المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌كراهة غير المسلمين لحكومة الخلافة: - الخلافة

[محمد رشيد رضا]

فهرس الكتاب

- ‌الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة الْمُتَعَلّقَة بالخلافة الإسلامية

- ‌التَّعْرِيف بالخلافة الإسلامية ووجوبها شرعا

- ‌التَّعْرِيف بالخلافة

- ‌حكم الْإِمَامَة أَو نصب الْخَلِيفَة

- ‌من ينصب الْخَلِيفَة ويعزله

- ‌سلطة الْأمة وَمعنى الْجَمَاعَة

- ‌شُرُوط أهل الِاخْتِيَار للخليفة:

- ‌الشُّرُوط الْمُعْتَبرَة فِي الْخَلِيفَة:

- ‌صِيغَة الْمُبَايعَة:

- ‌مَا يجب على الْأمة بالمبايعة:

- ‌مَا يجب على الإِمَام للملة وَالْأمة:

- ‌الشورى فِي الْإِسْلَام

- ‌التَّوْلِيَة بالاستخلاف والعهد:

- ‌طَالب الْولَايَة لَا يُولى

- ‌إِمَامَة الضَّرُورَة والتغلب بِالْقُوَّةِ:

- ‌مَا يخرج بِهِ الْخَلِيفَة من الْإِمَامَة:

- ‌دَار الْعدْل وَدَار الْجور والتغلب:

- ‌كَيفَ سنّ التغلب على الْخلَافَة

- ‌وحدة الْخَلِيفَة وتعدده:

- ‌وحدة الْإِمَامَة بوحدة الْأمة:

- ‌أهل الْحل وَالْعقد فِي هَذَا الزَّمَان

- ‌وَمَا يجب عَلَيْهِم فِي أَمر الْأمة وَالْإِمَام:

- ‌ حزب الْإِصْلَاح الإسلامي المعتدل

- ‌حزب المتفرنجين:

- ‌حزب حشوية الْفُقَهَاء الجامدين:

- ‌مَقَاصِد النَّاس فِي الْخلَافَة وَمَا يجب على حزب الْإِصْلَاح:

- ‌علاقَة الْخلَافَة بالعرب وَالتّرْك:

- ‌جعل مَرْكَز الْخلَافَة فِي الْحجاز وموانعه:

- ‌إِقَامَة الْخلَافَة فِي بِلَاد التّرْك وموانعها ومرجحاتها:

- ‌إِقَامَة الْخلَافَة فِي منْطقَة وسطى:

- ‌نموذج من النّظم الوالجب وَضعهَا للخلافة:

- ‌نهضة الْمُسلمين وتوقفها على الِاجْتِهَاد فِي الشَّرْع:

- ‌فتاوي مصطفى كَمَال الدِّينِيَّة بِرَأْيهِ

- ‌أَمْثِلَة لحَاجَة التّرْك إِلَى الِاجْتِهَاد فِي الشَّرْع

- ‌توقف الِاجْتِهَاد فِي الشَّرْع على اللُّغَة الْعَرَبيَّة:

- ‌الاشتراع الإسلامي والخلافة:

- ‌مَا بَين الاشتراع وَحَال الْأمة من تبَاين وتوافق:

- ‌تَأْثِير الْإِمَامَة فِي إصْلَاح الْعَالم الإسلامي:

- ‌كَرَاهَة غير الْمُسلمين لحكومة الْخلَافَة:

- ‌الْخلَافَة ودول الإستعمار:

- ‌الْخلَافَة وتهمة الجامعة الإسلامية:

- ‌شَهَادَة لوردين للشريعة الإسلامية:

- ‌كلمة لورد كرومر فِي الشَّرِيعَة:

- ‌كتاب لورد كرومر إِلَى أَصْحَاب الْمنَار:

- ‌الْخلَافَة والبابوية، أَو الرياسة الروحية:

- ‌الْفَصْل الْخَامِس لِلْإِسْلَامِ

- ‌قلب السلطة الدِّينِيَّة

- ‌السُّلْطَان فِي الْإِسْلَام

- ‌خَاتِمَة

- ‌سنة التغلب وعواقبها، وإفساد الْأَعَاجِم لحكم الْإِسْلَام الْعَرَبِيّ:

