المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الحالة السابعة: الاستبدال - الحكم بغير ما أنزل الله - المحياني - ط ١٤٣٧

[بندر المحياني العتيبي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الكتاب

- ‌المبحث الأول

- ‌الأصل الأول: وجوب الحكم بشرع الله تعالى

- ‌الأصل الثاني: وجوب التحاكم إلى شرع الله تعالى مع الرضا والتسليم لشريعته

- ‌الأصل الثالث: الوعيد لمن لم يحكم بشرع الله تعالى

- ‌الأصل الرابع: الحذر من مخالفة أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم

- ‌الأصل الخامس: حكم الله تبارك وتعالى أحسن الأحكام

- ‌الأصل السادس: ما جاء من أحكام شرعية من عند الله فهو روح ونور

- ‌القاعد الثانيةوقوع المرء في شيء من المكفرات لا يلزم منه كفره

- ‌القاعدة الثالثةكفر الحاكم لا يلزم منه جواز الخروج عليه

- ‌القاعدة الرابعةالأصل في الأعمال المخالفة للشرع؛ عدم التكفير والتكفير طارئ على هذا الأصل ناقل عنه

- ‌القاعدة الخامسةمسألة الحكم بغير ما أنزل الله لا تختص بأحد دون أحد

- ‌القاعدة السادسةالإجمال سبب في كثير من الإشكالات

- ‌المبحث الثانيالتفصيل في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله

- ‌الحالة الأولى: الاستحلال

- ‌الحالة الثانية: الجحود

- ‌الحالة الثالثة: التكذيب

- ‌الحالة الرابعة: التفضيل

- ‌الحالة الخامسة: المساواة

- ‌الحالة السادسة: التبديل

- ‌الحالة السابعة: الاستبدال

- ‌الحالة الثامنة: التقنين

- ‌الحالة التاسعة: التشريع العام

- ‌المبحث الثالثفصول مُتمِّمة

- ‌الفصل الأولخلاصة الكلام في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله

- ‌الفصل الثالثموافقة ما قررته لأقوال علماء العصر الثلاثة

- ‌الفصل الرابعموافقة ما قررته لقول اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز

- ‌الفصل الخامسموافقة ما قررته لقول عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسنوإقرار سليمان بن سحمان وأن عمل أهل العلم عليه ونقله عن عامة السلف

- ‌الفصل السادسموافقة ما قررته لأقوال أصحاب ابن عباس

- ‌الفصل السابعموافقة ما قررته لقول ابن عباس

- ‌الفصل الثامناتِّهامات وإلزامات الخصوم لمن قال بمثل ما قال به علماء العصر في المسألة

- ‌أولاً: دعوى تجويز الحكم بغير ما أنزل الله

- ‌ثانياً: دعوى إغلاق باب التكفير

- ‌ثالثاً: دعوى تعطيل وإنكار الجهاد والتخذيل عنه

- ‌رابعاً: دعوى الإرجاء

- ‌المبحث الرابعالجواب عن أهم أدلة المخالفين

- ‌الدليل الأولقول الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة 44]

- ‌الدليل الثانيقوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء 65]

- ‌الدليل الثالثقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ

- ‌الدليل الرابعقوله تعالى: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121]

- ‌الدليل الخامسقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى 21]

- ‌الدليل السادسقوله تعالى: {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف 26]

- ‌الدليل السابعقوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا للهِ} [الأنعام 57، يوسف 40، 67]

- ‌الدليل التاسعقوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى 10]

- ‌الدليل العاشرقوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة 50]

- ‌الدليل الحادي عشرسبب نزول قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ

- ‌الدليل الثاني عشرسبب نزول آخر

- ‌الفتوى المتأخرة لابن عثيمين رحمه الله في مسألة الحكم بغير ما أنزل اللهوالتي سُمِّيت بـ: " التحرير في مسألة التكفير

- ‌خاتمة الكتاب

- ‌فهرس المراجع

الفصل: ‌الحالة السابعة: الاستبدال

استمروا على الإسلام لكنهم جحدوا الزكاة وتأولوا بأنها خاصة بزمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم الذين ناظر عمرُ أبا بكر في قتالهم كما وقع في حديث الباب " (فتح الباري 12/ 288، قبل الحديث رقم 6924).

