المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ فصلفي الاحتكار وإيضاح علاقته بهذا الحكم - آثار عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني - جـ ١٨

[عبد الرحمن المعلمي اليماني]

فهرس الكتاب

- ‌ المسألة الثالثةهل تجب الزيادة على الفاتحة

- ‌المسألة الرابعةقراءة المأموم الفاتحة

- ‌لم تقم حجة على إدراك الركعة بإدراك الركوع

- ‌ المسألة الخامسةهل يزيد المأموم في الأُولَيين من الظهر والعصر على الفاتحة

- ‌ المسألة السادسةإذا كان المأموم أصمَّ أو بعيدًا عن الإمام لا يسمع قراءته؛ فهل يقرأ غير الفاتحة والإمام يجهر

- ‌ظواهر الأحاديث المتقدمة المنع

- ‌الفصل الأولفي حديث أبي أيوب

- ‌الفصل الثانيفي حكم الحديث

- ‌الفصل الثالثفي المتابعات

- ‌الفصل الرابعحديث ثوبان

- ‌الفصل الخامسحديث أبي هريرة

- ‌ الفصل السادسفي حديث جابر

- ‌الفصل السابعفي بقية الأحاديث

- ‌ الفصل الثامنفي الآثار

- ‌الفصل التاسعفي مذاهب الفقهاء

- ‌الفصل العاشرفي معنى الحديث

- ‌مفاسد الربا

- ‌أسباب التملك

- ‌ الدين الممطول به والمال المغصوب

- ‌الربا مع الحربي

- ‌ المضاربة

- ‌وجوه الربا

- ‌ العِينة

- ‌ المفاسد التي تترتب على بيع الوفاء

- ‌الباب الأولفي تبايعها مع النسيئة

- ‌الفصل الأول: فيما اتحد فيه جنس العوضين

- ‌ الفصل الثاني: في بيع واحد من الستة بآخر منها نسيئةً

- ‌الباب الثانيفي تبايعها نقدًا

- ‌ فصلفي الاحتكار وإيضاح علاقته بهذا الحكم

- ‌القسم الثانيفي البحث مع صاحب الاستفتاء

- ‌الربا في اللغة

- ‌ الزيادة المشروطة في القرض ربا منصوصفي الكتاب والسنة

- ‌ شبهة ودفعها

- ‌ تفسير العِيْنة

- ‌ معارضة وجوابها

- ‌أدلة تقتضي التحريم وليس فيها لفظ الربا

- ‌ بعض الآثار عن الصحابة والتابعين

- ‌القياس

- ‌ أحوال هذا العصر

- ‌الأحوال التي نعرفها

- ‌الترخيص في الربا هو الداء العضال

- ‌ العلاج

- ‌ يكفي في الضمان لفظٌ يُشعِر بالالتزام

- ‌[قضية أخرى في الضمان]

- ‌تعدد الزوجات والفطرة:

- ‌تعدد الزوجات والمصالح:

- ‌مفاسد تعدد الزوجات:

- ‌ فتوى جماعة من متأخري الشافعية بجواز إنكاح غير الأب والجد الصغيرةَ

- ‌الجوابإن لهذين الصبيين خمس حالات:

الفصل: ‌ فصلفي الاحتكار وإيضاح علاقته بهذا الحكم

[ص 43]

‌ فصل

في الاحتكار وإيضاح علاقته بهذا الحكم

قال الله عز وجل: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الحشر: 7].

وحبس الذهب والفضة، واحتكار الأقوات، وتبايع كل من الستة بجنسه، كالذهب بالذهب، والبر بالبر، يؤدي إلى أن يكون دُولةً بين الأغنياء والمحتكرين، فضيَّق الله تعالى عليهم؛ لئلّا يكون دُولةً بينهم، وستعلم وجه التضييق إن شاء الله.

الذهب والفضة

وقد تقدم في الكلام على زكاة الذهب والفضة بيان بعض المفاسد التي تترتب على حبسهما وكنزهما، أو نقول: احتكارهما، وقد قال الله عز وجل:[{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34]]

(1)

.

