الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-
الْمَعِيَّة الْعَامَّة والخاصة:
[قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} . ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّهُ مَعَ عِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ الْمُحْسِنِينَ، وَهَذِهِ الْمَعِيَّةُ بِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهِيَ بِالْإِعَانَةِ والنَّصر وَالتَّوْفِيقِ. وَكَرَّرَ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ:{إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى} ، وَقَوْلِهِ:{إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ} ، وَقَوْلِهِ:{لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} وَقَوْلِهِ: {قَالَ كَلَاّ إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ} ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَأَمَّا الْمَعِيَّةُ الْعَامَّةُ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ فَهِيَ بِالْإِحَاطَةِ التَّامَّةِ وَالْعِلْمِ، وَنُفُوذِ الْقُدْرَةِ، وَكَوْنِ الْجَمِيعِ فِي قَبْضَتِهِ جَلَّ وَعَلَا: فَالْكَائِنَاتُ فِي يَدِهِ جَلَّ وَعَلَا أَصْغَرُ مِنْ حَبَّةِ خَرْدَلٍ، وَهَذِهِ هِيَ الْمَذْكُورَةُ أَيْضًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ. كَقَوْلِهِ:{مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَاّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَاّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَاّ هُوَ مَعَهُمْ} ، وَقَوله:{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} ، وَقَوْلُهُ:{فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ} ، وَقَوْلِهِ:{وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَاّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
فَهُوَ جَلَّ وَعَلَا مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا قَالَ، عَلَى الْكَيْفِيَّةِ اللَّائِقَةِ بِكَمَالِهِ وَجَلَالِهِ، وَهُوَ مُحِيطٌ بِخَلْقِهِ، كُلِّهِمْ فِي قَبْضَةِ يَدِهِ، لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كتاب مُبين] (1) .
وَنقل عَن الْأَشْعَرِيّ رحمه الله قَوْله فِي إِثْبَات صفة الاسْتوَاء، وَصفَة الْعُلُوّ
(1) - 3/355: 354، النَّحْل/128.
لله جلّ وَعلا، ثمَّ نقل عَنهُ قَوْله: وَقَدْ قَالَ قَائِلُونَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْحَرُورِيَّةِ: إِنَّ قَوْلَ اللَّهِ عز وجل {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} أَنَّهُ اسْتَوْلَى وَمَلَكَ وَقَهَرَ، وَأَنَّ اللَّهَ عز وجل فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَجَحَدُوا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عز وجل عَلَى عَرْشِهِ كَمَا قَالَ أَهْلُ الْحَقِّ، وَذَهَبُوا فِي الِاسْتِوَاءِ إِلَى الْقُدْرَةِ.
وَلَوْ كَانَ هَذَا كَمَا ذَكَرُوهُ كَانَ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَرْشِ وَالْأَرْضِ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ قَادِرٌ عَلَيْهَا وَعَلَى الْحُشُوشِ، وَعَلَى كُلِّ مَا فِي الْعَالم.
ثمَّ قَالَ: وَإِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا وَلَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ اللَّهَ عز وجل مُسْتَوٍ عَلَى الْحُشُوشِ وَالْأَخْلِيَةِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِوَاءُ عَلَى الْعَرْشِ الِاسْتِيلَاءَ الَّذِي هُوَ عَامٌّ فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا.
وَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ اسْتِوَاءً يَخْتَصُّ الْعَرْشَ دُونَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا.
وَزَعَمَتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْحَرُورِيَّةُ وَالْجَهْمِيَّةُ أَنَّ اللَّهَ عز وجل فِي كُلِّ مَكَانٍ فَلَزِمَهُمْ أَنَّهُ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ وَفِي الْحُشُوشِ وَالْأَخْلِيَةِ، وَهَذَا خِلَافُ الدِّينِ، تَعَالَى اللَّهُ عَن قَوْلهم. اهـ.
وَقد نقل عَن الباقلاني إثْبَاته للاستواء ثمَّ نقل أَيْضا قَوْله: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى اسْتِوَائِهِ عَلَى الْعَرْشِ هُوَ اسْتِيلَاؤُهُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ
…
مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مِهْرَاقِ
لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ هُوَ الْقُدْرَةُ وَالْقَهْرُ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ قَادِرًا قَاهِرًا عَزِيزًا مُقْتَدِرًا.
وَقَوْلُهُ: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} يَقْتَضِي اسْتِفْتَاحَ هَذَا الْوَصْفِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يكن، فَيبْطل مَا قَالُوهُ] . (1)
(1) - 7/ 458: 471، مُحَمَّد/24.