الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الماء الذي تجوز به الطهارة
قوله: (والغلبة بالأجزاء لا بتغير اللون، هو الصحيح).
ينبغي أن يقيده بقوله: ما دام اسم الماء وطبعه باقيين عليه؛ لأنه لو تغير اسمه كالأنبذة فسيأتي في كلامه ما فيه من الخلاف.
وقد قال من قبل: ولنا أن اسم الماء باق على الإطلاق، ألا ترى أنه لم يتجدد له اسم على حدة. ولو تغير طبعه بحيث لم يبق سيالاً مرويًا فقد
تقدم في كلامه أنه لا يجوز الوضوء به.
فإنه قال: لا يجوز بما غلب عليه غيره فأخرجه عن طبع الماء، فتصحيحه اعتبار الغلبة بالأجزاء يوهم أن المؤثر هو الغلبة بالأجزاء فقط.
قوله: (وكل ماء وقعت فيه نجاسة لم يجز الوضوء منه، قليلاً كان أو كثيرًا).
هذا لفظ مشكل؛ فإنه صدره بكل المقتضية للشمول، ثم أكده بقوله:"قليلاً كان أو كثيرًا"، وهذا ممنوع في الماء الجاري، وفي الراكد الكثير بالإجماع. وقد أصلح في بعض النسخ: "قليلاً كانت النجاسة، أو
كثيرًا". ومنهم من اعتذر له، وخرجه على وجهين:
أحدهما: أن معناه: وكل ما لاقته النجاسة، وحكمه أنه لا يجوز الوضوء به قليلاً كان الماء أو كثيرًا، جاريًا كان أو ركدًا.
الووجه الصاني: أن يقال: المراد بالكثير ما لا يتغير بوقوع النجاسة فيه، وهو الذي جعله مالك كثيرًا، أو القلتان وهو الذي جعله الشافعي كثيرًا، فيكون هذا لإثبات الكثير المختلف فيه بيننا وبينهما. وهذا التخصيص المذكور ليس في الكلام ما يدل عليه، وكون المصنف أراده لا اطلاع لنا عليه.
قوله: (والذي رواه مالك ورد في بئر بضاعة، وماؤها كان جاريًا في البساتين).
يعني حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه -أن النبي صلى الله عليه وسلم -قيل له: أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بشر تلقى فيها الحيض، ولحوم الكلاب، والنتن؟. فقال:"الماء طهور لا ينجسه شيء"، رواه أبو داود، وحسنه الترمذي، وصححه الإمام أحمد.
وفي المسند أيضًا عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم -قال: "الماء طهور لا ينجسه شيء".
وعن/ ابن عباس أيضًا رضي الله عنهما -أنه قال: اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم -من جفنة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ من فضلها فقالت له، فقال:" [إن الماء] لا ينجسه شيء". أخرجه أبو حاتم. وعن عائشة رضي الله عنها -قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الماء لا ينجسه شيء" رواه أبو عمر بن عبد البر
في التمهيد.
وقد ذكر صاحب «الهداية» حديث بئر بضاعة في أول الباب، وزاد فيه:"إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه". وخرجه بهذه الزيادة الدارقطني، والبيهقي من حديث أبي أمامة الباهلي من طريق رشدين بن سعد،
عن معاوية بن صالح، وكلاهما ضعيف. ويمكن إجراء الحديث على ظاهره من غير استثناء؛ لأنه إذا ظهر أثر النجاسة فيه يكون المستعمل له مستعملاً للنجاسة، بخلاف ما إذا ذهب أثرها بالاستحالة؛ فإنه يكون كالأرض إذا أصابتها نجاسة وذهب أثرها؛ فإنها تعود طاهرة، فكذلك الماء.
قوله: (وماؤها كان جاريًا في البساتين).
هكذا ذكر الطحاوي ................................................................
عن الواقدي. وقد غلط الواقدي في ذلك، وليس هو ممن يحتج بقوله، وغلطه هنا ظاهر؛ فإنه لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم -بالمدينة عين جارية أصلاً، ولم يكن بها إلا الآبار، وبئر بضاعة باقية إلى اليوم شرقي المدينة معروفة. وعين الزرقاء وعين حمزة محدثة، وإنما ينازع في
هذا من لا خبرة له بأحوال المدينة.
