الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْكَبِير فِي رَأْيهمْ وعملهم فِيهَا، وَنثْبت بالدلائل أَن أصُول الْحُكُومَة الإسلامية أرقى من أصُول سَائِر حكومات الْأُمَم، بجمعها بَين دفع الْمَفَاسِد وَحفظ الْمصَالح المادية، وَبَين الْحق وَالْعدْل والفضائل الَّتِي يتهذب بهَا الْبشر وتكمل الإنسانية، وَأَن نَدْعُو هَذِه الْأمة التركية الإسلامية إِلَى إِقَامَة حُكُومَة الْإِسْلَام كَمَا أَمر الله وَرَسُوله وخلفاؤه الراشدون خير أمة أخرجت للنَّاس وَلَو كره المتفرنجون {ليَهْلكَ من هلك عَن بَيِّنة، ويحيا من حَيَّ عَن بَيِّنَة وَإِن الله لسميع عليم}
مَا بَين الاشتراع وَحَال الْأمة من تبَاين وتوافق:
وضع الإسام قَوَاعِد عَامَّة لأنواع الْمُعَامَلَات الدُّنْيَوِيَّة راعي فِيهَا هِدَايَة الدّين وَتَقْيِيد حكومته بِالْتِزَام الْفَضَائِل وَاجْتنَاب الرذائل، فَلم يَجْعَل مَا فوض إِلَى أولى الْأَمر فِيهَا من الاستنباط - الاشتراع - مُطلقًا من كل قيد لِئَلَّا يجنوا على آدَاب الْأمة خطأ فِي الِاجْتِهَاد، أَو اتبَاعا للهوى إِذا غلب عَلَيْهِم الْفساد، فَحرم الرِّبَا الَّذِي كَانَ فاشياً فِي الْجَاهِلِيَّة، لما فِيهِ من الْقَسْوَة وَالْبخل والطمع الَّذِي يحمل على استغلال ضَرُورَة الْمُحْتَاج، كَمَا حرم الْغِشّ والخيانة، وَجعل الْأمة متكافلة بِمَا أوجب من النَّفَقَة على الْقَرِيب، وَالزَّكَاة لإِزَالَة ضَرُورَة الْفَقِير والمسكين، ولغير ذَلِك من الْمصَالح الْعَامَّة، وَجعل لكل امْرَأَة كافلا يقوم بأمرها من زوج أَو قريب، وَإِلَّا فالإمام الْأَعْظَم أَو نَائِبه، لِئَلَّا تضطر إِلَى مَا يشق عَلَيْهَا الْقيام بِهِ من الْكسْب مَعَ قِيَامهَا بوظائفها الْخَاصَّة بهَا من الْحمل والوضع وَالرضَاعَة وتربية الْأَطْفَال، فَيكون اضطرارها إِلَى الْحَيَاة الاستقلالية سَببا لقلَّة النَّسْل ولغير ذَلِك من الْمَفَاسِد.
وَقد كَانَ تَأْثِير ضعف الدّين فِي الشعوب الإسلامية وحكوماتها أَن ترك كل مِنْهُمَا مُرَاعَاة مَا يجب عَلَيْهِ من تِلْكَ الْقَوَاعِد والتزام أَحْكَامهَا، فترتب على ذَلِك احْتِيَاج كل مِنْهُمَا إِلَى ارْتِكَاب بعض الْمَحْظُورَات كالربا إِمَّا اضطراراً وَإِمَّا اخْتِيَارا ترجح فِيهِ المصحلة على الْمفْسدَة رجحاناً ظَاهرا.
هَذَا الِاحْتِيَاج الَّذِي يدْفع صَاحبه إِلَى ارْتِكَاب الْمحرم إِذا لم يجد لَهُ مخرجا لَا يعرض فِي الْإِقْرَاض كَمَا يعرض فِي الِاقْتِرَاض، فَكَانَ من أَثَره أَن الْمُسلمين
لم يَجدوا من يقرضهم إِلَّا من غَيرهم، إِمَّا من أهل ذمتهم وَإِمَّا من الْأَجَانِب عَنْهُم، كالمعاهدين الَّذين يكونُونَ فِي بعض الأحيان حربيين، وَهَذِه مفْسدَة أُخْرَى هِيَ ذهَاب ثروة الْمُسلمين إِلَى غَيرهم، وناهيك بذهابها إِلَى أعدائهم، وحاجتهم إِلَيْهِم فِي أهم مصالحهم.
