الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[1] تفسير الآيات (21 - 24) من سورة البقرة
(1)
أعوذ بالله من الشَّيطان الرجيم، يقول الله جلَّ وعلا:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)} [البقرة / 21 - 24].
تلونا عليكم هذه الآية الكريمة من أول سورة البقرة، وإن كان الكلام عليها لا يسعه يوم ولا بعض يوم، إلَّا أنا يزيد أن نذكر حولها نماذج يستبين بها النَّاس بعضًا من أضواء القرآن.
أولًا: ننبه إخواننا على فضل القرآن العظيم؛ لأنَّ فيه جميع خير الدُّنيا والآخرة، فعلينا جميعًا أن نتدارسه ونتعلمه، حتى نعتقد عقائده، ونحل حلاله، ونحرّم حرامه، ونتأدب بآدابه، وننزجر بزواجره، ونتربى بما فيه من مكارم الأخلاق، وأن نتعظ بما فيه من العبر، والمواعظ، والأمثال، وقصص الأمم الماضية.
الله -جل وعلا- في هذه السورة الكريمة -التي تلونا منها هذه الآيات- التي هي سنام القرآن، السورة العظيمة التي بين الله -جل وعلا- فيها ومهَّد فيها جميع دين الإسلام، ذكر فيها أخبار الأمم الماضين، وأخبار الجنَّة والنَّار، وأقام فيها براهين العقائد، ومناظرة
(1) من الشريط الأوَّل.
الخصوم، وذكر فيها دعائم الإسلام من صلاة وصوم وزكاة وحج، وذكر فيها العمرة، وأكل الحلال، والأحوال الشخصية من نكاح وطلاق وخُلْع، والمعاملات كالديون والربويات والوثائق والشهادات والرهون، وما جرى مجرى ذلك.
نلفت أنظار إخواننا إلى التَّرتيب الغريب العجيب الذي فعله الله في هذه السورة:
أولًا ابتدأ الله هذه السورة الكريمة بحروف مقطعة {الم (1)} وهذه الحروف المقطعة لا شك أنَّها تُلفت نظر السامع إلى ما يُتكلم به بعدها وتجعله متعطشًا عليه.
والآن ليس مرادنا الكلام على الحروف المقطعة لأنَّه كلام يستغرق الوقت كله، ولكن لما ذكر الله هذه الحروف المقطعة وابتدأ بها هذه السورة العظيمة قال:{ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيبَ فِيهِ} فبين أن هذا الكتاب المشتمل على خير الدُّنيا والآخرة الذي هو النور المبين، والحبل المتين، الذي أوضح الله به العقائد، والحلال والحرام، وجميع خير الدُّنيا والآخرة لا تتطرقه الرِّيب ولا الشكوك؛ لأنَّ معجزته أوضح من أن يتطرق إليه شك.
ومعروف أن للسائل أن يقول: كيف يقول: {لَا رَيبَ فِيهِ} بـ "لا" التي لنفي الجنس، مع أن قومًا ارتابوا فيه وحصل منهم ريب، كقوله في قوم:{وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45)} [التوبة / 45]؟
ونحن نقول: الجواب: أن القرآن بالغ من كمال المعجزة وإيضاح
المعجزة ما لا تتطرقه الرِّيب ولا الشكوك، وإنَّما ارتاب فيه المرتابون لعمى بصائرهم، كما نص الله على ذلك في سورة الرعد:{أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19)} [الرعد / 19].
فصرح بأن من لم يعلم أنَّه الحق إنَّما منعه من ذلك عماه، ومعلوم أن عدم رؤية الأعمى للشمس لا تقدح في كون الشَّمس لا ريب فيها.
إذا لم يكن للمرء عين صحيحة
…
فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر (1)
ثم بعد أن بين أن هذا القرآن لا ريب فيه جعل جميع الأمة التي أنزل إليها هذا المحكم المنزَّل ثلاث طوائف.
جميع الأمة التي أنزل إليها هذا المحكم المنزَّل الذي هو مفتاح الجنَّة ومفتاح النَّار، لا يدخل أحد الجنَّة إلَّا عن طريق العمل بهذا القرآن، ولا يدخل أحد النَّار إلَّا عن طريق الإعراض عنه، قال جل وعلا في المعرضين عنه:{وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ} أي كائنًا ما كان {فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (17)} [هود / 17].
وقال جل وعلا فيمن أُورثوه وعملوا به: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ إِنَّ
(1) البيت في نفح الطِّيب (1/ 68)، وأورده الشَّيخ رحمه الله في دفع إيهام الاضطراب ص 7، وهو في العذب النمير عند تفسير الآية (128) من سورة الأنعام.
اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر / 29 - 32]، فبين أن إيراثه علامة الاصطفاء، ثم قال:{فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيرَاتِ} [فاطر / 32] ثم بيّن أنّ هذا القرآن هو أعظم نعمة {ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)} .
ثم جاء بوعده الصادق: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاورَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33)} [فاطر / 33] الواو في قوله: {يَدْخُلُونَهَا} شاملة للأصناف الثلاثة وعلى رأسهم الظالم لنفسه، وكان بعض العلماء يقول:"حُقَّ لهذه الواو أن تكتب بماء العينين"(1)؛ لأنَّ واو {يَدْخُلُونَهَا} فيها وعد صادق بالجنة للجميع وعلى رأسهم الظالم لنفسه.
وكان بعض العلماء يقول: "ما الحكمة في تقديم الظالم لنفسه قبل السابق والمقتصد، والله حكيم لا يقدِّم إلَّا لنكتة تستوجب التقديم"؟ ! (2).
