الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول
في حديث أبي أيوب
قال الإمام مسلم بن الحجاج في "صحيحه"
(1)
: حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد وعلي بن حُجر جميعًا عن إسماعيل، قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل بن جعفر أخبرني سعد بن سعيد بن قيس عن عمر بن ثابت بن الحارث الخزرجي عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه حدَّثه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من صام رمضان ثم أَتبعَه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر".
وحدثنا ابن نمير حدثنا أبي حدثنا سعد بن سعيد أخو يحيى بن سعيد أخبرنا عمر بن ثابت أخبرنا أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول بمثله.
وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن المبارك عن سعد بن سعيد قال: سمعت عمر بن ثابت قال: سمعتُ أبا أيوب رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمثله
(2)
.
أقول: أما عمر بن ثابت فتابعي، ولد في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ثقة باتفاقهم. والحديث متواتر إلى سعد، قال السبكي: "وقد اعتنى شيخنا أبو محمد الدمياطي بجمع طُرقه، فأسنده عن بضعة وعشرين رجلًا رووه عن
(1)
رقم (1164).
(2)
"صحيح مسلم" طبعُ العامرة بإسلامبول تحت نظر نظارة المعارف (ج 3 ص 169). [المؤلف].
سعد بن سعيد، وأكثرهم حفَّاظ ثقات، منهم السفيانان"
(1)
.
[ص 2] وأما سعد بن سعيد فتابعي، احتج به أئمة عصره الذين عرفوه وصحبوه، منهم الإمام الجليل عبد الله بن المبارك، روى عنه هذا الحديث كما تقدم، وذهب إليه وأفتى به كما يأتي عن الترمذي. ومنهم الإمام الكبير أبو الجرح والتعديل المعروف بالتشدد في نقد الرجال إلى حدّ التعنت شعبة بن الحجاج، روى عنه مع ما عُرِف عنه أنه لا يروي إلّا عن ثقة، أي فإذا روى عن ضعيف بيَّن حاله. وبهذا يندفع تشكيك السخاوي
(2)
.
وقد سمع من سعد جماعةٌ من الأئمة، وأخذوا عنه هذا الحديث وغيره وحدَّثوا بذلك، ولم يطعن فيه أحدٌ منهم. وأما الذين لم يدركوه فقد وثَّقه منهم جماعة
(3)
: منهم الإمام أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي، ذكره عباس الدوري فقال: كنا نعدُّه مثل أحمد ويحيى بن معين
(4)
. ومنهم محمد بن عبد الله بن عمار الذي كان الإمام علي بن المديني يقدِّمه، وقال بعض الحفاظ: هو مثل علي ابن المديني
(5)
. ومنهم محمد بن سعد صاحب "الطبقات"، وهو من الأئمة الثقات. وينبغي أن يُعدَّ منهم من صحَّح حديثه كمسلم والترمذي.
(1)
"سبل السلام"(ج 1 ص 236). [المؤلف]. وهو في طبعة دار الفكر (2/ 167).
(2)
في "فتح المغيث"(ص 134)[المؤلف]. انظر طبعة الجامعة السلفية (2/ 42).
(3)
راجع "تهذيب التهذيب"(3/ 470، 471).
(4)
"تذكرة الحفاظ"(ج 2 ص 127). [المؤلف]. انظر الطبعة التي بتحقيق المؤلف (2/ 561).
(5)
راجع "تهذيب التهذيب"(ج 9 ص 265). [المؤلف]. والنص في (9/ 266).
وليَّنه منهم جماعة. قال أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في كتاب "الجرح والتعديل"
(1)
: "نا صالح بن أحمد قال قال أبي: سعد بن سعيد أخو يحيى بن سعيد ضعيف
(2)
. ذكره أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: سعد بن سعيد صالح
(3)
. سمعتُ أبي يقول: سعد بن سعيد الأنصاري مؤدّي. قال أبو محمد: يعني أنه كان لا يحفظ، يؤدّي ما سمع"
(4)
.
وذكر في "التهذيب"
(5)
قول أحمد "ضعيف" ثم قال: "وكذا قال ابن معين في رواية، وقال في رواية أخرى: صالح. وقال النسائي: ليس بالقوي
…
وقال ابن أبي حاتم: سمعتُ أبي يقول: سعد بن سعيد الأنصاري يؤدي، يعني أنه كان لا يحفظ ويؤدي ما سمع. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة تقرب من الاستقامة، ولا أرى بحديثه بأسًا بمقدار ما يرويه. وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: كان يخطئ".
زاد ابن حجر: "وزاد ــ يعني ابن حبان ــ لم يفحش خطاؤه، فلذلك
(1)
(4/ 84).