ثمَّ إِن توسع الْفُقَهَاء فِي مسَائِل الرِّبَا وإدخالهم فِيهَا مَا لم يكن مَعْرُوفا فِي عصر الْوَحْي، وتضييق أَكْثَرهم فِي أَحْكَام الْعُقُود الْمَالِيَّة، واستحداث الْأُمَم الَّتِي يتعاملون مَعهَا لأنواع كَثِيرَة من الْعُقُود والمعاملات، وترقي الْعُلُوم الاقتصادية والأعمال الْمَالِيَّة إِلَى دَرَجَة قَضَت بتفوق متبعي قواعدها ونظمها على غَيرهم فِي الثروة وَالْقُوَّة والسيادة - كل أُولَئِكَ كَانَ دافعا فِي صُدُور الْمُسلمين ورافعاً لغَيرهم عَلَيْهِم حَتَّى فِي دِيَارهمْ، بل هُوَ أظهر الْعِلَل لسلب جلّ ملكهم مِنْهُم، والسيطرة عَلَيْهِم فِيمَا بقى لَهُم شَيْء من السِّيَادَة فِيهِ، ولاعتقاد أَكثر الَّذين يعْرفُونَ أَحْوَال هَذِه الْأُمَم العزيزة فِي علومها وأعمالها ويجهلون أصُول الْإِسْلَام، أَن الْإِسْلَام نَفسه عِلّة ضعف الْمُسلمين بِمَا فِي شَرعه من الجمود على أَحْكَام عتيقة مَالِيَّة واجتماعية توجب فقر ملتزمها وكل مَا يجره الْفقر فِي الْأُمَم من الذل والضعف وفقد الْملك.
بدأت بِضَرْب الْمَسْأَلَة الْمَالِيَّة مثلا لما طَرَأَ على كثير من الْبِلَاد الإسلامية من تَأْثِير ترك الْعَمَل بِأَحْكَام الشَّرِيعَة الغراء، إِذْ كَانَ المَال قوام حَيَاة الْأُمَم والدول فِي كل زمَان، وَصَارَ لَهُ من الشَّأْن فِي هَذَا الزَّمَان مَا لم يكن لَهُ من قبل وَلَا سِيمَا عصر النَّبِي [صلى الله عليه وسلم] الَّذِي كَانَت فِيهِ الْأمة قَليلَة الْحَاجَات، وَغير مرتبطة فِي حَيَاتهَا بمعاملات الْأُمَم الْأُخْرَى، وَلَكِن عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة الْعَزِيز الْحَكِيم قد أنزل فِي ذَلِك الْعَصْر قَوْله {وَلَا تُؤتوا السُّفَهَاء أموالَكم الَّتِي جعلَ الله لكم قيَاما} فأرشدنا بِهِ إِلَى مكانة المَال من حَيَاة الْأُمَم ونظام أمرهاوكونها لَا تقوم إِلَّا بِهِ، وحثنا على الْمُحَافظَة عَلَيْهِ، وَعدم تَمْكِين السُّفَهَاء من التَّصَرُّف فِيمَا هُوَ ملك لَهُم مِنْهُ، كَمَا أمرنَا فِي آيَات أُخْرَى بالاقتصاد ونهانا عَن الْإِسْرَاف والتبذير، وذمه كَمَا ذمّ الْقمَار غول الثروة بِمَا أَفَادَ تحريمهما تَحْرِيم الْقمَار بأنواعه فِي الدّين، فَهَل يُمكن أَن يُقَال إِن مُقْتَضى شرع هَذَا الدّين أَن يكون أَهله فُقَرَاء؟ وَأَن يكون مَا بِهِ قيام معاشهم وَعزة أمتهم ودولتهم فِي أَيدي الطامعين فيهم من الْأُمَم الْأُخْرَى؟ وَإِذا كَانَ هَذَا مُخَالفا لهدى هَذَا الدّين فَمَا بَال المشتغلين بِعلم الشَّرْع فِيهِ أَجْهَل أهل بِلَادهمْ بالفنون الْمَالِيَّة،
وَبِمَا يرتبط بهَا من الْأُمُور السياسية، وَلَا يجْعَلُونَ هَذِه الْفُنُون مَا يتدارسونه فِي مدارسهم الدِّينِيَّة؟ السَّبَب لهَذَا أَنه لَيْسَ لَهُم حُكُومَة إسلامية تطلبه مِنْهُم لتَكون أَحْكَامهَا وميزانيتها مُوَافقَة لحكم الشَّرْع.