وقد تواتر عن أبي ذر الغفاري أحد أجلَّة الصحابة رضي الله عنهم أنه كان يرى أن هذه الآية على ظاهرها، وأن حكمها باقٍ إلى يوم القيامة

(2)

، وخالفه جمهور هذه الأمة.

فأما على قوله: فحَظْرُ الشريعة لحبسهما وتشديدها فيه واضح.

(1)

بيض المؤلف للآية، ولم يكتبها.

(2)

انظر "صحيح البخاري"(1406، 1407، 4660) وصحيح مسلم (992). وراجع "فتح الباري"(3/ 273).

ص: 379

وأما على قول الجمهور، فإن كراهية الشريعة لحبسهما يظهر من أحكام أخرى.

منها: فرض الزكاة عليهما، ولو كانا حُلِيًّا، على خلافٍ في الحُلِيّ، والراجح الوجوب.

ومنها: تحريم الذهب على الرجال البتةَ، وتحريم الفضة عليهم إلا نحو الخاتم.

ومنها: تحريم الأكل والشرب في أوانيهما، وألحق به العلماء بحقٍّ سائرَ الاستعمالات، وكذا اتخاذ الأواني منهما وإن لم تستعمل.

ومنها: ما نحن بصدده؛ من تحريم بيع الفضة بالفضة والذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل.

ولتوضيح فائدة هذا فنقول: الحكومات في عصرنا تكتنز الذهب، وتحتاج إلى ضرب الدراهم، فتضطر إلى شراء سبائك الفضة، فلو كانت مسلمة لمنعها الإسلام من شراء الفضة بدراهم إلا سواء بسواء في الوزن، ولمَا رضيت بذلك؛ لأن فيه خسارةً عليها، فتضطر إلى شراء سبائك الفضة بالدنانير، فيحصل المقصود.

والأغنياء كثيرًا ما يكنزون الدنانير، ثم يحتاجون إلى حلي فضة، فتارةً يريدون شراء سبائك فضة، ليعطوها الصاغةَ فيصوغوها، ولا تطيب أنفسهم أن يشتروا السبائك بوزنها دراهم، فيضطرون إلى شرائها بدنانير، فيحصل المقصود.

وتارةً يريدون شراء المصوغ المصنوع من الفضة، والغالب أنه لا يتأتى

ص: 380

شراؤه بوزنه دراهم، إما لأن قيمة ذلك المصوغ أقل من قيمة وزنه دراهم، وإما عكسه.

فعلى الأول لا يرضى المشتري، وعلى الثاني لا يرضى البائع، فيضطرون إلى الشراء بالدنانير، فيحصل المقصود.

وقِسْ على هذا سبائك الذهب وحُلِيَّه في اضطرار المشتري إلى إخراج الدراهم.

وبهذا الحكم أيضًا يقل رغبةُ الصاغة في الصياغة، ولا سيما في الفضة التي هي أكثر وجودًا وأرخص، والصاغة أشدُّ بها تلاعبًا، فالصائغ يقول: أي فائدة لي أن أشتري سبائك الفضة بوزنها دراهم، ثم أصوغها وأتعب فيها، ثم أبيعها بوزنها دراهم، والذهب عزيز الوجود، لا أدري أأظفرُ براغبٍ في الشراء يكون عنده دنانير، أم لا؟

وأي فائدة لي في أن أكسر الدراهم، ثم أصوغها حُلِيًّا، ثم أبيعه بوزنه دراهم.

وبهذا يقل استعمال الحلي؛ لأن كثرة استعماله أغلب ما تجيء من عرض الصاغة الحُلِيَّ والأواني ونحوها، فيراها المُثْرون ونساؤهم فيرغبون فيها.

وقلما تجد الرجل يشتري السبائك، ويسلمها إلى الصائغ يصوغها له ويعطيه أجرته، أو يعطي الصائغ دراهم أو دنانير ليكسرها ويصوغها، ويأخذ أجرته. مع أن هذا الحكم يُضيِّق عليهم في هذا أيضًا، وقد جاء النهي عن كسر الدراهم والدنانير

(1)

.