وحينئذ يظهر رجحان قول مالك أن الماء لا ينجس إلا بالتغير وإن قل. وهو منقول عن علي، وابن مسعود، وعائشة، وابن عباس، وحذيفة، وابن المسيب، والحسن البصري، والحسن بن صالح، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والقاسم بن محمد، وعطاء، والزهري، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجابر بن زيد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وجعفر الصادق، والليث، وعبد الله
ابن وهب، وداود، وروي عن أبي هريرة، والنخعي.
قال ابن المنذر: وبهذا المذهب أقول، واختاره الغزالي، والروياني وقال: وعليه العمل في الحرمين، وبلاد الغرب، وغيرها من بلاد الجبال، قال: وهو اختياري، واختيار جماعة رأيتهم
بخراسان، والعراق. وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها كثير من أصحابه. ولا شك أن الإمام مالكًا أعلم بأحوال المدينة الشريفة.
والعبرة بعموم اللفظ. ولو فرض أن ماء البئر كان جاريًا؛ فقد أجاب النبي صلى الله عليه وسلم -بلفظ عام، وهو قوله: "الماء طهور
…
" الحديث، لم يخصه بالبئر، ولا بالجاري، والتخصيص بالجاري لحديث المستيقظ، والنهي عن البول في الماء الدائم، وحديث ولوغ
الكلب قد أجابوا عنه بأجوبة: أحدها: أن النهي عن الاغتسال وعن البول؛ لأن ذلك قد يقضي إلى الإكثار من ذلك حتى يتغير الماء. وإذا بال ثم اغتسل فقد يصيبه بوله قبل استحالته.
الثاني: أن النص إنما ورد في البول، وهو أغلظ من غيره من النجاسات؛ فإن أكثر عذاب القبر منه، وصيانة الماء عنه ممكنة؛ لأنه يكون باختيار الإنسان فلا يقاس عليه ما هو دونه.
الثالث: أن نهيه عن البول في الماء الدائم يعم القليل والكثير، فيقال
لصاحب القلتين: أتجوز البول فيما فوق القلتين؟ فإن جوزته فقد خالفت ظاهر النص، وإن حرمته فقد نقضت دليلك. وكذلك يقال لمن قدره بعشرة أذرع في عشرة: إذا كان الغدير أطول من عشرة في عشرة وهو دقيق أتسوغ البول فيه؟ فإن سوغته خالفت ظاهر النص؛ وإلا نقضت قولك.
وقالوا: محال في العقول أن يكون ماءان أحدهما يزيد على الآخر بقدح أو رطل، والنجاسة لا أثر لها في واحد منهما، أحدهما طاهر والآخر نجس.
وأما حديث ولوغ الكلب؛ فإنه لما كان الإناء [هو الإناء] المعتاد لوضع الماء فيه،/ والكلب يلغ بلسانه شيئًا فشيئًا، فلابد أن يبقى في الماء من لعابه ما يبقى، وهو لزج، فلا يحليه الماء القليل؛ بل يبقى فيكون ذلك الخبث مانعًا من
استعماله، كما قلتم فيما إذا وقعت قطرة من الخمر في دن خل أنه لا يجوز الشرب منه في الحال، ولو صب في كوز خمر ولم ير لها أثر جاز الشرب منه؛ لأن الكثير لما لم ير له أثر دل على استحالته خلاً، والقليل لا أثر له فيستدل بذهابه على الاستحالة؛ فلابد من زمان يغلب على الظن فيه أنه استحال خلاً. قالوا: من أين لكم التقدير بعشرة أذرع، والمقادير لا تعرف إلا سماعًا؟.
فإن قلتم: التقدير باعتبار امتحان الغدير الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحرك الآخر المقيس على البحر.
قيل: اعتبار التحريك لا يمكن ضبطه أصلاً، وقد اضطرب فيه؛ فقيل بتحريك المغتسل، وقيل بتحريك المتوضئ، وقيل بتحريك اليد. وعلى كل تقدير فما من غدير وإن كبر إلا إذا حرك جانبه فشا أثر التحريك إلى آخره.