كان بعض العلماء يقول: هذا مقام إظهار الكرم، فقدَّم الظالم لئلا يقنط، وأخّر السابق بالخيرات لئلا يعجب بعمله فيحبط.
وكان بعض العلماء يقول: أكثر أهل الجنَّة الظالمون لأنفسهم؛ لأنَّ الله يقول: {إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} [ص / 24].
(1) انظر: الأضواء (6/ 165)، العذب النمير (تفسير الآية 47 من سورة البقرة).
(2)
انظر: القرطبي (14/ 349)، الأضواء (6/ 165)، العذب النمير (تفسير الآية 47 من سورة البقرة).
فبدأ بهم لأكثريتهم.
الشاهد أن الله بين في آيات البقرة التي تلوناها أن الأمّة بالنسبة إلى هذا الكتاب المنزل الذي هو أعظم نعمة أنزلها الله من السماء إلى الأرض، وعلمنا أن نحمده على إنزالها في غير ما آية، كقوله في أول سورة الكهف:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1)} [الكهف / 1]، أي: لم يجعل فيه اعوجاجًا كائنًا ما كان، لا من جهة الألفاظ، ولا من جهة المعاني، فألفاظه في غاية الإعجاز والسلامة من العيوب والوصمات، ومعانيه كلها في غاية الكمال، أخباره صدق، وأحكامه عدل {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام / 115] أي: صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأحكام = بين أن الأمة بالنسبة إليه ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى -نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منها-: طائفة آمنت به ظاهرًا وباطنًا، وأبصرت هذا النور، فاهتدت بهذا النور، واتصلت على ضوئه بخالق الكون، فرأت الحق حقًّا والباطل باطلًا، والنافع نافعًا والضار ضارًّا، والحسن حسنًا، والقبيح قبيحًا. قال في هذه الطائفة:{هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة / 2 - 4] ثم أثنى عليهم بقوله: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)} [البقرة / 5].
ثم بين أن هناك طائفة أخرى من الطوائف الثلاث بالنسبة إلى هذا القرآن الذي لا ريب فيه أنَّها طائفة -والعياذ بالله- كفرت به ظاهرًا
وباطنًا، قال فيهم:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)} [البقرة / 6 - 7] وهذه الطائفة -والعياذ بالله- إنَّما عميت من أنوار القرآن لأنَّها خفافيش البصائر، والخفاش لا يرى الشَّمس.
خفافيش أعماها النهار بضوئه
…
ووافقها قِطْع من الليل مظلم (1)
مثل النهار يزيد أبصار الورى
…
نورًا ويعمي أعين الخفاش (2)
كما بينا كما في قوله في سورة الرعد: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19)} [الرعد / 19].
والطائفة الثَّالثة: وهي أخس الطوائف -هي طائفة آمنت به ظاهرًا، وكفرت به باطنًا فكانت من المذبذبين، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وهي طائفة المنافقين، وهي أخس الطوائف، ذكرها الله في قوله:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)} [البقرة / 8 - 10].
(1) البيت لابن الرومي، وهو في ديوانه (1/ 157)، تحقيق حسين نصار، ولفظه هناك:
خفافيش أعشاها نهار بضوئه
…
ولاحمها قطع من الليل غيهب
(2)
البيت في المغني لابن قدامة (13/ 323)، حياة الحيوان للدميري (1/ 296)، صبح الأعشى (2/ 88)، الأضواء (2/ 274).
وأطال في كلامه في هذه الطائفة لأنَّها أخس الطوائف، فضرب لها الأمثال بمثل النَّار ومثل الماء {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} [البقرة / 17] ومثل الماء في قوله:{أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} [البقرة / 19].
ولا يسعنا المقام في أن نتكلم على المثلين لأنَّه يستغرق وقتًا طويلًا.
والشاهد أن الله لمَّا نوه بهذا القرآن العظيم، وبينَ أنَّه الكتاب الأعظم الذي لا ريب فيه، وبيّن أن النَّاس بالنسبة إليه ثلاث طوائف: طائفة طيبة، وطائفتان خبيثتان، ليس المقصود من القرآن في تقسيم هذه الطوائف مجرد تاريخ ولا إخبار، بل مجرد وعظ وإرشاد ليعلم خلقه ويبيِّن لهم أنهم يجب عليهم أن يُسارعوا إلى أن يكونوا من الطائفة الطيبة، ويتباعدوا كل التباعد من الطائفتين، المقصود تنبيه المسلمين على أن يكونوا من المتقين الذين يؤمنون بالغيب ومما رزقناهم ينفقون، وأن يتباعدوا كل التباعد أن يكونوا من طائفة الكافرين أو طائفة المنافقين.
لا شك أن المسلم إذا علم هذا التقسيم من خالق الكون -جل وعلا- أنَّه يتشوف بتعطش إلى الطَّريق التي يجتنب بها الكينونة مع الطائفتين الخبيثتين، والصيرورة مع الطائفة الطيبة، لا شك في هذا؛ لأجل هذا أتبع الله هذا التقسيم بإيضاح كلمتين عليهما مدار خير الدُّنيا والآخرة، وجميع الهدى، والصلة الكاملة بمن رفع هذه السماء ودحا هذه الأرض، وفتح هذه العيون في أوجهكم، ففرق أصابعكم وشدَّ رؤوسها بالأظفار، وأنتم في بطون أمهاتكم من غير أن يحتاج إلى أن
يشقها {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ} [الزمر / 6]. هاتان الكلمتان هما: (لا إله إلَّا الله محمَّد رسول الله). فبدأ بالكلمة الأولى التي هي (لا إله إلَّا الله) وبينها لأنها مركبة من نفي وإثبات، (لَّا إله) نفي، (إلَّا الله) إثبات. ومعنى نفيها: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله في جميع أنواع العبادات، ومعنى إثباتها: إفراد خالق هذا الكون -جل وعلا- بالعبادة.