- ‌إضراب الْمُسلمين فِي حكوماتهم

- ‌قَاعِدَة ابْن خلدون فِي العصبية مُخَالفَة لِلْإِسْلَامِ:

- ‌التّرْك العثمانيون والخلافة والتفرنج:

- ‌إحْيَاء الجنسية الطورانية:

- ‌وَسَائِل المتفرنجين لإماتة الدّين:

- ‌مُنْتَهى سلطة الْخَلِيفَة وَشَيخ الْإِسْلَام:

- ‌ضعف مَا عدا العسكرية فِي الدولة:

- ‌مَا نقترحه على التّرْك فِي مَسْأَلَة الْخلَافَة:

الفصل: ‌كراهة غير المسلمين لحكومة الخلافة:

بِالْحَقِّ والتواصي بِالصبرِ، وبالنصيحة لله وَلِرَسُولِهِ ولأئمة الْمُسلمين وعامتهم فَيرجع إِلَى رَأينَا من يُخَالِفهُ الْيَوْم كَمَا رجعُوا إِلَى رَأينَا فِي السُّلْطَان عبد الحميد ثمَّ فِي جميعة الِاتِّحَاد والترقي، وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين.

‌كَرَاهَة غير الْمُسلمين لحكومة الْخلَافَة:

قد يَقُول قَائِل: إِن غير الْمُسلمين فِي الْبِلَاد الَّتِي تُوصَف بالإسلامية (نِسْبَة إِلَى السوَاد الْأَعْظَم من أَهلهَا) يكْرهُونَ أَن تؤسس حُكُومَة الْخلَافَة فِيهَا، وَلَا سِيمَا النَّصَارَى الَّذين يرَوْنَ أَن ضعف النّفُوذ والتشريع والآداب والتقاليد الإسلامية فِي كل بلد إسلامي إِنَّمَا يكون بِقُوَّة نُفُوذ الإفرنج وتشريعهم وآدابهم وتقاليدهم - وَكَذَا لغاتهم - وَبِذَلِك تكون مقومات الْأمة ومشخصاتها أقرب إِلَى النَّصْرَانِيَّة مِنْهَا إِلَى الْإِسْلَام، وَمن لم يُؤمن بالعقيدة النَّصْرَانِيَّة والوصايا الإنجيلية بمحبة الْأَعْدَاء وَكَرَاهَة الْغنى وإدارة الخد الْأَيْسَر لمن يضْربهُ على خَدّه الْأَيْمن فَإِنَّهُ قد يكون أَشد استمساكا بالنصرانية الاجتماعية السياسية من أقوى الْمُؤمنِينَ بالإنجيل إِيمَانًا. فَتلك النَّصْرَانِيَّة المزورة لتي تنْسب إِلَيْهَا المدنية المادية الأوربية هِيَ مثار التعصب وَالْكَرَاهَة لكل مَا هُوَ إسلامي، لَا نَصْرَانِيَّة الْإِنْجِيل الزاهدة المتواضعة الخاشعة ذَات الإيثار الَّذِي يسمونه " إِنْكَار الذَّات ".

وَإِذا كَانَ أمثالهم من متفرنجة الْمُسلمين يكْرهُونَ الْحُكُومَة الدِّينِيَّة ويعارضون فِي إحْيَاء منصب الْخلَافَة أَفلا يكون متفرنجة النَّصَارَى أولى؟ وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَكيف نعود إِلَى تَجْدِيد حُكُومَة دينية يكرهها كثير من رعاياها وينفرون مِنْهَا؟

الْجَواب عَن هَذَا يحْتَاج إِلَى تَفْصِيل نكتفي بالضروري مِنْهُ فَنَقُول: إِذا صَحَّ مَا يعزي إِلَى من ذكر من أهل الوطن بِمُقْتَضى العاطفة وتأثير التربية، فَإِن من يمحص الْحَقِيقَة وَينظر إيها بِعَين الْمصلحَة سَوَاء كَانَ مِنْهُم أَو من غَيرهم فَإِنَّهُ يحكم فِيهَا حكما آخر.