فإن قيل: المعتبر وصول أثر التحريك من ساعته لا بعد المكث؛ وهو أن يرتفع وينخفض لا تموج وجهه.
قيل: هذا لا ينضبط أيضًا، ولا يمكن تقدير الزمان الذي يصل فيه أثر التحريك، وكما أن الحركة متفاوتة، فالنجاسة أيضًا متفاوتة، فالنجاسة الكثيرة تصل إلى ما لا تصل إليه القليلة.
قالوا: والماء إذا لم يظهر أثر الخبث فيه فوصف الطيب باق عليه؛ فإذا لم يظهر للنجاسة أثر دل على استحالتها إلى طبع الماء، فطهرت بالاستحالة كما تطهر الخمر إذا استحالت [خلاً]، [و] الأرض إذا أصابتها نجاسة واستحالت إلى طبع التراب وذهب أثرها، وكذلك العذرة إذا صارت رمادًا أو ملحًا على الصحيح.
والذين فرقوا بينهما فقالوا: الخمر نجست بالاستحالة فطهرت بالاستحالة، بخلاف البول والدم. ضعف فرقهم بأن جميع النجاسات إنما نجست أيضًا بالاستحالة؛ فإن البول والدم مستحيل عن أعيان طاهرة، وكذلك العذرة وغيرها.
فالله تعالى حرم الخبائث لما قام بها من وصف الخبث، كما أنه أباح الطيبات لما قام بها من وصف الطيب؛ فإذا زال وصف الخبث بالاستحالة خلص وصف الطيب، كما أنه إذا زال وصف الطيب بالاستحالة خلص وصف الخبث، كالبيضة إذا حال مخها دمًا، والعصير إذا صار خمرًا، والدم
والبول والعذرة المستحيلة عن الطعام والماء، واللبن يخرج من بين الفرث والدم طاهرًا بسبب استحالته. ولا يقال: نتنزه عنه لما فيه من الخلاف، فإنه إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم -توضأ من تلك البئر التي يلقى فيها الحيض، ولحوم الكلاب والنتن؛ فكيف يسوغ لنا أن نتنزه عما فعله؟.
وقد قال عليه السلام: "ما بال أقوام يتنزهون عن أشياء أترخص فيها؟ والله إني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده". وأيضًا فالأصل في الأعيان الطهارة، فلا يجوز التنجيس إلا بدليل، ولا دليل على النجاسة؛ إذ ليس في ذلك نص، ولا إجماع، ولا قياس صحيح.
قوله: (وما رواه الشافعي ضعفه أبو داود، أو هو يضعف عن احتمال النجاسة).
يعني حديث القلتين. فأما نسبة التضعيف إلى أبي داود ففيه نظر! قال
السروجي: فقد خرجه أبو داود في سننه ولم يتكلم فيه بشيء. انتهى.
ولكن ضعفه ابن العربي في شرح الترمذي، وابن عبد البر في التمهيد، وغيرهما.
ولا شك أن الماء القليل مما تعم به البلوى، وتشتد الضرورة إلى معرفة حكمه، ومثله لا يثبت بما هو متزلزل لا يرويه الثقات الأثبات، بل شدة الحاجة إليه توجب توفر الهمم على نقله، ولو كان حدًا لازمًا لم يضيعوه ويهملوه، ولا ينقله إلا مطعون عليه.
وأما قوله: أو هو يضعف عن احتمال النجاسة، يعني إذا بلغ في الانتقاص إلى هذا المقدار لا في الزيادة. يرد هذا التأويل الرواية الأخرى:"إذا بلغ الماء قلتين لا ينجسه شيء".
وأضعف من هذا التأويل أنه يحتمل أن يكون المراد من القلتين القامتين، أو/ رأس الجبلين. أما التأويل بالقامتين فإنهم لا يعتبرون زيادة
العمق حتى لو كان أكثر من قامتين وسعة وجهه دون العشرة يتأثر عندهم. والتأويل برأس الجبلين يصان كلام الشارع عن مثله، بل التأويل بمثله يشبهه الاستهزاء بكلامه صلى الله عليه وسلم؛ فإن هذا لم يكن إلا في الطوفان في عهد نوح عليه السلام، وإنما عادته صلى الله عليه وسلم -أن يقدر المقدرات بأوعيتها، كما قال: "ليس في أقل من خمسة أوسق ..............................
