الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وحدة الْإِمَامَة بوحدة الْأمة:
وحدة الْإِمَامَة تتبع وحدة الْأمة، وَقد مزقت العصبية المذهبية ثمَّ الجنسية الشعوب الإسلامية بعد تَوْحِيد الْإِسْلَام إِيَّاهَا بِالْإِيمَان بِرَبّ وَاحِد، وإله وَاحِد، وَكتاب وَاحِد، والخضوع لحكم شرع وَاحِد، وتلقى الدّين والآداب وَغَيرهَا بِلِسَان وَاحِد، فَأنى يكون لَهَا الْيَوْم إِمَام وَاحِد، وَهِي لَيست أمة وَاحِدَة؟
لَا أَقُول إِن هَذَا محَال فِي نَفسه، وَإِنَّمَا أَقُول إِنَّنِي لَا أعرف شعبًا من شعوب الْمُسلمين وَلَا جمَاعَة من جماعاتهم المنظمة تقدرة قدره، وتسعى إِلَيْهِ من طَريقَة، فهم فِي دَرك من الْجَهْل والتخاذل والتفرق المذهبي والتعصب الجنسي وَضعف الهمة يقْعد بهم عَن التسامي إِلَى هَذَا الْمثل الْأَعْلَى فِي الْكَمَال الديني والاجتماعي، وَحمل الْبِلَاد الإسلامية ذَات الحكومات المستقلة على الخضوع لرئيس وَاحِد بِالْقُوَّةِ العسكرية مِمَّا لَا سَبِيل إِلَيْهِ فِي هَذَا الزَّمَان وَلَا سَبِيل إيضا إِلَى إقناع حكومات هَذِه الْبِلَاد، بِاتِّبَاع وَاحِد مِنْهُم بالرضى وَالِاخْتِيَار. .
والحكومات المستقلة الْآن هِيَ حكومات التّرْك وَالْفرس والأفغان ونجد واليمن الْعليا وَهِي النجُود وَمَا يتبعهَا واليمن السُّفْلى والحجاز، وَقد اسْتَقَلت بعض الأقطار الإسلامية الَّتِي كَانَت تَابِعَة لروسية القيصرية كبخارى وخيوه، وَلَكِن استقلالهما لم يسْتَقرّ بعد، على أَنه قد اعْترف بِهِ فِي المعاهدة التركية الأفغانية، وَمثلهمَا أذربيجان ودونهما كردستان، وَهَذِه الحكومات الصَّغِيرَة تجزم الدولة التركية بِأَنَّهَا ستسودهن وتدعمهن فِي جامعتها الطورانية. . وَكَذَا سَائِر شعوب القوقاز الإسلامية، وَلَا تُوجد حُكُومَة مِنْهُنَّ يُمكن أَن تَدعِي الْخلَافَة الدِّينِيَّة. فَبَقيَ الْكَلَام فِي الحكومات الْعَرَبيَّة. . والدول الثَّلَاث الأعجمية. .
فَأَما أهل الْيمن الْعليا فيعتقدون أَن الْإِمَامَة الشَّرْعِيَّة الصَّحِيحَة محصورة فيهم مُنْذُ ألف سنة ونيف لِأَن أئمتهم ينتخبون انتخابا شَرْعِيًّا تراعي فِيهِ جَمِيع الشُّرُوط الشَّرْعِيَّة الَّتِي يشترطها أهل السّنة مَعَ زِيَادَة مُرَاعَاة مَذْهَبهم الزيدي، وَأَن هَذِه الزِّيَادَة لَا تعَارض مَذْهَب أهل السّنة، وَأَنَّهُمْ يحكمون بِالشَّرْعِ ويقيمون الْحُدُود، ومذهبهم فِي الْفُرُوع مَذْهَب العترة النَّبَوِيَّة. . وَهُوَ قَلما يُخَالف مَذَاهِب السّنة الْأَرْبَعَة وَلَا سِيمَا مَذْهَب الْحَنَفِيَّة. . فَلَا مطمع فِي إقناعهم بِاتِّبَاع غَيرهم، وَقد قَاتلهم التّرْك
عدَّة قُرُون وَلم يستطيعوا إِزَالَة إمامتهم، وَلَكِن جيرانهم من الْعَرَب وَسَائِر الْمُسلمين لَا يعتدون بإمامتهم، وهم لَا يدعونَ إِلَيْهَا وَلَا يستعدون لتعميمها وَقد اعْترف بِصِحَّتِهَا إِمَام حفاظ السّنة وقاضي قُضَاة مصر وَشَيخ مَشَايِخ الْإِسْلَام فِي أزهرها لعهده الْحَافِظ أَحْمد بن حجر الْعَسْقَلَانِي فِي شَرحه لحَدِيث
" لَا يزَال هَذَا الْأَمر فِي قُرَيْش مَا بَقِي مِنْهُم اثْنَان " من صَحِيح البُخَارِيّ.