ص: 117

إِن حُكُومَة الْخلَافَة إسلامية مَدَنِيَّة قَائِمَة على أساس الْعدْل والمساواة إِلَّا أَن لغير الْمُسلمين فِيهَا من الْحُرِّيَّة الشخصية مَا لَيْسَ للمرتد وَالْمُنَافِق من الْمُسلمين، فَهَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ أَن يكون الْإِسْلَام رابطة جنسية أدبية حرَّة بِحَيْثُ يكون لَهُم فِي حكومته جَمِيع حُقُوق الْمُسلمين الشَّرْعِيَّة والعرفية والقانونية، وَإِن صَرَّحُوا بِأَنَّهُم لَا يدينون الله بِالْإِيمَان بعقيدته، وَلَا بِإِقَامَة أَرْكَانه وشعائره، وهم يعلمُونَ أَن الْحُكُومَة الإسلامية لَا تعطيهم شَيْئا من ذَلِك، حَتَّى إِن الْمَرْأَة إذاعلمت من زَوجهَا أَنه ارْتَدَّ عَن الْإِسْلَام حرم عَلَيْهَا أَن تقيم مَعَه وتستمر فِي عصمته، وَأَحْكَام الْمُرْتَدين مَعْرُوفَة فَأَمرهمْ أغْلظ من أَمر الوثنيين، دع الكتابيين الَّذين تحل ذَبَائِحهم والتزوج بالمحصنات من نِسَائِهِم، وَلَا تعاقب الْحُكُومَة الإسلامية غير الْمُسلمين على شَيْء يحل لَهُم فِي دينهم - وَإِن لم يكن حَلَالا فِي الْإِسْلَام - إِلَّا مَا فِيهِ إِيذَاء لغَيرهم، بل لَا تحاسبهم على أَعْمَالهم الشخصية الَّتِي لَا تضر الْمُسلمين وَلَا غَيرهم من رعيتها وَإِن خَالَفت دينهم، وَلكنهَا تحاسب الْمُسلمين وتعاقبهم على الْمعاصِي بالحدود وأنواع التَّعْزِير كالتوبيخ وَالْحَبْس وَذَلِكَ أَن من أصُول الْإِسْلَام حفظ الْآدَاب والفضائل وَمنع الْفَوَاحِش والمنكرات. وَقد وصف الله الْمُسلمين بقوله:{الَّذين إِن مكناهم فِي الأَرْض أَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة وَأمرُوا بِالْمَعْرُوفِ ونَهْوا على الْمُنكر} وَقَالَ فيهم: {كُنْتُم خَيرَ أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنْهون عَن الْمُنكر} وَأَحْكَام الرِّدَّة والحسبة فِي الْإِسْلَام مَعْرُوفَة.

فَعلم بِهَذَا أَن ملاحدة الْمُسلمين وفساقهم المستهترين أَجْدَر أَن يَكُونُوا أَشد كَرَاهَة لإِقَامَة أَحْكَام الشَّرِيعَة من غير الْمُسلمين لِأَنَّهَا تكلفهم مَا لَا تكلّف غَيرهم وتواخذهم بِمَا لَا تؤاخذه بِهِ. وَقد اقترح بعض هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَة على جمَاعَة المؤتمر السوري الْعَام الَّذِي عقد فِي دمشق أَن يقرروا جعل الْحُكُومَة السورية غير دينية، وَلَا أذكر أَن أحدا من الْأَعْضَاء النَّصَارَى وَافق على الاقتراح بل صرح بَعضهم برده كأكثر الْمُسلمين. واقترح فِي ذَلِك المؤتمر أَن تقيد مَادَّة الْحُرِّيَّة الشخصية من القانون الأساسي بِقَيْد عدم الْإِخْلَال بالآداب الْعَامَّة، فَرد هَذَا الاقتراح بعض هَؤُلَاءِ الموصوفين بِالْمُسْلِمين وَصرح بَعضهم بتعليل الرَّد بِأَنَّهُ يَتَرَتَّب عَلَيْهِ أَن يجوز للشرطة منع الرجل من الْجُلُوس مَعَ الْمَرْأَة فِي ملهى من الملاهي أَو مقهى من المقاهي الْعَامَّة لمعاقرة الْخمر (؟ ؟) وَقد كن رد هَذَا الاقتراح أقبح خزي صدر من ذَلِك المؤتمر،