‌الحالة السابعة: الاستبدال

صورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله مجرداً عما تقدم.

بمعنى أنه يُبْدِل حكم الله تعالى بحكم غيره، ولا يكون مستحلاً، ولا جاحداً،

ولا مكذباً، ولا مفضلاً، ولا مساوياً، ولا ينسب الحكم الذي جاء به لدين الله.

حكمها: الكفر الأصغر (= لا تخرج من ملة الإسلام).

دليل ذلك أمران:

1.

إجماعهم على عدم تكفير الجائر، قال ابن عبد البر رحمه الله:" وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالماً به "(التمهيد 16/ 358)، والجائر هو المستبدل، فلا فرق بينهما؛ حيث إنه

ص: 49

ما أصبح جائراً إلا بعدما استبدل حكمَ الله بحكم غيره.

2.

عدم وجود دليل يوجب الكفر الأكبر، بحيث نرد به الإجماع المتقدم ونخرج به هذا المسلم من إسلامه الذي دخله بيقين.

وتتعلق بهذه الحالة ست مسائل

المسألة الأولى:

هناك فرق بين التبديل والاستبدال، وقد تقدم (ص 20 وما بعدها)، ويمكن إجمال الفرق في وجهين:

الأول وهو في صورة المسألة: أن المبدل يزعم أن ما جاء به هو حكم الله تعالى، أما المستبدل فلا يزعم ذلك.

والثاني وهو في حكم المسألة: أن المبدل كافر بإجماع أهل العلم، أما المستبدل فلا دليل على تكفيره.

المسألة الثانية:

من كفر بالاستبدال لزمه التكفير بمجرد ترك الحكم بما أنزل الله، لأنه لا يتصور

أن يكون المرء حاكماً وتاركاً

ص: 50

لحكم الله عز وجل، ثم يجلس بين قومه دون أن يحكم بشيء! فأصبح حكم الاستبدال كحكم الترك - تماماً - بلا فرق.

* أقول: والتكفير بالترك المجرد لم يقل به أحد من أهل السنة، بل يتعارض مع أثر عبد الله بن شقيق رحمه الله:" كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة "(الترمذي 2622، الحاكم 1/ 7/12، المروزي في " تعظيم قدر الصلاة " 948، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، كما صححه الألباني في صحيح الترغيب 564).

فإن قيل: أليس التكفير بالترك هو ظاهر قول الله عز وجل: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة 44]؟

فالجواب: بلى، هو ظاهر الآية، ولكن أهل السنة والجماعة أجمعوا على عدم الأخذ بهذا الظاهر، بل نسبوا أخذ الآية على ظاهرها إلى الخوارج والمعتزلة.

قال الآجري رحمه الله: " ومما يتبع الحرورية من المتشابه قول الله عز وجل: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ

ص: 51

الْكَافِرُونَ} [المائدة 44]، ويقرؤون معها:{ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام 1]، فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق قالوا: قد كفر! ومن كفر فقد عدل بربه! فهؤلاء الأئمة مشركون! فيخرجون فيفعلون ما رأيتَ، لأنهم يتأولون هذه الآية " (الشريعة 44).

وقال ابن عبد البر رحمه الله: " وقد ضلت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب فاحتجوا بهذه الآثار ومثلها في تكفير المذنبين، واحتجوا من كتاب الله بآياتٍ ليست على ظاهرها مثل قوله عز وجل: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة 44] "(التمهيد 16/ 312).

وقال القرطبي رحمه الله: " {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة 44]: يحتج بظاهره من يكفر بالذنوب، وهم الخوارج، ولا حُجَّة لهم فيه "(المفهم 5/ 117).