وأصل العبادة في لغة العرب: الذل والخضوع، وهذا معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول طرفة بن العبد في معلقته (1):
تُباري عتاقًا ناجيات وأتبعت
…
وظيفًا وظيفًا فوق مَوْرٍ مُعَبدِ
أي: مذلل لدوس الأقدام والأرجل.
أما العبادة في اصطلاح الشرع فهي: التقريب إلى خالق هذا الكون بما أمر أن يتقرب له به على الوجه الشرعي على لسان محمَّد صلى الله عليه وسلم مع الخضوع والذل والمحبة، فلا يكفي الذل والخضوع دون المحبة، ولا المحبة دون الذل والخضوع، لأنَّ المحبة إن لم يكن معها خوف كان صاحبها في إذلال وجراءة، فقد يقع في المقام الإلهي بما لا ينبغي إدلالًا بالحب وأمنًا من عدم الخوف، والخوف إذا كان منفردًا عن المحبة كان صاحبه مُبْغِضًا. وهذا كله لا يليق، لا بد من ذل وخضوع من جهة، ومن محبةٍ من جهة أخرى.
هذه الكلمة التي بيّنا معناها جاء الله بإثباتها منفردة في قوله:
(1) شرح القصائد المشهورات (1/ 60).
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة / 21].
وجاء في نفيها في حدة في قوله: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)} [البقرة / 22] وكان أول أمر في المصحف الكريم -إذا نظرت المصحف الكريم أول أمر فيه على التَّرتيب الذي هو عليه- قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا} [البقرة / 21] في هذه الآية التي تلونا من أول سورة البقرة. وأول نهي فيه قوله: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} [البقرة / 22]. فأول [أمر](1) في المصحف يتضمن حظ الإثبات من: (لا إله إلَّا الله). وأول نهي منه يتضمن حظ النفي من: (لا إله إلَّا الله).
ثم إن الله لما بين هذه الكلمة الأولى وأوضحها جاء ببراهينها: بيَّن تفسير جزأيها، ثم ضمنها براهين البعث، وسنتكلم على هذا ونوضحه الآن.
ثم بعد ذلك أقام برهان (محمَّد رسول الله) بعد أن بين (لا إله إلَّا الله) وبراهينها العقلية المضمنة براهين البعث أتبع ذلك بقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة / 23] وهذا برهان الإعجاز؛ لأنَّ إعجاز جميع الخلائق عن أن يأتوا بسورة من مثل هذا القرآن برهان قاطع على أنَّه تنزيل رب العالمين، إذ لو كان من كلام العرب لقدر البشر على محاكاته؛ ولذا لما قال:{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا} قال: {وَلَنْ تَفْعَلُوا} [البقرة / 24] لنفي المستقبل علّق ونفى الشرط المعلق عليه ليدل على أن المشروط لا يأتي أبدًا، ولذا قال:{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} لا يمكن أن تفعلوا، وهذا التعليق والنفي أسلوب بليغ من كلام
(1) الأصل: نهي، وهو سبق لسان.
العرب، ونظيره من كلام العرب قول الخنساء الشاعرة السُّلَمية:(1)
هريقي من دموعك واستفيقي
…
وصبرًا إن أطَقْتِ ولن تُطيقي
ولذا لما قال: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} قال: {فَاتَّقُوا النَّارَ} [البقرة: 24] يعني: فاعلموا أن حجة الله وبرهانه قام عليكم بصدق هذا النَّبيُّ الكريم، وأن هذا المحكم المنزل كلام رب العالمين -جل وعلا- وقد تحداهم هنا بسورة منه قال:{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة / 23] ثم تحدَّاهم في سورة يونس بسورة أيضًا قال: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38)} [يونس / 38] ثم تحدَّاهم في سورة هود بعشر سور قال: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13)} [هود / 13]. ثم قال: {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا} [هود: 14] أي: فتيقنوا علمًا يقينًا {أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)} [هود / 14] ثم تحدَّاهم في سورة الطور به كله قال: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (34)} [الطور / 34]. ثم بين في سورة بني إسرائيل -سورة الإسراء- أن جميع الخلائق عاجزون عن الإتيان بمثله قال: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)} [الإسراء / 88] هذا برهان إعجاز ذكرنا منه نموذجًا خفيفًا ليستدل به السامع على غيره.
(1) ديوان الخنساء (ص 103).