(1)

أخرجه أحمد (15457) وأبو داود (3449) وابن ماجه (2263) من حديث علقمة بن عبد الله عن أبيه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُكْسَر سكَّةُ المسلمين الجائزةُ بينهم إلّا من بأس". وإسناده ضعيف لضعف محمد بن فضاء أحد رجال الإسناد، وأبوه مجهول.

ص: 381

وبما قررناه يظهر لك خطأ من جوَّز شراء حلي الفضة بدراهم أو سبيكةٍ أكثر من وزنه، قائلًا: إن الزيادة في مقابل الصنعة. ولم يتنبه لما في المنع من ذلك كما هو ظاهر الشريعة من الحكمة البالغة. والله أعلم.

وأما علاقة الاحتكار بالنسيئة: فإنه لو أُبيح في النسيئة ما لم يُبَحْ نقدًا، لتعمَّد الناس إنساءَ أحدِ العوضين مدةً قليلةً، وما يصح نقدًا مع زيادة وصفية في أحد العوضين، كحلية ذهب بسبيكة ذهب كوزنها، يحتال له بتأجيل الحلية مدةً طويلةً، ليكون الأجل مقابلَ الصنعة، فهذا مع تحقق الربا فيه تحقق فيه الاحتكار أيضًا.

[ص 44] بقية الأصناف

احتكار الأقوات معروف، وقد وردت أحاديث في تحريمه، منها ما رواه مسلم في صحيحه وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا يحتكِرُ إلّا خاطئ"(ج 5 ص 56)

(1)

.

وهذه الأربعة الأصناف يكثر احتكارها، ويكون فيها الجيد والرديء. فقد يكون رجلان محتكرانِ للحنطة مثلًا، وحنطة أحدهما جيدة، وحنطة الآخر رديئة، فيحتاج صاحب الجيدة إلى رديئة لقوت أهله وخَدمه، أو يحتاج صاحب الرديئة إلى جيدة لنفسه، فلو مكّنا من أن يبيعا بالتفاضل لتبايعا الصاع بالصاع مثلًا، وكلاهما مطمئن أن هذا التبايُعَ لا يفضّ

(1)

رقم (1605).

ص: 382

الاحتكار، لأنهما جميعًا محتكرانِ، فإذا قيل لهما: لا يحلُّ بيع البر بالبر إلّا مثلًا بمثل، قال صاحب الجيد: وكيف أشتري صاعًا قيمتُه درهمٌ بصاعٍ قيمته درهمانِ؟ فيقال له: أخرِجْ بُرَّك إلى السوق، فبِعْه بدراهم، ثم اشترِ بها كما تُريد. ويقول صاحب الرديئة: إن صاحبي لا يرضى أن يبيعني صاعًا قيمته درهمانِ بصاعٍ قيمتُه درهم. فيقال له: فأخرِجْ بُرَّك إلى السوق فبِعْه، ثم اشترِ كما تريد. فإذا خرج البر إلى السوق انفصم قيدُ الاحتكار.

قلت: إنما يقوى مظنة الاحتكار للذهب إذا بيع بذهب أو فضة، وإنما يقوى مظنته للقوت إذا بيع بقوت، أو ما هو كالقوت.

فأما إذا بِيع القوتُ بالذهب أو الفضة، فإن مظنة الاحتكار تضعُفُ جدًّا.

والغالب فيمن يشتري القوت بذهب أو فضة إلى أجل أن يكون ليس بيده ذهب ولا فضة، بدليل رضاه بزيادة الثمن.

والغالب على من استسلم ذهبًا أو فضة في قوتٍ إلى أجل أن لا يكون عنده قوت في الحال.

قلت: إذا فرضنا أن البلدة تقتات البر، فشراؤه بالشعير نقدًا بنقد ينقض الاحتكار حتمًا. وأما إذا كان البر مؤجلًا فلم ينتقض الاحتكار.

وإذا فرضنا أنها تقتات الشعير، فشراؤه بالبر نقدًا بنقد ينقض الاحتكار، وأما إذا كان البر مؤجلًا فلا.