وقال أبو حيان الأندلسي رحمه الله: " واحتجت الخوارج بهذه الآية على أن كل من عصى الله تعالى فهو كافر، وقالوا: هي نص في كل من حكم بغير ما أنزل الله؛ فهو كافر، وكل من

ص: 52

أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله؛ فوجب أن يكون كافراً " (البحر المحيط 3/ 493).

وقال محمد رشيد رضا رحمه الله: " أما ظاهر الآية لم يقل به أحد من أئمة الفقه المشهورين، بل لم يقل به أحد

(1)

" (تفسير المنار 6/ 336).

المسألة الثالثة:

من كفر بالاستبدال لزمه التكفير بكل صورة من صور الحكم بغير ما أنزل الله، وهذا ما أجمع أهل السنة على خلافه، وبرهان ذلك من جهتين:

1.

أنهم اتفقوا على أن من صور الحكم بغير ما أنزل الله ما لا يكون كفراً أكبر، قال ابن عبد البر رحمه الله:" وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالماً به " (التمهيد

(1)

قوله: (لم يقل به أحد) محمول على أحد وجهين؛ فإما أنه ينقل قول أهل السنة ولم يتعرض لرأي الخوارج، أو أن الصغائر والكبائر تدخلان في عموم الآية، والخوارج لا يكفرون إلا بالكبائر.

ص: 53

16/ 358).

2.

أن كل من حكم بغير ما أنزل الله لا بد أن يكون مستبدلاً حكم الله بحكم غيره، ولا يتخلف عنه وصف الاستبدال بحال.

المسألة الرابعة:

من كفر بالاستبدال لزمه تكفير من أجمع أهل السنة على عدم كفرهم؛ وهم أصحاب الذنوب؛ لأن العاصي قد استبدل حكم الله بحكم غيره (= الهوى والشيطان).

قال ابن حزم رحمه الله: " فإن الله عز وجل قال: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة 44]، وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة 45]، وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة 47]؛ فلْيُلزَم المعتزلة أن يصرحوا بكفر كل عاص وظالم وفاسق لأن كل عامل بالمعصية فلم يحكم بما أنزل الله "(الفصل 3/ 278).

ص: 54

المسألة الخامسة:

يرى بعض الفضلاء أن الحاكم المستبدل يكون كافراً الكفر الأكبر إذا استبدل كل الشريعة، وهذا مردود؛ لأن الأدلة الشرعية لم تقل بوجود فرق بين استبدال حكم واحد أو أكثر من حكم، ولا يجوز أن يعلق الكفر بشيء لا دليل عليه .. صحيح أن من استبدل الشريعة كلها فقد يكون أكثر جرماً من الذي استبدل أقل من ذلك، ولكن محل البحث هو الكفر الذي لا دليل عليه، لا في تحقيق الأشد جرماً.

ولذلك فإنه يقال: إنْ كان مستبدل الشريعة كلها كافراً، فما حكم من استبدل

ربعها؟ .. نصفها؟ .. ثلثيها؟ .. وهكذا .. ، إلى أن نصير إلى السؤال الذي يكشف عدم وجود الدليل، وهو: ما حكم من استبدل الشريعة كلها إلا حكماً واحداً؟ .. فإن كفره فقد خالف ما قرره من أن مناط (= سبب = علة) التكفير هو: استبدال الكل! وإن لم يكفره فقد أتى بما لا يتوافق مع العقل الصحيح!

ص: 55

* أقول: فإذا تبيَّن أن الاستبدال الكلي لا يمكن ضبطه؛ فاعلم أنه لا يمكن التكفير به عند من يراه كفراً أكبر! وذلك أن بلدان المسلمين - التي لا تحكم بالشريعة - لا تخلو من الحكم بدين الله تعالى ولو في جزء يسيرٍ، قل أو كثر، فانتفت علة التكفير التي قال بها وهي (ترك الكل).

المسألة السادسة:

استدل بعضُ الفضلاء على التكفير بهذه الحالة بعقيدة التلازم بين الظاهر والباطن التي قررها أهل السنة، وهذا الاستدلال لا يستقيم لأمرين:

1.