وَأما السَّيِّد الإدريسي فَهُوَ على كَونه حَاكما مُسْتقِلّا، وَسَيِّدًا علوياً، وفقيها أزهريا، ومرشدا صوفيا. لم يدع منصب الْخلَافَة فِيمَا نعلم، وَلم يدع رُؤَسَاء إمارته إِلَى مبايعته بهَا، وَلَكِن أهل بَيته وجماعته يَعْتَقِدُونَ أَنه أَحَق بهَا من شرفاء الْحجاز، ويلقبونه بالسيد الإِمَام. . ولقبه بَعضهم بِصَاحِب الْجَلالَة الهاشمية، وَقد نقل لنا الثِّقَات أَن الْملك حُسَيْنًا اجْتهد فِي استمالته للاعتراف بالتبعية للحجاز فِي السياسة الخارجية أَو بِالِاسْمِ فَقَط فَلم يفلح، كَمَا أَنه لم يفلح فِي سَعْيه لَدَى الإِمَام يحيى بذلك، وَقد اسْتغْرب كل مِنْهُمَا هَذَا السَّعْي. . وبلغنا أَن السَّيِّد الإدريسي كَانَ يفضل الِاعْتِرَاف بسيادة التّرْك السياسية على بِلَاده فِي الْأُمُور الخارجية، هرباً من دسائس الإفرنج وتقوية للروابط الإسلامية. .
وَأما حُكُومَة الْحجاز فَهِيَ جَدِيدَة وَلَا يعرف لَهَا نظام ثَابت، وَإِنَّمَا ملك الْحجاز هُوَ هُنَالك الْحُكُومَة وكل شَيْء، وَقد بَايعه أهل مَكَّة على أَنه ملك الْعَرَب ثمَّ بَايعه آخَرُونَ فِي سورية وَغَيرهَا بالخلافة وإمارة الْمُؤمنِينَ على عهد وجود وَلَده فيصل فِيهَا قبل إعلان اسْتِقْلَال دمشق، وَذَلِكَ كَمَا يُبَايع أمثالهم فِي سوريا ومصر الْخَلِيفَة الْجَدِيد فِي الآستانة، وَيظْهر أَن وَلَده فيصل ملك الْعرَاق وَولده عبد الله أَمِير شَرق الْأُرْدُن مصران على بذل نفوذهما لجعله هُوَ الْخَلِيفَة، وَأخذ الْمُبَايعَة لَهُ من سورية وَالْعراق عَن سنوح الفرصة. . وَقد نشر فِي جَرِيدَة الْقبْلَة مقالات قديمَة وحديثة فِي بطلَان خلَافَة خلفاء التّرْك فِي الآستانة وتكفيرهم وتكفير حكومتهم، وَقد كَانَ فِي عمان مَسْجِد متداع فَأمر الْأَمِير عبد الله بتجديد بنائِهِ فَوضع لَهُ قاضيه الشَّيْخ سعيد الكرمي تَارِيخا فِي أَبْيَات من الشّعْر نقشت على لوح من الرخام وضع فَوق بَابه قَالَ فِي أَولهَا:
(حُسَيْن بن عون من بني مجد عدنان
…
فَصَارَ أَمِير الْمُؤمنِينَ بِلَا ثَانِي)
(أعَاد لَهُ حق الْخلَافَة بعد مَا
…
ثوت زَمنا بِالْغَصْبِ فِي آل عُثْمَان)
وَقد جعل هَذَا القَاضِي بِنَاء حُسَيْن لما سَمَّاهُ مجد عدنان، سَببا لصيرورته أَمِير الْمُؤمنِينَ الَّذِي لَا ثَانِي لَهُ فِي بِلَاد الْإِسْلَام، وَهُوَ لم يبن لعدنان مجداً، ومجد عدنان لَيْسَ سَببا للخلافة، وَإِنَّمَا يرضى النَّاظِم بذلك أميره الَّذِي كَانَ وَلَا يزَال يعسى لتحقيق جعل وَالِده خَليفَة، وَلكنه طعن فِي إِمَامَة يحيى