المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[4] (أضواء على مسائل مهمة يكثر الغلط في تصورها) - الرحلة إلى إفريقيا

[محمد الأمين الشنقيطي]

فهرس الكتاب

- ‌أعضاء الوفد:

- ‌الدول التي زارها الوفد:

- ‌أهداف الوفد:

- ‌الحفاوة التي قوبل بها الوفد:

- ‌القدر الذي وصلنا عبر التسجيل الصوتي مما ألقي في هذه الرحلة:

- ‌توصيف محتويات الأشرطة:

- ‌عَمَلُنا في هذه المادة:

- ‌القسم الأول (المحاضرات والكلمات)

- ‌[1] تفسير الآيات (21 - 24) من سورة البقرة

- ‌[2] (اشتمال القرآن على خيري الدُّنيا والآخرة)

- ‌[3] الإسلام دين القوة - تكريم الإسلام للمرأة

- ‌[4] (أضواء على مسائل مهمة يكثر الغلط في تصورها)

- ‌[5] الرابطة الإيمانية

- ‌[6] (الرابطة الإيمانية)

- ‌القسم الثاني (السؤالات)

- ‌السؤال الثالث: لما كانت زكاة العروض للمدير عند مالك لا يلزم صاحبها أن يزكيها إلا إذا لم يبق له دينار أو درهم، فهل إذا كانت الدراهم والدنانير تباع بالأسواق، وتوجد فيها الأرباح الكثيرة، ولم يشترها المدير يُعد ذلك فرارًا من الزكاة، ويعامل بنقيض قصده أم

- ‌السؤال الرابع: ما عندكم في لزوم الصوم، أو وجوب الفطر لخبر الرجل مع اتحاد القطر؟ وما عندكم في الاستماع لقراءة القرآن [في الإذاعة]

- ‌السؤال الخامس: ما هو حدّ البدعة التي من ارتكبها يعدّ مخالفًا للسنّة؟ وما عندكم فيما يفعله بعض متصوفة زماننا من حركات، والكلمات التي لا تعلّق لها بالصلاة، كاستدبار القبلة، والرقص والكلام بنحو: "مرّ، مرّ" مع الجزم بأن هذا كله لا يؤثر خللا في صلاتهم زاع

- ‌السؤال السادس: ما عندكم في أداء الصلاة في الطائرة الجوية إذا تيقن عدم النزول إلا بعد خروج الوقت

- ‌[السؤال التاسع: ] أريد أن يبين الشيخ للناس أن المرأة ليست لعبة بين يديّ الرجل؛ لأن يكون الرجل عادلًا مع المرأة ويعطيها حقها، ولا يجعلها لعبة أي: إذا زال الغرض فيُلقيها عنه فهذا ليس من القِسط وليس من الإنسانية

- ‌[السؤال العاشر: ] ما هو الدليل القطعي على وجوب إثبات البسملة في غير سورة النمل أو حذفها، وعلى الأول هل يجهر بها أو يسر

- ‌[السؤال الحادي عشر: ] ما هو الأظهر عندكم في الأقوال المختلفة في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "أنزل القرآن على سبعة أحرف

- ‌[السؤال الرابع عشر: ] ما معنى قوله تعالى في سورة النمل: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ} [

- ‌[السؤال الخامس عشر: ] هل يمكن عندكم الآن تصحيح ما لم يصحح من الأحاديث كما هو مذهب النووي، أم لا يمكن كما هو مذهب ابن الصلاح

- ‌[السؤال السابع عشر: ] هل الخلع طلاق أو فسخ؟ وما هو رأيكم في تعدد الزوجات

- ‌[السؤال الثامن عشر: ] ما تقولون في التزام شخص مذهبًا معينًا

الفصل: ‌[4] (أضواء على مسائل مهمة يكثر الغلط في تصورها)

[4](أضواء على مسائل مهمة يكثر الغلط في تصورها)

وينتظم ذلك ست مسائل:

1 -

الاعتقاد الصحيح في نصوص الصفات.

2 -

مفهوم "لا إله إلا الله".

3 -

بيان أن الإسلام دين القوة والتقدم في جميع الميادين.

4 -

بيان الموقف الصحيح من الحضارة الغربية.

5 -

بيان أن الإسلام ينظم جميع شؤون الحياة.

6 -

الرابطة الإيمانية.

ص: 63

بسم الله الرحمن الرحيم

(1)

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والسلام عليكم جميعًا ورحمة الله وبركاته

وبعد:

فإني بهذه المناسبة أريد أن أُلقي أضواءً على بعض المسائل التي لها أهميتها في الإسلام مع أنها يتصورها كثير من ذويه بمفاهيم غير صحيحة:

من ذلك: ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من الصفات التي تمدَّح بها خالق الكون -جل وعلا- أو أثنى بها عليه نبيه صلى الله عليه وسلم، كصفة الاستواء ونحو ذلك، فإن كثيرًا من أهل الملة الإسلامية يتصورون ذلك بغير المفاهيم الحقيقية، والذي أريد أن أقوله: إن المفهوم الصحيح لذلك يتركز على ثلاث أُسس موضحة غاية الإيضاح في القرآن العظيم.

الأول منها: تنزيه خالق السموات والأرض التنزيه التام الكامل عن مشابهة شيء من خلقه في الذوات والصفات والأفعال، وهذا الأصل العظيم مستفاد من قوله تعالى:{لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ} [الشورى: 11]، وقوله:{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)} [الإخلاص: 4] وقوله: {فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال} [النحل: 74] ونحو ذلك من الآيات.

الثاني من تلك الأسس: هو الإيمان بما وصف الله به نفسه أو

(1) من الشريط الثامن.

ص: 64

وصفه به من قال في حقه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: 3، 4] لأنه لا يصف الله أعلم بالله من الله {أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} [البقرة: 140] ولا يصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى (4)} وذلك الإيمان بالصفات مبني على أساس تنزيه الخالق عن مماثلة خلقه في شيء من ذواتهم وصفاتهم وأفعالهم على نحو {لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)} [الشورى: 11] فإتيانه - جل وعلا - بقوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)} بعد قوله: {لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ} له مغزى عظيم وسر كبير وتعليم واضح لا ليس في الحق معه؛ لأن السمع والبصر من حيث هما سمع وبصر يتصف بهما جميع الحيوانات -ولله المثل الأعلى- فكأنه يقول: لا تتنطع يا عبدي فتنفي عني صفة سمعي وبصري مدعيًا أن الحيوانات تسمع وتبصر، وأن إثبات سمعي وبصري لي والإيمان بهما يستلزم التشبيه بما يسمع ويبصر من خلقي، لا، بل آمن بسمعي وبصري وأثبتهما لي، ولكن لاحِظ في ذلك الإثبات قولي قبله مقترنًا به:{لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ} .

فأول الآية دليل على التنزيه الكامل من غير تعطيل، وآخرها دليل على الإيمان بالصفات من غير تشبيه ولا تمثيل، فيلزم من ذلك إيمان وتنزيه، فمن تقدم بين يدي الله وتجرأ على أن ينفي عنه وصفًا أثنى به على نفسه أو أثنى عليه به نبيه صلى الله عليه وسلم فكأنه يجعل نفسه أعلم بالله من الله ورسوله! ! سبحانك هذا بهتان عظيم! ! .

