الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل فِي الْهِجْرَة
[قَوْله تَعَالَى: {ياعِبَادِىَ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ فَإِيَّاىَ فَاعْبُدُونِ} . نَادَى اللَّه جلَّ وَعَلَا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَكَّدَ لَهُمْ أَنَّ أَرْضَهُ وَاسِعَةٌ، وَأَمْرَهُمْ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ الْمَعْمُولِ الَّذِي هُوَ إِيَّايَ؛ كَمَا بيّناه فِي الْكَلَام على قَوْله تَعَالَى:{الدّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} .
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ إِنْ كَانُوا فِي أَرْضٍ لَا يَقْدِرُونَ فِيهَا عَلَى إِقَامَةِ دِينِهِمْ، أَوْ يُصِيبُهُمْ فِيهَا أَذَى الْكُفَّارِ، فَإِنَّ أَرْضَ رَبِّهِمْ وَاسِعَةٌ فَلْيُهَاجِرُوا إِلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا يَقْدِرُونَ فِيهِ عَلَى إِقَامَةِ دِينِهِمْ، وَيَسْلَمُونَ فِيهِ مِنْ أَذَى الْكُفَّارِ، كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم وَالْمُسْلِمُونَ.
وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ جَاءَ فِي آيَاتٍ أُخر؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الْأَرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ} ، وَقَوْلِهِ
تَعَالَى: {وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} .] (1) .
وَقَالَ أَيْضا: [قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأَرْضِ الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: {وَنَجَّيْنَاهُ} عَائِدٌ إِلَى إِبْرَاهِيمَ.
قَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ الْمُحِيطِ: وَضُمِّنَ قَوْلُهُ {وَنَجَّيْنَاهُ} مَعْنَى أَخْرَجْنَاهُ بِنَجَاتِنَا إِلَى الْأَرْضِ، وَلِذَلِكَ تَعَدَّى «نجَّيناه» بِإِلَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ «إِلَى» مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ، أَيْ مُنْتَهِيًا إِلَى الْأَرْضِ، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَلَا تَضْمِينَ فِي «ونجَّيناه» عَلَى هَذَا، وَالْأَرْضُ الَّتِي خرجا مِنْهَا: هِيَ
(1) - 6/469، العنكبوت / 56، وَانْظُر أَيْضا (7/46- 47)(الزمر/10) .
كُوثَى مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ، وَالْأَرْضُ الَّتِي خَرَجَا إِلَيْهَا: هِيَ أَرْضُ الشَّامِ اهـ مِنْهُ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تُشِيرُ إِلَى هِجْرَةِ إِبْرَاهِيمَ وَمَعَهُ لُوطٌ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ إِلَى الشَّامِ فِرَارًا بِدِينِهِمَا.
وَقَدْ أَشَارَ تَعَالَى إِلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ فِي «الْعَنْكَبُوتِ» {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّى} ، وَقَوْلِهِ فِي «الصَّافَّاتِ:» {وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّى سَيَهْدِينِ} عَلَى أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ فَارٌّ إِلَى رَبِّهِ بِدِينِهِ مِنَ الْكُفَّارِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ رحمه الله فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّى سَيَهْدِينِ} : هَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ فِي الْهِجْرَةِ وَالْعُزْلَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام، وَذَلِكَ حِينَ خَلَّصَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ قَالَ:{إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّى} أَيْ مُهَاجِرٌ مِنْ بَلَدِ قَوْمِي وَمَوْلِدِي، إِلَى حَيْثُ أَتَمَكَّنُ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّي {فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} فِيمَا نَوَيْتُ إِلَى الصَّوَابِ، وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ جَلَّ وَعَلَا مِنْ أَنَّهُ بَارَكَ الْعَالمين فِي الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةِ، الَّتِي هِيَ الشَّامُ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ:{إِلَى الأَرْضِ الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} بَيَّنَهُ فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا} ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى:{سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ} . وَمَعْنَى كَوْنِهِ (بَارَكَ فِيهَا) . هُوَ مَا جَعَلَ فِيهَا مِنَ الْخِصْبِ وَالْأَشْجَارِ وَالْأَنْهَارِ وَالثِّمَارِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ} وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ بَعَثَ أَكْثَرَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْهَا.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَاءٍ عَذْبٍ أَصْلُ مَنْبَعِهِ من تَحت
الصَّخْرَةِ الَّتِي عِنْدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (1) . وَجَاءَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ. وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{إِلَى الأَرْضِ الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا} أَقْوَالٌ أُخَرُ تَرَكْنَاهَا لِضَعْفِهَا فِي نَظَرِنَا.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفِرَارَ بِالدِّينِ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إِلَى بَلَدٍ يتَمَكَّن فِيهِ الفار بِدِينِهِ من إِقَامَته دِينِهِ وَاجِبٌ. وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْهِجْرَةِ وَجُوبُهُ بَاقٍ بِلَا خِلَافٍ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ.] (2) .
(1) - ذكر السُّيُوطِيّ فِي الْجَامِع الصَّغِير مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه مَرْفُوعا: {الصَّخْرَة صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس على نَخْلَة والنَّخْلَة على نهر من أَنهَار الْجنَّة وتَحت النَّخْلَة آسِيَة بنت مُزَاحم امْرَأَة فِرْعَوْن ومَرْيَم بنت عمرَان ينظمان سموط أهل الْجنَّة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة} ، وَعَزاهُ للطبراني، والْحَدِيث قَالَ عَنهُ الشَّيْخ الألباني رحمه الله فِي ضَعِيف الْجَامِع: مَوْضُوع.
(2)
- 7/46 - 47، الْأَنْبِيَاء /71.