ثم أرْجعُ إلى بيان براهين (لا إله إلَّا الله) فالمشركون يقولون: كيف تجعل الآلهة إلها واحدًا؟ {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عُجَابٌ (5)} [ص / 5] ما البرهان على وحدانية هذا الإله الذي رفع هذا الكون؟ هذا البرهان كرره الله في هذه السورة الكريمة تكريرًا كثيرًا، منه ما قال:{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)} [البقرة / 163]. ثم أتبع هذا بالأدلة العقلية في هذه السورة حيث قال: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَينَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)} [البقرة / 164]. وهنا قال: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} [البقرة / 21]، يعني: من أعظم براهين عبادة الله وحده أنَّه خلقنا واخترعنا من العلم إلى الوجود، وخلقه لنا من غرائب وعجائب صنعه كما نبين منه نموذجا قليلًا هنا: أولًا: الله في القرآن يجعل الفرق والعلامة الفارقة بين من يستحق أن يُعبد ومن لا يستحق أن يُعبد هي الإبراز والاختراع والإبداء من العلم إلى الوجود، فمن يخترعك ويبرزك من العلم إلى الوجود عليك أن تعبده، ومن لا يخلقك فهو محتاج إلى خالق -مثلك- فأنت وهو ملزمان بأن تعبدا من خلقكما، ولذا قال هنا:{اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} [البقرة / 21] وقال جل وعلا: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ} [النحل / 17] لا والله {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16)} [الرعد / 16] وخالق كل شيء هو معبود كل شيء، وهذه الحالة التي خلقنا عليها خالق الكون هي من غرائب وعجائب صنع مَنْ خلقنا، وقد أمرنا أمرًا
واجبًا على كل إنسان منا أن ينظر فيها ويتأمل حيث قال: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5)} [الطارق: 5] هذا أمر واجب من خالق الكون؛ لأنَّ المقرر في علوم المعاني وعلوم الأصول: أن صيغ الأمر الأربعة تدل على الوجوب حتمًا إلَّا إذا صرف عنه صارف، وهذا هو الحق. وصيغ الأمر الدّالة على الوجوب في اللُّغة العربيَّة معلوم أنَّها أربع صيغ:
أولها: فعل الأمر، نحو:{أَقِمِ الصَّلَاةَ} .
الثَّاني: الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، كقوله:{فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24)} [عبس / 24].
الثالث: اسم فعل الأمر، نحو:{عَلَيكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [المائدة / 105].
الرابع: المصدر النائب عن فعله، نحو:{فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} [محمد / 4](فضرب الرقاب) يعني: اضربوا رقابهم.
هذه صيغ الأمر. وصيغة الأمر هنا في {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ} هي تقتضي الوجوب الحتم، {مِمَّ خُلِقَ (5)} ؟ والإنسان له رحلة يجب على المسكين أن يتأملها وينظر فيها ليعلم قدره ويعلم عظمة من خلقه، أمر الله بالنظر فيها في قوله:{فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5)} [الطارق / 5] وبين للخلق ماخلقهم منه قال: {كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ} [المعارج / 39] ترى الذي خلقناكم منه هو الذي تعرفوه.
وقد أوضح الله -تعالى- رحلة الإنسان إيضاحًا يُعرَف الإنسان بنفسه ويُعرفه بربه، ذلك الإيضاح في سورة {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)} وذلك أن هذا الإنسان الذي يطغى ويبغي ويغزو الفضاء ويحاول يتمرد
على نظام السماء، ويعصي من خلق هذا الكون، ابتداء رحلته تراب وماء، أخذ الله ترابًا فبَلَّهُ بماءٍ فصار اسمه طينًا، ثم إن الله نقل هذا الطين من طور إلى طور خُمر حتَّى صار حمأَ مسنونًا، ويُبس حتَّى صار صلصالًا كالفخار، ثم خلق الله بقدرته منه رجلًا لحمًا ودمًا هو الأب آدم عليه صلوات الله وسلامه، فلما خلق هذا الإنسان من هذا التُّراب {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ} [آل عمران / 59]. لما خلق هذا الإنسان من هذا التُّراب خلق امرأته من ضلعه، وقد نص الله تعالى على أنَّه خلق حواء من آدم في ثلاث سور من كتابه: في أول سورة النساء في قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء / 1] النَّفس: آدم، وزوجها التي خُلقت منه: حواء. وقال في سور الأعراف: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [الأعراف / 189]. وقال في سورة الزمر: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [الزمر / 6].
ثم بعد أن صار هناك زوجان رجل وامرأة كان الطور الثَّاني للآدميين هي نطفة مَنِيٍّ تقع في رحم المرأة {مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} [الإنسان / 2] أخلاط من ماء الرجل وماء المرأة، ثم تمكث هذه النطفة في الرحم ما شاء الله، ثم ينقلها الله -جل وعلا- علقة، أي: دمًا جامدًا، ثم ينقل الله هذا الدم إلى مضغة -قطعة لحم على نحو ما يقطعه آكل اللحم ليمضغه- ثم إن الله يحول هذا اللحم إلى هيكل عظام يركب فيه هذه العظام بعضها ببعض، هذه السُلاميات، وهذا البنان، وهذه المفاصل يُركب بعضها ببعض، هذا التركيب الدقيق والصنع الهائل العجيب في كل عضو منا، وهذا الذي ركبه ليس بأخرق كما قال: {نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ
وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ} [الإنسان / 28] الأسر: يعني الشد كما تقول للمرأة: "أَسَرَتْ اخْطيرها"(1) -يقولون بالحسانية- ومعناه: يعني ضم الشيء إلى الشيء وشدّه به شدًا محكمًا {وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ} لو كان الذي شد اليد بالساعد والساعد بالمرفق والبنانة بالبنانة لو كان أخرقًا إذا تحرك الإنسان سقطت يده، أو سقط مرفقه، أو طاح رجله، بل الذي يشدها يشده شدًا محكمًا، ثم إن الله -جل وعلا- يكسو هذا الجسم هذا اللحم ويجعل فيه هذا الدم، ويُجري مجاري البول والغائط يفتحها لتنزل عنها الفضلات، ويفتح مجاري العروق والشرايين ليدير الدم، ويضع كل عضو في محله كالكبد والطحال والكليتين، ويُوَكِّل كلًّا بوظيفته في تدبير الجسم، ويفتح هاتين العينين، ويجعل فيهما هذا النور، ويصبغ بعض العينين بصبغ أسود، وبعضهما بصبغ أبيض، ويفتح هذا الفم ويجعل فيه اللسان، ويودعه هذه الفصاحة، ويُنبع عين الريق العذبة ليأكل بها الإنسان، إذ لو يبس ريقه لما ابتلع الزبد الذائب، ثم إنَّه إذا لم تكن له حاجة في الريق لم يجم لئلا يتعبه التفل [
…
] (2) يعني جُعلت له الأذنان ليسمع، وجعل على هذا التركيب الغريب الهائل [وجعل على هذه الهيئة بطنه، وشهدت](3) العينان حول البطن، والظهر الذي ليس عنده عينان جُعل عظمًا لو ضربه شيء لا يكاد يضر، وجعل في الإنسان من الغرائب والعجائب شيء يكبر العقول، حتَّى إن
(1) أي: شدَّت الهودج أو ما يشبهه مما يوضح على البعير تركبه المرأة.