لأنه استدلال بما لا دلالة فيه على المراد.

2.

ولأنه استدلال بمحل النزاع.

وبيان ذلك أن يقال: إن اعتقاد أهل السنة في هذه المسألة يقتضي أن يكون عند المرء من الصلاح أو الفساد في الظاهر بقدر ما عنده من الصلاح أو الفساد في الباطن.

قال ابن تيمية رحمه الله: " ثم القلب هو الأصل؛ فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة، ولا يمكن أن

ص: 56

يتخلف عما يريده القلب، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:(ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب)

فإذا كان القلب صالحاً بما فيه من الأعمال علماً وعملاً قلبياً، لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر، والعمل بالإيمان المطلق، كما قال أئمة الحديث: قول وعمل، قول باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر، والظاهر تابع للباطن لازم له متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد " (الفتاوى 7/ 187).

وتطبيقاً لهذا الأصل فإنه يقال: لا شك أن من استبدل الشريعة كلها فإن لديه من الفساد في الباطن قدر كبير يساوي ذلك القدر الذي في ظهر منه وهو: استبدال شريعة الله كلها.

لكن محل البحث هو أن يُنظر لهذا الفساد الذي في الظاهر - والذي نتج عن فساد مثله في الباطن - هل بلغ بصاحبه حد الكفر الأكبر ليحكم عليه بالكفر الأكبر؟ أم لا؟ ..

إن الجواب على هذا السؤال يدعو للنظر في الأدلة الشرعية

ص: 57

الأخرى التي حكمت على هذا الظاهر، ولا علاقة له من قريب ولا من بعيد بقاعدة التلازم بين الظاهر والباطن.

ثم إن المخالف قد يقول: ذلك القدر الذي في الظاهر حكمه الكفر الأكبر.

فيقال له: فما الدليل على أن ذلك القدر أوصل صاحبه للكفر الأكبر؟ .. فإن استدل بعقيدة التلازم؛ فقد استدل بمحل النزاع، وبما لا دلالة فيه على المقصود، فلزمه أن يستدل بدليل آخر، وهذا هو المراد.

ويزداد شرح عقيدة التلازم بهذا التطبيق: لو نظرنا إلى لص قاطع طريق لوجدنا أنه لم يقدم على تلك المعصية إلا لخلل في إيمانه، ويزداد ذلك الخلل اتساعاً بقدر ما ازداد من هذا الذنب، ولكن للحكم على ذلك الخلل بالإخراج عن ملة الإسلام أو عدمه فنحن محتاجون للنظر في الأدلة الشرعية التي حكمت على ذلك الذنب الذي ظهر لنا (= قطع الطريق)، فنظرنا فوجدنا أن الأدلة تحكم عليه بنقص الإيمان لا بزواله فلم نكفره.

ثم يزداد الأمر وضوحاً بهذا التطبيق الآخر: لا يختلف أهل

ص: 58

السنة في عدم تكفير الزاني ولو زنا ألف مرة! .. فأنت ترى أن ازدياده في الذنب (= الزنا) قد حكم بزيادة فساده في الباطن، ولكن إيصال هذا الفساد لحد الكفر المخرج من الملة لا تعلق له بعقيدة التلازم، بل يؤخذ من الأدلة الشرعية الأخرى التي بينت حكم هذا الظاهر.

وأختم هذا المبحث بما علق به الألباني رحمه الله على قول الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة 44]: " من آمن بشريعة الله تبارك وتعالى، وأنها صالحة لكل زمان ولكل مكان، ولكنه لا يحكم - فعلاً - بها؛ إما كلاً وإما بعضاً أو جزءاً، فله نصيب من هذه الآية! له نصيب من هذه الآية، لكن هذا النصيب لا يصل به إلى أن يخرج من دائرة الإسلام "(سلسلة الهدى والنور، الشريط 218، الدقيقة 29).

ص: 59