ومن اعتقد أن وصفًا أثنى الله به على نفسه يشبه شيئًا من صفات

ص: 65

خلقه فهو أجهل خلق الله بالله، ومن أثبت لله ما أثبته لنفسه في حال كونه منزهًا ربه غاية التنزيه عن مشابهة صفات الخلق فهو مؤمن مُنَزّه سالم من ورطة التشبيه والتعطيل مستضيء بنور قوله تعالى:{لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)} [الشورى: 11].

الثالث من تلك الأسس: قطع الطمع عن إدراك كيفية الاتصاف؛ لأن العقول لا تحيط علمًا بمن خلقها، قال تعالى:{يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110)} [طه: 110] فقوله: {وَلَا يُحِيطُونَ} فعل في سياق النفي، وهو صيغة عموم كما هو مقرر في الأصول، ومن المعلوم أن الفعل قسمان: فعل حقيقي، وفعل صناعي، أما الحقيقي: فهو الحدث المتجذر المعبر عنه في علم النحو بالمصدر، وأما الصناعي: فهو المعروف في الصناعة النحوية بفعل الأمر والماضي والمضارع، والفعل الصناعي ينحل عن مصدر وزمن عند النحويين، وعن مصدر وزمن ونسبة عند جماعة من البلاغيين، كما حرروه في مبحث الاستعارة التبعية، والمقصود أن المصدر كامن في مفهوم الفعل الصناعي إجماعًا؛ وذلك المصدر لم يتعرف بمُعَرّف فهو في معنى النكرة، فالنفي المقترن بالفعل يتسلط على المصدر الكامن في مفهومه، فيؤول إلى معنى النكرة في سياق النفي، وهي من صيغ العموم كما هو معروف في محله.

فقوله إذًا: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110)} [طه: 110] في معنى: لا إحاطة للعلم البشري بخالق الكون - جل وعلا -.

وأنا أؤكد لكم كل التوكيد أنكم إن لقيتم ربكم يوم القيامة معتقدين

ص: 66

في آيات الصفات هذا المعنى الصحيح المتركز على هذه الأُسس الثلاثة القرآنية لا يلومكم الله ولا يوبخكم على ذلك، فلا يقول لكم: لِمَ تنزهونني عن مشابهة خلقي؟ ولا يقول لكم: لم تؤمنون بصفاتي وتصدقونني فيما مدحت به نفسي أو أثنى به عليَّ نبيي؟ ولا يقول لكم: لِمَ لا تقولون: إن علمكم محيط بمن خلقكم؟

فهذا المفهوم الصحيح طريق سلامة محققة؛ لأنه في نور القرآن العظيم، ولو تنطع متنطع فقال: بينوا لنا كيفية للاستواء منزهة عن كيفية استواء المخلوقين لنعتقد صفة استواء منزهة عن مشابهة صفات الخلق؟

قلنا: أعرفت كيفية الذات المقدسة المتصفة بتلك الصفات؟ فلا بد أن يقول: لا. فنقول: معرفة كيفية الاتصاف متوقفة على معرفة كيفية الذات، فسبحان من أحاط بكل شيء علمًا {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110)} [طه: 110].

وبالجملة فالله - جل وعلا - حق، وصفاته حق، والمخلوقون حق، وصفاتهم حق، وللخالق صفات لائقة بكماله وجلاله، وللخلق صفات لائقة بحالهم، وبين صفة الخالق والمخلوق من التغاير والمنافاة مثل ما بين ذات الخالق والمخلوق، ألا ترون أن الله تعالى وصف نفسه بالقدرة فقال:{وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (284)} [البقرة: 284] ووصف بعض خلقه بالقدرة قال: {إلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيهِمْ} [المائدة: 34] ووصف نفسه بالحياة قال: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]{هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إلا هُوَ} [غافر: 65]

ص: 67

ووصف بعض خلقه بالحياة، قال:{وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30]{وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)} [مريم: 15]{يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} [الروم: 19].

فلله قدرة وحياة لائقتان بكماله وجلاله، وللمخلوقين قدرة وحياة مناسبة لحالهم وفقرهم وفنائهم، وبين قدرة الخالق وحياته وقدرة المخلوق وحياته من المنافاة مثل ما بين ذات الخالق والمخلوق.

ووصف نفسه بالعلم قال: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 282]{فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيهِمْ بِعِلْمٍ} [الأعراف: 7]{لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [النساء: 166] ووصف بعض خلقه بالعلم قال: {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ} [يوسف: 68]{وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} [الذاريات: 28]{يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)} [الانفطار: 12]{هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] فعلم الله مناف لعلم المخلوق كما بينا.

ولو تتبعنا الآيات الواردة بنحو ذلك لجئنا منها بالمئات، ولكن القصد مطلق التمثيل.

وكذلك وصف نفسه بالاستواء على العرش في سبع آيات من كتابه، ووصف بعض خلقه بالاستواء على بعض المخلوقات كقوله:{لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيتُمْ عَلَيهِ} [الزخرف: 13] وقوله: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} [هود: 44]{فَإِذَا اسْتَوَيتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ} [المؤمنون: 28] فاستواء الله على عرشه الذي تمدح به وأثنى به على نفسه بالغ من الكمال والجلال ما يقطع علائق أوهام المشابهة بينه وبين استواء خلقه، كقدرته وعلمه وحياته؛ لأن ذاته حق، وجميع

ص: 68

صفاته حق، ولا يشبهه شيء من خلقه في ذاته ولا في شيء من صفاته، فالذات وجميع الصفات من باب واحد، كلها حق، وكلها منزهة عن مشابهة الخلق، والإيمان بكلها واجب.

ثم إنه من المقرر في الأصول: أن الكلام المفيد المعبر عنه في المعاني: بـ (الإسناد الخبري)، وفي النحو: بـ (الجملة الاسمية) أو (الفعلية)، وفي المنطق: بـ (القضية) بالنظر إلى ما دل عليه معناه التركيبي له حالتان:

الأولى: أن يدل على معنى واحد لا يحتمل غيره بوجه، وهو المعروف بـ (النص) في أشهر اصطلاحاته.

والثانية: أن يحتمل أكثر من معنى واحد، وهذا القسم الأخير له حالتان:

الأولى: أن يكون أظهر في بعض الاحتمالات من بعض.

والثانية: أن تستوي الاحتمالات.

فإن كان أظهر في بعضها فما هو أظهر فيه يسمى بـ (الظاهر) والمصير إليه واجب إلا بدليل صارف عنه يجب الرجوع إليه، وصرفه عن ظاهره لذلك الدليل هو المعروف في اصطلاح أهل الأصول بـ (التأويل) ومنه تأويل صحيح وفاسد، ومثال الصحيح منه قوله صلى الله عليه وسلم:"الجار أحق بسقبه"(1) فإن ظاهره المتبادر منه: ثبوت الشفعة للجار

(1) أخرجه البخاري في الشفعة، باب: عرض الشفعة على صاحبها قبل البيع، =

ص: 69

مطلقًا، وهو محتمل لأن يكون المراد في الجار خصوص الشريك المقاسم، وهذا الاحتمال المرجوح دل عليه حديث جابر:"فإذا صُرِفَت الطرق وضربت الحدود فلا شفعة"(1). وأمثلة الفاسد منه كثيرة معروفة في الأصول، وهو ينقسم إلى ما يسمى تأويلًا بعيدًا وفاسدًا، وإلى ما يسمى لعبًا كما هو معروف في الأصول.

