الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
للشيخ والشيخة، وترك التخفيف على الشبّان إلى أن نزلت آية الجلد، فنسخت آية الشيخ والشيخة وآية الإيذاء معًا بفرض الجلد على البكر، والرجم على الثيب؟
أو كان نزولها قبل آية الإيذاء أو معها، فكان الرجم على الشيخ والشيخة، والإيذاء خاصًّا بالشبان؟
الأشبه بسنة الله تعالى في تدريج الأحكام أن تكون نزلت بينهما، فشُرع أولًا الإيذاء فقط، لقرب العهد بالجاهلية، ثم شُرع رجم الشيخ والشيخة، وأُبقي حكم الشبان على الإيذاء، ثم تُرك اعتبار الشيخوخة والشباب، وأُبدل باعتبار الإحصان وعدمه، لأن المتزوج من الشبان في معنى الشيخ، وشُدِّد في الحد، والله أعلم.
وهذه المسألة تحتاج إلى بسطٍ أزيدَ من هذا، وفيما ذُكر كفاية، والمقصود أن الحكمة تقتضي أن يكون بناء الحكم على الغالب فقط.
أسباب التملك
[
…
] أسباب التملك، فالغالب أن الابن يكون أحقَّ بمال أبيه [
…
] يكون مستحقًّا في نفس الأمر لما وهب له، ولكن قد يتفق أن يكون [
…
] أسباب حتى جمع أموالًا كثيرة، ويكون له ابن سفيه عاقٌّ [
…
] ونحو ذلك مما يضر الناس، ثم يموت الأب، فيرثه [
…
] يهب ماله لشخص سفيه [
…
] يرى أن استحقاق الابن أو الموهوب له لذلك المال فيه ما فيه، ومع ذلك فلو كان الربا مباحًا
…
[
…
] الرجل يعطي المقلِّين من أهل
الجدّ والعمل ماله بالربا، فيسعى كل منهم ويتعنَّى، وينتفع الناس بسعيه.
فقد يربح ما يفي بالربا، ولا يزيد له إلّا شيء تافه، أو لا يزيد له شيء أصلًا، أو يربح ما ليس يفي بالربا، أو لا يربح شيئًا، فيضيع تعبه، ويَخِيب أمله، ويَغْرَم الربا من ماله، وربما ينقص عليه من رأس المال، أو يتلف عليه رأس المال كله، فيغرم رأسَ المال والربا، يبيع حلي أهله أو عقاره أو بيته، فإن لم يكن عنده شيء أُهِين وسُجن. ثم إن أُطلِق بقي كل يوم مروعًا، كلما كدَّ واجتهد فحصل له دريهمات قام الطلب يتقاضاه، ويُهِينه ويتوعده.
وهكذا يبقى المال الذي وصل إلى ذلك السفيه، وفيه ما فيه، يبقى سالمًا له، وهو يربح فيه كل شهر أموالًا يمتصُّها من دماء أهل الكد والعمل، ويترفَّه بها، ويُسرِف فيها بدون أن يكون منه حركة تنفع الناس، بل حركاته تضرهم، وتُفسِد أخلاقهم، وتُخرب بيوتهم.
والغالب أن الذين يتكسبون بالمراباة هم هؤلاء الذين يريدون أن يعيشوا في راحة ورفاهية، يمتصُّون دماء العمال بدون تعب ولا عناء، وتبقى رؤوس أموالهم محفوظة، بل يربحون فيها أرباحًا أوثق من أرباح التجارة.
ثم يوشك أن تعم البلوى، فكل من وقع بيده مال، قال: مالي وللمخاطرة برأس المال مع التعب والعناء بزراعة أو صناعة أو تجارة؟ هذا باب الربا يبقى فيه رأس المال محفوظًا غالبًا، ويحصل فيه ربح محقق، ولا تعب ولا عناء.
فيطبقون على ذلك، فلا يلبث أن تنحصر الأموال في أيدي السفهاء الذين لا شغل لهم إلَّا اللهو واللعب، ويصير أهل الجدّ والعمل عبيدًا لهم.
فمنعُ الربا يضطرُّ كلَّ فرد من الأفراد إلى أن يكون عضوًا عاملًا نشيطًا، ينفع الناس وينتفع، ويفتح باب الغنى لأهل الكد والعناء، ويستخرج الأموال من أيدي من لا يستحقها.
يقول الشرع لمن حصل في يده مال: كن رجلًا، فاعملْ وجِدَّ واجتهدْ، واطلب الربح، فإن أبيتَ فاكنِزْه وكلْ منه، وأدِّ كل سنة ضريبةً عليه (الزكاة) حتى يفنى. [وإن] أردتَ مع ذلك صنعَ الخير في الجملة، فأقرِض الناس قرضًا حسنًا.
