الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[قضية أخرى في الضمان]
حضر لدينا عبد الرحمن باسودان وادَّعى على الحاضر معه حسين عيسى العيسى بأنه ضمن له على السيد علي المداح
…
ريال، وقد تسلَّم منها
…
ريال وبقي
…
ريال، يطلب ضبطه بتسليمها.
أجاب المدعى عليه بأن هذه الدعوى قد أُقيمت لدى القاضي عبد الله العمودي وحكم فيها، وأبرز الحكمَ، ولفظه: بالمجلس الشرعي حضر السيد علي بن محمد الصعدي الحوثي الأصل، وحضر بحضوره الغرماء له: الشيخ أحمد عيسى هرملي، وحمد علي حسين، وعبد الرحمن باسودان، وسالم باعيسى. وصار الخطاب لهم في شأن كفالة حسين امعيسى على السيد علي لهم، إما بإطلاق السيد علي على كفالة السيد علي من حسين امعيسى، أو بقائه في الحبس وخروج حسين امعيسى عن الكفالة. فاختاروا بقاء السيد علي في الحبس. فأرجعنا السيد علي في الحبس، وبرئ حسين امعيسى من كفالته على السيد علي لرِضا الغرماء ببقائه في الحبس، فيتفرغ عن حسين امعيسى كلٌّ من حمدي علي حسين وغيره من الغرماء، لأن المكفول به قد سلمه الغرماء له من محل اللزوم
…
إلخ.
فوجدنا القاضي أولًا خيَّر الغرماء بين التزام الغريم أو التزام الضمين، ولا ريب أن هذا منه إفهام لهم بأنه لا يمكِّنهم الشرعُ من مطالبتهما معًا، ثم لما اختاروا بقاء الغريم في الحبس حكم للضمين بالبراءة من الضمان، وبنى ذلك على اختيارهم بقاءَ الغريم في الحبس. فظاهر ما ذكر أن القاضي توهَّم أنه ليس للمضمون له مطالبة الغريم والزعيم معًا، بل إذا اختار مطالبة الغريم برئ الضمين، لأنه كالنفي لضمانه، لظنِّه أن فائدة الضمان هي سقوط الطلب
عن الغريم.
وهذا باطل، بل لصاحب الحق مطالبة لهما اجتماعًا وانفرادًا وتوزيعًا، كما حرِّر ذلك في «مختصر أبي شجاع» فما فوقه.
ولذلك راجعنا القاضي، فأجاب علينا أنه وقع الإبراء من الغرماء والمدعي معهم، وأن هذه المسألة نظيرة العفو عن القصاص الممثَّل بها للقاعدة المشهورة: «ما لا يقبل التبعيض فاختيار بعضه كاختيار كلّه
…
» إلخ. ففهمنا من فحوى هذا أن الإبراء صدر من بعض الغرماء دون هذا المطلب، وإنما حكم عليه تبعًا لهم، وذلك واضح البطلان.
فراجعناه مرةً أخرى، وسألناه هل نطق هذا المطالب حينئذٍ بالإبراء، فإن نطق فبأيّ صيغ الإبراء؟ عملًا منا بما قاله في «شرح الروض»
(1)
بعد قول المتن: «وإن قال وهو في محل ولايته: حكمتُ بطلاق نساء القرية، قُبل بلا حجة» : لقدرته على الإنشاء حينئذٍ، بخلاف ما لو قاله على سبيل الإخبار، فلا يقبل قوله. كذا صرَّح به البغوي، وهو مقتضى كلام الأصل. وينبغي أن يكون محله ما لو أسنده إلى ما قبل ولايته، قاله الأذرعي. وما قالوه من قبولِ قوله ظاهر في القاضي المجتهد مطلقًا أو في مذهب إمامه، أما غيرهما ففي قبول قوله وقفةٌ. وقد استخرت الله وأفتيتُ في من سُئل من قضاة العصر عن مستند قضائه: أنه يلزمه بيانه، لأنه قد يظن ما ليس بمستندٍ مستندًا كما هو كثير أو غالب.