وإن تساوت الاحتمالات فهو المعروف بـ (المجمل) ويجب التوقف عنه حتى يوجد دليل يعين الاحتمال المقصود، فلو قالت بينةٌ:"نشهد أن زيدًا غريم عمرو بألف دينار" فكلامها هذا مجمل؛ لأن الغريم مشترَك بين طالب الدَّين والمطلوب به؛ واللفظ محتمل لكلا الاحتمالين دون ترجح. وكما لو قيل: "عدا اللصوص على عين زيد" فإنه يحتمل أن تكون عينه الباصرة عوَّرُوها، وأن تكون عينه الجارية غوَّرُوها، وأن تكون ذهبه وفضته انتهبوها.

فإذا علمت هذا التقسيم فاعلم أنا نريد أن نطبقه على المفهوم الظاهر المتبادر من آيات الصفات وأحاديثها، فنتساءل ونقول: أرأيتم إذا أثنى الله على نفسه المقدسة الكريمة بصفة، فما هو الظاهر المتبادر إلى أذهان المسلمين من مفهومها، أهو تشبيه الخالق بخلقه حتى يُلجأ

= حديث رقم (2258) 4/ 437، وأطرافه في (6977، 6978، 6980).

(1)

أخرجه البخاري في البيوع، باب: بيع الشريك من شريكه، حديث رقم (2313) 4/ 407، وأطرافه في:(2214، 2257، 2495، 2496، 6976)، وأخرجه مسلم في المساقاة، باب: الشفعة، حديث رقم (1608) 3/ 1229 بلفظ مغاير.

ص: 70

ذلك إلى التأويل؟ أو هو مجمل محتمل للتشبيه والتنزيه احتمالًا متساويًا؟ أو الظاهر المتبادر هو تنزيه الله عن مشابهة خلقه أكمل تنزيه وأتمه؟

الجواب طبعًا: أن كل وصف وصف الله به نفسه فظاهره المتبادر منه أنه بالغ من غايات الكمال والجلال ما يقطع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات الخلق، ولا ينكر عاقل أن الظاهر المتبادر هو منافاة الخالق لخلقه في صفاتهم وذواتهم وأفعالهم، وكيف يشبه الخلق خالقه والخلق أثر من آثار قدرته وإرادته؟

فعلينا جميعًا أن نصدق ربنا فيما وصف به نفسه، ونصدق نبينا في ذلك، وننزه ربنا عن مشابهة الخلق على نحو {لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)} [الشورى: 11].

ومن ذلك: أن كثيرًا من المتسمين بالإسلام لا يحققون المفهوم الصحيح لكلمة (لا إله إلا الله) وهي مركبة من نفي وإثبات، فمعنى نفيها: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله تعالى في جميع أنواع العبادات، ومعنى إثباتها: إفراده - جل وعلا - بالعبادة وحده، وهي التقرب إليه بما شرع بإخلاص على وجه المحبة والذل والخضوع.

والذي نريد أن نقوله هنا: هو أنَّا يجب علينا أن نعلم أن كل أمْرٍ أمر الله بالتقرب به إليه فهو حقه الخالص له -جل وعلا-، وإخلاصنا له في حقه - جل وعلا - هو عين المحبة والتعظيم لنبينا صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز صرف شيء من ذلك لغيره تعالى، وعنوان المحبة الصادقة لله ورسوله هي طاعة سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ

ص: 71

فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31]{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80].

لو كان حبك صادقًا لأطعته

إن المحب لمن يحب مطيع (1)

قالت وقد سألت عن حال عاشقها

بالله صفه ولا تنقص ولا تزد

فقلت: لو كان رهن الموت من ظمأ

وقلتِ: قف عن ورود الماء لم يرد (2)

ومن ذلك: ما تلفقه الدعاية المغرضة ضد دين الإسلام من أنه ينافي التقدم في ميادين الحياة، ولا يساير التطور الجديد، وهذه الدعاية - مع الأسف - راجت في الأكثرية من شباب أبناء المسلمين، وجعلتهم يحاولون التخلص من الدين بكل الوسائل ليحصلوا على التقدم الذي تتطلبه الأوضاع الراهنة للحياة البشرية، ومعلوم أن العقل الساذج إذا لم يُنَوَّر بنور المعرفة فَأسَرَتْهُ المفاهيم الزائفة فأغوته عن قصد السبيل، فالتبست عليه النسب القائمة بين المعقولات، ألا ترون أن المدلول عليه بدلالة المطابقة من لفظة "البياض" ينافي في حقيقته ومفهومه المدلول عليه بالمطابقة من لفظ "البرودة"؟ فكل مفهوم مطابقي ثبت له أنه معنى

(1) البيت في تاريخ دمشق (13/ 379).

(2)

البيتان في ديوان يزيد (ص 83)، وفي قِرَى الضيف (ص 118)، والمستطرف (2/ 385)، والمدهش لابن الجوزي (ص 314)، بدائع الفوائد (3/ 216).

ولفظهما هناك:

قالت لطيف خيال زارها ومضى

بالله صفه ولا تنقص ولا تزد

فقال: خلفته لو مات من ظمأ

وقلت: قف عن ورود الماء لم يرد

قالت: صدقت الوفا في الحب شيمته

يا برد ذاك الذي قالت على كبدي

ص: 72

البياض انتفى عنه ضرورة أنه معنى البرودة كعكسه، والبياض أيضًا ينافي في حقيقته ومفهومه السواد، فكل مفهوم مطابقي ثبت له أنه معنى البياض انتفى عنه ضرورة أنه معنى السواد كعكسه، وكذلك الكلام فإنه ينافي في حقيقته ومفهومه السكوت، فكل مفهوم مطابقي ثبت له أنه معنى السواد انتفى عنه أنه معنى الحلاوة كعكسه، وكذلك الكلام فإنه ينافي في حقيقته ومفهومه السكوت، فكل مفهوم مطابقي ثبت له أنه معنى الكلام انتفى عنه أنه معنى السكوت كعكسه، كما أن الكلام ينافي في حقيقته ومفهومه القعود، فكل مفهوم ثبت له أنه معنى الكلام انتفى عنه أنه معنى القعود، ولكن منافاة البياض للسواد ليست كمنافاة البياض للبرودة، فإن السواد والبياض ضدان يستحيل اجتماعهما في نقطة بسيطة من اللون، بخلاف البياض والبرودة فلا تضاد بينهما، فيجوز أن يكون الجرم الواحد أبيض من جهة باردًا من جهة أخرى كالثلج، ومنافاة السواد للبياض ليست كمنافاة السواد للحلاوة، ولا مانع من كون الجرم الواحد أسود من جهة حلوًا من جهة أُخرى كالتمرة السوداء، بخلاف البياض فإنه لا يجامع السواد في وقت واحد من جهة واحدة لاستحالة اجتماع الضدين. ومنافاة الكلام للسكوت ليست كمنافاة الكلام للقعود، فلا مانع من أن يكون الشخص الواحد قاعدًا من جهة متكلمًا من جهة أُخرى، ولا يجوز أن يكون ساكتًا متكلمًا في وقت واحد. ومن المعلوم أن المتقابلين لا يجتمعان سواء كانا نقيضين أو ضدين أو متضايفين أو عدمًا وملكة، بخلاف الخلافين فلا مانع عقلًا من اجتماعهما كما رأيت أمثلة ذلك.

