الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[مقدمة ابن قطلوبغا]
بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد:
فيقولُ الفقيرُ إلى اللهِ تعالَى قاسم بن قُطْلُوْبُغَا الحنفيُّ (1):
إني قد استخرتُ الله سبحانه وتعالى في أن أُفْرِدَ من الطبقةِ الثانيةِ وما بعدَهَا من كتاب «الثقات» للشيخ الإمام العلامَّة الحافظ أبي حاتم محمد بن حِبَّان مَنْ ليس في «تهذيب الكمال» مرتِّباً ذلك ترتيبَ «التهذيب» ، وأُرَقِّمُ على الاسمِ عدَدَ الطبقةِ اختصاراً.
وأضيف إلى ذلك مِنْ كتاب «الجرح والتعديل» للحافظ العلامة أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم مَنْ ذُكِرَ بنوع تعديلٍ ممن ليس في «التهذيب» أيضاً.
فإن اتَّفقا على ترجمة؛ بدأتُ بعبارةِ ابن حبان ثم بما عند ابن أبي حاتم ملخَّصًا، وما تفرد به ابن حبان يُعْرَفُ بالرقم، وما يتفرد به ابن أبي حاتم يُعرف بِصَرِيح التعديل.
فإن حَضَرَني تعديلٌ أو تجريحٌ لغيرهما ذكرته مصرِّحًا بقائله.
وأُضِيف إلى ذلك -على الترتيب المذكور- مَنْ تيسر لي ذكره ممن عَدَّلَه غيرُهُما من أئمةِ هذا الشأن، وإن كان مختلفاً فيه، وإنما زدتُ من تأخر للفائدة.
واعتمدت من «الثقات» على نسخةٍ بخطِّ الحافظ: الحسن بن محمد بن محمد بن
(1) تقدم الكلام على مقدمة المصنف، وتفصيل المسائل التي طرقها فيها بشكل موسع في مقدمة الدراسة التي عقدناها للكتاب.
محمد التيمي (1)، وأخرى رَتَّبَهَا الحافظ أبو الحسن الهيثمي، وربما وقع لهما ما يحتاج إلى التنبيه عليه فأذكر ذلك لدفع الاغترار بخطهما.
وقد قال الحافظ أبو حاتم في مقدمة كتابه (2): إني أملي في ذكر من حمل عنه العلم كِتَابَيْن: كتاباً أذكُرُ فيه الثقات (3) من المُحَدِّثين، وكتاباً أُبَيِّن فيه الضعفاء والمتروكين، وأبدأ منهما بالثقات
…
نَذْكُرُ مَنْ صَحِبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم واحداً واحداً على المعجم؛ إذ هم خير الناس قرناً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نذكر بعدهم التابعين الذين شافهوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأقاليم كلها على المعجم؛ إذ هم خير الناس بعد الصحابة قرناً، ثم نذكر القرن الثالث الذين رأوا التابعين، فأذكرهم على نحو ما ذكرنا الطبقتين الأوليين، ثم نذكر القرن الرابع الذين رأوا أتباع التابعين على سبيل من قبلهم، وهذا القرن ينتهي إلى زماننا هذا.
ولا أذكر في هذا الكتاب الأول إلا الثقات الذين يجوز الاحتجاج بأخبارهم، وأقتنع (4) بهذين الكتابين المختصرين عن كتاب «التاريخ الكبير» (5)
(1) في الأصل: التميمي، خطأ.
(2)
«الثقات» : (1/ 10)، وللدكتور عداب الحمش أطروحة نافعة تكلم فيها على منهج ابن حبان في «الجرح والتعديل» سماها:«الإمام ابن حبان البستي، ومنهجه في الجرح والتعديل» .
(3)
من أول عبارة ابن حبان إلى هذا الموضع ساقط من مطبوعة «الثقات» .
(4)
في مطبوعة «الثقات» : وأقنع.
(5)
انظر: «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» : (2/ 362).
الذي خرَّجناه؛ لعلمي بصعوبة حفظ كل ما فيه من الأسانيد والطرق والحكايات
…
فكلُّ من أذكُرُ (1) في هذا الكتاب الأول فهو صدوق، يجوز الاحتجاج بخبره إذا تعرَّى خبرُه عن خصالٍ خمس، فإذا وُجِدَ خبرٌ منكرٌ عن واحد ممن ذكرته في كتابي هذا، كان ذلك الخبر لا ينفك من واحد من خمس خصال:
إما أن يكون فوق الشيخ الذي ذكرتُ اسمَه في كتابي هذا في الإسناد أحدٌ ضعيف، لا يحتج بخبره.