ص: 118

وَإِن علل الرَّد بَعضهم بالاستغناء عَن قيد الْآدَاب الْعَامَّة بِقَيْد القوانين الَّتِي يُمكن أَن ينص فِيهَا على ذَلِك الْقَيْد، وخُدع بعض أهل الدّين وَالْأَدب بذلك وَمَا كَانَ ينغبي لَهُم أَن يُخدعوا، بل أَقُول إِن أَكثر النَّصَارَى من أَعْضَاء ذَلِك المؤتمر كَانُوا أقرب إِلَى الْمُسلمين المستمسكين بِأَحْكَام الْإِسْلَام مِنْهُم إِلَى المتفلتين من الدّين، وَإِن كَانَ هَؤُلَاءِ يَتَقَرَّبُون إِلَيْهِم وينتصرون لَهُم فِيمَا يُوَافق أهواءهم من مُخَالفَة هِدَايَة الدّين الْعَامَّة.

وَقد ثَبت بالتجارب أَن غير المتدينين إِذا اخْتلفُوا لأسباب سياسية أَو غَيرهَا فَإِنَّهُم يكونُونَ أَشد عَدَاوَة وقسوة لبَعْضهِم على بعض من المتدينين بِالْفِعْلِ من الْفَرِيقَيْنِ فالمتدين وَإِن شَذَّ يكون أقرب إِلَى الرَّحْمَة من المادي، وَاعْتبر ذَلِك بِمَا وَقع من الْقَسْوَة فِي الْحَرْب البلقانية، الْحَرْب الْعَامَّة بَين الأوربيين أنفسهم وَبَين من غلبت عَلَيْهِم تربيتهم من الأرمن وَالروم وَالتّرْك.

وأضرب مثلا آخر: الدكتور برتكالوس الرُّومِي قَالَ لجَماعَة من السوريين كَانُوا يظهرون الابتهاج وَالسُّرُور بالدستور العثماني عقب إعلانه: إِن حكم الشَّرِيعَة الإسلامية خير لنا معشر النَّصَارَى من حكم السدتور الَّذِي يسلبنا كثيرا مِمَّا أعطتنا الشَّرِيعَة من الأمتيازات ويحملنا مَا أعفتنا من التكليفات. وأيد كَلَامه اشتداد العداء بَين التّرْك وَبَين الرّوم والأرمن وَغَيرهمَا بعد الدستور الَّذِي ترَتّب عَلَيْهِ سلب هَؤُلَاءِ كثيرا مِمَّا بَقِي لَهُم مُنْذُ كَانَ الحكم بِالشَّرْعِ وَحده.

وإنني أعقب على هَذَا القَوْل بِأَن أَشد مَا يتبرم بِهِ متفرنجة التّرْك من أَحْكَام الشَّرِيعَة هُوَ مَا أَعطَتْهُ من الْحُرِّيَّة الواسعة لغير الْمُسلمين فِي بِلَاد الْإِسْلَام، ويرون أَنه لولاها لَصَارَتْ هَذِه الْبِلَاد مِلَّة وَاحِدَة كبلاد أوربة الَّتِي لم يكن فِيهَا شَيْء من هَذِه الْحُرِّيَّة ولاستراحت من العداوات والفتن الَّتِي أثارها عَلَيْهِم نَصَارَى الرومللي فالأناضول بدسائس أوربة حَتَّى كَانَت سَبَب انحلال السلطنة العثمانية، هَذَا رَأْيهمْ، وَمن الْغَرِيب أَن كثيرا من نَصَارَى بِلَادنَا المتفرنجين يوافقونهم على هَذِه النظرية وَيَقُولُونَ ياليت الْمُسلمين أكْرهُوا أجدادنا على الْإِسْلَام فِي أزمنة الْفَتْح وَالْقُوَّة، إِذن كُنَّا فِي أوطاننا أمة وَاحِدَة ذَات مِلَّة وَاحِدَة فنسلم من شقاء هَذَا الشقاق والفتن المخربة للبلاد.