وإذا علمت هذا فاعلم أن الدعاية المغرضة ضد الإسلام خيلت

ص: 73

للسذج من ذويه أن النسبة بين التقدم وبين التمسك بالدين هي النسبة بين المتقابلين الذين لا يمكن اجتماعهما كالسواد والبياض، فسببت تلك الفلسفة السوفسطائية انسلاخ خلق لا يحصى من دين الإسلام حين اعتقدوا أنه ينافي التقدم منافاة المتقابلين، حرصًا منهم على التقدم المزعوم وتفضيلًا له على الدين، ولو علموا الحقيقة لعلموا أن النسبة بين التقدم والتمسك بالدين لها نظران من جهتين:

الأولى: النظر إليها بحكم العقل مجردًا عن نصوص الوحي.

الثانية: النظر إليها بحكم ما جاء في ذلك من الوحي السماوي.

أما بالنظر إلى الحكم العقلي مجردًا عن النقل فالنسبة بين الدين والتقدم كالنسبة بين البياض والبرودة، فكما أن الجرم الأبيض لا مانع عقلًا من أن يكون باردًا، فكذلك المتمسك بالآداب السماوية لا مانع عقلًا من أن يكون متقدمًا في جميع ميادين الحياة كما عرفه التاريخ للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومتابعيهم متابعة صحيحة.

وأما بالنسبة إلى ما جاء في الكتاب والسنة من وعد الله الصادق للمتمسكين بالدين كقوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} [النور: 55] ونحوها من الآيات الكثيرة والأحاديث، فالنسبة بين التمسك بالدين والتقدم هي النسبة بين الملزوم ولازمه؛ لأن التمسك بالدين على الوجه الكامل الصحيح ملزوم بالتقدم الكامل، والنصر النهائي، والتقدم لازم له، ومعلوم أن النسبة بين الملزوم واللازم لا تعدو أحد أمرين: إما أن تكون المساواة، وإما أن تكون العموم والخصوص المطلق؛ لأن اللازم لا يكون أخص

ص: 74

من ملزومه مطلقًا ولا من وجه، ولا يكون مباينًا له كما هو معلوم، فالإنسان مثلًا ملزوم بالحيوانية والناطقية، وهما لازمان له، وأحد هذين اللازمين مساو له في الماصَدَق وهو الناطق، والثاني أعم منه وهو الحيوان، ومعلوم أن الوحي الصحيح ناقل عن حكم العقل كما هو معروف، فالنسبة بين الأمرين على الحق الذي اقتضاه الوحي المنزل هي النسبة بين الملزوم واللازم.

فانظر كيف استطاع أولئك الأعداء أن يصوروا عند هؤلاء من المتسمين باسم الإسلام نسبة الملزوم للازمه بصورة مضادة أخرى هي نسبة الضد للضد، فقطعوا بذلك صلتهم بربهم ودينهم.

ثم إنا نريد هنا أن نسلط بعض الأضواء على حقيقة الموقف الطبيعي للإسلام والمسلمين من الحضارة الغربية بفلسفة منطقية تترك ليل المسألة نهارًا، وذلك بكشف نقابها واستبانة ما وراء بابها بدليل اصطلاحي متقدم مشهور يسميه علماء الجدل (التقسيم والترديد)، ويسميه علماء المنطق (الشَّرْطِي المنفصل)، ويسميه علماء الأصول (السبر والتقسيم)، ولما كان هذا الدليل العظيم هو السبيل الوحيد إلى إيضاح هذه المسألة إيضاحًا لا يختلف بعده اثنان أردنا أن نشير إليه إشارة، خاطفة ثم نذكر أمثلة له في القرآن العظيم، وآثارًا من آثاره التاريخية، ثم نطبقه على مسألتنا تطبيقًا واضحًا يكشف ظلامها وينير دُجاها.

اعلم أولًا أن مبنى هذا الدليل العظيم على أمرين:

أحدهما: حصر أوصاف المحل بطريق من طرق الحصر،

ص: 75

كالعقل، والاستقراء، وهذا هو المعبر عنه بـ (التقسيم).

والئاني: اختبارها بعد الحصر اختبارًا صحيحًا يتميز به فاسدها من صحيحها، وهو المعبر عنه بـ (السبر)؛ لأن السبر في لغة العرب هو الاختبار.

والأصوليون يستعملون هذا الدليل في استنباط علة الحكم الشرعي بطريق من طرق الحصر، ثم يبطلون الباطل منها بطريق من طرق الإبطال المعروفة عندهم، ويبقون الصالح منها للتعليل كما هو معلوم في محله.

والمنطقيون يستخدمون هذا الدليل لغرض آخر وهو استنتاج وجود النقيض من عدم نقيضه، أو عدمه من وجوده، أو استنتاج عدم الضد من وجود ضده، ونحو ذلك كما هو مفصل في أقسام قياس الشَّرْطِي المنفصل الثلاثة، كما هو معلوم في محله.

والجدليون يستعملون هذا الدليل لإفحام الخصم وإقناع القاصر عن الدليل، فيحصرون الأوصاف ويسبرونها بعد الحصر فيتبين صحيحها من فاسدها.

وسنذكر هنا أربعة أمثلة لهذا الدليل في القرآن العظيم كل واحد منها فيه إفحام لبعض المجادلين من الكفار:

الأول منها: قوله تعالى ردًّا على الذين قالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} [ص: 5]: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَيءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35)} [الطور: 35] فكأنه يقول لهؤلاء المنكرين توحيده في عبادته: لا يخلو الأمر بالتقسيم

ص: 76

الصحيح من واحدة من ثلاث حالات:

الأولى: أن يكونوا خُلقوا من غير خالق خلقهم أصلًا.

الثانية: أن يكونوا خلَقُوا أنفسهم.

الثالثة: أن يكون لهم خالق غير أنفسهم هو ربهم ومعبودهم الواحد جل وعلا.

وإذا رجعنا إلى هذه الأقسام الثلاثة -التي انحصرت فيها الأوصاف بالسبر- وجدنا الأولين منها باطلين بطلانًا ضروريًا لا يحتاج إلى دليل، فتعين صحة القسم الثالث وهو أنهم خلقهم خالق هو ربهم ومعبودهم.

فدلالة هذا السبر والتقسيم على عبادة الله وحده قطعية، وقد عُرف في الآية القسم الصحيح من الأقسام لظهوره؛ ولأنه ذكر في آيات أخرى.