فإن قيل: فعلى هذا ينبغي إذا كانت البلدة تقتات البر أن يحلَّ بُرٌّ معجَّلًا بشعيرٍ مؤجَّلًا، وإذا كانت تقتات الشعير أن يحِلَّ شعيرٌ معجلًا ببرٍّ مؤجلًا.

ص: 383

قلت: إنما أُحِلَّ ذلك ــ والله أعلم ــ لأنه قلَّما يكون التاجر محتكرًا للبرّ والشعير معًا، بل إما أن يحتكر البرّ، وإما أن يحتكر الشعير.

وعلى هذا فإذا تبايعا نقدًا، فقد انفضَّ احتكارُهما معًا؛ لأن محتكر البر يحتكره على الناس جميعًا حتى على محتكر الشعير، ومحتكر الشعير يحتكره على الناس جميعًا حتى على محتكر البر.

فإن قيل: ولماذا ضيق في النسيئة؟

قلت: لأن البيع بالنسيئة لا ينقض احتكارهما معًا، وإنما ينقض احتكار صاحب العوض المعجل، ويبقى احتكار الآخر على حاله.

* * * *

ص: 384

[ص 45] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

فصل

اعلم أن الرجل قد يكون محتكرًا لواحدٍ من الستة فقط، وقد يكون محتكرًا للذهب والفضة معًا، وقد يكون محتكرًا للأربعة الباقية، أو ثلاثة منها، أو اثنين، ويبعد أن يجمع بين احتكار الذهب أو الفضة أو كليهما، وبين احتكار الأربعة الأخرى أو بعضِها.

فإذا كان أحد العوضين ذهبًا أو فضة، والأخر واحدًا من الأربعة، فليس في هذا ما يدل على الاحتكار أصلًا، فإن اتفق الاحتكار فقد انتقض بهذا العقد، والمقصود من التضييق هو نقض الاحتكار، وقد انتقض.

وأما بيع الذهب بالفضة، وواحدٍ من الأربعة الباقية بآخرَ منها، فإن كان يدًا بيدٍ فالظاهر عدم الاحتكار؛ لأننا إذا فرضنا أن أحدهما محتكر للذهب، والآخر محتكر للفضة، فقد انتقض احتكارهما.

وإن فرضنا أن كلًّا منهما محتكر للذهب والفضة معًا، فمحتكر الذهب والفضة معًا يبعد أن يبيع ذهبًا بفضة أو فضةً بذهب، إلا إذا حصل له ربح وافر، هذا شأن المحتكر، والربح الوافر لا يحصل عادةً في التبايع يدًا بيد. وقِسْ عليه أحد الأربعة الباقية بآخرَ منها يدًا بيد.

وإن كان نسيئةً فاحتمال الاحتكار أقوى؛ لأن النسيئة يَصحبُها عادةً الربحُ الوافر، فمحتكر الذهب والفضة يرضى أن يدفع دينارًا صَرْفُه في السوق خمسة عشر درهمًا بعشرين درهمًا إلى أجل، أو يدفع عشرة دراهم بدينارٍ إلى أجل، وقد يرضى أن يأخذ دينارًا نقدًا ليدفع عشرين درهمًا بعد مدةٍ، أو

ص: 385

يأخذ عشرة دراهم ليدفع دينارًا بعد مدة؛ لأنه يعدُّ الأجلَ ربحًا؛ لرجائه أنه إذا أخذ الدينار ليدفع عشرين درهمًا بعد ستة أشهر، يجد من يأخذ منه الدينار بعشرين درهمًا إلى أربعة أشهر، وإذا أخذ عشرة دراهم بدينار إلى ستة أشهر يجد من يأخذها منه بدينار إلى أربعة أشهر. وقِسْ على ذلك أحد الأربعة بآخر منها.

فإن اتفق أن يكون متبايعا الذهب بالفضة وأحدُهما مؤجل، غير محتكرينِ للذهب والفضة، ولا قصد أحدهما ربحًا من جهة الزيادة، ولا من جهة الأجل، فهذه جزئيات خاصة، لا تمنع عموم الحكم كما قررناه في أول الرسالة، ومثَّلناه بحدِّ الزنا.