صدقة"، وكالتقدير بالصاع والمد ونحوه. والتمثيل لا يكون بمختلف متفاوت؛ لأن التقدير به لا يكون بيانًاـ وهو صلى الله عليه وسلم -بلغ البلاغ المبين.
ولكن حديث القلتين إن كان صحيحًا فمنطوقه موافق لحديث بئر بضاعة، وحديث ابن عباس المتقدم؛ وهو أنه:"إذا بلغ الماء قلتين لا ينجسه شيء".
وأما مفهومه إذا قلنا بدلالة مفهوم العدد فإنما يدل على أن الحكم في المسكوت عنه مخالف للحكم في المنطوق به بوجه من الوجوه، ولا يلزم أن يكون الحكم في كل صورة من صور المسكوت عنه مخالف للحكم في كل صورة من صور المنطوق به. وهذا معنى قولهم: المفهوم لا عموم له، فلا يلزم أن كل ما لم يبلغ القلتين ينجس، بل إذا قيل بالمخالفة في بعض الصور حصل المقصود.
وأيضًا فالنبي صلى الله عليه وسلم -لم يذكر هذا التقدير ابتداء، وإنما ذكره في جواب من سأله عن يماه الفلاة التي تردها السباع والدواب، والتخصيص إذا كان له سبب غير اختصاص الحكم لم يبق حجة، كقوله تعالى:{ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} ، خص هذه الصورة بالنهي لأنها هي الواقعة،
لا لأن التحريم يختص بها. ونظائرها كثيرة في القرآن.
فالتقدير في حديث القلتين: أن ما دون القلتين قد يحمل الخبث، وقد لا يحمله بأن كان الخبث يسيرًا وهو كثير، بخلاف القلتين، فإنه لا يحمل في العادة الخبث الذي سألوه عنه، فاتفقت دلالة الحديثين بهذا الاعتبار على تقدير ثبوته.
ووجدت في كلام الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله -أن مثل هذا لا يجوز أن يكون من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، يعني حديث القلتين، وكان رحمه الله -يرجح أن حديث القلتين موقوف على ابن عمر، وتابعه في ذلك شيخ الحفاظ في عصره أبو الحجاج المزي.
قوله: (ولنا قوله عليه الصلاة والسلام: "هذا هو الحلال أكله، وشربه، والوضوء منه").
يعني الماء إذا مات فيه ما ليس له نفس سائلة. عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم فماتت فيه فهو حلال أكله وشربه ووضوؤه"، رواه الدارقطني وضعفه. وأما اللفظ الذي ذكره المصنف فكأنه نقله منه بالمعنى.
وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه -قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله، ثم ليطرحه؛ فإن في أحد جناحيه شفاء، وفي الآخر داء". أخرجه البخاري. والظاهر موته بذلك، فلو أفسده [لم] يؤمر به. قال ابن المنذر في "الإشراف": ولا أعلم في ذلك خلافًا إلا ما كان من أحد قولي الشافعي.
قوله: (ثم في رواية الحسن عن أبي حنيفة أنه نجس نجاسة غليظة اعتبارًا بالمستعمل في النجاسة الحقيقية).
يعني الماء المستعمل. وهذه رواية شاذة غير مأخوذ بها، ذكره قاضي خان. وفي اعتبار الماء المستعمل في إزالة الحدث بالمستعمل في النجاسة
الحقيقية نظر؛ لأن المستعمل في النجاسة الحقيقية إنما لا يجوز استعماله لأن المستعمل له مستعمل للنجاسة. ولهذا إذا لم ير لها أثر في الماء جاز استعماله إن كان جاريًا أو كثيرًا بالإجماع، وكذا إن كان قليلاً عند مالك وأحمد في رواية.
وقد تقدم ذكر ما رجوا به هذا القول. وأما المستعمل في إزالة الحدث فلم تنتقل إليه نجاسة، ولكن أزيلت به نجاسة الآثام، وذلك/ لا يوجب تنجسه، بل ولا خروجه عن وصفه بالطهورية كما هو قول عطاء، والحسن البصري، والنخعي، ومكحول، والزهري، وأبي ثور، وأهل الظاهر، ورواية عن الثوري، ومالك، ..