ص: 119

لَا مجَال فِي هَذَا الْمقَام لتحرير القَوْل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، وَلَيْسَ من الصعب بَيَان خطأ من يظنّ أَن مُعَاملَة نَصَارَى الدولة بِعدْل الشَّرِيعَة الإسلامية وحريتها هُوَ الَّذِي ألبّهم عَلَيْهَا، وَلَا إِثْبَات أَن الَّذِي ألّبهم ثمَّ أثارهم هُوَ جهل رجال الدولة وغفلتهم عَن دسائس أوربة فِي هَذِه الشعوب وَمَا بثوا فِي مدارسها وكنائسها! إِنَّمَا غرضنا من ذكرهَا أَن الشَّرِيعَة الإسلامية خير لِلنَّصَارَى فِي بِلَاد أَكثر أَهلهَا مُسلمُونَ من حُكُومَة مَدَنِيَّة لَا يتَقَيَّد أَهلهَا بأصول هَذِه الشَّرِيعَة - كَمَا كَانُوا فِي عهد الْخُلَفَاء من الْعَرَب وَكَذَا سلاطين العثمانيين - فَإِن الْفرق الْحَقِيقِيّ بَين الحكومتين هُوَ أَن الأكثرية الْمسلمَة لَا يحل لَهَا أَن تتبع هَواهَا فِي التشريع الديني، وَلَا فِي التَّنْفِيذ بِمَا يعد ظلما للأقلية غير الْمسلمَة لِأَن الله تَعَالَى حرم الظُّلم تَحْرِيمًا مُطلقًا لَا هوادة فِيهِ وَلَا عذر، وَأوجب الْعدْل إِيجَابا مُطلقًا عَاما لَا مُحَابَاة فِيهِ، وحذر تحذيرا خَاصّا من ترك الْعدْل فِي حَالَة الْكَرَاهَة والبغض من أَي فريق كَانَ بقوله تَعَالَى:{وَلَا يَجْرِمَنّكم شنآن قوم على أَلا تعدلوا اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى، واتقو الله إِن الله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ} أَي وَلَا يحملنكم بغض قوم لكم أَبُو بغضكم لَهُم، قَالَ بعض الْمُفَسّرين أَي الْكفَّار، وَالصَّوَاب أَنه أَعم، على أَلا تعدلوا فيهم بل اعدلوا فيهم كغيرهم وَحذف الْمَعْمُول دَلِيل الْعُمُوم، أَي أعدلوا عدلا مُطلقًا عَاما فِي الْمُؤمن وَالْكَافِر، وَالْبر والفاجر، وَالصديق والعدو، الخ وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى:{يأيها الَّذين آمنواكونوا قوامين بِالْقِسْطِ شُهداء لله وَلَو على أَنفسكُم أَو الْوَالِدين والأقربين، إِن يكن غَنِيا أَو فَقِيرا فَالله أولى بهما، فَلَا تتبعوا الْهوى أَن تعدلوا وَإِن تلووا أَو تعرضوا فَإِن الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا} أَي كونُوا قَائِمين بِالْعَدْلِ فِي الْأَحْكَام وَغَيرهَا على أكمل وَجه، كَمَا تدل عَلَيْهِ صِيغَة الْمُبَالغَة شُهَدَاء لله فِي إِثْبَات الْحق، وَمَا كَانَ لله لَا يُمَيّز فِيهِ الْمُؤمن نَفسه وَلَا الدِّيَة أَو أقرب النَّاس إِلَيْهِ على غَيرهم، لِأَن هَذَا التَّمْيِيز إِيثَار لنَفسِهِ أَو لقريبه على ربه الَّذِي جعل الشَّهَادَة لَهُ سُبْحَانَهُ، وَلَا يفرق فِيهِ الْغنى وَالْفَقِير بِأَن يحابي الْغنى طَمَعا فِي نواله أَو الْفَقِير رَحْمَة بِهِ، وقفي على هَذَا بِالنَّهْي عَن ضِدّه وَهُوَ اتِّبَاع هوى النَّفس كَرَاهَة للعدل، وبحظر اللّى ّ والتحريف للشَّهَادَة أَو الْإِعْرَاض عَنْهَا أَو عَن الحكم بِالْحَقِّ، وتهدد فَاعل ذَلِك وتوعده بِأَنَّهُ خَبِير بأَمْره لَا يخفى عَلَيْهِ شئ، دع ماورد فِي الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة من الْوَصِيَّة بِأَهْل الْعَهْد والذمة خَاصَّة، وَلَوْلَا ذَلِك لفَعَلت الحكومات الإسلامية القوية بالمخالفين لَهُم مَا فعل غَيرهم من إبادة بعض وإجلاء آخَرين عَن دِيَارهمْ أَو