وفي حاشيته على قول الأذرعي: قال الخادم: هذا إذا لم يسأل، فإن سأله
(1)
(4/ 292).
المحكوم عليه عن السبب فجزم صاحب «الحاوي» وتبعه الروياني بأنه يلزمه بيانه.
إلى أن قال: وخرج من هذا تخصيص قول الأصحاب إن الحاكم لا يسأل أيَّ سؤال اعتراض، أما سؤال في مطلب الدفع عن نفسه فيتعين على الحاكم الإبداء بسجن المحكوم عليه تخلُّصًا.
هذا في القاضي أثناء ولايته، فأما بعد عزله فأولى وأحرى.
فأجاب علينا بأن المطالب عند حضوره لديه تكلم كما تكلم الغرماء، ولزمه ما لزمهم، ولم يعين الصيغة، فارتبنا في شهادته هذه، حيث إن كلامه في ورقة الحكم صريح في أنه جعل اختيارهم حبس الغريم إبراءً للزعيم. وبعد أن راجعناه أفهم تنظيره بمسألة القصاص من القاعدة المذكورة آنفًا أنه لم تقع البراءة إلّا من بعض الغرماء، فألزمَ الحكمَ الجميعَ. وجوابه الأخير علينا يوافق ذلك، حيث قال: إن هذا المطالب تكلَّم كما تكلَّم الغرماء ولزمه ما لزمهم.
والقاضي ــ عافاه الله ــ غير بعيد عن الوهم، مع أنه الآن متهم، لأنه قد يدفع بهذه الشهادة عن نفسه عارَ الغلط الواضح، وقد قال في «الروضة»
(1)
في باب ما يُردّ به الشهادة: «السبب الخامس: أن يدفع بالشهادة عن نفسه عار الكذب، فإذا شهد فاسق وردَّ القاضي شهادته ثم تاب بشرط التوبة، فشهادته المستأنفة مقبولة بعد ذلك. ولو أعاد تلك الشهادة التي رُدّت لم تُقبل» .
(1)
روضة الطالبين (8/ 216) ط. دار عالم الكتب.
وأما كونه قاضيًا معزولًا يشهد بقضية وقعت لديه فليس هذا قادحًا في الشهادة، إلا إذا شهد بأنه حكم، أما إذا شهد بنحو إقرار وقع في مجلسه فإنها تُقبل. قال في «الروضة»
(1)
: إذا قال القاضي بعد الانعزال: كنتُ حكمتُ لفلانٍ بكذا، لم يُقَبل إلا ببينة. وهل تُقبل شهادته بذلك مع آخر؟ وجهان: قال الإصطخري: نعم. والصحيح باتفاق الأصحاب المنعُ، لأنه شهد على فعلِ نفسه».
إلى أن قال: «ولو شهد المعزول أنه ملك فلان، وأن فلانًا أقرَّه في مجلس حكمي بهذا، قُبِلَت» .
ولما لم يفسّر لنا هذا الإبراء الذي يذكره ولم يبيّن لنا صيغته، واشتدّت الريبة وتضافرت أسباب التُّهم، بحثنا عن حكم ذلك ونحوه، فعثرنا في «عماد الرضا» لشيخ الإسلام زكريا رحمه الله على ما لفظه
(2)
: «فائدة، هل يجوز للشاهد أن يشهد باستحقاق زيد على عمرو درهمًا إذا عَرَف سببه، كأنْ أقرَّ له به، فشهد أن له عليه درهمًا؟ قال ابن الرفعة: قال ابن أبي الدم: فيه وجهان، أشهرهما: لا تُسمع شهادته وإن وافقه في مذهبه؛ لأن الشاهد قد يظن ما ليس بسبب سببًا، ولأنه ليس له أن يرتِّب الأحكام على أسبابها، بل وظيفته نقْلُ ما سمعه من إقرار أو عقد أو غيره، أو ما شاهده من الأفعال. ثم الحاكم ينظر فيه، فإن رآه سببًا رتَّب عليه مقتضاه. وهذا ظاهر نصّ «الأم» و «المختصر» . وقال صاحب «الشامل» وغيره: بعد اطلاعه على النصّ تُسمَع شهادتُه، وهو مقتضى كلام «الروضة» كأصلها».