(2)
في هذا الموضع جملة غير واضحة، والكلام مستقيم بدونها.
(3)
في الأصل جملة غير واضحة، وما بين المعقوفين زيادة يتم بها الكلام.
ما يحتاج إلى قصه دائمًا كشعره وأظافره نُزعت منه روح الحياة لئلا يتعِبَه عند القص. هذا من غرائب وعجائب خالق الكون -جل وعلا- خلقنا على هذا النحو الغريب، وصَور بني آدم على هذه الصورة، جعل الأنف هنا، والعينين هنا، ولم يشتبه اثنان، طبع كل إنسان على صورة مخالفة لصورة الآخر، وهذه الصورة التي وضع عليها كل واحد هي سابقة في العلم الأزلي، ووضع تنفيذًا على نحو ما سبق به العلم، ولو خُلق ملايين الملايين زائدًا على من خُلق لم يضق العلم، فكل واحد توجد له صورة مخالفة لصورة الآخر، حتَّى آثارهم في الأرض وأصوات نغماتهم وبصماتهم في الأوراق كلها مختلفة، هذه صنائع رب العالمين، وهذه أسرار قليلة من أسرار معنى {رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} [البقرة / 21] يعني: فمن فعل فيكم هذا من الأفعال والغرائب والعجائب في كل عضو وكل مطرح إبره هو ربكم الذي يستحق أن تعبدوه. ولا يخفى عليكم أن ربنا فعل فينا هذا من الغرائب والعجائب ونحن في بطون أمهاتنا لم يحتج إلى أن يشق أم الواحد منا، ولا أن يبنجها، ولا ينومها في صحية، بل فعل كل هذه العمليات والمرأة لاهية تفرح وتمرح لا تدري عن شيء مما يُفعل في داخلها من غرائب صنع الله وعجائبه، ثم ييسر طريق الخروج. ونحن دائمًا نذكر هذا لأن الله يلفتنا إليه حيث يقول:{يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ} ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة. {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6)} [الزمر / 6] وهو محل الشاهد، فهذا الذي يفعل هذا الخلق والإيجاد هذا هو الذي يستحق أن يُعبد.
ثم قال: {وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة / 21] أي: وخلق الذين من قبلكم. يعني: اعبدوه لأجل أن تتقوه، أي: أن تجعلوا بينكم وبين سخطه وعذابه وقاية، والوقاية: هي امتثال أمر الله واجتناب نهيه.
ثم زاد في البراهين العقلية: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا} يعني: هذا من غرائب صنعه وعجائب أمره التي تستدعي أن يُعبد وحده ويعلم أنه الرب وحده {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا} [البقرة / 22] وهذا الذي فرش هذه الأرض ليس بأخرق {وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (48)} [الذاريات / 48] جعلها ليست شديدة الاستعداد في أخذ الحر زمن الحر، ولا لأخذ البرودة زمن البرودة، فلو جعل الأرض كلُّها من حديد أو من نحاس أو من رصاص أو قصدير هلك كل من عليها، جعلها رخوة لينة يعيش الخلق عليها، قابلة للزراعات، وأنواع الغراسات، وإجراء العيون والأنهار، وبناء البيوت، ومثبتة موطدة بالجبال، تدفن فيها الأموات كما قال:{أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26)} [المرسلات / 25 - 26] وقوله: {كِفَاتًا (25)} مصدر كفته إذا ضمّه، أي: تكفتكم وتضمكم أحياء على ظهرها وأمواتًا في القبور في بطنها. وهذه الأرض التي فرشها هذا الفرش بث فيها -جل وعلا- من هذه الجبال، وعلى ألوان مختلفة {وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر / 27 - 28] بث فيها من أنواع الحيوانات، والأشجار والثمار وأنواع الحبوب والزروع، والمعادن، والجبال مع اختلاف الألوان والأشكال والمنافع والأقدار والطعوم {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاورَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ
وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)} [الرعد / 4].
ثم قال: {وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} [البقرة / 22] أي وجعل هذه السماء بناءً سقفًا مرفوعًا لا يتفطر ولا يتشقق، ولا يحتاج إلى ترميم ولا إصلاح مع أنَّه تمر عليه آلاف السنين {فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَينِ يَنْقَلِبْ إِلَيكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4)} [الملك / 3 - 4] أي: فاترًا ذليلًا من عظم ما رأى؛ ولذا قال: {وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} .