"وحذف ما يعلم جائز"(1).

المثال الثاني والثالث: هما المذكوران في سورة البقرة وسورة مريم، فإن الله -تعالى- أبطل في كل واحدة من السورتين الكريمتين المذكورتين مقالة كاذبة بهذا الدليل بعينه، وحذف في كلا الموضعين بعض الأقسام، وما حُذف في كل واحد منهما أُثبت في الآخر ليدل الثابت على المحذوف في كل الموضعين.

(1) من ألفية ابن مالك (ص 18) وهو جزء من بيت، وتمامه:

وحذف ما يعلم جائز كما

تقول زيد بعد من عندكما

ص: 77

أما المقالة التي كذبها الله -جل وعلا- بهذا الدليل في سورة البقرة: فهي قول اليهود: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} فقد قال تعالى ردًّا عليهم: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80)} [البقرة: 80] فكأنه يقول لهم: لا يخلو مستندكم في دعواكم أن النار لن تمسكم إلا أيامًا معدودة من واحدة من ثلاث حالات:

الأولى: أن يكون الله أعطاكم عهدًا بذلك، فإنه لا يخلف الميعاد.

الثانية: أن تكونوا اطلعتم على الغيب فعلمتم أن الله كتب ذلك على اللوح المحفوظ أن النار لن تمسكم إلا أيامًا معدودة.

الثالثة: أن تكونوا قلتم ذلك افتراء وكذبًا على الله.

وإذا رجعنا إلى الأقسام الثلاثة وجدنا الأولين باطلين بطلانًا ضروريًا، فتعين صحة الثالث وهو أنهم قالوا ذلك كذبًا وافتراء دون علم.

وقسم اطلاع الغيب المحذوف في آية البقرة هذه مذكور في مريم في الدليل المذكور بعينه في رده تعالى بالدليل المذكور على العاص بن وائل (1) في قوله له: {لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا} [مريم: 77] فإن الله قال

(1) نزول الآية فيه أخرجه البخاري في التفسير، باب {أَفَرَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَال لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77)} . حديث رقم (4732) 8/ 429، ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم، باب سؤال اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح. حديث رقم (2795) 4/ 2153.

ص: 78

ردًّا عليه: {أَطَّلَعَ الْغَيبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78) كَلَّا} [مريم: 78، 79] فحذف في مريم القسم الصحيح الذي هو أن الجميع كاذبون

المشار إليه في البقرة بقوله: {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80)} [البقرة: 80].

فالحاصل أن التقسيم الصحيح يحصر الأوصاف في ثلاثة: هي العهد من الله بذلك، واطلاع الغيب، والكذب على الله، اثنان باطلان، وواحد صحيح بالسبر الصحيح، وقسم اطلاع الغيب محذوف في البقرة مثبت في مريم، وقسم الكذب محذوف في مريم مثبت في البقرة، فكانت المثبت دليلًا على المحذوف في كلا الموضعين.

وسنذكر الآن إن شاء الله تعالى أثرين تاريخيين من آثار هذا الدليل العظيم:

الأول منهما: أثره في العقائد، وذلك هو ما ذكره الخطيب في تاريخ بغداد وغيره مما يدل على أن أول مصدر تاريخي لكبح جماح المحنة العظمى -أعني محنة القول بخلق القرآن- هو هذا الدليل العظيم؛ وذلك أن محنة القول بخلق القرآن نشأت في أيام المأمون واستمرت في شدتها على ساق وقدم أيام المعتصم والواثق حتى أزالها الله على يد المتوكل، وقد عُرف في التاريخ ما أصاب العلماء فيها من الأذى والضرب والقتل حتى اضطر كثير منهم إلى المداهنة بالقول خوفًا، وقد ضُرب فيها سيد المسلمين في زمانه الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - تغمده الله برحمته وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرًا - في أيام المعتصم ضربًا مبرحًا كما هو معلوم، وقد

ص: 79

ذكر الخطيب في تاريخ بغداد في كلامه على ترجمة أحمد بن أبي دؤاد من طريق محمد بن الواثق ما ملخصه: قال: كان أبي إذا أراد قتل إنسان أحضرنا فجيء بشيخ مكبل بالحديد يريدون قتله -يعني في محنة القول بخلق القرآن- فقال للواثق: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال: لا سلمك الله. فقال الشيخ: بئسما أدبك مؤدبك يا أمير المؤمنين، قال الله تعالى:{وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86] والله ما حييتني بأحسن منها ولا رددتها. وقال الواثق: ائذنوا لأبي عبد الله وأصحابه -يعني ابن أبي دؤاد- وقال الواثق لابن أبي دؤاد: كلم هذا الشيخ وناظره. فقال ابن أبي دؤاد: ما تقول في القرآن؟ فقال الشيخ: ما أنصفتني -يعني ولي السؤال- فقال له ابن أبي دؤاد: سل. فقال: ما تقول في القرآن؟ فقال: مخلوق، فقال الشيخ: مقالتك هذه التي تدعو الناس إليها هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والخلفاء الراشدون (1)[عالمين بها أو غير عالمين؟ فقال: غير عالمين. فقال: سبحان الله! ! شيء لم يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا الخلفاء الراشدون علمته أنت؟ قال: فخجل! ! فقال: أقلني والمسألة بحالها، قال: نعم] ثم قال له: ما تقول في القرآن؟ فقال: مخلوق. فقال الشيخ: هذا شيء علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنه أو شيء جهلوه؟ فقال ابن أبي دؤاد: هذا شيء علموه فلم يدعوا الناس

(1) في هذا الموضع انقطع التسجيل، وما بين المعقوفين زيادة يتم بها الكلام. انظر: تاريخ بغداد (4/ 152).

ص: 80

إليه. فقال له الشيخ: هلَّا وسعك ما وسعهم؟ فقام الواثق إلى محل خلوته واضطجع وجعل يقول: سبحان الله شيء لم يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء الراشدون علمته أنت؟ سبحان الله شيء علموه ولم يدعوا الناس إليه ألم يسعك ما وسعهم؟ وسقط من عينه ابن أبي دؤاد ولم يمتحن بعد ذلك أحدًا، وأمر بفك القيود عن الشيخ وإعطائه مالًا والإذن له بالانصراف إلى أهله.

وهذه القضية وإن كانت أسانيدها لا تخلو من بعض من لا يُعرف فهي مشهورة عند العلماء متلقاة منهم بالقبول، والاحتجاج بها صحيح لا شك فيه.

ومضمون احتجاج هذا الشيخ على ابن أبي دؤاد هو هذا الدليل العظيم فكأنه يقول: لا يخلو الأمر بالتقسيم الصحيح من أحد أمرين: إما أن يكون النبي وخلفاؤه الراشدون كانوا عالمين بمقالتك هذه، وإما أن يكونوا كانوا جاهلين بها، ثم رجع بالسبر الصحيح إلى القسمين فبين أن ابن أبي دؤاد مرتكب غير الصواب على كل تقدير، فعلى أنهم كانوا عالمين بها ولم يدعوا الناس إليها فله فيهم أُسوة في عدم الدعوة إليها، ولا شك أنه يسعه ما وسعهم، وعلى أنهم كانوا غير عالمين بها فدعواه هو أنه عالم بما لم يعلموا أمرها واضح.