(1)
(8/ 111).
(2)
(1/ 214 - 215) مع شرح المناوي.
قال المناوي في شرحه بعد الوجه الأول: وبذلك أفتى ابن الصلاح، واعتمده ابن الرفعة فقال: الذي أراه أنها لا تُسمَع، وعليه بيان السبب كيفما كان، سدًّا لباب الاحتمال ونفيًا للريب، كما في النفي المحصور المضاف إلى زمن مخصوص محصور، بعد أن فصَّل عن قضية كلام الماوردي تفصيلًا حسنًا، وهو أنه إن كان السبب مجمعًا عليه جاز له أن يشهد بالاستحقاق، وإلّا فلا.
وقال الشارح بعد الوجه الثاني: قال الأذرعي في «التوسط» : وهو أي سماعها ظاهر المذهب المنصوص، لكن المختار ما ذكره أبو عمرو من المنع، ولا شك أنه الأحوط وإن كان ظاهر المذهب خلافه.
ثم نقل عن صاحب «الغنية» وتلميذه الزركشي أن الأول هو القياس والراجح دليلًا والمختار، والأول هو المذهب المنقول.
وإذ قد صحَّ أن الأول هو منصوص «الأم» و «المختصر» فهو الأولى بأن يكون المذهب، وقد يُفصَّل بأن يقال: إن حدثتْ في القضية تُهَمٌ قوية فالأول، وإلّا فالثاني. وقضيتنا الحادثة قد سبق بيان التهم التي فيها، فتعيَّن الإبراء. والقاضي ــ عافاه الله ــ ممن يدّعي الاجتهاد ويَهِم كثيرًا، وهذه الشهادة والحكم ببقاء الضمان وعدم صحة
…
نعم لو فرضنا صدور الإبراء فهو بصريح ورقة الحكم، وإنما صدر بعد التخيير الذي يُفهِم الغرماء أنه ليس لهم مطالبة كلٍّ من الغريم والزعيم، بل يختارون أحدهما ويُبرِئون الآخر، وإلا لم يتوصَّلوا إلى الضبط بمالهم، فحينئذٍ يكون إبراؤهم مبنيًّا على ظنّهم أنه ليس لهم مطالبة الغريم إلّا بعد إبراء الزعيم.
وقد تعالى الخلاف الجاري في مسألة ما إذا أبرأ المطالبُ الغريمَ ظانًّا أن حقه قد انتقل إلى ذمة الزعيم يجرى في هذه، والذي رجحه ابن قاسم أن الإبراء لا يصح، فكذا في هذه.
فإن قيل: الفرق ظاهر، فإن الإبراء في تلك عن حق مظنونٍ سقوطُه بالضمان هناك، ولا كذلك هنا، فإن المطالب لا يجهل أن ذمة الضامن متعلقة بدينه.
قلنا: بل هو مظنون سقوطه باختيار بقاء الغريم، ولكن لا ينافي هذا إلا إذا كان الإبراء بعد اختيار بقاء الغريم في السجن.
الرسالة الرابعة والثلاثون
مسألة الوقف في مرض الموت
[في «تحفة المحتاج»
(1)
: (فرع) يقع لكثيرين أنهم يقفون أموالهم في صحتهم على ذكور أولادهم قاصدين بذلك] حرمان
(2)
إناثهم، وقد تكرر من غير واحدٍ الإفتاء ببطلان الوقف حينئذٍ، وفيه نظر ظاهر، بل الوجه الصحة
…
إلخ.
وفي الحاشية
(3)
: «قوله (في صحتهم) أي أما في حال المرض فلا يصح إلا بإجازة الإناث، لأن التبرع في مرض الموت على بعض الورثة يتوقف على رضا الباقين. قوله: (وقد تكرر من غير واحد) عبارة «النهاية» : والأوجه الصحة، وإن نُقِل عن بعضهم القولُ ببطلانه».