وأضرب لَهُم مثلا آخر مَيْل بعض الْمُسلمين فِي مصر وَالتّرْك إِلَى التعاليم الاشتراكية بل قيامهم بتأليف الْأَحْزَاب لَهَا والدعوة إِلَيْهَا، سَوَاء كَانَ ذَلِك افتناناً بتقليد الفرنجة أَو شعوراً بِمَا يشْعر بِهِ الاشتراكيون فِي أوربة من تَأْثِير أَثَرَة أَرْبَاب الْأَمْوَال على الْعمَّال، وَغَيرهم من أهل الإملاق، لَو كَانَت الشَّرِيعَة الإسلامية نَافِذَة الْأَحْكَام وَهِي الْهِدَايَة الَّتِي يتبعهَا الْخَواص والعوام، لما شعر بِالْحَاجةِ إِلَى التعاليم الاشتراكية أحد من أَهلهَا، بل لرأي الاشتراكيون من الْأُمَم الْأُخْرَى أَنه يجب حل الْمَسْأَلَة الاجتماعية على ضوئها، ولكان ذَلِك سَببا لاهتداء كثير مِنْهُم إِلَى الْإِسْلَام ودعوتهم إِلَيْهِ.
وَمَالِي لَا أذكر من الْمثل فِي هَذَا الْمقَام دَعْوَة كثير من النِّسَاء وَالرِّجَال فِي مثل هَذِه الْبِلَاد إِلَى تربية الْمَرْأَة تربية استقلالية تَسَاوِي بهَا الرجل فِي كل شَيْء حَتَّى لَا يكون فِيمَا عَلَيْهَا فِي شَيْء، سبق الْإِسْلَام جَمِيع الْملَل إِلَى الْمُسَاوَاة بَين الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي الشئون الزَّوْجِيَّة إِلَّا هَذِه الدرجَة بقوله تَعَالَى:{ولهن مِثلُ الَّذِي عَلَيْهِم بِالْمَعْرُوفِ وللرجال عَلَيْهِنَّ دَرجة} وَهِي الرياسة الَّتِي بَينهَا فِي قَوْله: {الرِّجَال قَوَّامون على النِّسَاء بِمَا فضّل الله بَعضهم على بعض وَبِمَا أَنْفقُوا من أَمْوَالهم} فَجعل سَببهَا تَفْضِيلهمْ عَلَيْهِنَّ بِالْقُوَّةِ على الْكسْب والحماية والدفاع، وَمَا فرض لَهُنَّ عَلَيْهِم من الْمهْر وَالنَّفقَة. أَفَرَأَيْت لَو أَن أَفْرَاد الْمُسلمين وحكامهم أَقَامُوا هَذِه الشَّرِيعَة فساوى الرِّجَال النِّسَاء بأنفهسم فِي كل شَيْء ماعدا رياسة الْمنزل وَكَذَا الرياسة الْعَامَّة كالإمامة الْعُظْمَى وإمامة الصَّلَاة، وكرموهن كَمَا أوصاهم الرَّسُول [صلى الله عليه وسلم] أَكَانَت النِّسَاء تشعر بِالْحَاجةِ إِلَى إعداد أَنْفسهنَّ للكسب وَغَيره من أَعمال الرِّجَال الشاقة؟ أم يفضلن أَن يعشن فِي هناء وراحة يتمتعن من كسب الرِّجَال فِي ظلّ كفاتهم وكفالة الشَّرِيعَة الَّتِي تنفذها حكومتهم بِمَا لَا يتمتع بِهِ الرِّجَال أنفسهم؟ فَإِن الْمَرْأَة تَأْكُل من كسب الرجل مَا يَأْكُل وَهِي الْمُدبرَة لأمر مأكله، وَلكنهَا تفضله بِمَا تلبس من الْحلَل وَمَا تتزين بِهِ من الحلى، فَإِن كَانَ ثمَّ غبن فالرجل هُوَ المغبون.