(2)
في النسخة هنا زيادة "نا عبد الرحمن قال". وهي من زيادة الراوي عن المؤلف. عبد الرحمن هو المؤلف. [المعلمي].
(3)
وضع المؤلف هنا وفي موضع الحاشية السابقة نفس الرقم للإشارة إلى أن التعليق في الموضعين واحد.
(4)
نسخة في دائرة المعارف مأخوذة بالتصوير الشمسي عن نسخة بإسلامبول. [المؤلف].
(5)
(3/ 470). وانظر "الثقات"(4/ 298 و 6/ 379).
سلكناه مسلكَ العدول .... وقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": ذكر أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: سعد بن سعيد الأنصاري مؤدي. قال أبو الحسن ابن القطان الفاسي: اختُلِف في ضبط هذه اللفظة، فمنهم من يُخفِّفها أي هالك، ومنهم من يشدِّدها أي حسن الأداء. وقال الترمذي: تكلموا فيه من قبل حفظه"
(1)
.
أقول: أما قول أحمد "ضعيف" فيحتمل أنه أراد الضعف النسبي، أي بالنسبة إلى أخيه يحيى، فإن يحيى أوثق وأثبت. وقد قال السخاوي:"ومما يُنبَّه عليه أنه ينبغي أن تُتأمَّل أقوال المزكّين ومخارجها، فقد يقولون: فلان ثقة أو ضعيف، ولا يريدون أنه ممن يُحتجُّ بحديثه ولا ممن يُردُّ، وإنما ذلك بالنسبة لمن قُرِن معه". ثم ذكر شاهدًا لذلك
(2)
.
وعلى هذا يُحمل قول ابن معين مرةً "ضعيف" بدليل قوله مرةً "صالح"، والحمل هنا أظهر، فقد قال السخاوي بعد ما تقدم
(3)
: "وعلى هذا يُحمَل أكثرُ ما ورد من اختلاف كلام أئمة الجرح والتعديل ممن وثَّق رجلًا في وقتٍ وجرحه في آخر".
وأما قول أبي حاتم "مؤدي" فقد فسَّرها ابنُه كما سمعتَ بما يفيد التوثيق مع تليينٍ يسير لا يضرُّ. وتفسيرُ ابنه لها بذلك صريح في أنه سمعها من أبيه بهمزة مفتوحة ودالٍ مشدَّدة. وبذلك يُرَدُّ على ما قاله الذهبي في "الميزان"،
(1)
"تهذيب التهذيب"(ج 3 ص 470 - 471). [المؤلف].
(2)
"فتح المغيث"(ص 163). [المؤلف]. انظر طبعة الجامعة السلفية (2/ 127، 128).
(3)
المصدر السابق.
قال: "قال أبو حاتم: سعد بن سعيد مود، قال شيخنا ابن دقيق العيد: اختُلِف في ضبط مود، فمنهم من خفَّفها أي هالك، ومنهم من شدَّدها أي حسن الأداء"
(1)
.
[ص 3] وقد علمتَ أن أبا حاتم إنما قالها مشدَّدة، بدليل تفسير ابنه الذي سمعها منه وحكاها عنه. فأما ما زاده ابن حجر على أصل "التهذيب" بقوله:"وقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": ذكر أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: سعد بن سعيد الأنصاري مؤدي"= فليس هذا في "الجرح والتعديل"، ولا نقله عنه أحدٌ ممن تقدم ابنَ حجر، مع نقْلهم عنه غير هذه العبارة كما تقدم. فقد راجعوا هذه الترجمة فيه، فكيف يُهملون
(2)
عبارة مهمة كهذه لو كانت فيه؟ وإنما نقلوا هم "مؤدي" أو "يؤدي" على أنها من قول أبي حاتم، كما تقدم عن "الميزان" وأصل "التهذيب". فكأنه كان في نسخة ابن حجر من "الجرح والتعديل" سقطٌ، كأنه كان فيها:"ذكره أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: سعد بن سعيد (سقط) الأنصاري مؤدي". فسقط بعد "سعيد" العبارة الآتية: "صالح. سمعتُ أبي يقول: سعد بن سعيد". والعبارة مظِنَّة السقط بانتقال النظر من "سعد بن سعيد" إلى مثلها. ويؤيد ذلك أن كلمة "صالح" هي من رواية أبي حاتم عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين، فلو كان عند إسحاق عن ابن معين كلمة أخرى مخالفة لها لكان الظاهر أن يقرنهما فيقول: قال يحيى مرةً "صالح" ومرةً "مؤدي"، أو على الأقل يقرنهما أبو حاتم.
