاة [أيضًا] فلا يشترط لها النية كاللباس وإزالة النجاسة.
فالجواب: أن اللباس والإزالة يقعان عبادة وغير عبادة، ولهذا لم يرد نص بثواب الإنسان على جنس اللباس والإزالة، وقد وردت النصوص بالثواب على جنس الوضوء.
وإن قلتم: النصوص وردت بالثواب على الوضوء المعتاد، وعامة المسلمين إنما يتوضؤون بالنية، والوضوء الخالي عن النية نادر.
فالجواب: أن هذا الوضوء الذي اعتاده المسلمون هو الوضوء الشرعي الذي تصح به الصلاة، وما سواه لا يدخل في نصوص الشارع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:
"لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ"، والوضوء لم يعرف إلا من جهة الشارع، وكل فعل لم يعلم إلا من جهة الشارع فهو عبادة، كالصلاة والصيام وغير ذلك.
ولأن غير الطهارة من الشروط يستوي فيها حال الابتداء والبقاء بخلاف الطهارة، ولهذا لو حلف لا يغتسل أو لا يتوضأ وقد اغتسل أو توضأ قبل ذلك فاستدام ذلك لم يحنث، ولو حلف لا يلبس، أو لا يستقبل القبلة وهو لابس، أو مستقبل القبلة فاستدام ذلك حنث.
فعلم أن هذا الشرط ليس كغيره من الشروط التي يراعى وجودها، لا وجودها قصدًا، بل يراعى وجوده قصدًا.
والفرق بين الحدث والخبث أن طهارة الخبث من باب التروك، فإن الواجب عدم النجاسة، فكيف مازالت حصل المقصود، وطهارة الحدث
من باب الأفعال والعبادات، وإضمار الثواب فقط. في قوله عليه الصلاة والسلام:"الأعمال بالنيات" ممنوع بل الحديث على ظاهره وعمومه، فإنه صلى الله عليه وسلم -لم يرد بالنيات في هذا الحديث النية الصالحة وحدها، بل أراد النية المحمودة والمذمومة، ولهذا قال في تمامه:"فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه".
وهذا ذكره تفصيلاً بعد إجمال، فعلم أن مقصوده جنس الأعمال لا نفس العمل الذي هو قربة بنفسه كالصلاة والصوم، ومقصوده ذكر جنس النية،
وهذا مما خصه الله به من جوامع الكلم. مع أن قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} ، إنما يفهم منه المخاطب غسل الوجه وما بعده لأجل الصلاة، كما يفهم من قوله: إذا واجهت الأمير فترجل، وإذا دخل الشتاء فاشتر الفرو، ونحو ذلك. فقد دل الكتاب والسنة على اشتراط النية.
قالوا: وأما/ قولكم: إنه يقع مفتاحًا للصلاة لوقوعه طهارة باستعمال المطهر فممنوع؛ لأن الوضوء طهارة شرعية لعدم النجاسة على الأعضاء حقيقة وحكمًا، أما حقيقة فظاهر، وأما حكمًا فلقوله عليه السلام:"إن المؤمن لا ينجس"، وليس المراد نفي الحقيقة.
وأنتم قلتم في الماء المستعمل: إن المنتقل إليه نجاسة الآثام، وإذا كان كذلك فنجاسة الآثام لا تزول بغير نية، فالماء حينئذ كالتراب، كلاهما طهور أي مطهر من الآثام، يؤيده قوله عليه السلام:"الطهور شطر الإيمان".
وسيأتي التنبيه على معنى الخلفية بين الماء والتراب في التيمم في بابه إن شاء الله تعالى.
قالوا: ولا ينفعكم التفريق بينهما يكون الماء مطهرًا بنفسه، والتراب ملوثًا؛ لأن المقصود الطهارة من الآثام، وهما في ذلك سواء، ألا ترى أن من أفعال الوضوء مسح الرأس، والمسح هو الإصابة، وهي غير مزيلة؟ فهذا الفرق صحيح بالنسبة إلى إزالة النجاسة، فإنه مزيل لها بطبعه، وأما الحدث فإنه ليس رافعًا له بطبعه، إذ الحدث ليس جسمًا محسوسًا يرفعه الماء بطبعه بخلاف النجاسة، وإنما يرفعه بالنية، فإذا لم تقارنه النية بقي على حاله، فلا فرق حينئذ بينه وبين التراب.
فإن قلتم: لم يعلم الأعرابي النية، فلو كانت شرطًا لبينها له.
قلنا: ولم ينقل عنه أنه علمه النية في الصلاة، فما كان جوابكم هناك
فهو جوابنا هنا.
قوله: (فالترتيب في الوضوء سنة).
ينبغي أن يكون الترتيب واجبًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم -واظب عليه من غير ترك، ولأنه عليه الصلاة والسلام -أجاب حين سئل عن البداءة بالصفا أو المروة في السعي بقوله:"ابدأوا بما بدأ الله به"، والغيرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وقد قالوا: إنه لو بدأ بالمروة إلى الصفا لم يحسب له ذلك الشوط، فكيف يحسب له الوضوء المنكوس!
وقد أوردوا قوله تعالى: {من بعد وصية يوصي بها أو دين} ، وإن الله بدأ بالوصية قبل الدين، وإنما يبدأ بالدين قبل الوصية، وهذا الإيراد لا يصح؛ لأن المذكور في هذه الآية الكريمة حرف "أو"، وهو لأحد المذكورين، أي لا ميراث إلا من بعد إخراج الوصية إن كان ثم وصية، أو إخراج الدين إن كان ثم دين. وليس في الآية ذكر اجتماعهما، وإنما عرف حكم اجتماعهما وقدر ما ينفذ فيه الوصية من المال من السنة.
وأيضًا فإدخال الممسوح في الآية بين المغسولين يقتضي لزوم الترتيب؛ لأن العدول عن مقتضى نظم الكلام يدل على إرادة الترتيب.
قوله: (والبداءة بالميامن فضيلة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله يحب التيامن في كل شيء حتى التنعل والترجل").
هذا الحديث بهذا اللفظ في ثبوته نظر، والمحفوظ عن عائشة -رضي الله
عنها أنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعجبه التيمن في تنعله وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله". متفق عليه.
وقد سها الشيخ علاء الدين بن التركماني -رحمه الله تعالى -في كتابه الذي خرج فيه أحاديث "الهداية" و"الخلاصة"، فقال: حديث التيامن متفق عليه، والأمر كما ذكرت لك. ونفس تخريجه لأحاديث هذين الكتابين فقط فيه ما فيه، فقد نقل عن وكيع بن الجراح أنه قال: من طلب الحديث كما جاء فهو صاحب سنة، ومن طلبه ليقوي رأيه فهو صاحب بدعة.
وروى الدارقطني بسنده أيضًا أنه قال: أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم.
* * *