وفي القليوبي
(4)
عند قول المتن (ولوارث): «تنبيه، شملت الوصية للوارث ما لو كانت بعين ولو مثلية، ولو قدر حصته، لكن مع تمييز حصة كلٍّ منهم، وكالوصية في اعتبار الإجازة إبراؤه والهبة له والوقف عليه. نعم لو وقف عليه ما يخرج من الثلث على قدر نصيبه لم يحتج إلى إجازة، وليس له إبطاله، كما لو كان له دار قدر ثلث ماله، فوقف ثلثيها على ابنه وثلثها على ابنته، ولا وارث غيرهما
…
» إلخ.
وفي حاشية الشيخ عميرة
(5)
: «(فرع) لو وقف ما يخرج من ثلثه على ورثته بقدر أنصبائهم في مرض الموت صحَّ، من غير احتياج إلى الإجازة.
(1)
(6/ 247).
(2)
لم نجد ما قبله في المسودات. وما بين المعكوفتين من المصدر المذكور.
(3)
«حاشية الشرواني» في الموضع السابق.
(4)
«شرح المحلي على منهاج الطالبين مع حاشيتي القليوبي وعميرة» (3/ 159 - 160).
(5)
المصدر السابق (3/ 159).
ذكره الزركشي
…
» إلخ.
وفي حاشية عميرة
(1)
في الوقف عند قول المتن: (شرطنا القبول أم لا): «(فرع) وقف على ابنه دارًا هي قدر ثلث ماله، وكان ذلك في مرض موته، فهو وصية، ولا ترتد بردِّ الولد، ويحتاج إلى إجازة. كذا في الزركشي نقلًا عن الشيخين» .
وفي حاشية الشرقاوي على «شرح التحرير»
(2)
عند قول المتن في الوصايا: (ولوارث إن أجاز باقي الورثة المطلقين التصرف، حتى لو أوصى لكلٍّ من بنيه بعين بقدر نصيبه صحت). وفي الشرح: بشرط الإجازة لاختلاف الأغراض في الأعيان ومنافعها. قال الشرقاوي: قوله «إن أجاز» كالوصية للوارث إبراؤه من الدين وهبته والوقف عليه. نعم لو وقف عليهم ما يخرج من الثلث على قدر نصيبهم نفذ من غير إجازة، فليس لهم نقضه، ولابدّ لصحة الإجازة من معرفة قدر المجاز فيه أو عينه. أفاده محمد رملي.
وفي «التحرير»
(3)
في باب الوقف: التبرع وصية وهبة وعتق وإباحة ووقف
…
إلخ.
فكل هذه النقول قاضية بما أجيب به، ولم تكن إطالة النقل عبثًا، إلّا لما رأيته في «حاشية القليوبي
(4)
على المحلي» في باب الوقف عند قول المتن:
(1)
المصدر السابق (3/ 102).
(2)
(2/ 77).
(3)
(2/ 173).
(4)
(3/ 101).
(وأن الوقف على معين يشترط قبوله، ولو ردّ بطل حقه) ما نصُّه: قوله «يشترط فيه قبوله» هو المعتمد، ومنه ولد الواقف، كوقفتُ على ولدي فلان. نعم، لو وقف في مرض موته على ورثته الحائزين ثلث ماله بعدد حصصهم، أو على أحد ورثته عينًا قدر ثلث ماله نفذَ قهرًا عليهم، ولا يرتدُّ بردّهم فيهما، فإن زاد على الثلث توقف على إجازتهم كالوصية.
فأما الصورة الأولى فهي موافقة للنقول السابقة، وأما الثانية فمشكل، وقد نقلها عنه الشرقاوي في «حواشي التحرير»
(1)
، فقال عند قول المتن في الحَجْر (وحجر مرض في الثلثين مع غير الورثة إذا تصرّف فيهما بلا عوض، وفي كل المال مع الورثة): قوله «وفي كل المال» أي كلّ جزء منه ولو دون الثلث مع الوارث، وهذا في غير الوقف، أما هو كأن وقفَ شيئًا يخرج من الثلث على بعض الورثة، فلا يحتاج إلى إجازة بقيتهم، بخلاف الوصية. والفرق أن الملك في الأول لله تعالى، وفي الثانية للموصى له. وكالوصية الإبراء، فيتوقف على إجازة بقية الورثة. أفاده القليوبي. وذكر البرماوي على الغزّي أن الوقف كغيره، فراجع ذلك.