ثم قال: {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [البقرة / 22] إنزال السماء هذا الماء الإنسان -أيضًا- يجب عليه النظر فيه لأنَّ الله يقول: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24)} [عبس / 24]{فَلْيَنْظُرِ} واجبة كما ذكرنا في الأولى {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24)} يجب على كل إنسان حتمًا أن ينظر إلى طعامه. ومعنى هذا وكأن ربه يقول: أيها الإنسان المسكين الذي تتنطع وتتمرد على نظام السماء انظر الخبز الذي تأكل منه -ولو لم تجده لمت- من هو الذي خلق الماء الذي شرب به وروي حتى نبت؛ أيمكن أن يخلقه غير الله؟ لا، هب أن الماء خُلق من يقدر على إنزاله على هذا الطَّريق والأسلوب الغريب العجيب -رشاش- حتَّى تروى الأرض من غير أن يضر بها الماء؟ فلو كان مُنزلهُ أخرقًا لجعل المطر كله قطعة واحدة، فترك البلاد أثرًا بعد عين! ! ينزله بغاية اللَّطافة {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَينَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} [النور / 43].
هب أن الله -جل وعلا- خلق الماء وأبدعه بقدرته وإرادته ثم أنزله على هذا الأسلوب الغريب العجيب الهائل ورويت الأرض وشربت، من
هو الذي يقدر على أن يشق الأرض ويخرج منها بمسمار النبات؟ هب أن مسمار النبات خرج، من هو الذي يقدر على أن يخرج منه السنبلة؟ هب أن السنبلة خرجت، من هو الذي يقدر على أن ينبت فيها الحب؟ هب أن الحب خُلق، من الذي يقدر على أن ينميه وينقله من طور إلى طور حتَّى يكون تامًّا مدركًا صالحًا للأكل؟ {انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام / 99]؛ ولذا قال جل وعلا:{فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ -يعني: عن النبات-شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا} [عبس / 24 - 28] هذا مِن غرائب وعجائب صنع رب العالمين -جل وعلا-؛ ولذا قال: {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} [البقرة / 22].
فإذا علمتم هذا وعرفتم أن خالق الكون هو الذي رفع هذه السماء، ودحا هذه الأرض، وأبرزكم من العلم إلى الوجود، وأنبت لكم الأرزاق= لا تعادلوا بهذا من لا يقدر على شيء، ولا تصرفوا شيئًا من حقوقه إلى عاجز ضعيف لا يقدر على شيء؛ ولذا قال:{فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} [البقرة: 22] نظراء تصرفون لهم حقوقه في العبادة {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)} أنَّه الواحد الرب وحده، المحي المميت، القادر على كل شيء، الذي يستحق أن يُعبد وحده.
ثم إن ربنا في هذه الآية -التي تلوت عليكم من سورة البقرة وتكلمت لكم كلامًا قليلًا عليها- ضمنها ثلاثة براهين من براهين البعث السائدة في القرآن العظيم؛ لأنَّ المعارك في القرآن بين النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وبين منكري البعث من أعظم المعارك، وإن كانت المعركة العظمى بين
الرسل والأمم في عبادة الله وحده، إلَّا أنهم ينكرون البعث يقولون:{إِنْ هِيَ إلا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35)} [الدخان / 35]{وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29)} [الأنعام / 29]{تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12)} [النازعات / 12]{مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78)} [يس / 78] كل هذا إنكار منهم للبعث، والله -جل وعلا- أكثر في القرآن العظيم من ثلاثة براهين يقيمها -براهين عقلية- على أنَّه يبعث النَّاس بعد الموت، أشار إلى ثلاثة منها في هذه الآية الكريمة التي ذكرناها لكم الآن، وكرر الرابع منها خمس مرات في هذه السورة الكريمة في غير هذه الآية.
أما البراهين الثلاث السائرة في القرآن بكثرة التي أشير إليها هنا: فالأول منها: هو أنَّه خلقنا واخترعنا ابتداءً، المشار إليه في قوله في الآيات التي تلونا:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} [البقرة / 21] يعني: ومن خلقكم أولًا هو قادر على أن يعيدكم ثانية، لأنَّ الإعادة أيسر من الاختراع والابتداء، ولو سألت أطرف عاقل في الدنيا: أي الفعلين أصعب: اختراع الفعل وابتداؤه أولًا، أو إعادته بعد أن فُعل مرَّة أخرى؟ الجواب طبعًا: إعادته بعد الاختراع أسهل من اختراعه. وإن كان الله -جل وعلا- لا يصعب عليه شيء، ولأجل هذا ترى هذا البرهان كثيرًا في القرآن كقوله جل وعلا:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ} [الحج / 5] ولا يكون البعث أبدًا أصعب من الإيجاد الأوَّل من تراب. وكقوله جل وعلا: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى} أي الإيجاد الأوَّل {فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (62)} [الواقعة / 62] أي: من أوجد أولًا قادر على الإيجاد ثانية. وكقوله: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ
خَلْقَهُ قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79)} [يس / 78 - 79]. وقوله جل وعلا: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ} [الروم / 27]{كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَينَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104)} [الأنبياء / 104] وكقوله جل وعلا: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15)} [ق / 15] وكيف يلتبس عليكم الخلق الجديد وأنتم تعلمون الخلق الأوَّل؟ ولأجل هذا قال مخاطبًا للإنسان: {وَالتِّينِ وَالزَّيتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْويمٍ (4)} [التين / 1 - 4] ثم قال مرتبًا على هذا: {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7)} [التين / 7] ما يحملك على أن تكذب بالبعث والجزاء وقد علمت أني خلقتك أولًا؟ وهذا البرهان متكرر في القرآن تكررًا كثيرًا لا يحصى؛ ولذا نص الله في آيات من كتابه على أنَّه لا ينكر البعث إلَّا من نسي الإيجاد الأوَّل، كما قال في قوله جل وعلا:{وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ} [يس / 78] إذ لو تذكّر الإيجاد الأوَّل لعلم أن من أوجد أولًا قادر على أن يوجد ثانية، وكقوله جل وعلا:{وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيئًا (67) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68)} [مريم / 66 - 68] وهذا البرهان كثير في القرآن، وقصدنا التمثيل بآيات متعددة.