أو يكون دونه أحد واهٍ لا يحتج بخبره.
أو (2) الخبر يكون مرسلاً لا تلزمنا به الحجة.
أو يكون منقطعاً لا تقوم بمثله الحجة.
أو يكون في الإسناد رجلٌ مدلسٌ لم يُبَيِّنْ سماعَه في الخبر مِن الذي سمعه منه، فإن المدلِّسَ -وإن كان ثقة- ما لم يُبَيِّنْ سماعَه، لا يجوز الاحتجاج بذلك الخبر.
وربما أذكر في هذا الكتاب الشيخ بعد الشيخ وقد ضعفه بعض أئمتنا ووثقه بعضهم، فمن صَحَّ عندي منهم أنه ثقة بالدلائل النيِّرة التي بينتُها في كتاب «الفصل بين النقلة» (3) أدخلته في هذا الكتاب؛ لأنه يجوز الاحتجاج بخبره،
(1) في مطبوعة «الثقات» : أذكره.
(2)
في مطبوعة «الثقات» : «و» . وما في الأصل: أظهر.
(3)
انظر في الكلام عليه أطروحة الدكتور عداب الحمش: «الإمام ابن حبان ومنهجه في الجرح والتعديل» : (1/ 407).
ومن صح عندي منهم أنه ضعيف بالبراهين الواضحة التي ذكرتها في كتاب «الفصل بين النقلة» ، لم أذكره في هذا الكتاب، لكني ذكرته في كتاب «الضعفاء» (1)[2 - أ]؛ لأنه لا يجوز الاحتجاج بخبره.
فكل من ذكرته في كتابي هذا إذا تعرَّى خبرُه عن الخصال التي ذكرتها فهو عَدْل يجوز الاحتجاج بخبره؛ لأن العَدْلَ مَنْ لم يُعرف منه الجرح؛ إذ الجرح (2) ضد التعديل، فمن لم يُعرف بجرحٍ فهو عدل حتى يبين ضده (3)؛ إذ لم يكلَّف الناس من الناس معرفة ما غاب عنهم، وإنما كُلِّفوا الحكم بالظاهر من الأشياء عند المغيَّب عنهم. انتهى.
قلت: فعن هذا تَصَدَّيْتُ لكتابه، وعن هذا قيل: إنه قد يذكر المجهول إذا روى عنه ثقة ولم يُجرح، ولم يكن الحديث منكراً، وقيل: إن مَنْ كان بهذه الصفة فهو حجة عند النسائي أيضاً، وإن من ارتفع عنه اسم الجهالة برواية اثنين عنه ولم يُعرف فيه مقالٌ يكون حديثه حسناً.
وقال ابن حبان أيضاً في ترجمة معقل بن عبيد الله الجزري (4): كان يخطئ، ولم يَفْحُش خطؤه فيستحق الترك، وإنما كان ذلك منه على حسب ما لا ينفك عنه البشر، ولو تُرك حديث كل من أخطأ من غير أن يَفْحُشَ ذلك منه، لوجب
(1) المعروف بالمجروحين.
(2)
قوله: «إذ الجرح» ساقط من مطبوعة «الثقات» .
(3)
في الأصل: صدقه، خطأ.
(4)
«الثقات» : (7/ 491 - 492).
ترك حديث كل عَدْل في الدنيا لأنهم كانوا يخطئون، ولم يكونوا معصومين، بل يُحتج بخبر من ُيخطئ ما لم يَفحش ذلك منه، فإذا فَحُشَ حتى غَلَبَ على صوابه تُرِكَ حديثُه، ومن عَلِم الخطأ بعينه وأنه خالف فيه الثقات تَرَكَ ذلك الحديث بعينه واحتَجَّ بما سواه، هذا حُكْمُ المحدثين الذين كانوا يخطئون ولم يَفْحُشْ ذلك منهم.
قلتُ: فإذا اختلف قولُه في رجلٍ ذكرَه تارةً في الثقات وتارةً في المجروحين بَيَّنْتُ ذلك ليكونَ تنقيباً عليه، وإن لم يكن من أهل هذا الكتاب، ويكون ذلك كالتلخيص لكتاب آخر أكتبه بعد إن شاء الله. والله -سبحانه- أسألُ أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، إنه غفور رحيم، وهو حسبي ونعم الوكيل.