[ص 46] وأما بيع أحد الستة بجنسه فاحتمال الاحتكار أقوى، فالمتبايعان ذهبًا بذهبٍ قد ظهر حرصُ كلٍّ منهما على جنس الذهب، إذ لم يدفع ذهبه إلا بذهبٍ مثله.

لكنه إذا كان يدًا بيد، فإن كانا متماثلين من كل وجه، كدينار بدينار مثله، فهذا ليس من مقاصد العقلاء، وإنما أباحه الشارع؛ لأنه لا ضرر فيه، ولو منعه لم يلزم من ذلك تضييق عليهما، ولا على أحدهما.

فإن قيل: قد يتفق القصد والتضييق، كأن يقول رجل: امرأتي طالق إن لم أُخرِج هذا الدينار من ملكي اليوم، فله غرض في إخراجه من ملكه، ، فإذا أُبيح له أن يبدله بدينار آخر حصل غرضُه، ولو مُنِع منه لاضطر أن يصرفه، أو يشتري به عرضًا، أو يهبه مثلًا، فإذا كان محتكرًا كان في المنع تضييقٌ عليه.

قلت: هذه الصورة ومثلُها من النادر الذي لا ينتقض به الحكم العام، كما قررناه في أول الرسالة.

ص: 386

وإن لم يكونا متماثلين من كل وجه، فإما أن يستويا قدرًا: وزنًا في الذهب والفضة، وكيلًا في الباقي، وإما أن يختلفا.

فإذا استويا قدرًا، فالغالب أن يكون أحدهما أفضل وصفًا: جودةً أو صنعةً، فَرِضا صاحبِ الأفضل بالخسران يدل أنه ليس بمحتكر، إذ من شأن المحتكر الحرصُ على الربحِ وتجنُّبِ الخسارة.

فإن كان في كلٍّ منهما فضلٌ ليس في الآخر، كدينار بخاتم ذهب، في الدينار فضيلة الضرب، وفي الخاتم فضيلة الصنعة، فإن لم تتعادل الفضيلتان، كأن كان قيمة الخاتم لو بيع بدراهم عشرين درهمًا، وصَرْفُ الدينار سبعة عشر درهمًا، أو عكس ذلك، فكالذي قبله.

أما تعادلُهما فنادر، ولا يكاد ينضبط، فلهذا ــ والله أعلم ــ أُلحِق بما قبله.

وأما إذا كان أحد العوضين مؤجلًا، فإن كان ذلك العقد لو وقع يدًا بيد لما صح، فبالأولى أن لا يصح إذا كان نسيئةً، ولو أجيز بعض ذلك نسيئةً لاحتال كلُّ متعاقدينِ يريدانِ أن يتعاقدا بما لا يحل نقدًا، فأخَّرا أحدَ العوضين يومًا أو يومين، حيلةً لتصحيحِ العقد.

وإن كان ذلك العقد لو وقع يدًا بيدٍ لجاز، فقد قدَّمنا أن الجواز هناك إنما هو لرضا أحدهما بالخسارة، وذلك دليل أنه ليس بمحتكر، فإذا كان نَساءً فيمكن أن يكون محتكرًا، ولكنه جبر النقصان بالأجل، كخاتم ذهبٍ وزنُه دينار، وقيمته في السوق عشرون درهمًا، بِيعَ بدينارٍ مثلِه في الوزن، ولكن صَرْف الدينار في السوق خمسة عشر درهمًا، وأجَّلا الدينار إلى شهرين مثلًا، فكأن صاحب الدينار جبر الخسارةَ بالأجل.

ص: 387

وقلَّما يتفق أن يكون الأفضل هو المؤجل، فإن اتفق فنادر، يتبع الغالب.

وبالجملة، فالمقصود من هذا الحكم إنما هو التضييق على حابس الذهب والفضة، ومحتكري الأقوات، فضُيِّق عليهم أن لا يتبايعوا الشيء بجنسه إلا مثلًا بمثل، يدًا بيد، ولا الشيء منها بما يقاربه إلا يدًا بيد.