حميد الدّين الَّذِي يخْطب أميره ووالد أميره الْملك وده، لَا فِي خلَافَة أعدائه التّرْك فَقَط، وَلَا يَسْتَطِيع أحد أَن يقرن بِهِ أحدا من شرفاء الْحجاز وأمثالهم. . مِمَّن يرَوْنَ أنفسهم أَهلا للْإِمَامَة بأنسابهم، فَإِنَّهُ على تَوَاتر نسبه الْهَاشِمِي الْعلوِي، وصراحته بخلوه من شوائب الرّقّ غير الشَّرْعِيّ، قد انتخب بِأَنَّهُ عَالم مُجْتَهد شُجَاع مُدبر، ذُو شَوْكَة ومنعة يقدر بهما على حفظ اسْتِقْلَال بِلَاده، وَقد بُويِعَ بِالْإِمَامَةِ مُنْذُ عشرات من السنين، والمعترفون بإمامته يزِيدُونَ على عدد أهل الْحجاز، بل على أهل سورية كلهَا وَالْعراق أَيْضا. .
لَيْسَ من غرضنا هُنَا مناقشة هَؤُلَاءِ وَلَا غَيرهم فِي دعاويهم وَلَا أغراضهم بل بَيَان الْوَاقِع فِي الْبِلَاد الإسلامية المستقلة وَهُوَ أَن ملك الْحجاز وَأَوْلَاده يَعْتَقِدُونَ أَن الْخلَافَة حَقهم بنسبهم ومركزهم فِي الْحجاز، وَأَنَّهُمْ ينالونه بمساعدة الدولة البريطانية لَهُم، وَقد قَالَ أحدهم عبد الله أَمِير شَرق الْأُرْدُن فِي الْإسْكَنْدَريَّة " إِن الْخلَافَة لنا " ونقلت الجرائد المصرية هَذَا عَنهُ ورد عَلَيْهِ فِي بَعْضهَا. .
وَأما أهل نجد فحنابلة سلفيون وهم يسمون أَمِيرهمْ إِمَامًا وَلَا يسمونه خَليفَة وَلم يبلغنِي أَنه يَدعِي الْخلَافَة الْعَامَّة، وَلَكنهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنه لَا يُوجد أَمِير مُسلم يُقيم دين الله كَمَا أنزلهُ غَيره، وَأَن بِلَادهمْ دَار الْعدْل وَجَمَاعَة الْمُسلمين وَالْهجْرَة إِلَيْهَا وَاجِبَة بشروطها. . فَلَا مطمع فِي اتباعهم لغَيرهم، وَقد اتهموا بانتحال مَذْهَب جَدِيد نفر مِنْهُم غَيرهم، وهم لَا يبالون مَا يُقَال فيهم، وَلَا يدعونَ أحدا إِلَى اتباعهم، إِلَّا البدو المجاورين لَهُم، الَّذين لَا يعْرفُونَ من الْإِسْلَام عقيدة وَلَا عملا، فيدعونهم إِلَى التدين وَترك البداوة وَاتِّبَاع حكومتهم الإسلامية الَّتِي تقيم شرع الله وحدوده على مَذْهَب إِمَام السّنة أَحْمد بن حَنْبَل. .
فَهَذَا ملخص مَا نعلم من حَال الْبِلَاد الْعَرَبيَّة المستقلة، وَتَركنَا ذكر حُكُومَة عمان الأباضية لِأَن نُفُوذ الإنكليز فِيهَا كَبِير، فأهلها لَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا إِلَى الارتباط بغيرهم، وَمذهب أَكْثَرهم أباضى فهم من الْخَوَارِج الَّذين لَا يقيدهم مَذْهَبهم بِشَرْط
القرشية وَقد علمت من سُلْطَان مسْقط السَّابِق أَنه كَانَ يتَمَنَّى الارتباط بالدولة العثمانية. .