والشافعي، وأحمد، ورجحها كثير من أصحابهم.
وروي عن علي، وابن عمر، وأبي أمامة، فيمن نسي مسح رأسه إذا وجد بللًا في لحيته أجزأه أن يمسح رأسه بذلك البلل، حكاه عنهم ابن المنذر، وصاحب المغني. وعن الربيع بنت معوذ بن عفراء رضي الله عنها: "أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح رأسه من فضل ما كان بيده". وفي لفظ: "مسح رأسه من فضل ما بقي من وضوء في يديه" أخرجهما أحمد.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في جفنة، فجعل النبي عليه السلام يتوضأ منها، أو يغتسل، فقالت له: يا رسول الله! أني كنت جنبًا، فقال:"إن الماء لا يخبث". أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وأبو حاتم، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
وظاهر المذهب أنه طاهر غير طهور كما حكاه صاحب الهداية وغيره، وقال: لأن ملاقاة الطاهر الطاهر لا يوجب التنجس، إلا أنه أقيمت به قربة كمال الصدقة.
وفي اعتباره بمال الصدقة نظر؛ فإن مال الصدقة لا تلزمه الصفة؛ فإن النبي عليه السلام أكل مما تصدق به على بريرة، وقال:"هو لها صدقة، ولنا هدية"، ومما تصدق على نسيبة وقال:"قد بلغت محلها". ولو صار درهم الصدقة إلى هاشمي على وجه الهدية جاز له التصدق به مرة أخرى، وعلى القول بزوال وصف الطهورية عن الماء لا يجوز الوضوء به مرة أخرى.
وأيضًا فاعتباره بمال الصدقة يقتضي أنه لا يصير مستعملًا إلا بإسقاط الفرض كما هو قول زفر، وأحد قولي الشافعي، ومالك، وأحمد؛ لأنه قال في "باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز" لما ذكر أنه لا يدفع الزكاة إلى بني هاشم: بخلاف التطوع؛ لأن المال هاهنا كالماء يتدنس بإسقاط الفرض. أما التطوع بمنزلة التبرد بالماء. فقد جعل صدقة التطوع بمنزلة التبرد بالماء مع وجود نية القربة.
ولأن رمي الجمار بالحصا التي رمى بها هو أو غيره جائز. ولم تجعل إقامة القربة مرة مانعة من إقامة القربة [به] مرة أخرى.
ولأن الأصل بقاء وصفه بالطهورية، ولم يرد نص بإزالة وصف الطهورية عنه. وما استدل به على زوال وصف الطهورية من نهيه صلى الله عليه وسلم عن الاغتسال في الماء الدائم؛ فقد أجيب عنه بأن النهي لما في ذلك من تقذير الماء
لا لنجاسته، ولا لتصييره مستعملًا؛ فإنه قد ثبت عنه عليه السلام أنه قال:"إن الماء لا يجنب"، وأنه:"لا ينجسه شيء"، كما قد ثبت عنه:"أن المؤمن لا ينجس".
ومن نجسه بالملاقاة أو سلب طهوريته بالاستعمال فقد جعله ينجس، ويجنب، وعرق الجنب والحائض طاهر بالإجماع، وكذا سؤرهما. أو أن النهي لاحتمال وجود النجاسة على البدن لسد الذريعة؛ فلا يزول وصف الطهورية عنه بالشك. وأما نهيه المستيقظ من نومه عن إدخال يده في الإناء قبل غسلهما ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده، فقد ذكر في حكمة النهي ثلاثة أقوال:
أحدها: خوف نجاسة يكون على يده، مثل مرور يده على موضع الاستنجاء مع العرق، أو على دمل ونحو ذلك.
الثاني: أنه تعبد لا يعقل معناه.