ومن آثار هذا الدليل التاريخية الأدبية: ما ذكروه أن عبد الله بن همام السلولي وشى به واشٍ إلى ابن زياد فدعا ابن زياد ابنَ همام السلولي وقال: ما حملك على أن تقول فيَّ كيت وكيت؟ فقال: أصلح الله الأمير والله ما قلت شيئًا من ذلك! ! فأحظر ابن زياد الواشي وقال: هذا أخبرني أنك قلته. فسكت ابن همام هنيهة ثم قال مخاطبًا للواشي:

ص: 81

وأنت امرؤ إما ائتمنتك خاليًا

فخنت وإما قلت قولًا بلا علم

فأنت من الأمر الذي كان بيننا

بمنزلة بين الخيانة والإثم

فقال ابن زياد: صدقت، وطرد الواشي، ولم يصدر منه سوء للسلولي (1).

والبيتان مضمنان هذا الدليل المذكور، فكأنه يقول: لا تخلو بالتقسيم الصحيح من أحد أمرين: إما يكون ائتمنك على سر فأفشيته، وإما أن تكون قلت ذلك عليه كذبًا وبهتانًا، ورجع بالسبر الصحيح إلى القسمين فوجد الواشي مرتكبًا ما لا ينبغي على كل تقدير؛ لأنه إما خائن لأمانته أو كاذب ذو بهتان.

فإذا عرفت هذا الدليل ورأيت بعض أمثلته في القرآن وبعض آثاره التاريخية، فاعلم أنا نريد الآن أن نوضح به الموقف الطبيعي للإسلام من الحضارة الغربية: اعلم أولًا أن الحضارة الغربية قد دل الاستقراء التام القطعي الصحيح على أن منها ما هو نافع غاية النفع لا غنى عنه للبشر في ميادين الحياة في حالاتها الراهنة وتطوراتها المتتابعة، وذلك ما خدمت به الإنسان من حيث إنه جسد، فقد خدمت الإنسان من ناحية عنصره الجسدي خدمات هائلة ما كانت تدخل في تصور البشر، وتقدمها المادي - في جميع النواحي والميادين - والتنظيمي أظهر من أن يحتاج إلى التنويه عنه، ومنها ما هو ضار غاية الضرر وهو عام بجميع اتجاهاتها الروحية، وهي غنية من جهة الناحية المادية مفلسة من

(1) انظر: مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (14/ 127).

ص: 82

الناحية الروحية، وطغيان المادة على الروح يهدد البشر بخطر داهم، ومن المعلوم أن الإنسان مركب من عنصرين مختلفين في الحقيقة والمفهوم والصفات النفسية، وباختلاف جوهريهما تختلف متطلباتهما، فللجسم متطلبات وللروح متطلبات، ولا يسد أحدها مكان الآخر، فالحضارة استطاعت تحصيل متطلبات الجسم، وعجزت عن تحصيل متطلبات الروح، والعالم إن لم تدبره الروح المهذبة المرباة تربية سماوية على ضوء الوحي الصادر من خالق السموات والأرض كان في خطر وقلق دائمين؛ لأن الروح البهيمية من طبيعتها الافتراس والابتزاز والظلم مهما قدرت، وآثار عدم التربية الروحية الصحيحة ظاهرة في أقطار الدنيا من الكوارث والمصائب وأنواع الظلم الفادح الواقع على كل دولة ضعيفة وكل شعب ضعيف كما لا يخفى.

والذي نريد أن نقوله هنا: هو أن التقسيم الصحيح يحصر موقف الإسلام من الحضارة الحالية في أربعة أقسام لا خامس لها ألبتة:

الأول: أخذها كلها ضارها ونافعها.

الثاني: تركها كلها نافعها وضارها.

الثالث: أخذ ضارها وترك نافعها.

الرابع: أخذ نافعها وترك ضارها.

فنرجع إلى هذه الأقسام الأربعة بالسبر الصحيح فنجد ثلاثة أقسام منها باطلة وواحدًا صحيحًا، أما الثلاثة الباطلة:

فالأول منها: هو أخذها كلها؛ لأن ما فيها من الكفر والإلحاد

ص: 83

والانحطاط الخلقي والتمرد على خالق السموات والأرض أوضح من أن ننوه عنه، ولا يقول بأخذه إلا مطموس البصيرة طمسًا كليًّا.

والثاني من الأقسام الباطلة: تركها كلها؛ لأن ما فيها من التقدم المادي والتنظيمي لا يصح التفريط فيه؛ لأن ذلك يؤدي إلى العجز الدائم والتواكل والتكاسل، ويخالف الأمر السماوي في قوله تعالى:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60].

والثالث من الأقسام الباطلة: أخذ ضارها وترك نافعها، وهذا لا يفعله من يصدق عليه اسم العاقل.

الرابع وهو القسم الصحيح: أخذ النافع منها وترك الضار، وذلك بالسعي البالغ في تحصيل ما اشتملت عليه من الإنتاجات المادية والتنظيمية، وقضية تحصيل ذلك ممكنة مع الجد لا مستحيلة، مع التباعد الكامل عن ما جنته من الكفر والإلحاد والتمرد على نظام السماء الذي وضعه خالق الكون - جل وعلا - على لسان سيد البشر - صلوات الله وسلامه عليه - وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، فإنه لما حاصره الأحزاب في غزوة الخندق وقال له سلمان:"كنا إذا خفنا خندقنا"(1) انتفع في دنياه بتلك الخطة العسكرية - التي هي حفر الخندق - ولم يمنعه من ذلك أن الأذهان التي ابتكرتها أذهان كفار مجوس يعبدون النار. وقد هم صلى الله عليه وسلم أن يمنع وطء النساء المراضع؛ لأن العرب كانوا يظنون أن وطء المرضع يضر بولدها ويضعف عظمه، وفي

(1) تقدم في المحاضرة الثانية.

ص: 84

ذلك يقول شاعرهم (1):

فوارس لم يغالوا في رضاع

فتنبو في أكفهم السيوف

فأخبرته فارس والروم أنهم يفعلون ذلك ولا يضر أولادهم، فأخذ صلى الله عليه وسلم تلك الخطة الطبية من الكفار، ولم يمنعه من الانتفاع الدنيوي بها أنهم كفار. وقد انتفع صلى الله عليه وسلم في سفر الهجرة بخبرة عبد الله بن الأريقط الدؤلي حين دله على الطريق حتى وصل المدينة بسلام (2)، ولم يمنعه من الانتفاع بخبرته الدنيوية كونه كافرًا، وفي المثل:"اجتن الثمار وألقِ الخشبة في النار".

ومن المؤسف أن أكثر المثقفين في الأقطار الإسلامية في جميع أنحاء الدنيا يعكسون القضية، فيأخذون من حضارة الغرب كل ما فيها من إفلاس روحي، وانحطاط خلقي، وإلحاد كفري، وتمرد على نظام السماء الذي وضعه خالق الكون، في الوقت الذي لم يحصلوا فيه على شيء من إنتاجاتها المادية والتنظيمية، فخسروا الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين.

ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا

وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل (3)

فدين الإسلام دين التقدم في جميع ميادين الحياة، ودين تهذيب

(1) تقدم في المحاضرة الثانية.

(2)

كما في البخاري، كتاب مناقب الانصار، باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، حديث رقم (1305) 7/ 230.

(3)

تقدم في المحاضرة الثانية.

ص: 85

الروح التقدمية وتصفيتها من الأمراض المخلة بمعنى إنسانيتها على ضوء تعليم خالق الكون - جل وعلا -.

ومن أراد بعض الأمثلة الرائعة على جمع الإسلام بين التقدم في الميادين والمحافظة على الآداب الروحية السماوية فليقرأ قوله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ)} الآيتين [النساء: 102] فإنك تراه ينظم الخطة العسكرية أحسن تنظيم وأدقه في الوقت الذي يحافظ فيه على ذلك الأدب الروحي السماوي في وقت التحام الكفاح المسلح والرؤوس تنزل عن الأعناق، ألا وهو الصلاة جماعة، في ذلك الوقت الضنك.

واقرأ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45)} [الأنفال: 45] فتراه يأمر بذكر الله وتقوية الصلة به - جل وعلا - عند التقاء الصفين في ميدان القتال، ومن ذلك ما يعتقده الكثيرون من أن الإيمان ليس بسلاح يُقاوم كل سلاح مهما بلغ من التطور.

فنريد هنا أن نلقي الضوء على أن الإيمان هو أعظم سلاح كما شهد بذلك التاريخ القرآني، ألا ترون أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حاصره هو وأصحابه الأحزاب ذلك الحصار العسكري التاريخي العظيم المذكور في قوله تعالى:{إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11)} [الأحزاب: 10، 11] وجميع أهل الأرض في ذلك

ص: 86

الوقت يقاطعون النبي وأصحابه سياسة واقتصادًا، وفي الوقت نفسه غدرت يهود قريظة فلم يبق للمسلمين في ذلك الوقت من أهل الأرض صديق ولا معين، ألا ترون أنهم لم يقاوموا هذا الحصار العسكري التاريخي العظيم في هذا الموقف الحرج إلا بسلاح الإيمان الصادق وصدق الالتجاء إلى الله - جل وعلا -كما قال تعالى عنهم:{وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22)} [الأحزاب: 22] وقد كان من نتائج هذا الإيمان العظيم والتسليم الخالص لله -جل وعلا- ما قصه الله علينا في كتابه في قوله: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَال وَكَانَ اللَّهُ قَويًّا عَزِيزًا (25) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ} يعني من حصونهم {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرًا} [الأحزاب: 26، 27] وهذا الذي نصرهم الله به ما كان بحسبانهم ولا ظنهم كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب: 9].

ولما علم الله - جل وعلا - من أهل بيعة الرضوان ذلك الإيمان والإخلاص الذي نوّه عنه بالاسم المبهم الذي هو اسم الموصول في قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} [الفتح: 18] أي من الإيمان والإخلاص، كان من نتائج ذلك الإيمان ما ذكره في قوله:{وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرًا (21)} [الفتح: 21] فصرح بأن إمكانياتهم العددية والعُددية لا تقدرهم عليها، فأقدرهم الله عليها لإخلاصهم

ص: 87

وإيمانهم.

وفي الختام نقول: إن دين الإسلام صالح لتنظيم أحوال البشرية في جميع أطوارها واتجاهاتها، ومعلوم أن المصالح التي يدور حولها التشريع ثلاثة: الأولى: درء المفاسد، والثانية: جلب المصالح، والثالثة: الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات.

ودين الإسلام متضمن من المحافظة على تلك المصالح ما لا يخفى إلا على جاهل، ومعلوم أن المفاسد التي يُحَاوَل درؤها عن البشر واردة على ستة أشياء على حفظها مدار العدالة والإنصاف في هذه الحياة الدنيا:

الأول منها: الدين، فظلم الإنسان بإضاعة دينه وإفساد عقيدته هو أعظم أنواع الظلم.

والثاني: النفس.

والثالث: العقل.

والرابع: النسب.

والخامس: العرض.

والسادس: المال.

فما في الدين الإسلامي من الأمر بإدخال الناس في الدين بكل الوسائل وقتل المرتدين عنه والزنادقة المضللين ونحو ذلك كله محافظة على دين الإسلام.

ص: 88

ومحافظته على الأنفس معروفة، ومن أجلها شرع القصاص {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179].

ومحافظته على العقول معروفة، ومن أجلها حُرم شرب الخمر، وأُوجب الحد الرادع في ذلك {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ

} الآية [المائدة / 90]"كل مسكر حرام"(1).

(1) هذه الجملة رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة رضي الله عنهم منهم:

1 -

عبد الله بن عمر رضي الله عنه: أخرجه مسلم، كتاب الأشربة، باب بيان أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام، برقم (2003) 3/ 1587.

2 -

أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا المسكر، برقم (242) 1/ 354، وأطرافه في (5585، 5586)، ومسلم في الأشربة، باب بيان أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام. برقم (2001) 3/ 1585 بلفظ (كل شراب أسكر فهو حرام).

3 -

جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أخرجه مسلم في كتاب الأشربة، باب بيان أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام، برقم (2002) 3/ 1587.

4 -

أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: أخرجه البخاري في المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل ججة الوداع، برقم (4343، 4344، 4345) 8/ 62، وأطرافه في (6124، 7172)، وأخرجه مسلم في الأشربة، باب بيان أن كل مسكر خمر، وكل خمر حرام، برقم (1733) 3/ 1586.

5 -

بريدة رضي الله عنه أخرجه مسلم في الأشربة، باب النهي عن الانتباذ في المزفت. حديث رقم (977) 3/ 1585.

وفي الباب - في غير الصحيحين - عن ابن مسعود، وأشج عبد القيس، وأبي هريرة، وعمر بن الخطاب، وأبي وهب الجيشاني، ووائل بن حُجر، وابن عباس، وأنس، وعبد الله بن عمرو، وقيس بن سعد بن عبادة، وبريدة، وفيروز بن الديلمي، وأبي سعيد الخدري، وعلي، وعبد الله بن المغفل، =

ص: 89

ومحافظته على الأنساب معروفة ولأجلها شرع تحريم الزنا لئلا تختلط أنساب المجتمع، وأوجب الحد فيه {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32)} [الإسراء: 32] {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا} [النور: 2] ومن أجل المحافظة على النسب أوجب العدة على النساء عند المفارقة لئلا يختلط ماء رجل بماء رجل آخر في رحم امرأة {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ} الآية [البقرة: 234] ومن أجل ذلك منع سقي زرع الرجل بماء غيره، فمنع نكاح الحامل حتى تضع حملها {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4].

ومحافظته على الأعراض معروفة، ومن أجلها شرع حد القذف مع رد شهادة القاذف والحكم بتفسيقه {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إلا الَّذِينَ تَابُوا} [النور: 4، 5].