وَأما الدول الأعجمية المستقلة فأولاها التركية، وَكَانَت تدعى أَن الْخلَافَة انْتَقَلت إِلَى سلاطينها بنزول آخر خلفاء العباسيين عتها للسُّلْطَان سليم الَّذِي أسره بِمصْر وَحمله إِلَى الآستانة وتسلسل ذَلِك فيهم بعد ذَلِك بالعهد والاستخلاف، حَتَّى كَانَ من أَمرهم فِي هَذِه الْأَيَّام مَا كَانَ، وَيُقَال إِن السُّلْطَان مُحَمَّد وحيد الدّين المخلوع مَا زَالَ يَدعِي الْخلَافَة الَّتِي آلت إِلَيْهِ بنظام الوراثة، وَالْحق مَا بَيناهُ من قبل، وَأَن الْخَلِيفَة العباسي الَّذِي أسره السُّلْطَان سليم لم يكن يملك الْخلَافَة وَلَا النُّزُول عَنْهَا وَلَو لأَهْلهَا، وَلَو كَانَ يملكهما، لاشترط فِي نُزُوله الْحُرِّيَّة وَالِاخْتِيَار، وَلم يكن يملكهما، وَمثله السُّلْطَان وحيد الدّين الْآن، فَلذَلِك لَا يعْتد بِمَا يتوقعه بَعضهم من نُزُوله عَنْهَا لملك الْحجاز، وَإِنَّمَا كَانَت خلَافَة التّرْك العثمانيين بالتغلب، فَلَا فرق بَين اخْتِيَار الْأَمِير عبد الْمجِيد الان بعد انْقِطَاع سلسلة الْعَهْد والاستخلاف بخلع مُحَمَّد وحيد الدّين، وَبَين اخْتِيَار هَذَا قبله عملا بذلك النظام. . هَذَا إِذا جعلته حُكُومَة أنقرة خَليفَة بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيّ الْمَعْرُوف. . وَلكنهَا اخترعت نوعا جَدِيدا من الْحُكُومَة ونوعاً آخر من الْخلَافَة، وَوضعت للأولى قانوناً أساسياً عَرفْنَاهُ وَلم تضع للثَّانِيَة قانوناً لتعلم مِنْهُ كنهها، فَإِن كَانَت خلَافَة روحية لَا سُلْطَان لَهَا فِي سياسة الْأمة وحكومتها فَهِيَ غير الْإِمَامَة الَّتِي بَينا أَحْكَامهَا، على أَن مَا يضعونه لَهَا من النظام إِن كَانَ مُوَافقا للشَّرْع حمدناه، وَإِن كَانَ مُخَالفا لَهُ أنكرناه، وَلَا يضرنا تَسْمِيَة هَذَا الْعَمَل خلَافَة، فَمثله مَعْهُود عِنْد أهل الطَّرِيق وَلَا مشاحة فِي الْإِصْلَاح وسنبين لَهَا فِي كل وَقت مَا يجب عَلَيْهَا لِلْإِسْلَامِ.
وثانيتها الإيرانية، وَهِي شِيعِيَّة إمامية، والإمامة عِنْدهم للْإِمَام مُحَمَّد الْمهْدي المنتظر فَلَا تعترف بإمامة أُخْرَى لغيره، وَإِنَّمَا ترتبط بغَيْرهَا من الدول الإسلامية، بِنَوْع من المخالفات السياسية.
وثالثتها الأفغانية وَهِي سنية وَقد اعْترفت فِي المحالفة الَّتِي عقدت بَينهَا وَبَين الْحُكُومَة التركية الجديدة فِي أنقرة بِأَن الدولة التركية دولة الْخلَافَة، وَلَكِن لم تعترف بسيادة مَا عَلَيْهَا. . بل كَانَت محالفتها محالفة الند للند. .