البرهان الثَّاني: هو خلق السموات والأرض المشار إليه في قوله: {جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} يعني ومن خلق هذه الأجرام العظيمة الهائلة فمن المعلوم أنَّه قادر على إعادة الإنسان الضعيف المسكين؛ لأنَّ من خلق الأعظم الأكبر قادر بالأولى على أن يخلق
الأضعف الأصغر، وهذا برهان كثير في القرآن، كقوله تعالى:{لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غافر / 57] أي: ومن قدر على خلق الأكبر فهو قادر على خلق الأصغر من باب أولى، وكقوله جل وعلا:{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى} [الأحقاف / 33] لأنَّ مِن خلق الأعظم قادر على أن يخلق الأصغر، وكقوله جل وعلا:{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} [الإسراء / 99] وقد ألقمهم حجرًا في قوله: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَال أَرْسَاهَا (32)} [النازعات / 27 - 32] الجواب: هذا الذي فعل في السماء والأرض أشد وأعظم خلقًا، أي: ومن قدر على الأشد الأعظم فمن باب أولى أنَّه قادر على الأخف الأصغر، وهذا برهان كثير في القرآن، والقصد التمثيل بآيات، وبيان ما اشتملت عليه الآيات من الغرائب والعجائب والإشارات.
الثالث من هذه البراهين: هو إحياء الأرض بعد موتها؛ لأنَّ من أحيا الأرض بعد موتها -تجد الأرض قاحلة ميتة لا نبات فيها مغبّرة، ثم إن الله ينزل المطر فتجدها حية خضراء ترفل في أحسن الحلل من جميع النباتات، فمن أعاد هذا النبات بعد العدم- قادر على إحياء الإنسان بعد العدم، لأنَّ ماجاز على المثل يجوز على مماثله، وهما جرمان كانا معدومين، ومن أوجدهما أولًا أعاد هذا، ونحن نشاهد فنعلم أنَّه قادر على الثَّاني، وهذا برهان كثير أيضًا في القرآن أشير له بقوله هنا:{وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} [البقرة / 22]
والآيات التي يُشار فيها إلى هذا البرهان على البعث كثيرة كقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى} [فصلت: / 39] ومن هذا قوله جل وعلا: {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى} [الأعراف / 57] أي: من قبورهم أحياء كما أخرجنا النبات، وقال جل وعلا:{وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَينَا بِهِ بَلْدَةً مَيتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11)} [ق / 9 - 11] كذلك خروجكم من قبوركم أحياء بعد الموت كما أحيينا الأرض بالنبات بعد الموت، وقال جل وعلا:{فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19)} [الروم / 17 - 19] أي: من قبوركم أحياء بعد الموت، وقال تعالى:{فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (50)} [الروم / 50] والآيات القرآنية في هذا كثيرة جدًّا في كتاب الله والقصد التمثيل.
أما البرهان الرابع على البعث الذي لم يذكر في هذه الآية -الذي بيّنا أنَّه تكرر في سورة البقرة خمس مرات- فهو: ما جاء في القصص الثابتة في القرآن من أن الله أحيا بعض الأموات في دار الدُّنيا والنّاس ينظرون؛ لأنَّ من أحيا نفسًا واحدة بعد أن ماتت فهو قادر على إحياء جميع الأنفس لاستوائها {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [لقمان: 28] من ذلك من المواضع الخمسة قوله في سورة البقرة: {وَإِذْ
قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)} [البقرة / 55 - 56] فمن بعث هؤلاء بعد موتهم كما صرح به في المحكم المنزل قادر على بعث كل إنسان بعد الموت.
الموضع الثَّاني: من المواضع الخمسة: قوله في قتيل بني إسرائيل لما ضربوه ببعض البقرة: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)} [البقرة / 73] كما أحيا هذا الميت وبني إسرائيل ينظرون حتَّى وقف وأوداجه تشخب دمًا وقال: "قتلني فلان" -وهم ينظرون- من أحيا هذا الميت فهو قادر على إحياء جميع الموتى كما أشار له الله بقوله: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى} كما أحيا هذا القتيل وهم ينظرون كذلك يحيى الموتى.
الموضع الثالث: من هذه المواضع: الألوف الذين خرجوا خوفًا
من الطاعون فأماتهم الله جميعًا ثم أحياهم، المذكورون في قوله:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَال لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} [البقرة / 243].
الموضع الرابع: عزير وحماره؛ لأنَّه مكث مائة سنة ميتًا وحماره متمزق العظام، ثم كان ما قصّه الله في قوله:{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَال أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَال كَمْ لَبِثْتَ قَال لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَال بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيفَ نُنْشِرهَا} . وفي قراءة
أخرى (1): {كَيفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَال أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (259)} [البقرة / 259].
الموضع الخامس: طيور إبراهيم حيث قال {رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَال فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيرِ} يذكرون في قصَّة إسرائيلية أن هذه الأربعة: غراب ونسر وديك وطاووس {فَصُرْهُنَّ إِلَيكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا} فرق لحومها وريشها ورؤوسها على الجبال {ثُمَّ ادْعُهُنَّ} فدعاهن فصار الريش يطير إلى الريش، واللحم إلى اللحم، والعظم إلى العظم، والرأس إلى الجثة، حتَّى جاءت تمشي لا بأس عليها؛ ولذا قال:{ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)} [البقرة / 260].