ومحافظته على المال معروف، ومن أجلها أوجب حد السرقة {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا} الآية [المائدة: 38] فتلك اليد التي خلقها الله وجعلها ببديع صنعه في غاية الاستعداد إلى مزاولة الأعمال النافعة لتكون أداة فعَّالة في نفع الدنيا والآخرة لما مدت أصابعها الخائنة الخسيسة إلى هذه الرذيلة التي هي في غاية الانحطاط والخسة أمر الله بإزالتها كعملية تطهيرية كإزالة عضو فاسد لتصح بإزالته

= وقرة بن إياس، وميمونة رضي الله عنهم أجمعين.

ص: 90

بقية البدن؛ ولذلك إذا قطعت يد السارق طهر جميع بدنه من النجاسة المعنوية الروحية التي لطخته بها تلك اليد الخائنة، وقد ثبت في الصحيحين (1) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن الحدود الشرعية كفارات ومطهرات من تلك الرذائل كما هو معروف.

ومحافظة دين الإسلام على جلب المصالح معروفة، ألا ترون أن أطول آية في المصحف الشريف هي آية الدَّين؟ فانظروا كيف علَّم الله خلقه فيها كتابة الوثائق وإشهاد البينات؛ لئلا يضيع كبير ولا صغير من أموالهم، وفتح لهم الأبواب، ورسم لهم الخطط الحكيمة لاستجلاب ما ينفعهم من جميع النواحي، وأمرهم بمكارم الأخلاق وحسن المعاملات، وبين لهم أصول الاقتصاد.

ومن المعلوم عند جميع العقلاء أن مسائل الاقتصاد راجعة إلى أصلين:

الأول: حسن النظر في طريق اكتساب المال.

والثاني: حسن النظر في صرف المال في مصارفه.

والدين يوضح ذلك كله على ضوء تنظيم خالق البشر لوجوه الاكتساب ووجوه الصرف في حدود معروفة معينة، فيمنع الاكتساب المنطوي على ما لا ينبغي، كقوله:{وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] ومنع

(1) أخرجه البخاري في الحدود، باب: الحدود كفارة. حديث رقم: (6784)، 12/ 84، ومسلم في الحدود، باب: الحدود كفارة لأهلها. حديث رقم (1709) 3/ 1333.

ص: 91

الصرف فيما لا ينبغي، كقوله:{فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيهِمْ حَسْرَةً} [الأنفال: 36].

والقصد الإشارة إلى رؤوس أقلام من المسائل؛ لأن المقام لا يسع كمال البحث، وتبيين أن دين الإسلام هو الرابطة العظمى التي تجمع المفترق، وتؤلف المختلف، وتلم الشعث، فتجعل بعضنا أولياء بعض، فالمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، وتجعل الله ولينا، والصالحين منا أولياء الله، وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} [المائدة: 55] {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 257]{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)} [يونس: 62] وتجعل الملائكة أولياءنا {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}

إلى قوله {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الآية [فصلت / 31].

ولأجل هذه الولاية الإيمانية بيننا وبينهم دعوا لنا ذلك الدعاء القرآني العظيم {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} [غافر: 7] إلى آخر الدعاء.

ويبين لنا أن جميع الروابط تتلاشى أمام هذه الرابطة السماوية {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22] إذ لا رابطة نسبية أعظم من رابطة الآباء والأبناء والإخوان والعشائر، وقد رأيت تلاشيها أمام رابطة الإيمان، فالدين الإسلامي مع ذلك لا ينكر أصل الروابط، ولا يريد إذابة الأسرة النسبية وأواصر القرابات، فقد

ص: 92

خصص بالميراث القرباء مراعاة لتلك الرابطة، وأوجب صلات الأرحام وشدد في قطعها مراعاة لتلك الرابطة، ولا ننكر أن الله -جل وعلا- قد نفع بعض رسله الكرام بعصبيات نسبية لا تَمُتُّ إلى الدين بصلة، وجعل لذلك آثارًا حسنة على الإسلام وأهله، قال تعالى:{أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6)} [الضحى: 6] يعني آواك بأن ضمك إلى عمك أبي طالب وذلك بعصبة نسبية لا تمت إلى الدين بصلة، وقد بين الله لنبيه أن ذلك منَّة منه عليه، ومن آثار تلك القرابة النسبية قول أبي طالب (1):

والله لن يصلوا إليك بجمعهم

حتى أوسد في التراب دفينا

فقد عرف النبي صلى الله عليه وسلم هذه القرابة النسبية لبني المطلب بن عبد مناف، فإنهم ناصروا الهاشميين مناصرة عصبية لا دينية كما هو معلوم؛ ولذلك لما قسم صلى الله عليه وسلم خمس غنيمة خيبر جعل نصيب ذي القربى من الخمس لبني هاشم وبني المطلب، ومنع منه إخوتهم الآخرين من بني عبد شمس وبني نوفل؛ لأن أولاد عبد مناف بن قصي أربعة: هاشم، والمطلب، وعبد شمس، ونوفل، ولما جاء عثمان بن عفان وجبير بن مطعم يكلمان النبي صلى الله عليه وسلم في إعطائه بني المطلب من الخمس دون بني عبد شمس وبني نوفل بين لهم أن المطلبيين لم يفترقوا مع الهاشميين في جاهلية ولا إسلام (2)، ومعلوم أن عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. وجبير بن مطعم بن عدي بن

(1) البداية والنهاية (3/ 42).

(2)

كما في البخاري: فرض الخمس، باب من الدليل على أن الخمس للإمام، حديث رقم (3140) 6/ 244، وأطرافه في (3502، 4229).

ص: 93

نوفل بن عبد مناف. وقد قال أبو طالب في لاميته المشهورة (1):

جزى الله عنا عبد شمس ونوفلًا

عقوبة شر عاجل غير آجل

ميزان قسط لا يخيس شعيرةً

له شاهد من نفسه غير عائل

وقد نفع الله بالرابطة النسبية نبيه شعيبًا ونبيه صالحًا، قال تعالى عن قوم شعيب:{قَالُوا يَاشُعَيبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَينَا بِعَزِيزٍ} [هود: 91] وقال في قوم صالح: {قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49)} [النمل: 49] ولما كان لوط ليس له في قومه عصبة ظهر فيه أثر ذلك حتى قال ذلك الكلام المحزن: {قَال لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80)} [هود: 80].

فالإسلام هو رابطتنا الحقة التي تجعلنا كالجسد الواحد، ولا ينافي ذلك أن لكل منا بعض الروابط الخاصة في حدود الدين الحنيف، فإذابة معنى الأسرة إذابة كلية أقرب إلى الشيوعية منه إلى الإسلام، أما رابطة الإسلام فهي التي يُنادى بها، ولا يجوز أن يُنادى بغيرها محاولة للقضاء على الروابط السماوية التي هي الرابطة حقًّا، وكل تضامن يخالفها فهو باطل، والله تعالى يقول:{وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13] أي: لئلا يتعصب كل شخص.

(1) وهي في البداية والنهاية (3/ 53 - 57)، الأضواء (2/ 363).

ص: 94