[ص 15/ 1] إن قال قائل: قد بان الفرق بين البيع والربا، واتضح وجه إحلال البيع وتحريم الربا، لكن في الجملة، فأما التفصيل فبقي شيء، وهو أن الفقهاء يحللون بيع السلعة نَساءً بأكثر من ثمنها [ويحللون] السلم فيها إلى أجل يدفع أقلَّ من ثمنها عند العقد، وعند الأجل.
فيجوِّزون بيع عشرة آصُعٍ طعامًا بخمسة عشر درهمًا نَساءً، وإن كان قيمتها نقدًا عشرة [ويجوزون] أن يسلم الرجل عشرة دراهم في خمسة عشر صاعًا إلى الحصاد مثلًا، مع أن السعر حين العقد عشرة آصع [بعشرة] دراهم،، وقد يكون عند الحصاد اثنا عشر صاعًا بعشرة دراهم.
فما الفرق بين هاتين المسألتين، وبين إقراض عشرة آصع بشرط رد خمسة عشر، وإقراض عشرة دراهم بشرط رد خمسة عشر درهمًا.
فعن ذلك أجوبة:
الأول: أن الناس كما يحتاجون إلى شرع البيع نقدًا وشرع القرض، فكذلك إلى شرع البيع نَساءً وإلى السلم؛ لأن الإنسان كثيرًا ما يحتاج إلى
الطعام، وليس عنده ثمنه، ولا يجد من يُقرِضه، فيحتاج إلى اشترائه بنسيئة، وقد يحتاج إلى طعام مخصوص فلا يجده في السوق، فيحتاج أن يُسلِم فيه، ليذهب المُسلَم إليه، فيفتش عنه طمعًا في الربح، وقد يخشى أن يسبقه الناس إلى الطعام عند حصاده، ولاسيما التجار، فيبادر بالإسلام فيه، ليأمن أن يسبقه غيره، ويحتاج صاحب الأرض إلى دراهم فلا يجد من يُقرِضه، فيطلب من يُسلِم إليه في طعام إلى الحصاد.
فلو حُرِّم أن يباع الطعام وغيره من السلع نَسيئةً إلَّا بمثل ثمنه نقدًا، لامتنع الباعة من ذلك؛ لأن أحدهم يقول للطالب: هذه الآصُع العشرة التي تطلبها بعشرة دراهم نَساءً، يرغب فيها غيرك بعشرة دراهم نقدًا، فأي الأمرين أنفع إليَّ: أبيعها نقدًا بعشرة دراهم، ثم أشتري بالدراهم سلعة أخرى طعامًا أو غيره، ثم أبيع بربح، وهكذا .. فقد لا يجيء الحصاد إلا وقد ربحت في العشرة عشرة ربحًا حلالًا، أم أبيعك إياها بعشرة دراهم إلى الحصاد؟
ويقول صاحب الدراهم لصاحب الأرض: أيهما خير لي، أشتري بالعشرة الدراهم عشرة آصُعٍ نقدًا ثم أبيعها، ثم أشتري وأبيع، فقد لا يجيء الحصاد إلا وقد ربحت في العشرة عشرة ربحًا حلالًا، وحينئذٍ أشتري منك أو من غيرك بعشرة دراهم خمسة عشر صاعًا، أو أقل من ذلك وأكثر من عشرة، أم أُسلِمها إليك في عشرة آصُعٍ إلى الحصاد؟
أقول: فلو مُنِع من الزيادة أدى ذلك إلى انقطاع بيع النَساء والسلم، وفي ذلك من الضيق ما فيه، ولعلَّ الناس يضطرون حينئذٍ إلى ارتكاب ما حرمه الشرع، وارتكابُ حرامٍ واحدٍ يُجرِّئ على ارتكاب غيره، وفي ذلك من الفساد ما فيه.
فأما القرض فإن المنع فيه من الزيادة لا يؤدي إلى انقطاعه؛ لأن الناس حريصون على كنز ما تغلب الحاجة إلى إقراضه، وهو النقد والطعام.
والقرض مع التوثق أنفع لهم من الكنز، هذا مع ما يتبع [القرض] من الفوائد التي تقدم ذكرها.