قد ذكرنا من هذه الجُمل أن الله -جل وعلا- رتب في أول هذه السورة الكريمة هذا التَّرتيب العجيب، ونوّه بشأن هذا القرآن العظيم الذي هو النور المبين وفيه خير الدُّنيا والآخرة، ثم بين أن النَّاس بالنسبة إليه ثلاث طوائف:
طائفة آمنت به ظاهرًا وباطنًا.
وطائفة كفرت به ظاهرًا وباطنًا.
وطائفة آمنت به ظاهرًا وكفرت به باطنًا.
وضرب لهذه الأمثال، ثم بين أنَّه ينبغي للمسلمين أن يكونوا من
(1) انظر: المبسوط لابن مهران (ص 151).
تلك الطائفة الطيبة، وأن يتجنبوا أن يكونوا من الطائفتين الخبيثتين.
ثم أشار إلى أن مدار ذلك على تحقيق كلمتين فيهما خير الدُّنيا والآخرة وعليهما قوام السماء والأرض (لا إله إلَّا الله محمَّد رسول الله) فبين الأولى، وفصل نفيها وإثباتها، وجاء ببراهينها القطعيّة مضمنة براهين البعث، ثم جاء بالثانية موضحًا إياها ببرهان الإعجاز. هذه العبادة التي أشير إليها هنا هي فروع كثيرة وأنواع منتشرة، وهي طاعة الله في جميع ما أمر به، وجميع ما نهى عنه، كما قال الله جل وعلا:{فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)} [الكهف / 110].
والقرآن العظيم هو النور والميزان العدل الذيِ يُعرف به الحق من الباطل، والله يقول:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ} [الحديد / 25] وقد بين لنا القرآن ميزانًا نعرف به أعمالنا ومحكًّا ننقد به أعمالنا، فنعرف أزائفة هي أم خالصة، أحق هي أم باطل، وقد بين القرآن العظيم أن المسلم إذا أراد أن يعرض عمله على ميزان يعرف به أعمله صالح أم طالح أن ذلك الميزان يتركب من ثلاثة أشياء، إذا كانت هذه الثلاثة الأشياء موجودة في ذلك العمل فهو عمل صالح كما ينبغي، وإن اختل منها واحد فالعمل طالح غير صالح.
الأوَّل: من هذه الأمور الثلاثة: هو أن يكون ذلك العمل مطابقًا في ظاهر الأمر لما جاء به سيد الخلق محمَّد صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنَّ الله هو الملك الأعظم الجبار لا يقبل أن يتقرب إليه إلَّا طبق ما أمر؛ ولذا يقول: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}
[الشورى / 21]{قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59)} [يونس / 59]{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر / 7]{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء / 80].
الثَّاني: أن يكون الإنسان فيما بينه وبين ربه في داخل نيته التي لا يطلع عليها إلَّا الله أن يكون مخلصا لله في ذلك العمل كما قال الله جل وعلا: {وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة / 5] وقال: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (11)} {فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ} [الزمر / 11، 15]. فمن عبد بغير إخلاص جاء بما لم يؤمر به؛ لأنَّ الله يقول: {وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} .
الثالث: أن يكون ذلك العمل مبنيًّا علي أساس العقيدة والتوحيد الصحيح؛ لأنَّ العقيدة كالأساس والعمل كالسقف، فالسقف إذا وجد أساسًا ثبت عليه، وإن لم يجد أساسًا انهار، والله يقول:{وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [النساء / 124] فيقيد بالإيمان، ثم إنَّه يبين الذين يعملون الصالحات من غير إيمان ويقول:{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23)} [الفرقان / 23] ويقول: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيهِمْ أَعْمَالهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16)} [هود / 15 - 16] والعقيدة الصحيحة التي هي الأساس الذي يبنى عليه العمل ضابطها المنطبق علي جزئياتها هو الاستضاءة بنور هذا القرآن العظيم، لأنَّ العقول مخلوقة قاصرة واقفة عند حدها، والمُعتصَم الوحيد هو نور القرآن العظيم، فما قاله الله
ورسوله وثبت عنهما نقوله، وما لم يقولاه لم نقله، وما أوجباه نعمل به، وما سكتا عنه نتركه، وما فصل فيه الكتاب والسنة نفصل، وما أجمل فيه نجمل، وما سكتا عنه نسكت، ولا نتكلف ما لا نعلم.
ونحن دائمًا نبين في المناسبات أن هنالك مسائل مثلًا كآيات الصفات زلت فيها عقول النَّاس، وضل قوم بالإفراط وقوم بالتفريط، وقوم شبهوا، وقوم عطّلوا، ونحن دائمًا ندعوا أنفسنا وإخواننا إلى طريق القرآن والعروة الوثقى التي لا انفصام لها، وهي التمسك بكتاب الله، وأن استقراء القرآن دل على أن الطَّريق الواضح طريق السلامة في ذلك تتركّز على ثلاثة أُسس كلها في ضوء القرآن العظيم، فمن جاء بها كلها فقد سلك طريق السلف التي كان عليها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه وخلفاؤه الراشدون والقرون المشهود لهم بالخير، ومن أخل بواحد منها فقد أوقع نفسه في مهواة قد لا يتخلص منها. هذه الأسس الثلاثة (
…
) (1).
* * *
(1) في هذا الموضع انقطع التسجيل، وتجد الكلام على هذا الموضوع في المحاضرتين (2، 4)، إضافة إلى مواضع متعددة من (العذب النمير).