أقول: ما ذكره القليوبي رحمه الله ونقله الشرقاوي مشكل، على أنه ليس في حاشيته على المحلي إلّا ما نقلتُه، اللهم إلَّا أن يكون في موضع آخر. وسواء كان المفرق هو الناقل أو المنقول عنه فالفرق غير معتبر، لأننا نقول أولًا: إن في ملك الموقوف خلافًا، الثالث في المذهب أنه للموقف عليه، وهو مذهب الإمام أحمد كما صرحوا به. سلَّمنا أن الملك لله تعالى كما هو
(1)
(2/ 185).
الأظهر، فذلك الملك ليس إلا في الرقبة، وأما المنافع فهي للموقوف عليه قطعًا، والمنافع هي المقصودة، فإنما تُقصَد العين لأجل منافعها.
على أن في «التحفة»
(1)
عقب قول المتن (ولوارث) في الوصايا: أنه لو علَّق عتق عبده بخدمة بعض أولاده فإنه يحتاج للإجازة، لأن المنفعة المصروفة للمخدوم من جملة التركة.
فعبارة القليوبي تفيد أن الوقف مطلقًا بنصّه من الثلث، لأنه تبرع لغير الوارث وإن كان عليه نظر إلى أن الأظهر أن الملك في الرقبة لله تعالى، لكن ضعف ذلك ظاهر، إذ شرط العين الموقوفة دوام الانتفاع ولو بالنسبة، ولا تقصد العين إلا للمنفعة، فأيّ فائدة في رقبتها مسلوبة المنفعة؟
ثم رأيت في حاشية الشيخ عميرة
(2)
عند ذكر الوصية بالمنافع أبدًا على قول المتن (وأنه يبقى ملك الرقبة للوارث) ما لفظه: قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: ما زلتُ أستشكل ملك الرقبة دون المنفعة، وأقول: ما الذي يستفيده ويحصل له من ملكها؟ حتى رأيتُ قائلًا في النوم يقول: لو ظهر في الأرض معدن ملكه مالك الرقبة دون المنفعة.
وفي «المنهاج»
(3)
في الوصية بالمنافع: وإن أبّد فالأصح أنه يصحّ بيعه للموصى له دون غيره، وأنه تعتبر قيمة العبد كلها من الثلث إن أوصى بمنفعته أبدًا.
(1)
«تحفة المحتاج» (7/ 15).
(2)
(3/ 172).
(3)
مع شرحه «تحفة المحتاج» (7/ 66 - 68).
وفي «التحفة»
(1)
وغيرها التعليل بأن الموصي حالَ بين الوارث وبين المنفعة، ويتعذر تقويم المنفعة للجهالة. قال في «التحفة»:«فيتعيَّن تقويم الرقبة مع منفعتها، فإن احتملها الثلث لزمت الوصية في الجميع، وإلا ففيما يحتمله، فلو ساوى العبد بمنافعه مئةً وبدونها عشرةً، اعتبرت المئة كلها من الثلث، فإن وفى بها فواضح، وإلّا كأن لم يفِ إلا بنصفها صار نصف المنفعة للوارث، والذي يتجه في كيفية استيفائها أنهما يتهايآنها»
(2)
.
فالمنفعة هي المقصودة، وأما العين فليست إلّا آلةً لها ووسيلةً إليها، فهاهم أقاموا المنفعة مقامها مع الرقبة، حتى قوَّموها بقيمة الرقبة والمنفعة، ولم ينظروا إلى الرقبة إذ لا فائدة فيها. فلتُعتبر في الوقف المنفعة لا الرقبة. وإذا رأيت مسألة «التحفة» في تعليق عتق العبد بخدمة بعض الأولاد، وأن ذلك يحتاج إلى الإجازة= علمتَ أن هذا أولى وأحرى.