فالتبايع بالنسيئة يقل احتياج الناس إليه، بدليل أن وقوعه أقل من وقوع التبايع يدًا بيد، فاقتضى التضييقُ منعَه البتَّةَ؛ لأن الحاجة إليه قليلة.

وأما التبايع يدًا بيد، فاكتفى باشتراط المثلية في القدر إذا اتحد الجنس، وفي ذلك تضييقٌ لا يبلغ أن يضيّق على من اشتدت حاجته، ولم يشترط المثلية فيما اختلف جنسه؛ لشدة الضيق في ذلك أشدّ مما تقتضيه الحكمة. والله أعلم.

[ص 48] واعلم أن تشبيه المعاملة المشروعة بالمعاملة الممنوعة كما يدخل في النسيئة تدخل في النقد أيضًا، فمن باع درهمين بدرهم مثل أحدهما، أو دينارين بدينار كذلك، أو صاعَيْ برٍّ بصاعِ برٍّ كذلك، لم يحلَّ، إذ كان المشروع أن يهب صاحب الزائد للآخر درهمًا أو دينارًا أو صاعًا، وتصح الهبة.

فأما إذا [كان]

(1)

الدرهم أجود من أحدهما، فأراد صاحب الزائد أن يهبَ للآخر درهمًا، ويبيعه الآخر بدرهمين، فلا يحل؛ لأن الهبة ههنا حيلةٌ لاستحلال البيع المحرم، وقِسْ على ذلك. والله أعلم.

(1)

ليست في الأصل.

ص: 388

فصل

واعلم أن الربا والاحتكار أخوان، يتعاونان على الظلم والعدوان، فكلاهما يريد أن يربح ربحًا وافرًا بدون كثرة تعب في تقليب التجارة، وجلب البضائع من البلدان البعيدة، وغير ذلك مما ينفع الناس.

فالمُرْبِي يريد أن يعطي ماله للمحتاجين دَينًا، ثم يستريح هو، ويترك الكدَّ والتعبَ والعناءَ عليهم، ويأخذ هو ثمرةَ كدِّهم وتعبِهم، فإن لم يُثمِر كدُّهم وتعبُهم أخذ صُلْبَ أموالهم، فإن لم يكن لهم شيء ضايقهم حتى يتمنوا الموت.

والمحتكر يريد أن يستولي على النقد والقوت، ثم يستريح وينام، ويدع الناس في الضرّ والشدّة، حتى يُربِحوه الربحَ الذي يريد.

والمُربِي يَعمِدُ إلى حبس الذهب والفضة، ولا يَصرِفُهما إلا في الربا، ويحتكر القوت مثلًا، ويتربص به حتى يُبذَل له فيه القدر الذي يريده من الربا.

وحابس الذهب والفضة يخاف أن يتَّجر تجارةً شرعية، فيتعب ويتعنَّى، وربما خسر، ويخاف أن يُضارب مضاربةً شرعية، فربما خسر، ويكره أن يُبقِيهما في يده أبدًا؛ لئلا يُفنِيهما بالإنفاق في حاجته، وفي الزكاة إن كان مسلمًا، فيعمِدُ إلى الربا؛ لأنه ربح وافرٌ مضمونٌ بدون تعبٍ ولا عناء.

ومحتكر البرِّ مثلًا ربما لم يرتفع السعر إلى القدر الذي كان يتوقعه، وسوَّسَ البرُّ الذي بيده، فيكره أن يُبقِيه فيتلَف، أو يبيعه بسعر وقته فيخيب أملُه، أو يبيعه بدراهم نسيئةً، فيحتاج إلى تعبٍ بأن يطالب أولا بالدراهم، ثم

ص: 389

يأخذها ويشتري البر حينئذٍ، ويحتكره مره أخرى، ولعل المشتري يَمْطُله بالدراهم وقتَ رخصِ البر، فأوثقُ الطرق عنده هو أن يعطيه بالربا، فيُقرِضه إلى وقت الحصاد بشرطِ زيادة، ليأخذه حينئذٍ، فيحتكره مرةً أخرى، وإن مَطَلَه المشتري وقتَ الحصاد فرح بذلك، لأن [في ذلك] مصلحةً [له].