وَجُمْلَة القَوْل فِي هَذَا الْمقَام أَن ترك الْعَمَل وَالْحكم بالشريعة فِي بعض الْمسَائِل يُفْضِي إِلَى ترك بعض آخر مِنْهَا أَو يُفْضِي إِلَى جعله متعذراً إِذْ يصير مفْسدَة بعد أَن كَانَ فِي الأَصْل عين مصلحَة، ثمَّ يُؤثر ذَلِك فِي أفكار الْأمة وأخلاقها وعاداتها، حَتَّى تنْقَلب بتغيير عَظِيم فِي مقوماتها ومشخصاتها، الشَّرّ وَالْخَيْر أَو الْبَاطِل وَالْحق كل مِنْهُمَا يَقُول جنسه وَيُؤَيِّدهُ، وَقد فقدت الْأمة الإسلامية مَا يصونها من ذَلِك التدهور والهوى، وَينصب لَهَا معارج الرقي، ويستنبط لَهَا من الْأَحْكَام فِي كل زمن مَا يَلِيق بِحَالِهَا، مَبْنِيا على قَوَاعِد الشَّرِيعَة الهادية إِلَى كمالها.
ذَلِك بِأَن الاستنباط (الاشتراع) الَّذِي أُذن بِهِ لأولي الْأَمر من الْمُسلمين قد فقد بفقد جَمَاعَتهمْ، وَزَوَال الْإِمَامَة الْحق المنفذة لاستنباطهم، كَمَا علم ذَلِك من الْمسَائِل 3، 4، 5، 17 من هَذَا الْبَحْث، وَمن بَقِي يشْتَغل بِعلم الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة الإسلامية فقصارى أَمر جمهورهم مدارسة الْكتب التب ألفت للأزمنة الْمَاضِيَة الَّتِي كَانَت دَار الْإِسْلَام فِيهَا ذَات اسْتِقْلَال ومنعة، وَبَيت مَال غنى كَاف لكفالة المعوزين والغارمين وَغير ذَلِك من النَّفَقَات الشَّرْعِيَّة، فَهَؤُلَاءِ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَن يفتوا بِمَا يخرج عَن قَوَاعِد مصنفي تِلْكَ الْكتب لتِلْك الْأَزْمِنَة ولحكوماتها، الَّتِي كَانَت تلتزم الْعَمَل بهَا، بل قرروا فِيمَا وضعوه من الشُّرُوط للإفتاء أَن يلتزموا فروع كتب مُعينَة لَا يتعدونها، لِأَن تعديها ضرب من الِاجْتِهَاد وَلَو فِي الْمَذْهَب، وَقد قرروا مَنعه كالاجتهاد الْمُطلق. ومنتهى مَا يرجي من توسعتهم على الْحُكُومَة الَّتِي تُرِيدُ الْعَمَل بِأَحْكَام الشَّرِيعَة أَن يستخرجوا لَهَا بعض الْفُرُوع الْمُوَافقَة للْمصْلحَة الْعَامَّة فِي هَذَا الزَّمَان من كتب الْمذَاهب الْمُعْتَمدَة، فَإِن الَّذين حرمُوا عَلَيْهِم الِاجْتِهَاد والاستنباط من أصُول الشَّرِيعَة والاقتباس من مصباحها مُبَاشرَة قد أوجبوا عَلَيْهِم تَقْلِيد مَذَاهِب مُعينَة. كَمَا قَالَ صَاحب جَوْهَرَة التَّوْحِيد:" فَوَاجِب تَقْلِيد حبر مِنْهُم ". يَعْنِي الْأَئِمَّة الْمَشْهُورين فِي الفقة، فاعتمدوا هَذَا التَّحْرِيم والتحليل مِمَّن لَيْسَ بأَهْله. وَإِنَّمَا أباحوا تَقْلِيد غير الْأَرْبَعَة من الْمُجْتَهدين للْعَالم بذلك فِي خَاصَّة نَفسه. دون الْإِفْتَاء بِهِ لغيره، كَمَا قَالَ بَعضهم:
(وَجَائِز تَقْلِيد غير الْأَرْبَعَة
…
فِي غير إِفْتَاء وَفِي هَذَا سَعَة)
مِثَال هَذِه التَّوسعَة فِي أصُول الْمُعَامَلَات أَن الْقَاعِدَة عِنْد أَكثر الْفُقَهَاء الْمَشْهُورين أَن الأَصْل فِي الْعُقُود الْبطلَان فَلَا يَصح مِنْهَا إِلَّا مَا دلّ الشَّرْع على صِحَّته، وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَن الأَصْل فِيهَا الصِّحَّة إِلَّا مَا دلّ الْكتاب أَو السّنة على بُطْلَانه، لقَوْله تَعَالَى فِي أول سُورَة الْمَائِدَة وَهِي آخر مَا نزل من السُّور {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَوْفوا بِالْعُقُودِ} والعقود مَا يتعاقد النَّاس عَلَيْهِ، فَهَذَا الْمَذْهَب أقوى دَلِيلا، وأقوم قيلا، وَأهْدى سَبِيلا، بِمَا فِيهِ من التَّوسعَة على النَّاس وَهُوَ الَّذِي رَجحه الْمُحَقِّقُونَ من الْحَنَابِلَة. .