وَقد كَانَ نَص الْمَادَّة الثَّالِثَة من هَذِه المحالفة الَّتِي وضعت فِي (أنقرة) جعل الدولة الأفغانية فِي مَكَان التَّابِع من الدولة التركية، وَهَذِه التَّرْجَمَة نشرت فِي جَرِيدَة الْأَخْبَار المصرية لمراسلها فِي (كابل) عَاصِمَة الأفغان
" تصدق الدولة الأفغانية بِهَذِهِ الْمُنَاسبَة على أَنَّهَا تقتدي بتركيا الَّتِي تحدم خدمات جليلة وَتحمل علم الْخلَافَة الإسلامية " أَي تقر وتعترف بِهَذِهِ الْقدْوَة.
وَذكر المراسل أَن أَمِير الأفغان لم يقبل هَذَا النَّص بل غَيره " بِأَن الدولة الأفغانية لَا تقتدي بالدولة الْعلية التركية، وَإِنَّمَا عَلَيْهَا أَن تعترف بِأَنَّهَا دولة الْخلَافَة " وَقد كَانَ هَذَا قبل الانقلاب التركي الْأَخير، وَذكر فِي بعض الجرائد أَن الأفغان أَنْكَرُوا مِنْهُ جعل الْخلَافَة روحية لَا شَأْن لَهَا فِي السياسة وَالْأَحْكَام وَإِذا آل الْأَمر إِلَى اعترافهم بِصِحَّة الْخلَافَة العثمانية التركية شرعا فَلَا مندوحة لَهُم عَن اتِّبَاع الْخَلِيفَة لأَنهم قوم مُسلمُونَ مستمسكون بدينهم استمساكا عَظِيما. .
وَلَكِن الظَّاهِر أَن جَمِيع الَّذين يعترفون للعثمانيين من التّرْك بالخلافة وَلَا يتبعُون حكومتهم فَإِنَّمَا يعترفون لَهُم بلقب من ألقاب الشّرف، لصَاحبه نُفُوذ معنوي لَدَى الدول. . وَإِلَّا فَلَا معنى لكَون الرجل خَليفَة الْمُسلمين إِلَّا أَنه إِمَام دينهم وَرَئِيس حكومتهم الَّذِي تجب طَاعَته عَلَيْهِم. . وتباح دِمَاؤُهُمْ فِي الْخُرُوج عَلَيْهِ، والاستقلال بالحكم دونه بِشُرُوطِهِ الْمَعْرُوفَة فِي كتب الْفِقْه. . وَأما المتغلب الَّذِي لَا يطاع إِلَّا بالقهر فَلَا يجوز لغير من قهرهم الِاعْتِرَاف لَهُ بالخلافة، وَإِن من الْعَبَث بِالْإِسْلَامِ أَن تجْعَل إِمَامَته الْكُبْرَى مُجَرّد لقب من ألقاب الْمَدْح والشرف. .
هَذَا وَأما الْبِلَاد الإسلامية الرازحة تَحت أثقال السيطرة الْأَجْنَبِيَّة كمصر وَسَائِر أقطار إفريقية الشمالية وسورية وَالْعراق فَلَيْسَ لَهَا من أَمر حكمهَا أَو حُكُومَة دينهَا شَيْء. . وَلَيْسَ فِيهَا جمَاعَة تتصرف فِي ذَلِك بِحل وَلَا عقد، فَلَو أَن رُؤَسَاء الْحُكُومَة والشعب فِي قطر مِنْهَا - وهم الَّذين كَانُوا لَوْلَا السلطة الْأَجْنَبِيَّة أهل الْحل وَالْعقد فِيهَا - أَرَادوا أَن يبايعوا خَليفَة فِي بِلَاد التّرْك أَو الْعَرَب مثلا مبايعة صَحِيحَة، وَهِي مَا توجب عَلَيْهِم أَن يَكُونُوا خاضعين لسلطانه، مُطِيعِينَ فِي أُمُورهم الْعَامَّة لأَمره وَنَهْيه، ناصرين لَهُ على من يقاتله أَو يبغى عَلَيْهِ، لما اسْتَطَاعُوا أَن يمضوا ذَلِك وينفذوه بِدُونِ إِذن الدولة الْأَجْنَبِيَّة المسيطرة عَلَيْهِم، وَهِي لن تَأذن وَإِن كَانَت تَدعِي أَنَّهَا لَا تعَارض الْمُسلمين فِي أُمُور دينهم، وَأَنَّهَا تاركة أَمر الْخلَافَة إِلَيْهِم. .