فلا يُنكَر أن تُطلِق الشريعةُ على ما حُرِّم من البيوع لأجل الاحتكار أنه ربًا، وهكذا إطلاقُها الربا فيما حُرِّم لتشبيه المعاملة بالربا. والله أعلم.

* * * *

ص: 390

[ص 49] خاتمة

حيث قلنا: إن العلة هي الاحتكار، فمرادنا أنه هو المعنى الذي شُرِعَ هذا الحكم للتضييق على أهله.

وأما العلة الفقهية: فهي ضابطة، وهي كون العوضين مما يضرُّ احتكاره بالناس ضررًا شديدًا متقاربينِ في المنفعة المقصودة مع النسيئة، أو متفقين في الجنس مع الفضل في القدر.

فأنت ترى أن هذه العلة تعمُّ كل ما حُرِّم في مبايعات هذه الستة.

وأما الربا فهو خاص بالنسيئة، كما نصَّ عليه الشارع، ودخوله فيما إذا بيع أحدهما بجنسه نسيئةً مع فضلٍ في المؤجَّل بالقدر أو الوصف واضح. وأما فيما عدا ذلك ففيه نظر، إلا أنه قوي في الذهب والفضة كما تقدم.

وأما تشبيه المعاملة المشروعة بالمعاملة الممنوعة فهو خاص بما حُرِّم من المبايعات في هذه الستة، وهو في المعنى معاملة أخرى جائزة. وهذه لا يُحتاج إليها مع الاحتكار إلا من جهة تقليل الصور النادرة التي تتخلف فيها الحكمة المقصودة، ومن جهة الفرق بين القرض والهبة وبين البيع في بعض الصور.

وبمقتضى ما وصفناه ــ من أن العلة منعُ كلٍّ من الستة بجنسه متفاضلًا نقدًا، ومنع الذهب بالفضة نسيئةً، وأحد الأربعة الباقية بآخر منها نسيئة هي الاحتكار ــ قال مالك رحمه الله. فلم يَعْدُ الحكمُ في منعِ التفاضل نقدًا، ومنعِ النسيئة مع اختلاف الجنس، إلا إلى الأقوات ومُصلِحاتها.

ص: 391

كأنه رأى أن الاحتكار إنما يشتدُّ ضررُه فيها على ما هو معروف في مذهبه في تحريم الاحتكار، ولما كان مذهبه ظاهرَ المناسبة، ولا يصادم نصّا ظاهرًا، رأيتُ الاقتصار عليه.

وبمقتضى ما ذكرناه من أن العلة في بيع كل من الستة بجنسه نسيئةً هي الربا، قال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله، فعدَّيا الحكمَ إلى جميع الأشياء، فمنعا بيعَ الثوب بجنسه، وغير ذلك، إلا أن مالكًا رحمه الله تعالى يقول: إذا اختلفت المنفعة المقصودة جاز وإن اتحد الجنس، كالبعير النجيب بالبعير من حاشية الإبل. وحجته أن اختلاف المنفعة المقصودة يصيِّر الجنسَ جنسين.

وقيَّد ذلك بعض أصحابه بما إذا كان الأفضل هو المعجّل، وخالفه غيره.

وأرى أن مذهب أبي حنيفة رحمه الله أضبط وأولى. ومن قال بقول مالك فينبغي له أن يُقيِّد بالقيد المذكور؛ لظهور الربا في بيع البعير من حاشية الإبل مُسلَمًا في الحال ببعيرٍ نجيبٍ إلى أجل.

والمسألة تستدعي بسطًا لا أرى هذا محلَّه. والله أعلم.

ولما كان مذهب أبي حنيفة في هذا ثم مذهب مالك هو الراجح رأيتُ الاقتصار عليه، وليكن هذا آخرَ القسم الأول.

ص: 392