الجواب الثاني: أن الربح الذي يُرجى للمقرض لو لم يقرض، وللبائع بنسيئةٍ لو باع بنقد، وللمُسلِم لو لم يُسلِم، إنما يُرجى لهم إذا اتَّجروا وباعوا واشتروا، فإذا أقرض ذاك، وباع [هذا] بنسيئة، وأسلم هذا، فمن يعلم أنهم لو لم يفعلوا ذلك [
…
] يتَّجرون ويبيعون ويشترون، أم يكنزون. [ص 15/ 2] ذلك غيب لا يعلمه إلا الله عز وجل، وأقرب ما يتصور أن يُناط به الحكم نيتهم، ولكن النية أمر خفي أيضًا؛ لأنه لا يُعلم إلا من جهتهم، ولا ينبغي تصديقهم؛ لأنهم يتّهمون، فقد يكون نية أحدهم الكنز، ولكن إذا علم أنه لا يحكم له بالزيادة إلا [
…
ن] يريد أن يتجر ويبيع ويشتري، حملَه حبُّ الربح على دعوى ذلك.
فاقتـ[ـضى ذلك أن] يناط الحكم بضابط ظاهر يطلع عليه العاقدان والشهود والحكام وغيرهم، فكان أقرب ما يفي بهـ[ـذا
…
] اعتبار العوض، فإذا كان العوض من جنس المدفوع أو ما يقرب منه كان شرط الزيادة ربا؛ لأن تحري المعطي أن يكون العوض كذلك قرينة على أنه ينوي كنز هذا الجنس.
وإن كان العوض مباينًا للمدفوع كان الربح حلالًا؛ لانتفاء الضابط القائم مقام نية الكنز.
هذا إذا سارت المعاملة سيرًا طبيعيًّا، فأما إذا كانت لو جرت على طبيعتها لكانت من الأول، ولكن احتال العاقدان أو أحدهما حتى صوراها بصورة الثاني ــ كما يأتي في العِينة ــ فإنه يجب أن تردَّ إلى سواء الطريق، فيحكم فيها بحكم الأول.
وهكذا ينبغي في عكس ذلك إذا كانت هناك تهمة، كأن يَعْمِد وصيٌّ إلى سلعة من مال يتيمه فيبيعها، ثم يقرض ولده ثمنها إلى أجل، فينبغي أن يغرم ما نقص من ثمن السلعة لو باعها إلى مثل أجل القرض.
فأما حيث لا تهمةَ فلا، كأن يلتمس زيد من عمرو قرضًا، فيقول له: ارجع إليّ بعد ساعة، ثم يبيع سلعة من رجل ثالث بدراهم نقدًا، ويُسلِم الدراهم إلى زيد قرضًا حسنًا.
فإن سمِّيتْ هذه حيلةً فهي حيلة يقصد بها فعل الخير والمعروف، فلا ينبغي إبطالها.
فإن قلت: فإذا أقرض تاجرٌ رجلًا دراهم، وشرط عليه زيادة، والمقرض يدعي أنه كان يريد أن يتجر بدراهمه، واعترف المستقرض بذلك.
قلت: لا التفاتَ إلى اعتراف المستقرض؛ لأنه نفسه متهمٌ بأنه يُمهِّد باعترافه هذا لأن يقترض من صاحبه ثانيًا وثالثًا وهكذا، ويخاف إن لم يعترف له تلك المرة أن لا يقرضه مرة أخرى، وقد حرم الشارع الأخذ بالربا، كما حرم الإعطاء به، مع أن النية غيب لا يدركها المستقرض تحقيقًا، وإنما يمكن الاستدلال عليها بقرائن، وقد تكون تلك القرائن مصطنعة، والقرينة الواضحة نادرة.
وفوق ذلك فالشارع قد عدل كما اقتضته الحكمة عن النية، وناط الحكم بصفة العوض كما علمت، فصار هو المعتبر كما تقرر في الأصول.
فالقصر في السفر الطويل حكمته المشقة، ولكن لعدم انضباطها نِيط الحكم بالسفر الطويل، فاستمر الحكم حتى في حق من سافر سفرَ رفاهيةٍ لا مشقةَ فيه.
وبهذا عُلم الجواب عما قد يتوهم أن المقرض بشرط زيادة إذا كان يعلم من نفسه أنه كان يريد أن يتجر بالدراهم، فربما يحل له أخذ الزيادة فيما بينه وبين الله، وإن لم يحل له في الحكم الظاهر.
فإن قيل: إذا صار المدار على صفة العوض، فلماذا تُبطِلون الحيل، كالعِينة وغيرها؟
فالجواب: أننا لم نُبطِلها لدلالتها على نية الكنز، وإنما أبطلناها لأنها فرار من حكم الشرع، واحتيال عليه، وعدول بالمعاملة عن مجراها الطبيعي بتكلف صورة مصطنعة، كل ذلك لهوى النفس، ولو أبيحت لتحرَّاها كل من يريد الربا، فيبقى الحكم الشرعي معطَّلًا عن غايته، معزولًا عن فائدته.