ص: 120

إكراههم على دين الْإِسْلَام أَو سنّ قوانين استثنائية لقهرهم وإذلالهم، وَفِي التَّارِيخ العثماني أَن السُّلْطَان سُلَيْمَان استفتى شيخ الْإِسْلَام أَبَا السُّعُود الْعِمَادِيّ الدِّمَشْقِي الأَصْل فِي إِكْرَاه النَّصَارَى على الْإِسْلَام أَو الْجلاء فَأبى أَن يفتيه، وَبَين لَهُ أَن الشَّرِيعَة لَا تبيح ذَلِك فأذعن، وَكَانَ يُرِيد أَن يفعل بهم كَمَا فعلت الدولة الإسبانية بمسلمي الأندلس

وثمة فرق آخر بَين الشَّرْع الإسلامي والاشتراع البشري الَّذِي لَا تتقيد حكومته بِالدّينِ، هُوَ فِي مصلحَة غير الْمُسلمين أَيْضا، وَهُوَ أَن كل مُسلم يعْتَقد أَن الحكم الشَّرْعِيّ حكم إلهي وَأَن طَاعَته قربَة وزلفى عِنْد الله يُثَاب عَلَيْهَا فِي الْآخِرَة، وعصيانه عصيان لله تَعَالَى يُعَاقب عَلَيْهِ فِيهَا، سَوَاء حكم بِهِ الْحَاكِم عَلَيْهِ أم لَا، وَلَكِن حكم الْحَاكِم يرفع خلاف الْمذَاهب، فَتكون طَاعَته ضربا لازبا. وَهَذَا ضَمَان لغير الْمُسلم الْوَازِع فِيهِ نَفسِي وَلَا ضَمَان مثله للْمُسلمِ من غَيره.

(فَإِن قيل) كل ذِي دين يُحَاسب نَفسه (أَو ضَمِيره) على مَا يَعْتَقِدهُ من حق عَلَيْهِ (قُلْنَا) هَذَا عَام مُشْتَرك وَمَا نَحن فِيهِ أخص مِنْهُ، وَهُوَ احترام الحكم الشَّرْعِيّ وَوُجُوب طَاعَة الْحَاكِم إِذا حكم عَلَيْهِ سَوَاء اعْتقد صِحَّته أم لم يعْتَقد - وَإِن أَمن عِقَاب الْحُكُومَة فِي التفصي مِنْهُ بالحيلة.

وَجُمْلَة القَوْل أَنه لَيْسَ فِي الشَّرِيعَة ظلم لغير الْمُسلم يعْذر بِهِ على كراهتها، وَهِي تَسَاوِي بَين أَضْعَف ذمِّي أَو معاهد وَبَين الْخَلِيفَة الْأَعْظَم فِي موقف الْقَضَاء وَتَقْرِير الْحُقُوق، والشواهد على هَذَا فِي عصر الْخلَافَة الراشدة وَمَا بعْدهَا مُتعَدِّدَة. وإننا نصرح بِكُل قُوَّة بِأَن الْعدْل الْعَام الْمُطلق لم يُوجد إِلَّا فِي الْإِسْلَام. وَمَا وَقع من شذوذ بعض حكام الْمُسلمين فِي ظلم بعض الذميين فَإِنَّمَا كَانَ من أقلهم علما واهتداء بِالدّينِ، وَلم يكن خَاصّا بِغَيْر الْمُسلمين وَلَا شئ ينْتَقد من أَئِمَّة الْعدْل وخلفاء الْحق إِلَّا بعض الْمُعَامَلَات الاستثنائية فِي أزمنة الْفَتْح مِمَّن غفل عَن كَونهَا أحكاما عسكرية مُؤَقَّتَة. فَأَرَادَ جعلهَا دائمة. على أَن الْإِسْلَام كَانَ أعدل وأرحم فِيهَا من جَمِيع الْبشر حَتَّى قَالَ أحد حكماء أوربة المنصفين: مَا عرف التَّارِيخ فاتحا أعدل وَلَا أرْحم من الْعَرَب.