والمقصود من الوقف ليس هو حبس الرقبة عن أن يتصرف فيها، وإنما المقصود هو الصدقة الجارية كما توضِّحه نصوصهم، وبه فسَّروا الحديث، ولا يخفى أن الصدقة الجارية إنما تحصل بالمنفعة، وحبس العين وسيلة لها. ولو سلَّمنا صحة الفرق فكيف نصنع بما تقتضيه النقول السابقة، ولاسيَّما ما ذكره الشيخ عميرة عن الزركشي عن الشيخين بقوله «فرع» .
وقد أطنبنا في الكلام لاقتضاء المقام، فإن مثل ذلك الإمام يتمسك بعبارته الخاص والعام، وهذا معروض على نظر سادتنا العلماء الأعلام، وعليهم الاهتمام وتوضيح المقام، والسلام.
(1)
مع شرحه «تحفة المحتاج» (7/ 68).
(2)
التهايؤ: قسمة المنافع على التعاقب بصفة وقتية.
الرسالة الخامسة والثلاثون
الفوضى الدينية وتعدُّد الزوجات
كثر هذه الأيام تحكُّكُ المتفرنجين بالمسائل الدينية وتوثُّبُهم عليها، والذي يسوء الحق إنما هو أن يتصدى الإنسان للتحكُّم في فنٍّ هو فيه أمّي أو تلميذ صغير. إن العاقل الذي لا حظَّ له من الطب إلا مطالعة بعض الكتب، لَيحجزه عقلُه عن التطبب، وهكذا عامةُ الفنون يمتنع العاقل أن يتحكم في فنٍّ منها ليس فنَّه. ولكن الدين شذَّ عن هذه الكلية، فلا تكاد تجد أحدًا يعترف أو يعرف أنه ليس ممن يحقُّ لهم الكلامُ فيه.
يقولون: إنها حرية الفكر! حبَّذا حرية الفكر، ولكن أَمِن حرية الفكر أن يصمد الإنسان لقضيةٍ لم يُتقِن أصولَها، ولا أسبابها وعللها، ولا غوامضها ودقائقَها، فيعبّر فيها على ما خيلت؟ إن حقًّا على العاقل إذا أحبَّ أن يكون حرَّ الفكر أن يختار له موضوعًا ينفذ فكرُه إلى أعماقه، ويتغلغل في دقائقه.
افرِضْ أنك طبيب، وأنه اعترضك بدويٌّ يناقشك في أصول الطب، أو أنك عارف بعلم الفلك الحديث، وعرضَ لك عاميٌّ ينازعك فيه، وكلاهما ــ البدوي والعامي ــ لا يُصغِي إليك حتى توضح له الحجج، أو لا يستطيع في حاله الراهنة أن يفهمها، لأنه لم يتعلم مقدمات ذلك الفن، ولكنه مع ذلك يجزم بما ظهر له، ويرميك بالجهل والغفلة، فهل تعدُّه حرَّ الفكر؟
لقد بلغ بالناس حبُّ الاشتهار بحرية الفكر إلى أن أغفلوا النظر في صواب الفكر وخطائه، وأصبحت حرية الفكر مرادفةً للخروج عما كان عليه الآباء والأجداد. ولقد يعلم أحدهم أن ما كان عليه آباؤه وأجداده هو الصواب، ولكن شغفه بأن يقال حرَّ الفكر يضطرُّه إلى مخالفته. فهل يستحق مثل هذا أن يقال له حرَّ الفكر؟
وكثير منهم يدع تقليد أسلافه ويقلِّد بعض الملحدين، فهل خرج هذا من الرقِّ إلى الحرّية؟ كلَّا، بل خرج من رقٍّ إلى رقٍّ.
حرُّ الفكر هو الذي يُطلِق فكره حيث يستطيع الانطلاق ويكفُّه حيث يحبّ الانكفاف.
حرُّ الفكر هو الذي يحرِصُ على الحق أينما كان، فإذا ظهر أن الحق هو ما كان عليه أسلافه لزِمَه، ولم يُبالِ بأن يقال: جامد مقلِّد.
حرُّ الفكر هو الذي يحرِص على الثبات على المبدأ الذي كان عليه أسلافه، حتى تقهره الحجة الواضحة.