فأما النية وحدها فلم نعتدَّ بها، فإننا نقول فيمن كان عنده سلعة يريد أن يبيعها بعشرة نقدًا، ويكتنز العشرة: إنه لو وجد راغبًا في تلك السعلة بخمسة عشر نساءً، فباعها منه، لم يكن ذلك ربًا ولا حرامًا.
ونقول فيمن كانت عنده عشرة دراهم يريد اكتنازها، ثم جاءه راغب في السلم، فأسلمها إليه في [
…
] عن السعر الموجود حال العقد وعند الأجل، لم يكن ذلك ربًا ولا حرامًا.
[ص 15/ 3] وهذا كما تقرر في الشريعة أن قصر الصلاة لا يحل لمجرد المشقة بدون سفر. فتدبر!
فإن قيل: المقصود هو العدل، وهذا الحكم لا يفي به، فإن من كانت نيته التجارة، ولكنه آثر القرض لحاجة المستقرض حالًا هو في نفس الأمر مستحقّ للتعويض عما فاته من الربح، ومن كانت نيته الكنز ولكنه باع نساءً، أو أسلم طمعًا في الربح من هذه الجهة، لم يكن مستحقًّا للتعويض.
قلت: أما المقرِض؛ فإن لم يشترط زيادة فلا إشكال، فإنه قد رضي عوضًا عن ربحه الذي كان يرجوه بما حصل له من فوائد القرض التي تقدمت، ومنها الأجر، وصنع المعروف إلى المستقرض.
وإن اشترط الزيادة فإن كان قد علم بالحكم فحرمانه من الزيادة عقوبة له على مخالفة الشريعة، مع أنها لم تَحْتِمْ عليه أن يقرض، وإن كان لم يعلم فسيأتي جوابه.
وأما البائع نسيئةً، والمعطي سلمًا؛ فإن ما يناله من ربح يكون عوضًا عما يفوته من الربح في القرض، كما أن المقرض بزيادة جاهلًا بالحكم يحرم من الزيادة حكمًا، ويكون ذلك في مقابل ما يربحه إذا باع نَساءً أو أسلم، ولم يكن يريد التجارة.
فإن قلت: قد يكون الإنسان يُقرِض وهو يريد التجارة، ولا يُنسِئ ولا يُسلِم، وقد يكون يُنسِئ ويُسلِم مع أنه كان ينوي الكنز، ولا يُقرِض أبدًا، وقد يُقرِض مشرقيًّا، ويُنسِئ مغربيًّا، فكيف هذا؟
قلت: قد قرَّرنا سابقًا أن القوانين لابد أن تُناط بأمر ظاهر منضبط، ثم لا يضرها تخلُّفُ الحكمة في بعض الصور النادرة.
وهذا أمر معقول معمول به عند العقلاء، فالحكومات تعلن في أوقات الخوف منع الخروج ليلًا، ويعترف العقلاء بأن ذلك وفق المصلحة، ولا يمنعهم من ذلك احتمال أن يكون رجل قد ترك أطفاله جياعًا، وذهب يلتمس لهم طعامًا، فلم يظفر بالطعام حتى جنَّ عليه الليل وهو في بيت بعض معارفه، فيمنعه حكم الحكومة من الرجوع إلى بيته، وفي ذلك هلاك أطفاله. وقد يعم المنع الرجال والنساء، وتكون امرأة مرضع قد خرجت فجنَّ عليها الليل في بيت بعض معارفها، فيمنعها الحكم من الرجوع إلى بيتها، فيموت طفلها جوعًا.
وتعلن الحكومات في أوقات الخوف: أن من رآه الشرطة في الطرق ليلًا ينذرونه، فإن ارتابوا به ضربوه بالرصاص، فقد يصادف أن يكون رجل ضعيف مسالم، لكنه أصمُّ، ولم يعلم بالإعلان، فخرج يلتمس قوتًا لنفسه أو لأطفاله، فصاح عليه الشرطة، فلم يسمع لصممه. وأمثال هذا كثير.
بل في القوانين الفطرية ما هو بهذا المعنى، فالمطر ضروري لحياة العالم، وقد يهدم بيت العجوز، ويفسد بضاعة التاجر، ويقتل طفل المسافر، وأشباه ذلك.
لكننا قد قدَّمنا أن القوانين الشرعية يَجْبُر واضعها سبحانه وتعالى ما قد ينشأ عنها من خلل، فيقضي ويقدر ما يتم به العدل، وهو سبحانه المحيط بكل شيء علمًا وقدرةً، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس 82 - 83].