وَلَا نَعْرِف لَهُم مطعنا فِي الْمُسَاوَاة الشَّرْعِيَّة فِي الْأَحْكَام الَّتِي عملت بهَا جَمِيع الدول

ص: 121

الإسلامية إِلَّا مَسْأَلَة رد شَهَادَة غير الْمُسلم على الْمُسلم، وَهِي مَسْأَلَة لَا يقوم دَلِيل على إِطْلَاق القَوْل فِيهَا بل لَهَا مخرج من الْكتاب وَالسّنة وأصول الشَّرِيعَة فقد قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْمَائِدَة وَهِي من آخر مَا نزل من الْقُرْآن لَيْسَ فِيهَا حكم مَنْسُوخ {يأيها الَّذين آمنُوا شهادةَ بينكِم إِذا حضر أحدَكم الموتُ حِين الوصيةِ اثْنَان ذَوَا عدل مِنْكُم أَو أخران من غَيْركُمْ} الْآيَة. . والمتبادر الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُور السّلف وَالْخلف أَن المُرَاد بغيركم غير المخاطبين بِالْآيَةِ وهم الْمُسلمُونَ، رخصه بعض الْعلمَاء بِأَهْل الْكتاب، وَلَا دَلِيل على هَذَا التَّخْصِيص وَقَيده بَعضهم بِمثل الْحَالة الَّتِي نزلت فِيهَا الْآيَة بِنَاء على أَن الأَصْل فِي الشَّهَادَة غير الْمُسلم الْعدْل أَن ترد لقَوْله تَعَالَى:{وَأشْهدُوا ذوَى ْ عدل مِنْكُم}

وَقد بَينا ضعف الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الْآيَة على مَا ذكر فِي تَفْسِير آيَة الْمَائِدَة بتفصيل مِنْهُ أَن هَذَا فِي الْأَمر بِالْإِشْهَادِ فِي مَسْأَلَة المطلقات المعتدات من المسلمات لَا فِي الشَّهَادَة مُطلقًا، وَلَا فِي كل إِشْهَاد، وَقد قَالَ تَعَالَى فِي الْإِشْهَاد على الْأَمْوَال:{فَإِذا دفعتم إِلَيْهِم أَمْوَالهم فأشهدوا عَلَيْهِم} وَلم يُقيد هَذَا الْإِشْهَاد بالعدول من الْمُؤمنِينَ كَمَا قَيده فِي الْمَسْأَلَة الْخَاصَّة بِالنسَاء المسلمات، وَبينا ضعف حمل الْمُطلق على الْمُقَيد فِي الْآيَتَيْنِ مَعَ اخْتِلَاف موضوعهما، وَالْفرق بَين الْإِشْهَاد وَالشَّهَادَة، كَمَا بَينا ضعف القَوْل بِأَن غير الْمُسلم لَا يكون عدلا بِدَلِيل الْقُرْآن إِذْ جَاءَ فِيهِ:{ومِن قوم مُوسَى أُمةٌ يهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِه يعدلُونَ} وَقَوله: {ومِن أهل الْكتاب مَن إنْ تأمَنه بقنطار يُؤَدِّه إِلَيْك} كَمَا بَينا ضعفه بِدَلِيل سيرة الْبشر الْمَعْلُومَة بِالِاخْتِيَارِ وَالْعقل وَهُوَ أَنه لم تُوجد أمة من الْأُمَم جردت من الصدْق وَالْعَدَالَة بِحَيْثُ لَا يصدق أحد من أَهلهَا، وَبينا أَيْضا سَبَب تَفْضِيل الْفُقَهَاء للْمُسلمِ على غَيره فِي الشَّهَادَة من أَرْبَعَة أوجه أهمها مَا كَانَ عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ الْأَولونَ من التَّقْوَى والصدق وَعدم الْمُحَابَاة عملا بوصايا الدّين الَّتِي تقدم بعض الْآيَات فِيهَا آنِفا وَمَا اتّفق عَلَيْهِ المؤرخون فِي مُقَابلَة ذَلِك من غَلَبَة فَسَاد الْأَخْلَاق على الْأُمَم الْأُخْرَى الَّتِي فتح الْمُسلمُونَ بلادها.