الثالث: أنه من ملابسة الشيطان ليده كما في "الصحيحين" عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنشق بمنخريه من الماء، فإن الشيطان يبيت على خيشومه"، فعلل الأمر بالغسل بمبيت الشيطان على خيشومه، فيمكن أن يكون الأمر بغسل اليد لذلك، فتكون هذه العلة من العلل المؤثرة التي شهد لها النص بالاعتبار؛ / فلا يلزم سلب الماء صفة الطهورية.
وقد روى البيهقي أيضًا بإسناده، عن عائشة رضي الله عنها، أنها سئلت عن رجل يدخل يده الإناء وهو جنب قبل أن يغتسل فقالت:"إن الماء لا يجنبه شيء، ولكن ليبدأ فيغسل يده، قد كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نغتسل من إناء واحد".
والطهور بالفتح اسم لما يتطهر به، كما أن الوضوء والسحور، والوقود، والفطور، اسم لما يتوضأ به، ويتسحر به، ويوقد به، ويفطر عليه. وهو بالضم اسم للمصدر؛ ولهذا قال تعالى في موضع:{وأنزلنا من السماء ماءً طهورًا} ، وفي موضع:{ماءً ليطهركم به} .
وأما لفظ الطاهر فلا يدل على ما يتطهر به، وهذا هو الفرق عند أهل المعرفة بالعربية، لا كما يظنه طوائف من أهل العلم أن الطهور معدول عن
طاهر، كما يأتي فعول معدولًا عن فاعل، فيكون بمنزلته في التعدية واللزوم النَّحويَّيْن، فإن هذا قول من لم يحكم ما قاله من جهة العربية.
فلا يجوز أن يراد بالطهور الطاهر لفساد المعنى إذا حمل على ذلك. ولا يجوز أيضًا أن يكون طَهور تعدية لطاهر لفساد الاستعمال فتأمله!.
وبهذا يظهر رد ما قاله المصنف في تعليل قول مالك، والشافعي أن الماء الطهور ما يطهر غيره مرة بعد أخرى كالقطوع؛ فإن "قطوعًا" معدول عن "قاطع" للمبالغة في الوصف كالحَمول، والظَّلوم، والغفور، و"الكتوم"، والمنوع، وكالصبور، والشكور. وطهورًا هنا ليس من هذا الباب، بل من باب ما يستعمل فيه فعُول بضم الفاء لاسم المصدر، وبفتحها لما يحصل به الفعل كما تقدم تمثيله.
قوله: (وكذا يطهر لحمه، وهو الصحيح).
صحح جماعة من المشايخ عدم طهارة اللحم بالذكاة، وهو الصحيح؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر عن القُدور التي كان فيها لحوم الحمر الأهلية:"أهريقوها، واكسروها". فقال رجل: أو نهريقها ونغسلها؟ قال: "أو ذاك". ولو كانت تطهر بالذكاة لم يحتج إلى غسل القدور.
قوله: (إذ الهاء في قوله تعالى: {فإنه رجس} منصرف إليه لقربه).
إنما يعود الضمير إلى المذكور كله، وهو الميتة، والدم، ولحم الخنزير؛ فإن الأصل: قل لا أجد فيما أوحي إلي شيئًا محرمًا، فحذف الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه، ثم قال: إلا كذا وكذا. فإن هذا المذكور كله رجس، وإعادة الضمير إلى بعض المذكور فيه نظر.
قوله: (لأن الذكاة تعمل عمل الدباغ في إزالة الرطوبات النجسة). فيه نظر!.
لأن الرطوبات لا تزول بالذكاة، وإنما يخرج بالذكاة الدم المسفوح، وليس المطهر للذكاة إخراج الدم المسفوح وحده، ولهذا لا تحل ذبيحة المجوسي، ويحل الصيد بالذكاة الاضطرارية وإن لم يخرج الدم المسفوح.
قوله: (إذ الموت زوال الحياة).
الموت أمر وجودي، قال تعالى:{الذي خلق الموت والحياة} ، والعدم لا يكون مخلوقًا. وإنما يقول إن الموت زوال الحياة الفلاسفة ومن وافقهم. وقولهم باطل. والكلام معهم معروف في موضعه.
وقد اعتذر عن الشيخ هنا بأنه كنى عنه بلازمه؛ لأنه إذا وجد الموت زالت الحياة، ولكن العبارة السديدة: إن الموت ضد الحياة.