أمامنا من تلك المسائل مسألة تعدد الزوجات، مسألة معلومة من دين الإسلام بالضرورة، بل ومن الفطرة ومن المصلحة، ثم لا يزال بين حينٍ وآخر يخوض فيها عاشق من عشاق الشهرة بحرية الفكر، وهو عبد من عبيد الإفرنجيّات، اللاتي تُؤثِر إحداهن أن يبقى بَعلُها مضطرًّا إلى مخادنة العواهر، حتى يضطر إلى السماح لها بمخادنة الفجار، وترى أنه لو أبيح له تعدد الزوجات قد يستغني عن الزنا، فلا يبقى مانعٌ يمنعه من مراقبتها ومنعها عن الفجور بمقتضى الغيرة الطبيعية. كما أن رجال الإفرنج بعد أن ألِفوا الزنا يُعادون تعددَ الزوجات، لعلمهم أن القانون إذا أباح التعدُّدَ قلَّ أنصار الزنا وكثُر خصومُه، وضعفت الشبهات التي بُني عليها إباحتُه وإباحةُ مقدماته من الرقص والخلوة والاختلاط المريب.
ولقد يكتب الكاتب خلاف تعدد الزوجات، لعداوته للدين أو لعداوته للأمة، فهو لا يحب لها شرفَ الأخلاق، أو ليرخّص بذلك المتبرِّجات من النساء ليكون له نصيبٌ من قلوبهن ثم مِن
…
وأخفُّهم ذنبًا مَن يكون قليل المعرفة بالدين، قاصر النظر في مصالح العباد، ضعيف الباه، فينظر هذا إلى ما في تعدد الزوجات من النقائص، ولا يلتفت إلى ما في منعه من المفاسد.
تعدد الزوجات في الدين:
جواز التعدد معلوم من دين الإسلام بالضرورة، ولكن أثار بعض المتأخرين شبهة، وهي أن الله عز وجل قال:{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3]، وقال في موضع آخر:{وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} [النساء: 129].
فالآية الأولى ألزمت المسلم إذا خاف عدمَ العدل أن يقتصر على واحدةٍ. وعُلِم بالآية الثانية أن كلَّ مسلم مصدِّقٍ بخبر الله عز وجل يعلم أنه لا يستطيع العدل، فأنَّى يتصور أن لا يخاف عدم العدل؟
والجواب عن ذلك أنه لو فرِض صحةُ دلالة الآيتين على المنع لم يجز العمل بهذه الدلالة، لِما تواتر قطعًا أن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يجمعون مثنى وثلاث ورباع بعد نزول الآية، مع علمه صلى الله عليه وآله وسلم وإقراره، ثم لم يزل العمل على ذلك إلى الآن، وأطبقت عليه الأمة، ولم يخالف في ذلك أحدٌ البتةَ. وهذا المعنى حجة قطعية لا يخدِش فيه ظاهرُ القرآن.
مع أن الصواب أن ظاهر القرآن لا يدل على المنع، بل يدلُّ على الجواز، ودونك البيان:
قال الله عز وجل: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ
النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3].
في «الصحيحين»
(1)
وغيرهما عن أم المؤمنين عائشة ما حاصله: أن المراد باليتامى في الآية اليتامى من النساء، تكون اليتيمة في حجْرِ الرجل ولها مال، فيتزوجها لأجل مالها، وليس لها من قلبه شيء، فلا يُقسِط لها، فنُهوا عن ذلك، وتقدير الآية هكذا: «وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى من النساء اللاتي في حجوركم إذا نكحتموهن، فلا تنكحوهن، وانكحوا ما طاب لكم من النساء
…
». والمراد بالطيب أن تكون المرأة محبوبة له لنفسها لا لمالها، فإنه إذا تزوج مَن يحبّها كان أحرى أن يُقسِط لها.
وقوله: (تعدلوا) فعل، والفعل في قوة النكرة كما نصُّوا عليه، فقولك:«لم يعدلْ زيد» في قوة قولك: «لم يقع من زيدٍ عدلٌ» ، والنكرة في سياق النفي تعمُّ كما نصُّوا عليه. إذا قلتَ:«ما جاءني اليومَ رجلٌ» كان في قوة قولك: «ما جاءني اليومَ زيد ولا عمرو ولا خالد ولا بكرٌ
…
» حتى يستوعب جميع أفراد الرجال.
فقوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا} في قوة قولك: «فإن خفتم أن لا يقع منكم ما يصحّ أن يقال له عدلٌ» . ولو كان بيد الرجل تمرتان لا فضلَ لإحداهما على الأخرى، فقال لزوجتيه: لتأخذْ كلٌّ منكما واحدةً= لكان هذا عدلًا، فخوف الرجل أن لا يقع منه بين زوجتيه أو زوجاته شيءٌ يُسمَّى عدلًا مما لا يكاد يتحقق.
ومما يؤيد أن المراد هذا المعنى ما تقرر في المعاني أن وضع «إن»
(1)
البخاري (4573، 4574) ومسلم (3018).
الشرطية لفرض الممتنع وما قرب منه.
ويؤيده أيضًا أنه لو كان المراد: «وإن خفتم أن لا يقع منكم العدل الكامل» لما بقي لقوله: {مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} معنًى، لأن العدل الكامل ممتنع كما دلَّ عليه قوله: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا
…
} الآية، فإن المراد بالعدل فيها العدل الكامل، وهاك تقرير ذلك:
قوله: {تَعْدِلُوا} فعل في سياق النفي، فهو من هذه الجهة يصدُق بالخفيف والشديد، ولكن هنا أدلة أن المراد: عدلًا كاملًا.
الدليل الأول: الحسّ والمشاهدة، فإننا نعلم أن الرجل يستطيع أن يعدِل أنواعًا من العدل بين ألف زوجة، فضلًا عن ثنتين أو ثلاث أو أربع، وذلك كأن يقسم بينهن تمرًا أو نحوه مرةً واحدةً أو مرتين أو مرارًا. وقد تقرر في الأصول أن النصّ الشرعي إذا كان بظاهره مخالفًا للواقع وجبَ تقدير ما يجعله مطابقًا له.
الدليل الثاني: الأوامر [القاضية]
(1)
بالعدل بين الزوجات، ومنها قوله في هذه الآية نفسها:{فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ}
(1)
هنا كلمة مطموسة ولعلها ما أثبتناه.
ولو كان العدل بينهن ممتنعًا قليلُه وكثيره لما كان لتلك الأوامر فائدة.
الدليل الثالث: قوله: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا} فإن قوله: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ} يدل أن النشوز والإعراض محتملٌ فقط، لأنه فُرِض الخوف منه فرضًا. و «امرأة» في الآية عام، لأنها نكرة في سياق الشرط، يتناول من كان لها ضرة ومَن لا ضرة لها. وتعقيب هذه الآية بقوله:{وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا} الآية يدل على تناول «امرأة» لمن كان لها ضرة أو ضرائر، ويدل على ذلك سبب النزول، فقد جاء أنه قصة أم المؤمنين سودة
(1)
. ولو كان العدل ممتنعًا البتة لكان النشوز والإعراض متحققًا، وقد عُلِم من أول الآية أنه محتمل فقط.
فإن قيل: فقد اعترفت أن العدل الكامل ممتنع، وحينئذٍ فلابد أن يقع نشوزٌ ما أو إعراضٌ ما، فكيف يكون هذا محتملًا فقط؟
قلت: قد يكون النشوز والإعراض خفيًّا بحيث لا يظهر للمرأة، وعليه فيمكن أن لا تخاف نشوزًا ولا إعراضًا.
الدليل الرابع: قوله في الآية السابقة: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا} ، والعدل فيها عام كما تقدم، وقد فُرِض امتناع الخوف من عدمه فرضَ المحتمل البعيد، وذلك ينفي أن يكون متحققًا حتمًا.
فهذه أربعة أدلة تُقابل الأربع الزوجات، وثَمَّ أدلة أخرى لا حاجة إلى ذكرها.
(1)
أخرجه أبو داود (2135) والحاكم في «المستدرك» (2/ 186) والبيهقي في «السنن الكبرى» (7/ 74، 75) من حديث عائشة.