وَفِي أصُول الشَّرِيعَة مُسْتَند آخر لشهادة غير الْمُسلم وَهُوَ دُخُولهَا فِي عُمُوم الْبَيِّنَة إِذا ثَبت عندالقاضي صدقه فِيهَا فَإِن الْبَيِّنَة فِي اللُّغَة كل مَا يتَبَيَّن بِهِ الْحق وَقد فصل الْمُحَقق ابْن القيّم هَذَا الْمَعْنى فِي كِتَابه (أَعْلَام الموقعين) ونشرنا ذَلِك فِي الْمنَار وَبينا أَنه يدْخل فِي عُمُوم الْبَيِّنَة كل مَا تجدّد فِي هَذَا الْعَصْر من أَنْوَاع الجرائم كأثر خطوط

ص: 122

الْأَصَابِع على الْأَشْيَاء مثلا. وَمن أَرَادَ التَّفْصِيل فَعَلَيهِ بالمنار وَتَفْسِيره.

فَلم يبْق بعد هَذَا الْبَيَان على إجماله من عذر لغير الْمُسلمين إِذا كَرهُوا إحْيَاء الشَّرِيعَة الإسلامية العادلة لمحض التعصب الْأَعْمَى أَو لتفضيل تشريع الْأَجَانِب على تشريع من يشاركهم فِي وطنهم. وَلَيْسَ من الْحق وَلَا من الْعدْل أَن تكلّف أمة ترك منقبة التشريع الفضلى، وَمثل هَذِه الْحُكُومَة المثلى، إرضاء لفئة قَليلَة لَا مصلحَة لَهَا فِي تَركهَا، وَإِنَّمَا تكرهها لمحض التعصب على السوَاد الْأَعْظَم من أهل وطنها، وناهيك بِمَا تأرث من الأضغان بَين مُسْلِمِي الأناضول وَالروم والأرمن الَّذين خَرجُوا على التّرْك فِي زمن محنتهم وساعدوا أعداءهم عَلَيْهِم فِي حربهم.

وموضوع الْكَلَام فِي إِقَامَة الْخلَافَة فِي هَذِه الْبِلَاد التركية، فَإِذا رَضِي التّرْك بذلك وعاملوا هَؤُلَاءِ الجناة الْبُغَاة بِعدْل الشَّرِيعَة ورحمتها فَلَا يعقل أَن يكرهوا ذَلِك ويفضلوا عَلَيْهِ غَيره إِن كَانُوا يعْقلُونَ، وَإِنَّمَا أخْشَى أَن يكون هَذَا الْأَمر نَفسه مِمَّا ينفر كثيرا من التّرْك عَن إِقَامَة الشَّرِيعَة الَّتِي تحرم عَلَيْهِم أَن يتبعوا الْهوى فِي مُعَاملَة أَقوام أُولَئِكَ الجناة القساة الَّذين خربوا دِيَارهمْ بالنَّار والبارود، وهم يرونها بأعينهم أكواما من الرماد والأنقاض.

وَهَذِه حكومات جَزِيرَة الْعَرَب إسلامية مَحْضَة لَيْسَ فِيهَا قوانين وضعية وَلَا تشريع أوربي، وأقدمها حُكُومَة أَئِمَّة الْيمن، وهنالك كثير من الْيَهُود وهم راضون عَن حُكُومَة الْإِمَامَة الشَّرْعِيَّة لم يشكوا مِنْهَا ظلما وَلَا هضما، وَلم يفضلوا عَلَيْهَا حُكُومَة أُخْرَى، وَلَو سرى إِلَيْهِم سم السياسة الاستعمارية من طَرِيق التَّعْلِيم أَو غَيره لأفسدوهم على حكومتهم، وأثاروهم عَلَيْهَا لطلب وَطن قومِي لَهُم فِي الْبِلَاد وَلَو عدهم نافثوا السم فِي أَرْوَاحهم بالمساعدة على ذَلِك حبا فِي الإنسانية أَي حبا فِي إِفْسَاد الإنسانية وإثارة الْبغضَاء بَين الْمُخْتَلِفين فِي الدّين وَالْجِنْس أَو اللُّغَة بَعضهم على بعض ليتمكنوا من استبعاد الْجَمِيع. {فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار}

ص: 123