ألم تَرَ أَنه لما شَاءَت الحكومتان العثمانية والمصرية أَن تخرجا عَن مَذْهَب الْحَنَفِيَّة فِي بعض أَحْكَام النِّكَاح وَالطَّلَاق وَفسخ النِّكَاح فِي بعض الْأَحْوَال، وتأخذا فِيهَا بِمَا تقرر فِي الْمذَاهب الْأُخْرَى لباهما شُيُوخ الْفِقْه وَوَضَعُوا لَهما قوانين فِي هَذِه الْأَبْوَاب مقتبساً بَعْضهَا من الْمذَاهب الثَّلَاثَة الْأُخْرَى وَلَعَلَّهُمَا لَو شاءتا الْأَخْذ فِي بعض الْأَحْكَام بأقوال غير عُلَمَاء الْمذَاهب الْأَرْبَعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأئمة العترة لما أَبَوا مواتاتهما، فَإِن الجمود على مَذْهَب معِين لم يكن إِلَّا تَحْقِيقا لرغبة الْأُمَرَاء والسلاطين، والاسترزاق من الْأَوْقَاف الَّتِي زمامها بِأَيْدِيهِم، فالذنب فِيهِ مُشْتَرك بَينهم وَبَين الْفُقَهَاء الَّذين رَأَوْا فِيهِ مَنْفَعَة لَهُم. . وَأما الَّذِي لَا يَجْرُؤ عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ المتفقهة فَهُوَ الاستنباط من الْكتاب وَالسّنة، وقواعدهما الْعَامَّة ككون الضرورات تبيح الْمَحْظُورَات، وَكَون مَا حرم لسد الذريعة يُبَاح للْمصْلحَة الراجحة. . وَإِن نَص أئمتهم على هَذِه الْقَوَاعِد لِأَن هَذَا عِنْدهم من الِاجْتِهَاد الْمَمْنُوع. .
وَالْحق أَن الْعلم الاستقلالي (الِاجْتِهَاد) لم يَنْقَطِع وَلنْ يَنْقَطِع من هَذِه الْأمة المحمدية، وَإِلَّا لبطلت حجَّة الله على الْخلق بفقد حملتها والدعاة إِلَيْهَا والذابين عَنْهَا، وَلما صَحَّ من خبر الْمَعْصُوم من عدم اجتماعها على ضَلَالَة، وَمن أَنه لَا يزَال فِيهَا طَائِفَة ظَاهِرين على الْحق حَتَّى يَأْتِي أَمر الله، وَلَكِن هَؤُلَاءِ الْعلمَاء المستقلين كَانُوا ينتسبون فِي كل عصر من أعصار غَلَبَة الْجَهْل إِلَى الْمذَاهب الَّتِي نشئوا عَلَيْهَا قبل الِاجْتِهَاد لسببين:(أَحدهمَا) أَنهم لم يَكُونُوا يَجدونَ رزقا يتمكنون بِهِ من الِانْقِطَاع للْعلم إِلَّا من الْأَوْقَاف المحبوسة على المشتغلين بِهَذِهِ الْمذَاهب فيضطرون إِلَى تدريس كتبهَا والتصنيف فِيهَا ليحل لَهُم الْأكل مِمَّا وقف على أَهلهَا (وَثَانِيهمَا) أَن الْمُلُوك والحكام وأعوانهم من المقلدين كَانُوا وَمَا زَالُوا حَربًا للْعلم الاجتهادي الَّذِي يفتضحون بِهِ،