فإن قلت: لو كان في نسخة ابن حجر العسقلاني سقطٌ كما ذكرتَ
(1)
"الميزان" طبع مصر (ج 1 ص 372). [المؤلف]. انظر طبعة البجاوي (2/ 120).
(2)
في الأصل "يعملون" سهوًا.
لاعترض على العبارة التي في أصل "التهذيب"، بأن يقول: لم أرها في كتاب ابن أبي حاتم.
قلت: اكتفى بالإشارة إلى ذلك لاحتمال السقط
(1)
، واحتمال أن تكون العبارة التي في أصل "التهذيب" منقولةً عن كتاب آخر غير "الجرح والتعديل". فتدبَّرْ.
على أننا لو فرضنا أن العبارة التي ذكرها ابن حجر هي ثابتة في "الجرح والتعديل" وسقطت من نسختنا، فإننا نقول: اختيار أبي حاتم تلك الكلمة الغريبة "مود" إنما يكون حينئذٍ اتباعًا لابن معين. وقد عرفت أن أبا حاتم قالها بالهمزة المفتوحة وتشديد الدال، فيظهر بذلك أنه سمعها من إسحاق بن منصور كذلك، وأن إسحاق سمعها من ابن معين كذلك. وهذا هو المتعيِّن على فرض صحتها عن ابن معين، فإنه قد قال مرةً "صالح"، وبين هذه الكلمة وبين "مُوْدي" ــ بسكون الواو أي هالكٌ بمرَّةٍ ــ بونٌ بعيد، ولم يُنقَل عن أحدٍ أنه قال في سعد مثلَ ذلك ولا قريبًا منه. فتدَّبْر، وقد مرَّت عبارة "الجرح والتعديل".
وأما الترمذي فإنما قال
(2)
: "وقد تكلَّم بعضُ أهل الحديث في سعد بن سعيد من قِبَلِ حفظه" كما يأتي. وبين العبارتين فرقٌ، مع أنه صحَّح الحديث وثبَّته، فدلَّ ذلك أنه لا يرى في كلام من تكلَّم ما يقدح في ثقة الرجل.
هذا، وفي "سبل السلام" عن ابن دِحْية: "وقال أبو حاتم: لا يجوز
(1)
الكلام الذي بعده في ركن صفحة أخرى.
(2)
عقب الحديث رقم (759).
الاشتغال بحديث سعد بن سعيد"
(1)
.
أقول: ابن دِحْية اسمه عمر بن الحسن، له ترجمة في "الميزان" و"لسانه"
(2)
. قال الذهبي: "متَّهم في نقله. وجرحَه الحافظ الضياء. وقال ابن واصل: كان ابن دحية مع فرط معرفته بالحديث وحفظه الكثير له متَّهمًا بالمجازفة في النقل". ثم ذكر قصةً تدلُّ على ذلك. والكلام فيه كثير
(3)
.
وأما قول النسائي "ليس بالقوي" فهذه الكلمة أرفع من كلمة "ضعيف" كما لا يخفى، وقد نصُّوا عليه
(4)
. وقد يقال: إن كلمة "ضعيف" ونحوها جرح غير مفسَّر، والمرجَّح عندهم أنه لا يُقبَل إذا عارضه توثيق كما هنا. والحقُّ أنه مفسَّر، ومعنى هذه الكلمة ونحوها عند الإطلاق ضعفُ الحفظ والضبط، وقد بيَّن ذلك هنا قولُ أبي حاتم بتفسير ابنه وقول الترمذي وقول ابن حبان وقول ابن عدي.
وهؤلاء المليِّنون لسعدٍ كلُّهم لم يصحبوه ولا أدركوه، وإنما وُلِدوا بعد وفاتِه بمدة، فغايةُ ما عندهم أنهم تتبعوا رواياته واعتبروها بروايات الثقات الأثبات، فظهر لهم أن في رواياته خطأ، وقد اختلف اجتهادهم كما رأيتَ. وخالفهم معاصروهم من الموثِّقين، وتأيَّد قولُ الموثِّقين بما قدَّمنا عن أئمة عصره الذين صحبوه وعرفوه وأخذوا عنه.
(1)
"سبل السلام"(ج 1 ص 136). [المؤلف]. وطبعة دار الفكر (2/ 167).
(2)
"الميزان"(3/ 186 - 189) و"لسان الميزان"(6/ 80 - 88) ط. أبي غدة.
(3)
راجع "لسان الميزان"(ج 4 ص 292 - 298). [المؤلف].
(4)
انظر "الجرح والتعديل"(2/ 37) و"الكفاية"(ص 23) و"علوم الحديث"(ص 113) و"الميزان"(1/ 4).